إسلام ويب

فتاوى الحج [3]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الرد على المتهكمين بالحجاب والمحجبات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    قبل أن نستكمل الرحلة مع مناسك الحج في سؤال وجواب وبيان حكم الأضحية وأحكام الزيارة إلى المدينة المباركة وما فيها من مخالفات، دفع إلي أحد الإخوة ورقة لكاتب لا داعي أن نذكره وإنما سأقرأ لكم منها نصاً؛ حتى تعلموا أن الهجمة المتعددة على النقاب والحجاب واللحية والأصوليين -كما يسمونهم- وعلى الثوابت الشرعية بصفة عامة الآن على أشدها.

    يقول ذلك الكاتب في مقال بعنوان: ماذا يجري في مصر الآن؟ فما الذي شد انتباهه؟ وما الذي جعله يكتب هذا؟

    ذكر أنه كان يسير على الطريق الدائري فرأى نساءً يلبسن النقاب، فشد الانتباه فكتب: ماذا يجري في مصر؟

    ثم قال: وخلال هذه الجولة الكبيرة الواسعة وقع بصري على عدد كبير من سيدات وفتيات القاهرة الكبرى وكلهن في ملابس حيث الحجاب يغطي الرأس ونصف مساحة الوجه والكتفين والصدر، أمهات وشابات وفتيات على وشك زواج، وبنات في المدارس الثانوية والإعدادية وحتى أطفال في المدارس الابتدائية، وأسأل: هل حدثت هذه الخطوة عفوياً أو بتأثير تنظيم سياسي؟ ومن الذي تولى إقناع كل هؤلاء الناس بارتداء هذا الزي الذي يقال: إنه زي إسلامي؟! كيف تبدو القاهرة على هذا النحو الآن وقد كانت نساء وفتيات مصر يعتبرن في مقدمة نساء العالم العربي في بداية القرن، هل هي نتيجة أوضاع اقتصادية كما يقول البعض: توفير لمصاريف الكوافير والحلاق؟ والعبد لله لا يميل لهذا الرأي؛ لأنني أعرف حب المرأة لزينتها وحرصها على أن تبدو جميلة. هل هي نتيجة طبيعية لنشاط الدعاة الشباب الذين انتشروا في الفترة الأخيرة وتواجدوا بشكل دائم في القنوات الفضائية؟ هل هي رد فعل لحفلات الندب واللطم تحت مسمى الإنشاد الديني وأبطاله مثل الشيخ جبريل والطبيب صلاح الجمل؟

    وأخذ يسب ويلعن الذين ذكرهم، وهذه القضية خطيرة، فهو يقول: ما الذي حدث؟ ولماذا بنات شابات يلبسن هذا وهن على وشك زواج؟ فما الذي جرى للمرأة في مصر؟ فالمرأة في مصر كانت تخرج عارية، فلماذا حجبوها الآن؟ وكأن هذا الرجل تأخذه الرحمة بها، ويرى أنه لابد من بحث المسألة، وأن المسألة تحتاج إلى بحث ومناقشة وجدول أعمال، فهذا يقول: السبب سوء الحالة الاقتصادية. والآخر يقول: لا. الحجاب والنقاب ينتشر في المناطق العشوائية أما في المناطق الارستقراطية فلا! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    أرأيتم إلى خبل كهذا الخبل؟ إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أننا في زمن الرويبضة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الرجل المسكين ظننت أنه سيكتب ماذا جرى لبناتنا من ظهور العورات والتسكع في الطرقات والزواج العرفي والزنا، وظننت أنه سيكتب أن الأعراض تباع وتشترى، إنما الذي يقلق المضجع هو أنه كتب: أن البنات والنساء والفتيات يلبسن زياً ليس على المعرفة، وأن المرأة المصرية كانت في ركاب التقدم والعري فما الذي حدث؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    وأنا أجيبه وأقول له: إن الذي نشر هذا الزي هو الله رب العالمين؛ لأنه هو الذي يملك مفاتيح القلوب وإن أوصدت أنت وأمثالك الأبواب، قال عز وجل: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة:32].

    وهذا الكاتب معروف بأنه يكتب في جريدة قومية مشهورة وهي جريدة الأهرام، ويكتب المقالات الدعابية؛ نسأل الله العفو العافية؛ لأن البعض منهم يريد أن يكون له شأن، ويعتقد أنه لن يكون له شأن إلا إذا وقع في القرآن والسنة، ولكني أقول لإخواني مطمئناً: لا داعي لأن تدفعوا لي هذه المقالات فالأمر كما قال الشاعر:

    لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

    فلو ظللنا نتتبع ما يكتب فلن ننتهي، فآخر مقالة في صوت الأمة فيها: أن رجم الزاني لا يكون إلا في شريعة بربرية همجية. فوصف الشريعة الإسلامية بأنها بربرية همجية في زمن الحضارة والرقي، وهؤلاء يكتبون وهم آمنون كيفما شاءوا ولا حجر عليهم، وهؤلاء هم الذين يقال عنهم: أصحاب الفكر المستنير وأرباب الحضارة والذين يغذون الشباب بالأفكار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    ولكن أقول: دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، ويوم تقوم الساعة: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227].

    أسأل الله أن يثبت بناتنا ونساءنا على النقاب، وأقول لهن: انتشرن في القاهرة الكبرى، فكلما زدتم في العدد تغيظ أهل النفاق، حتى وإن كانت المسألة خلافية في الخمار لكن نقول الآن بوجوب النقاب؛ لأن أهل الفقه الذين قالوا بعدم الوجوب لو كانوا في زماننا لأعادوا النظر فيما قالوا.

    خرج عبد الله بن أم مكتوم الأعمى يوماً مع المجاهدين في سبيل الله للجهاد، فقيل له: لم تخرج وأنت عاجز عن الجهاد؟ قال: أردت أن أكثر جمع المسلمين.

    ونحن نقول: كثروا الجمع، أعفوا اللحى، ونقول للنساء: انتقبن، وأغظن هؤلاء المنافقين في أي مكان؛ حتى يعم الخير ويعود إلى مصر دأبها الذي كان، لا دأبها الذي يريد هؤلاء، ونسأل الله أن يثبتنا على دينه وأن يقبضنا على دعوته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حكم بقاء الحاج في بيته بعد الرجوع من الحج فترة من الزمن

    السؤال: بعض الحجاج عند رجوعهم من الحج يلزمون بيوتهم مدة زمانية لا يخرجون فيها إلى الصلاة ولا إلى غيرها، فما الحكم في ذلك؟

    الجواب: هناك بعض العادات والتقاليد والأعراف التي ينبغي أن نواجهها بقوة وبصراحة؛ لأنها تخالف الشرع، ومن هذه العادات ما يفعله الزوج الحديث عهد بالدخول؛ حيث يمكث بعد ليلة الدخلة لمدة أيام لا يخرج لصلاة، وإن خرج لصلاة الفجر قالوا له: أنت بالأمس تدخل على زوجتك وتخرج للصلاة؟! صل في البيت فأنت في شهر العسل! وهل من أسباب سقوط الجماعة شهر العسل؟! نسأل الله العافية.

    ومن هذه التقاليد أيضاً: إذا جاء الحاج بعد عودته إلى أرض وطنه سالماً يمكث في البيت لا يخرج لمدة أسبوع أو أكثر أو أقل؛ حتى يستقبل الضيوف، وكل ضيف جاء يريد هدية، سبحة أو طاقية، وأنت لن ترضي أي أحد، ولهذا تجد بعض الحجاج منشغلاً جداً بشراء الهدايا كلما ذهب إلى صلاة فرض اشترى، وكلما ذهب إلى فرض آخر اشترى، حتى إن بعضهم بعد أن كبر تكبيرة الإحرام وقف وانشغل بالهدايا فإذا به يقول: ستين إكس لارج! بدلاً من الفاتحة، فالرجل سيطرت على عقله وتفكيره الهدايا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    فأقول: من هذه البدع: أن بعض الحجاج حينما يعود يمكث في البيت لا يخرج لصلاة الجماعة، وصلاة الجماعة واجبة لا تسقط عن المسلم أبداً إلا بعذر من أعذار ترك الجماعة كمرض أو خوف أو قضاء حاجة أو مطر شديد.. إلى غير ذلك، أما أن يمكث في البيت لأنه رجع من الحج فأقول له: اتق الله في نفسك! وهذه الظاهرة ظاهرة غير مقبولة أبداً.

    1.   

    حكم صعود جبل النور للتبرك

    السؤال: ما حكم صعود جبل النور للتبرك، وكذا دخول الغار الذي كان يتحنث فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: هذه أيضاً من المخالفات التي يصر عليها الكثير في مكة، فتجد أحدهم يذهب إلى جبل النور ويصعد الجبل ثم يتبرك بالغار الذي كان يتحنث فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يفعل هذا في القرون المفضلة أحد من الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين، وليس عليه عمل السلف مطلقاً، وإنما هو من الأمور المبتدعة التي ينبغي أن تغير، وينبغي أن نعلم الناس أن هذا المكان ليس من السنة أبداً أن يصعد إليه، بل فعل ذلك ذريعة للشرك؛ لأن التبرك بالأماكن هذه التي لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة لا يجوز أبداً، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم زيارة الحاج المدينة النبوية

    السؤال: هل يلزم الحاج زيارة المدينة أم أن زيارة المدينة ليست من مناسك الحج؟

    الجواب: هذه أيضاً نقطة مهمة؛ فإن البعض حينما يرحل إلى الحج يعتقد أن الحج هو زيارة المدينة، فإن لم يزر المدينة كأنه لم يحج، حتى في العمرة، فمناسك الحج ليس منها من بعيد أو قريب زيارة المدينة أبداً بحال، بل بمجرد أن يطوف طواف الوداع في مكة ويرحل فقد انتهت أعمال الحج، أما زيارة المدينة فهي سنة؛ لأن بها المسجد النبوي الذي تشد إليه الرحال، فالزيارة لأجل طلب الأجر الزائد فيه عن غيره لا لأجل القبر، وإنما زيارة القبر تأتي تبعاً لزيارة المسجد النبوي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)، وهذا الحديث له معنى سنبينه في سؤال مستقل لأهميته؛ لأن هناك أخاً دفع لي من جريدة اللواء الإسلامي مقالاً فيه: الصلاة في المساجد التي بها أضرحة لا هي مكروهة ولا هي محرمة ولا هي ممنوعة. وهذا الكلام يخالف كل آراء الفقهاء، فـالبخاري في صحيحه والحنابلة في فقههم والشافعية في فقههم ما قال أحد منهم: إنها لا مكروهة ولا محرمة ولا ممنوعة.

    يقول البخاري في صحيحه : باب كراهية الصلاة في المساجد التي بها قبور، ثم أورد بعض الآثار عن الصحابة أن بعضهم كان يصلي إلى قبر دون أن يراه، فنبهه آخر وقال له: القبر القبر، فتخطى القبر، والقبر مندس في الأرض، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، وقال: (كل الأرض مسجد إلا المقبرة والحمام) ..إلى غير ذلك من نصوص واضحة تمام الوضوح.

    ولذلك شيخنا الألباني له كتاب اسمه: ( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد).

    فالقبور يا عباد الله لها أماكن تدفن فيها، أما أن يقام المسجد على قبر أو يشيد بداخل المسجد ضريح تشد إليه الرحال ويطاف به وينذر ويذبح له من دون الله ويتبرك عند أعتابه ويشرك بالله فيه فهل هذا هو الدين يا عباد الله؟!

    فالصلاة في المساجد التي بها قبور حرام، وتبطل عند الحنابلة، وإن قصد القبر فهي باطلة بإجماع أهل العلم، ليس منهم أحد قال: إن من قصد القبر صلاته صحيحة، لكن الخلاف فيمن قصد المسجد. فبعضهم قال: صحيحة مع الإثم. وبعضهم قال: باطلة. لكن الأصوليون يقولون: تحرم؛ سداً للذريعة إلى الشرك؛ لأن المسجد يحمل اسم صاحب المقام، وتأتي لصاحب المقام النذور والأموال الطائلة من جيوب المغفلين والسفهاء وتوضع في هذه الصناديق، ولذلك حزنت تمام الحزن حينما كنت في الحرم المدني وكان يتحدث أحد علماء المملكة عن قصة (سيدي جحش بمصر) قال لهم: في مصر (قصة سيدي جحش) أتعرفونها؟ فتعجب الناس، فقال: هو رجل اتفق مع أخيه أن يقيموا مقاماً ثم يقيموا عليه ضريحاً ولم يكن في الضريح إنسان وإنما هو جحش مات، فجعل الناس يطوفون بالمقام، وأطلق عليه (مقام سيدي جحش)، فاختلفوا على صناديق النذور في الأخير فقال أحدهما للآخر: نحن دفناه سواء. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    أرأيتم إلى ما يحدث؟ وتجد امرأة تأتي من آخر الدنيا تستغيث يا بدوي أنا مريضة أسألك الشفاء، وأخرى تأتي وتطلب النجاح لولدها، وثالث يأتي ويطلب تفريج الكرب، والله عز وجل يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62].

    قال شيخ الإسلام : إن كان المسجد أسبق يهدم الضريح، وإن كان الضريح أقدم يهدم المسجد؛ لأنه لا يجتمع مسجد وضريح في مكان واحد أبداً.

    وقد يقول قائل: إن قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، وهذا كلام باطل، ففي عصر الصحابة والتابعين والعصور التي بعد ذلك كان المسجد منفصلاً تماماً عن مكان وجود القبر؛ لأنه دفن في حجرة عائشة إلى أن جاء عهد الدولة الأموية في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان وأقام توسعة للمسجد فأدخل الحجرة ضمن المسجد؛ إذاً: هل في زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان المسجد داخل القبر؟ أبداً والذي نفسي بيده! ولذلك لما رأت الحكومة السعودية هذا أقامت على القبر أربعة جدران حتى تعزل القبر عن حدود المسجد.

    فلا ينبغي أن يستدل بهذا على هذا، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الآداب التي على الحاج مراعاتها عند دخول المسجد النبوي

    السؤال: ما هي الآداب التي يجب على الحاج أن يراعيها عند دخول المسجد النبوي؟

    الجواب: زيارة المدينة مستحبة وسنة لا شك؛ لأنك في المدينة ستزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام وتزور قبر الصديق وقبر عمر رضي الله عنهما وموتى البقيع وشهداء أحد.. إلى غير ذلك من أماكن مباركة في هذه البلاد المباركة التي حرمها نبينا صلى الله عليه وسلم، إنما يسن عند دخول المسجد الحرام: أن تدخل بقدمك اليمنى شأنه كشأن أي مسجد، ثم تصلي ركعتين تحية المسجد، ويسن ويستحب لك أن تصليهما في الروضة المباركة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة).

    وهذا الحديث يرويه البعض (بين قبري) وهذا خطأ فادح، وإنما هو (بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، في هذا المكان المبارك يستحب لك أن تصلي تحية المسجد، والسؤال الآن: هل الصلاة في الروضة أفضل أم الصلاة في الصف الأول؟ يعني: إذا أقيمت الجماعة هل تقف في الصف الأول خارج الروضة خلف الإمام أم تتأخر إلى الصف الرابع وتقف في الروضة؟ والجواب: لا شك أن الصلاة في الصف الأول أفضل إلا في النوافل، فيستحب لك أن تصلي في الروضة، أما الفروض التي لها إمام راتب فالصف الأول نصوصه مقدمة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    ذكر بعض المخالفات التي تقع عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هناك بعض المخالفات تقع عند زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فالرجاء التكرم بذكر هذه المخالفات؟

    الجواب: هذه المخالفات متعددة، منها:

    أولاً: التبرك والتمسح بالأعتاب والحجارة والحديد، وهذا هناك نهي عنه.

    ثانياً: التوجه بالدعاء إلى القبر، والدعاء ينبغي أن يكون إلى القبلة؛ لأن من آداب الدعاء أن تستقبل القبلة، وليس من آداب الدعاء أن تدعو عند قبر، حتى ولو كان قبر سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، فمن السنة عند الزيارة: أن تزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولابد أن تتأدب بآداب الزيارة، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، وهذه الآية مهمة جداً؛ لأنني أجد البعض على المنبر يقول: (محمد) هكذا، فنقول له: اتق الله في نفسك! وتعلم الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز أن يطلق اسمه مجرداً دون أن تقول: رسول الله، أو صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تبارك وتعالى أمرنا ألا ننادي الرسول كما ينادي بعضنا بعضاً.

    ثالثاً: أن تتأدب عند قبره لأن حرمة النبي ميتاً كحرمته حياً، فرفع الصوت عند قبره لا يجوز؛ لذلك عمر رضي الله عنه رأى رجلين يرفعان أصواتهما عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: من أي البلاد أنتما؟ قالا: من الطائف. قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً -فعذرهما للجهل؛ لأنهما لا يعرفان الحكم- أترفعان أصواتكما عند قبر رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

    ولما نزلت هذه الآيات كان الصحابة لا يرفعون أصواتهم عند الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يقول لهم: ارفعوا. أما ثابت ذلك الصحابي الجليل الذي كان يتميز بصوت حاد مرتفع طبيعي فقد حبس نفسه في حجرة وقال: أنا الذي أحبط الله عملي، أنا من أهل النار، أنا الذي أرفع صوتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سأل عنه النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: يا رسول الله فعل كذا وكذا بنفسه. فقال: (قولوا له: إنه من أهل الجنة)، وما خرج إلا لما جاءته البشرى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:3].

    فعند قبر النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن تتأدب بهذه الآداب:

    أولاً: ألا تتبرك بأعتاب ولا بأحجار ولا بستائر.

    ثانياً: أن تسلم عليه في خشوع وبأدب وبصوت منخفض، فتقول: السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وتصلي عليه صلى الله عليه وسلم، فإذا أردت أن تدعو تستدير بظهرك فتجعل الظهر إلى القبر والوجه إلى القبلة؛ لأن الدعاء من آدابه أن تستقبل القبلة لا أن تستقبل القبر.

    ثم تسلم على أبي بكر ثم على عمر رضي الله عنهما وعن أصحاب رسول الله، والله تعالى أعلم.

    1.   

    معنى شد الرحال إلى الثلاثة المساجد

    السؤال: ما هي المساجد التي تشد إليها الرحال؟ وما المقصود بشد الرحال؟ وهل يجوز أن تشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: الحقيقة هذا الحديث فهمه مهم، فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) معناه: أنه لا يوجد مسجد له ميزة على مسجد، وأنك لا تسافر لطلب الأجر الزائد فيه، فمثلاً: ليس هناك أفضلية لأي مسجد في مصر على مسجد آخر، بل كل المساجد الأجر فيها سواء إلا المساجد الثلاثة، وقوله: ( لا تشد الرحال ) أي: أنه لا توجد مساجد يسافر إليها طلباً للأجر الزائد إلا هذه المساجد، وفي يوم الجمعة قد يأتي إنسان إلى مسجد من مكان بعيد، فهو شد الرحال لكنه لم يشد الرحال طلباً لزيادة الأجر وإنما طلباً للخطبة أو لعلم أو لمسألة، وأنت تسافر مثلاً إلى بلدان بعيدة من أجل أن تحضر دروساً فأنت الآن تشد الرحال، وركوبك المترو شد للرحال لا شك في هذا، لكن المقصود بالحديث: ( لا تشد الرحال ) يعني: لا تقطع المسافات لمسجد يطلب فيه الأجر الزائد إلا هذه المساجد الثلاثة.

    فالمسجد الحرام الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، نسأل الله أن يحرره بحوله وفضله.

    وهناك خطأ شائع نقع فيه كثيراً وهو: أننا نقول عن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين. وهذا خطأ بالغ؛ لأن المسجد الأقصى ليس من المساجد الحرام، إنما المساجد الحرام هي مسجد مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أنها مساجد لها حرمة، أي: أن هناك أحكاماً شرعية فيها؛ فلا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، ولا ينفر صيدها.. إلى آخر الأحاديث، فلو أنك وجدت لقطة عند المسجد الأقصى فلك أن تأخذها؛ لأن المسجد الأقصى ليس من الأماكن المحرمة؛ لأن مكة حرمها إبراهيم عليه السلام، والمدينة حرمها النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك بوحي من الله. فلا يقال عن المسجد الأقصى: ثالث الحرمين، وإنما نقول: وثالث المساجد المباركة التي تشد إليها الرحال، فمثلاً: رجل اصطاد في المسجد الأقصى صيداً ما حكمه؟ وهل عليه شيء؟ الجواب: ليس عليه شيء، فكل الأمور التي تجوز في أي مكان تجوز بجوار المسجد الأقصى؛ لأن معنى الحرام: أن له حرمة وله أحكاماً.

    فلا نقول: أولى القبلتين وثالث الحرمين، وإنما نقول: وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال وهي المساجد المباركة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    سماع النبي صلى الله عليه وسلم لمن يسلم عليه

    السؤال: عندما نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ونقول له: جزاك الله خيراً عن المسلمين، وأنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة، فهل يسمعنا؟ وهل الموتى يسمعون؟

    الجواب: مما لا شك فيه أن الأحاديث جاءت تثبت أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم رد الله عليه روحه ليرد عليه السلام، وهو القائل: (أكثروا من الصلاة والسلام علي في يوم الجمعة، قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك وقد أرمت -يعني: مت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) فإن صليت عليه في القاهرة يسمع صلاتك صلى الله عليه وسلم بنص الحديث، إنما سماع الأموات المنفي هو سماع الإجابة، فالبعض يقولون: الأموات لا يسمعون، وهذا كلام غير صحيح، فالموتى يسمعون، يعني: يدركون الصوت وإلا ما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول عند دخول المقابر: السلام عليكم، بكاف الخطاب، ولو كانوا لا يسمعون لقلنا: السلام عليهم، فقولك: (السلام عليكم) يعني: أنك تخاطب من يسمع، ولذلك في الحديث الذي رواه البخاري : (إن الميت يسمع قرع نعل أصحابه عند انصرافهم) فالبعض يقول: يسمع قرع النعل فقط ولا يسمع سوى ذلك، ويتحجر في فهم النص؛ لأنه يريد أن يغلق باب الشرك.

    فالموتى يسمعون لا شك، لكن السمع المنفي عنهم هو سمع الإجابة؛ لأن السمع يأتي على ثلاث معان كما قال ابن القيم : سمع بمعنى إدراك الصوت، وسمع بمعنى الإجابة، وسمع بمعنى الفهم، والقرآن فيه المعاني الثلاثة، أما بمعنى إدراك الصوت فنحو قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1] وأما بمعنى الإجابة فكقولك في الصلاة (سمع الله لمن حمده) أي: استجاب الله لمن حمده، فالسمع هنا بمعنى الاستجابة ومن السمع بمعنى الإجابة قوله تعالى: في سورة الملك: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] فنفوا عن أنفسهم السمع، والسمع الذي نفوه عن أنفسهم هو سمع الإجابة وليس إدراك الصوت، يعني: سمعنا لكننا لم نستجب، وقال عز وجل: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23]، فالنبي صلى الله عليه وسلم يسمع من يسلم عليه قولاً واحداً.

    وأما هل الموتى يسمعون؟ فقد أجبنا عن هذه النقطة، وابن تيمية في فتاواه على أنهم يسمعون، بمعنى: إدراك الصوت لا بمعنى الإجابة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: وهل يجوز شد الرحال خاصة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني: يسافر سفراً مخصوصاً للزيارة؟

    الجواب: كما قلنا قبل -وهذا رأي جل السلف- إن الزيارة تكون للمسجد، وزيارة القبر تبعاً للمسجد، أما أن تشد الرحال خصيصاً لزيارة القبر فأنت لست أكثر حباً لرسول الله عليه الصلاة والسلام من الصحابة والتابعين، فما أثر عن صحابي أو تابعي أو تابع تابعي أنه جاء من أقصى الدنيا لأجل أن يزور القبر، إنما يأتي للمسجد ثم يزور القبر تبعاً للمسجد، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الرد على من يستدل على جواز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر بكون قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده

    السؤال: لقد تكرمتم فضيلتكم بذكر عدم جواز الصلاة في المساجد التي بها قبور، ويورد الكثير من الناس شبهة أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، فالرجاء التكرم بتفصيل الرد على هذه الشبهة؟

    الجواب: يقول رجل منسوب إلى أهل العلم: الصلاة في المساجد التي بها أضرحة لا هي مكروهة ولا هي محرمة ولا هي ممنوعة؛ لأنك تقول: نويت الصلاة لله، وتقول: الله أكبر وتقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، فأنت لم تقل: صاحب الضريح أعلى، ولا صاحب الضريح عظيم، ولا صاحب الضريح أعلى، ولم تقصد في سجودك القبر ولا صاحب القبر، وهنا أريد أن أقول في يقين واطمئنان: إن الكعبة التي يطوف حولها المسلمون ويتجهون إليها في صلاتهم ولا تقبل الصلاة ممن اتجه إلى غيرها سيدنا إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في حجر سيدنا إسماعيل الذي هو جزء من الكعبة والصلاة فيها بمائة ألف صلاة، فهل نمنع المسلمين من الطواف حول الكعبة أو نمنعهم من الاتجاه إليها في الصلاة؟ وإذا أردت المزيد فأدلك على الجزء الأول من سيرة ابن هشام ، قال ابن إسحاق كذا، فلا تجعلوا هذه المسألة مجالاً للجدل والخلاف.

    فهذا الرجل يقول: إن إسماعيل وأمه هاجر مدفونان في الكعبة، فمن الذي حقق هذا؟ هل حقق هو المسألة؟ فهذا الكلام كذب وافتراء، وهب أنهما مدفونان هل سويت الأرض بهما؟ وهل الآن القبر مرتفع أم موازياً لسطح الأرض؟ يعني: هل القبر في استواء مع الأرض أم مرتفع؟ فنحن يمكن أن يكون تحتنا قبور منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة، أليس هذا وارداً؟ وهل كنا هنا منذ عشرين ألف سنة؟ ممكن أن يكون تحتنا خزانات نجاسة فما المشكلة؟ طالما أن الأمر مستتر والأرض مستوية فأنت لا تسأل عن هذا الحكم.

    فدليل هذا العالم أنه يقول: إن هاجر وإسماعيل مدفونان في الحجر ونحن نصلي في الحجر، فهل هذا دليل؟ نحن نتكلم عن الصلاة إلى الأضرحة المرتفعة عن الأرض وعن المسجد الذي يحمل اسم صاحب الضريح ويطاف حوله، فهرب من الإجابة عن هذا إلى كلام لا دليل عليه، وترك النصوص الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وهكذا النصوص الأخرى المبينة لهذه الأحاديث، وكل كلام الفقهاء تركه وجاء بشبهة لأجل هوى في نفسه، فمن الذي قال: إن هاجر مدفونة في الحجر؟ وهذا كما يقولون: إن بنات النبي صلى الله عليه وسلم غير مختتنات، ومن يقول ذلك كذاب! كذاب! فقد كان الرجل عند العرب يعير بعدم ختان أمه، يقول شيخ الإسلام في فتاواه: من لم تكن أمه مختونة يقال له: يا ابن القلفاء! يعني: غير المختونة التي تتطلع إلى الرجال أكثر من غيرها، وفي الأدب المفرد عند البخاري : أسلمت أم المهاجر على كبر سنها مع مجموعة من النسوة فأمر بهن عثمان رضي الله عنه فاغتسلن واختتن، فختان المرأة مكرمة لها، وترى منهم الآن من يقول بحجج واهية، بل إن البخاري يبوب في كتاب الغسل: باب التقاء الختانين، وذكر حديث (إذا مس الختان الختان وجب الغس)، وهذا حديث صحيح لا شبهة فيه، فأقول: أحياناً يتركون الأمور الصريحة البينة وينحرفون إلى شبه باطلة كهذه الشبهة.

    فهل المصلي يقول عند ركوعه: صاحب الضريح أعظم، أو يقول: سبحان صاحب الضريح؟ هل هناك أحد يقول هذا؟ لكننا نقول: هذا مكان للقبر لا يجوز أن تصلي إليه أبداً، ولا أن تتوجه إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك، هذا فضلاً عن الشرك الذي يحدث عند هذه القبور، والله تعالى أعلم.

    وأما قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن في المسجد، وإنما كان القبر في حجرة عائشة مستقلاً عن المسجد تماماً إلى أن جاء عصر الدولة الأموية فوسع الوليد بن عبد الملك بن مروان المسجد وألحق به الحجرة، فالقبر لم يكن في المسجد، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأماكن التي يشرع زيارتها في المدينة النبوية

    السؤال: ما هي الأماكن التي يشرع زيارتها في المدينة النبوية المباركة؟

    الجواب: هذه نقطة مهمة؛ لأن الكثير يزور مسجد الغمامة ومسجد القبلتين وغيرها من المساجد، وهذه المزارات ما أنزل الله بها من سلطان، إنما المسنون أن تزور البقيع وشهداء أحد وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء؛ لأن مسجد قباء فيه حديث صحيح: (من توضأ في بيته ثم أتى قباء وصلى فيه ركعتين كان له كأجر عمرة) والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد قباء ويصلي فيه عليه الصلاة والسلام، فقباء يشرع أن تزوره، وما سوى ذلك من المساجد من البدع أن تزورها؛ لأنه شأنها كشأن سائر مساجد المدينة وليس لها فضل عما سواها، فلا يشرع أن تزور مسجد القبلتين ولا السبعة مساجد ولا مسجد الغمامة ولا غيرها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    تعريف الأضحية وشروطها

    السؤال: ما هي الشروط الواجب توافرها في الأضحية؟ وما حكمها؟ وما هو المشروع فيها؟

    الجواب: هناك حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه نريد أن نعلمه الناس لأهميته، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أهل ذو الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي) والمعنى: إن عزمت على الأضحية فبمجرد أن يهل هلال ذو الحجة يحرم عليك أن تأخذ من شعرك ومن أظفارك شيئاً حتى تذبح، وهذه نقطة مهمة جداً، والنووي يقول بتحريم أخذ الشعر والأظافر.

    وقد يقول قائل: ولماذا نترك الشعر والأظافر هذه المدة؟ والجواب: تشبهاً بالمحرم، وإذا ذبحت فبعد ذلك لك أن تأخذه.

    والأضحية هي: اسم لما يذبح من بهيمة الأنعام من الغنم والبقر والإبل في يوم النحر أو أيام التشريق؛ تقرباً إلى الله عز وجل.

    فلابد أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، وبهيمة الأنعام إما إبل وإما غنم وإما بقر. والأضحية فيها خلاف بين العلماء هل هي واجبة أم سنة مؤكدة؟ فبعضهم يقول: هي واجبة. وبعضهم يقول: هي سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونبينا عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبح الأول وقال: (اللهم إن هذا عن محمد وعن آل محمد) ثم ذبح الثاني وقال: (اللهم إن هذا عن فقراء المسلمين من أمتي) فذبح عليه الصلاة والسلام عن غير المستطيع.

    والذبح لابد أن يكون بعد الصلاة، فمن ذبح قبل صلاة العيد فهو لحم يقربه لأهله، وليست أضحية، ولكنك تجد أن بعض الناس في المدن كالقاهرة والمحافظات الكبرى يذبحون بالليل؛ لأن الجزار عنده مواعيد حجز، فيذبحون بالليل قبل صلاة العيد، وهذه لا تجزئ أضحية، ولا تسمى أضحية، وأيضاً لا يجزئ أن تشتري لحماً من الجزار بدلاً من الأضحية، ولا يجزئ أن توزع نقوداً بدلاً من الأضحية، بل لابد من إراقة الدم في يوم العيد، ويمتد موعد ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد أربعة أيام، فوسع على نفسك يا عبد الله!

    والنبي عليه الصلاة والسلام بين لنا ما يجزئ من الأضاحي فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يجزئ من الأضاحي العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها) وهكذا الهتماء والتولاء والجرباء والعضباء وكل هذه أنواع قد بيناها، ولا يجزئ من الضأن إلا ما بلغت ستة أشهر، ومن الماعز سنة، ومن البقر سنتين، ومن الإبل خمس سنوات، فهذه الأعمار هي التي تجزئ في الأضاحي.

    ومن السنة أن تأكل منها، وأن تتصدق، وأن تهدي إلى الأرحام، ولذلك قال ربنا: فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:28] وكان صلى الله عليه وسلم يأكل منها الكبد بعد الصلاة، وأقول: ليس شرطاً أن تأكل الثلث وتتصدق بالثلث وتهدي الثلث، فهذا قول الإمام الشافعي ، وهو معتبر بلا شك، لكن لو أردت أن تتصدق بثلثيها فليس عليك بأس، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن خرج ثم عاد سأل عن الكبشين وقال: (يا عائشة ماذا فعلت بهما؟ قالت: يا رسول الله ذهبت كلها ولم يبق إلا كتفها. فقال: لا تقولي ذلك، بل قولي: بقيت كلها ولم يذهب إلا كتفها) قال عز وجل: مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] فلا تستكثر على الفقير أن يأكل اللحم في يوم العيد، فأنت تأكل اللحم كل يوم، ولا تكن إذا ذبحت في يوم عيد الأضحية تأخذ أحسنها وتتصدق بأرداها، بل لابد أن تتصدق لله بأحب ما تملك، ولذلك أقول: ينبغي عليك بعد ذبح الأضحية أن توزع قدر الإمكان للفقراء والمساكين، وأن تسأل الله عز وجل أن يتقبل منك هذا.

    فمن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئاً حتى يضحي، وهذا الحكم للمضحي لا لمن يضحى عنه، كالزوجة والأبناء، فالأبناء يحلقون رءوسهم ويأخذون من أظافرهم؛ لأن المخاطب هو المضحي.

    ويجزئ أن يشترك السبعة في بدنة أو في بقرة، وأنت تضحي عن نفسك وعمن تلتزم بإعالتهم، فإن كان ولدك متزوجاً ويسكن في بيت مستقل وله أولاد فلابد أن يضحي عن نفسه وعن أولاده، إنما يلزمك الأضحية عن نفسك وعمن هم في إعالتك، هذا حكم مهم جداً.

    فالأضحية: اسم لما يذبح من بهيمة الأنعام، وأقول: من بهيمة الأنعام؛ لأن ابن حزم يقول: يجزئ أن تذبح ديكاً. والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الأضحية وذكر أفضل أنواعها

    السؤال: أيهما أفضل في الأضحية الكبش أم البقرة؟ وهل يأثم من استطاع أن يضحي فلم يضح؟

    الجواب: ورد في الأثر: (من استطاع أن يضحي ولم يفعل فلا يقربن مصلانا)، وجمهور العلماء استدلوا على أنها سنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أراد..)، وكلمة ( من أراد ) تشير إلى الاختيار، فليس هناك إلزام، ولكن الحقيقة أن القول بالوجوب له أدلة أقوى.

    أما أيهما أفضل: البقر أم الغنم أم الإبل؟ فـأبو حنيفة والشافعي وأحمد على خلاف رأي الإمام مالك ، أما الثلاثة فذهبوا إلى أن أفضل الأضحية البدنة ثم البقرة ثم الكبش، ودليلهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في البخاري ومسلم- في يوم الجمعة: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثلاثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة).

    فبدأ بالبدنة ثم البقرة فعلم أن أجر البدنة أكثر من أجر البقرة، ثم الكبش، فاستدل الجمهور بأن البدنة أفضل من الكبش بهذا الدليل، وهذا كلام معتبر لا شك فيه؛ لأنها أنفع للفقير وأكثر لحماً.

    وأما الإمام مالك فقال: الكبش أفضل، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش، ففعله هو الأولى.

    قال الجمهور: قد يضحي بكبش مع كون البدنة أولى من باب التوسعة على الأمة رحمة بها؛ لأنه لو ضحى ببدنة لكان الجميع ينبغي عليهم أن يضحوا ببدنة؛ تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام، ورأي الجمهور لاشك هو الأقوى، والله تعالى أعلم.

    السؤال: أخت كانت تقيم في جدة منذ عشرين عاماً وأدت فريضة الحج وقيل لها: إن جدة من الحرم، لكنها لم تذبح ولم تصم وقتها، ولم يكن لديها المال الكافي للذبح، وكانت ستصوم إن كان عليها ذلك، والآن علمت أنه كان يجب عليها ذلك، فهل تأخذ مالاً من زوجها لتذبح أم تصوم؛ لأنه ليس لديها مال يكفي للذبح؟

    الجواب: طالما أنها عاجزة عن الذبح فعليها أن تصوم، ولا تلزم الزوج أن يعطيها مالاً لتقدم فدية في الحرم؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في حق غير المستطيع: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة:196] فهي عاجزة عن الفدية فنقول لها: عليك الصيام هنا عشرة أيام، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام سهواً

    السؤال: شخص أثناء إحرامه قطع قطعة كانت بجانب أظافره بفمه سهواً بدون قصد فهل عليه شيء؟

    الجواب: من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام سهواً فلا شيء عليه، كأن تطيب أو أخذ من أظفاره أو أخذ من شعره ناسياً أو ساهياً أو خاطئاً، قال عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286].

    وهذا لا شيء عليه؛ لأنه لم يأخذ من الظفر وإنما أخذ قطعة من جانب الظفر، فلا شيء عليه. والله أعلم.

    1.   

    وقت شراء المتمتع الهدايا من مكة

    السؤال: بالنسبة للمتمتع إذا أدى العمرة ثم أراد أن يشتري بعض الهدايا قبل أن يحج فهل له ذلك أم لا؟

    الجواب: الأولى أن تشتريها بعد العمرة وأنت في الحل قبل أن تحرم بالحج؛ لأنك إذا أحرمت بالحج ودخلت في النسك وأردت أن تطوف للوداع فلا يجوز لك بعد ذلك أن تمكث في مكة ليكون آخر عهدك بالبيت، إلا أن تشتري طعاماً وشراباً للطريق فقط، ولذلك المتمتع بعد أن يؤدي العمرة ويتحلل يظل أكثر من ستة أيام إلى يوم ثمانية فيشتري في هذه الأيام، وهذا هو الأولى.

    لكن هناك بعض المخالفات أيضاً مهم جداً أن نذكرها ومنها: أن البعض يخترع فبعد أن يأتي من عرفة يوم تسعة يمر على مزدلفة ولا يبيت بها ويرمي جمرة العقبة ثم يرحل إلى بلده مباشرة، أو يطوف طواف الإفاضة ثم يرحل، فيترك المبيت بمنى، ويترك رمي الجمرات، أو يطوف للوداع قبل رحيله، وطواف الوداع لا يكون إلا بعد إنهاء أعمال الحج، وأعمال الحج لا تنتهي إلا يوم الثاني عشر من ذي الحجة؛ لأنك مطالب أن تبيت بمنى ليلة الثاني عشر.

    وبعضهم يطوف للوداع يوم إحدى عشر، فيريد إن يسافر سريعاً فيقول: أنا وكلت من يرمي عني الجمرات، ووكلت من يبيت عني في منى، ثم يطوف للإفاضة والوداع في يوم النحر، وفي يوم الحادي عشر يسافر، وهذا كله باطل لا يجوز أبداً، فطواف الوداع لا يكون إلا بعد انتهاء أعمال الحج، وأعمال الحج تنتهي للمتعجل يوم الثاني عشر من ذي الحجة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الحج من مال من يعمل في الربا

    السؤال: أخي يعمل في أحد بنوك الحكومة وأعطاني الجزء الأكبر من المال لأحج مع أمي فما الحكم؟

    الجواب: حج ولا شيء عليك، حتى وإن كان هذا المال فيه شبهة فالإثم عليه وليس عليك، والله أعلم.

    1.   

    حكم الهدي على النساء

    السؤال: هل على النساء هدي؟

    الجواب: نعم، إذا حجت المرأة متمتعة فعليها هدي، وإذا حجت مقرنة فعليها هدي، وإذا حجت مفردة فليس عليها هدي، فالرجال والنساء سواء في الأحكام الشرعية إلا إذا جاء دليل يخص المرأة، ولم يقل أحد: إن الرجال هم الذي عليهم هدي، وأما النساء فليس عليهن هدي، كما قال قائل: الحج فرض على الرجال ولم يفرض على النساء، قال: لأن الله قال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27] ولم يقل: (يأتوك نساءً) هو لم يفهم أن رجالاً يعني: على أرجلهم، فهذا قلب للنصوص، نعم.

    1.   

    حكم أذكار الحج على المسنة التي تعجز عن قول بعضها

    السؤال: أمي عمرها ثمانون عاماً فهل عليها الأذكار الواردة في الحج والعمرة أم ما استطاعت أن تقوله تقوله؟

    الجواب: ما استطاعت أن تقوله تقوله على حسب حالها، لكن أسألك: ما الذي أخرها عن الحج إلى هذا السن؟ هذا هو دأب المصريين للأسف، مر من عمرها ثمانون عاماً لم تحج إلى الآن وربما تكون غير مستطيعة وقبل ذلك كانت مستطيعة، لكن على كل حال تحصل من الأذكار ما تستطيع ثم تدعو بما شاءت على حسب طاقتها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم حج المرأة في عدتها

    السؤال: هل يجوز للمرأة في أيام العدة أن تحج إلى بيت الله الحرام؟

    الجواب: ذكرنا قبل أنه لا يجوز للمرأة الحج في حال العدة بعد وفاة زوجها، يعني: إذا مات الزوج فلا يجوز لها أن تخرج من بيته في فترة العدة التي هي أربعة أشهر وعشرة أيام، أما إذا كانت طلقة رجعية فيجوز لها أن تحج؛ لأنه لا يلزم للحج أن تستأذن الزوج، فموت الزوج فقط هو الذي لا يجوز لها معه أن تحج، ولكن إذا كانت الطلقة رجعية -أي: أنها ما زالت زوجة- فيجوز لها أن تحج دون أن تستأذن الزوج.

    1.   

    حكم تحجيج الزوج زوجته

    السؤال: هل يجب على الزوج أن يدفع لزوجته تكاليف الحج إذا كان ميسوراً؟

    الجواب: لا يجب على الزوج هذا إلا من باب إكرام العشرة وحسن المعاملة لا أكثر، أما أن هناك نصاً شرعياً يلزمه بذلك فلا، والله أعلم.

    1.   

    الحكم على حديث: ( ماء زمزم لما شرب له)

    السؤال: حديث: (ماء زمزم لما شرب له) هل هو صحيح أم لا؟

    الجواب: حديث: (ماء زمزم لما شرب له) مختلف فيه، والحقيقة وقع في يدي اليوم رسالة للعلامة ابن حجر العسقلاني يحسن فيها هذا الحديث، والرسالة بعنوان: ( ماء زمزم لما شرب له ) وإن كان هناك البعض ضعفه، والبعض صححه، فهو حديث مختلف فيه، إنما الحديث الصحيح المقطوع بصحته هو: (طعام طعم وشفاء سقم) رواه البخاري .

    1.   

    حكم لبس المرأة في الإحرام ملابس بيضاء

    السؤال: أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله خيراً بالنسبة لارتداء النساء الملابس البيضاء في الحج والعمرة إن كان هذا لا يجوز فما الذي يجوز لهن؟ وهل على من صنعت ذلك إثم؟

    الجواب: يجوز لها أن تلبس الملابس التي تلبسها في بلدها إن كانت تلبس ثياباً فضفاضاً سميكاً أسود تلبسه في الإحرام بشروط شرعية، منها: أن يكون صفيقاً، وأن يكون فضفاضاً، وألا يكون لباس زينة، وألا يكون شبيهاً لملابس الرجال ولا ملابس الكافرات، وألا يكون معطراً، وألا يكون مزركشاً ولا ملفتاً للنظر، فتلبس الملابس التي تلبسها في بلدها بشروطها، أما من تصنع الملابس البيضاء للمرأة لتحرم فيها فلا شك أنها تصنع مخالفة شرعية، لأنها تساعد على ذلك، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم حج المكية من غير محرم

    السؤال: امرأة من أهل مكة هل يجوز لها أن تحج بدون محرم؟

    الجواب: المرأة التي من أهل مكة ستسافر إلى منى وتبيت بها أيام المبيت بمنى، وستبيت بمزدلفة، وهذه كلها أعمال تحتاج فيها إلى وجود محرم بجوارها، فلا يجوز لها إلا أن يكون معها محرم، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الحكمة من مناسك الحج

    السؤال: مع التسليم التام لشرع ربنا الكبير المتعال هلا تكرمتم بذكر الحكمة وراء كل منسك من مناسك الحج مثل الوقوف بعرفة والمبيت في منى.. إلى آخره؟

    الجواب: الأعمال التعبدية الأصل أن تفعل دون أن تسأل فيها عن الحكمة، فأنت تتوضأ وتغتسل ما الحكمة من الوضوء والغسل؟ الله أعلم، وأنت ترمي حجراً وتقبل حجراً ما الحكمة من تقبيل هذا ورجم هذا؟ الله أعلم، فلا داعي أن تسأل عن الحكمة، وأي حكمة قيلت في الكتب فهي اجتهاد، فالأمور التعبدية بالذات الحكمة فيها اجتهادية لا أكثر، والله أعلم.

    1.   

    حكم أداء عمرتين في سفرة واحدة

    السؤال: هل يجوز القيام بعمرتين في سفرة واحدة، بمعنى: أنه بعد أن ينتهي من العمرة الأولى يذهب إلى المدينة ثم يعود مرة أخرى للقيام بعمرة أخرى لأحد والديه؟

    الجواب: إذا كان على النحو الذي ذكرت فلا بأس؛ لأنك من أهل مصر ويصعب عليك أن تعود إلى المملكة مرة أخرى، فيجوز أن تؤدي العمرة ثم تذهب إلى المدينة وتقيم بها أياماً ثم تؤدي عمرة لأحد أبويك فلا بأس بذلك؛ لأنك ستمر على ميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة، ولا نريد أن نحجر واسعاً؛ لأنه ربما ما اعتمر عن نفسه فأراد أن يعتمر عن نفسه ثم يعتمر عن أبيه، وإن عاد إلى مصر فقد لا يعود مرة أخرى، فهنا نقول له: إن ذهبت إلى المدينة ومكثت بها أياماً ثم عدت إلى مكة فلا بأس، أما من التنعيم فلا.

    1.   

    حكم أداء الرجل العمرة عن نفسه والحج عن غيره في سفرة واحدة

    السؤال: من أحرم بالحج والعمرة وتحلل هل ممكن أن يعتمر عن أبيه وأمه الذين توفاهما الله قبل يوم التروية وخاصة أنه مرتبط بالسفر مباشرة بعد الحج؟ وأين الميقات هنا؟

    الجواب: إن كان يقيم في مكة فلا ننصحه بأن يؤدي عمرة؛ لأنه سيذهب إلى التنعيم أدنى الحل، إنما إن كان أدى العمرة ثم رحل إلى المدينة قبل يوم التروية فيجوز له أن يذهب إلى المدينة ثم يرجع ليؤدي عمرة عن أبيه، أما إن كان أقام في مكة فلا نقول له: اخرج إلى أدنى الحل ثم عد وأد عمرة أخرى، فإن عمرة التنعيم هذه كما قلنا في اللقاء السابق: هي لأهل الأعذار.

    والسؤال المهم هو: أنا أريد أن أعتمر عن نفسي وأحج عن أبي، يعني: أجعل العمرة والحج في رحلة واحدة، فنويت العمرة عن نفسي وأنا حججت قبل ذلك والحج عن أبي الميت، فهل يجوز ذلك أم لا؟

    الجواب: نعم يجوز أن تهل بالعمرة عن نفسك ثم بالحج عن آخر، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الهدي على من ضاعت نفقته وعلى غير المستطيع للصيام

    السؤال: من أحرم بالحج والعمرة وبعد وصوله إلى مكة ضاعت نفقته ولم يستطع أن يفدي، هل ممكن أن يصوم قبل أيام التشريق؟ وإن كان لا يستطيع الصوم لكبر سنه فما حكمه؟

    الجواب: أفضل الصيام أن تصوم قبل أيام التشريق، قال الله عز وجل: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196] قال العلماء: الأفضل أن يصوم هذه الأيام قبل التشريق، أما إن كنت لا تستطيع الصيام هناك لكبر سنك فيمكنك أن تصوم العشرة أيام كاملة في بلدك، وأما إن عجزت عن الصيام فيمكنك بعد أن ترجع أن تجمع المال إذا استطعت ثم ترسل إلى الحرم ليذبح عنك هناك، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم من تجاوز الميقات وأحرم من غيره

    السؤال: من لم يحرم من الميقات وأحرم من جدة وتعذر عليه الرجوع إلى الميقات فماذا عليه: هل هو ذبح شاة فدية؟ وهل تجزئ الأضحية عنها؟ ومتى تذبح: بعد العمرة أم في أي وقت؟

    الجواب: ترك الإحرام من الميقات ترك واجب يجبره دم، فمن أحرم بعد الميقات يلزمه فدية أن يذبح شاة، فإن عجز فصيام عشرة أيام؛ لأنه ترك واجباً، والإحرام ركن والإحرام من الميقات واجب، فإن استطعت فاذبح هناك شاة ووزعها، فإن لم تستطع فالصيام، فإن فعلت ولم تذبح ولم تصم ثم رجعت إلى بلدك وتبين لك الحكم فعليك أن ترسل مبلغاً من المال ليذبح عنك هناك فدية، فالواجب يحصل متى استطعت، والله تعالى أعلم.

    1.   

    أجر الصلاة في مكة في غير المسجد الحرام

    السؤال: هل الصلاة في أي مسجد في مكة كأجر الصلاة في المسجد الحرام؟

    الجواب: الحقيقة هذه مسألة خلافية، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، لكن هل المقصود بالمسجد الحرام ذات المسجد أم المقصود بالمسجد الحرام مكة؟ رجح العلماء أن مكة كلها مسجد حرام، وهذا صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزل لأداء حجة الوداع مكث في الأبطح بجوار العزيزية، ولم يأت للصلاة في المسجد الحرام إلا عند طواف الإفاضة، فكونه يقيم في مكة بعيداً عن المسجد الحرام ويصلي في المكان الذي نزل فيه، هذا يشير إلى أن مكة كلها حرم، والآيات تبين ذلك أيضاً، ولعل هذا ما مال إليه شيخنا المبارك الشيخ صفوت في نقاش معه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم صيام أيام التشريق

    السؤال: ما حكم من أراد أن يصوم اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ضمن الثلاثة أيام القمرية وهو معتاد على صيامها كل شهر مع العلم أنه غير حاج؟

    الجواب: لا يجوز أن تصوم أيام التشريق، فهناك نهي عن صيام أيام التشريق، أما اليوم الثالث عشر فيقضى بأن تصوم بدلاً منه أربعة عشر وخمسة عشر وستة عشر؛ لأن هناك نهي عن صيام أيام التشريق وصيام يوم النحر، وأقل الأحوال فيه الكراهة، فيكره صيام أيام التشريق واليوم الثالث عشر هو من أيام التشريق، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم الحج على نفقة الغير

    السؤال: بعض الحكام يعين المسلمين على فريضة الحج ويكون ذلك على نفقة الدولة التي يحكمها، فإن كنا غير قادرين هل يجوز أن نرسل إليه لنحج على حسابه إذا كان ذلك متيسراً؟

    الجواب: بالطبع لا، فأنت غير مكلف بالحج فلم تطلب وتراسل؟ والله تعالى قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] وأنت غير مستطيع، ولن يسألك الله يوم القيامة عن فريضة الحج؛ لأنها تسقط عنك بعدم الاستطاعة، وأنا أعجب من بعض الإخوة لا يملك إلا مبلغاً يسيراً جداً يكفي لقوته ويقول: أريد أن أحج، وقد ذكرنا قاعدة أصولية فقهية مذكورة في أصول الفقه وهي: ما لم يتم الواجب المشروط إلا به فهو غير واجب، فغير واجب عليك أن تدخر من قوت أولادك لتحج، ويلزمك الشرع أن تدخر من قوت أولادك لتحج، إنما إن استطعت فلا بأس بذلك، لكني أقول: لا تكلف نفسك فوق طاقتك.

    ولو أنك في مسابقة قرآنية منحت حجاً فلا بأس، أو مسابقة علمية لا بأس، أو جهة حكومية اختارتك لتحج لا بأس، فهذا من خير الله عليك، والله تعالى أعلم.

    1.   

    ذكر بعض المخالفات التي يقع فيها بعض الحجاج

    السؤال: ختاماً نرجو التكرم بذكر المخالفات التي يقع فيها الحاج على سبيل الإجمال؟

    الجواب: المخالفات عديدة، لكني قبل أن أذكر المخالفات أذكر أنه كل وقت تخرج علينا ورقة توزع، ونحن كما قلنا قبل ذلك: سنواجه الورقة بورقة، مثل وصية الشيخ أحمد ، وهكذا جاء في ورقة أخرى: أن فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاماً كانت مريضة جداً، والأطباء عجزوا عن علاجها وفي ليلة القدر بكت الفتاة ونامت وفي منامها جاءت السيدة زينب عليها السلام فأيقظتها وأعطتها شربة ماء ولما استيقظت من نومها وجدت نفسها قد شفيت تماماً بإذن الله، ووجدت قطعة قماش مكتوب عليها: أن تنشر هذه الرسالة وتوزعها على اثني عشر فرداً، ووصلت هذه الرسالة إلى عميد بحري ووزعها فحصل على ترقية خلال اثني عشر يوماً، ووصلت إلى تاجر فأهملها فخسر كل ثروته خلال اثني عشر يوماً، ووصلت إلى عامل فوزعها فحصل على ترقية وحلت كل مشاكله خلال اثني عشر يوماً، أرجو منك أخي المسلم أن تقوم بنشرها وتوزيعها على اثني عشر فرداً، والرجاء عدم الإهمال!!

    ملحوظة عامة: قم بنشر هذه الرسالة، وفقنا الله وإياكم لخير الأمة، إمضاء أم الفتاة!

    فمن هي هذه الفتاة؟ نسأل الله العافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والكلام كلام يضحك، فطالما أن هذه الورقة تحل المشاكل وتسدد الديون فلماذا لا ندفعها لرئيس الوزراء ليصورها ستين مليون نسخة لعل الله أن يسدد عنا ديون مصر، نسأل الله العافية.

    والحقيقة هذه كلام يضحك ويثير العجب! ونقول للتي أوصلت الورقة أو أرسلت الورقة: إن شاء الله نحن لن ننشرها وسنمزقها، ولن نخشى على أرزاقنا ألا تأتي، ونحن نتعبد الله عز وجل بتمزيقها وبعدم نشرها؛ لأننا لا نثق إلا في الله عز وجل، فمن وثق في هذه الورقة واعتقد أنها تقضي الديون وتفرج الكروب وتحل المشاكل فقد أشرك بالله سبحانه شركاً أكبر وخرج من دين الإسلام بالكلية، فالمسألة خطيرة.

    وأما بعض المخالفات الشرعية التي تقع في الحج فهي كثيرة:

    منها: الإحرام بعد الميقات.

    ومنها: التقاط الصور الفوتوغرافية في حال الإحرام، فهي فضلاً عن أنها حرام ففيها رياء؛ لأن الحاج يعود بعد الحج ويقول: انظروا إلى صورتي وأنا محرم، وربما يعلقها في المتجر أو في المنزل والناس تنظر إليه وهو محرم، ويباهي الناس بأنه كان محرماً.

    ومن المخالفات الشرعية أيضاً التي تقع في الحج: الاضطباع قبل طواف القدوم أو طواف العمرة.

    ومن المخالفات أيضاً: أن يطوف داخل حجر إسماعيل؛ لأن الحجر من البيت.

    ومن المخالفات أيضاً أن يطوف وهو محدث غير متوضئ.

    ومن المخالفات أيضاً: أنه في يوم عرفة يقف خارج عرفة، فيقف إما في عرنة وعرنة ليست من عرفة أو يقف خارج حدود عرفة.

    من المخالفات أيضاً: أن يرحل عن عرفة قبل غروب الشمس.

    ومن المخالفات أيضاً: ألا يبيت في مزدلفة، والمبيت في مزدلفة واجب من واجبات الحج.

    ومن المخالفات أيضاً: ألا يبيت في منى أيام التشريق، والمبيت في منى واجب من واجبات الحج.

    ومن المخالفات أيضاً: أن يرمي قبل الزوال، والرمي قبل الزوال كمن صلى الظهر قبل الزوال؛ لأن الرمي له أوقات لابد أن نلتزم بها.

    ومن المخالفات أيضاً: أن يترك طواف الوداع أو يترك بعض المناسك الواجبة عليه من غير عذر. هذه بعض المخالفات إجمالاً.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم تقبل منا وارحمنا يا رب العالمين!