إسلام ويب

آداب طالب العلمللشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلم من أشرف الغايات وأجلها عند الله عز وجل؛ إذ به يوحد الله ويعبد، والعلماء وطلبة العلم المخلصون هم أفضل الناس وأرفع المؤمنين درجة عند الله، ولا يتأتى هذا العلم إلا بحسن الطلب والجد والمثابرة، وهناك بعض الآداب الجليلة ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها، سواء في نفسه أو مع شيخه.

    1.   

    الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم

    الحمد لله رب العالمين الذي رفع شأن العلم في كتابه، فقال عز وجل: يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، وقال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، والآمر لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزود من طلب العلم فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114].

    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

    بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا إلى الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه.

    ثم أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام الأحباب!

    المرض الخطير جداً هو أن طالب العلم لا يعرف الآداب ولا الآفات التي يجب أن يتحلى بها وأن يتخلى عنها، فالعلم له آداب يجب أن يتحلى بها طالب العلم، وله آفات يجب أن يتخلى عنها، ومن هنا كانت مجالس العلماء تدرس فيها حلية طالب العلم.

    وحينما نسمع أدب طالب العلم مع شيخه، نرى أننا نعيش في واد والآداب في واد آخر تماماً، ومن الآداب: أنه لا يجوز لطالب العلم أن ينادي الشيخ باسمه مجرداً، أو أن يقول له: يا شيخي! -بياء الخطاب- أو يا شيخ!

    وإنما له آداب في المناداة، وله آداب في التقدم عليه، وله آداب في سؤاله، وله آداب في مراجعته، وله آداب في محاورته، وإذا وهم -أي: خرجت منه كلمة بسبق لسان- فهناك آداب أيضاً في الرد عليه.

    ويبدو أن الموضوع شائك، لكننا في عجالة شديدة سنحاول أن نبين الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها، والآفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلى عنها.

    فهناك آداب للطالب في نفسه ينبغي أن يتحلى بها، وآداب للطالب مع شيخه، وآداب للطالب مع زملائه، فلا ينبغي أن يمشي مع طالب يشينه، ولا أن يوجد في مكان يشينه.

    لا تكن أبا شبر؛ لأنهم قالوا: العلم ثلاثة أشبار، من حصَّل الشبر الأول تكبر، ومن حصَّل الشبر الثاني تواضع، ومن حصَّل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم شيئاً، فلا تكن أبا شبر، فصاحب الشبر يتكبر، وصاحب الشبرين يتواضع، وصاحب الثلاثة يعلم أنه لا يعلم شيئاً، فكلما ازداد المرء علماً ازداد تواضعاً.

    وهناك آداب خاصة لطالب العلم كتب فيها العلماء؛ كآداب حملة القرآن، وآداب المحدث، وآداب المفتي، وآداب القاضي والتقاضي، وآداب المحتسب.

    وهناك آداب على العموم ذكرها العلماء في مراجعهم:

    منها: الفقيه والمتفقه للحافظ البغدادي .

    تعليم المتعلم طريق التعلم للزرنوجي .

    أداب الطلب للشوكاني .

    أخلاق العلماء للآجري .

    آداب المتعلمين لـسحنون من المالكية.

    جامع بيان العلم وفضله لـابن عبد البر المالكي.

    مفتاح دار السعادة لـابن القيم رحمه الله.

    الحث على طلب العلم للعسكري .

    وهكذا تجد أن العلماء إما أن يتحدثوا عن آداب خاصة، أو آداب عامة لطالب العلم.

    آداب طالب العلم في نفسه

    وآداب الطالب في نفسه كثيرة، وحتى تبدأ في طلب العلم؛ لأن البعض يبدأ الطريق خطأ، ويدخل إلى الطريق خطأً، ولا يعرف آداب الطريق، ومن هنا نجد الاهتمام الموجود في الساحة الإسلامية بالكم وليس في النوع، ولذلك: فإن من الآداب ما يلي:

    أولاً: أن يعلم طالب العلم أن العلم عبادة، قال السلف: صلاة السر وعبادة القلب هي العلم، وكل عبادة تحتاج منك إلى تصحيح النية، فما هي نيتك في طلب العلم؟ ولماذا تطلب العلم؟ هل لتماري به العلماء؟ أو تجادل به السفهاء؟ أو تلفت به أنظار الناس إليك حتى يقال: فلان طالب علم؟ أو يقوم في المجلس بنية أن ينظر الناس إليه؛ بئس العلم الذي تعلمت؛ ولذلك فإن أول أدب من آداب طلب العلم: أن يخلص طلب العلم لله سبحانه؛ لينجو بنفسه، ويدل غيره على طريق النجاة.

    ثانياً: الثبات والتثبت، فقديماً قالوا: من ثبت نبت.

    ومن آفات طلب العلم: التنقل من كتاب إلى كتاب آخر قبل إكمال الكتاب الأول، لهذا لا بد أن تثبت في الطلب على كتاب، وأن تثبت في الطلب على شيخ، ولا تحضر لكل الشيوخ وهدفك تتبع الزلات، وإظهار العورات، ونقل الكلمات، والطعن فيهم ليل نهار، والإيقاع بينهم، وهذا يحصل كثيراً، وهذا مما انتشر في زماننا، وهو ليس من الأدب في شيء.

    فإذا سمعت كلمة من شيخ لم تدرك معناها، ولم تلق عندك قبولاً، ولا توافق الحق الذي معك، فلا بد أن تتثبت من هذا القول من مصدره.

    وبعض الطلبة يسمع الكلمة ثم يطير بها قائلاً: أخطأ الشيخ في كذا، ويظهر العورات، وهو الذي يسمع خطأً، وهو الذي لا يدري ما يقال، وهو النائم في المحاضرة أو في درس الشيخ؛ فلابد من التثبت والتأكد من قول العالم.

    والشجرة كثيرة التنقل لا تثمر، وهذا هو طالب العلم الذي يطوف على كل العلماء، فهذه الطريقة تخرج رجلاً يعلم مسائل فقهية لكنه غير فقيه، فلابد من دراسة الكتب العلمية والثبات على دراستها، كفتح الباري شرح البخاري، فلا تتركه حتى تنتهي منه.

    فلابد من ثبات حتى الممات، حتى يكتمل الطلب، والتنقل بين الكتب والشيوخ لا يجوز.

    ثالثاً: التأمل، وقالوا قديماً: تأمل تدرك، ومعنى التأمل: أن يركز طالب العلم فيما يقول، وفيما يقال، ويتأمل ويحلل، ولا يتكلم الكلمة إلا بعد أن يمررها على قلبه؛ لينظر: أفيها نفع أم لا؟

    رابعاً: التحلي بالرفق، وهو أن يكون طالب العلم رفيقاً، والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما دخل العنف في شيء إلا شانه، طالب العلم لا يأتي متأخراً في يوم الجمعة فيجد المسجد قد امتلأ، والشوارع قد امتلأت، فيتخطى رقاب الناس، ويقفز من على الحائط، فهذا ليس من أدب طلبة العلم.

    أما أدبه مع شيخه: فالبعض يقبل الشيخ في كتفيه فهذا لا بأس، إنما الخطأ هو أن يحني الرأس كما تفعله الصوفية المبتدعة، فمن الأدب عند مصافحتك للشيخ لا تقل له: سيدي ومولاي، وتقبل لحيته! فإن هذا من الغلو والإطراء الذي نهينا عنه، هناك أدب في احترام الشيخ، لكن ليس على طريقة الصوفية، أو الذين غالوا في حب آل البيت كما نعلم.

    وأحاديث التحلي بالرفق كثيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يعلم الجاهل كان يعلمه برفق عليه الصلاة والسلام.

    وذلك حينما نهى الصحابة عن زجر الرجل الذي بال في المسجد، وعن زجر الرجل الذي عطس في الصلاة ثم شمته من بجواره، فهذا هو الرفق في التعلم.

    خامساً: الإعراض عن مجالس اللغو، وهو ألا يكون في مجالس اللغو أبداً، قال تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72]، فلا ينبغي لطالب العلم أن يكون في المقهى يلعب الطاولة، أو في ملعب القاهرة يرفع الراية، ويشجع النادي الذي يحبه، فهذا ليس من سمت طالب العلم!!

    فلا بد من الإعراض عن مجالس اللغو، فلا يدخل إلى أماكن اللغو، فإنه لا يمكن الجمع بين مجالس العلم ومجالس اللغو، قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4].

    سادساً: هجر الترفه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البذاذة من الإيمان)، وهو أن يتعود طالب العلم على الخشونة، لا يكن طالب علم مائعاً، ولذلك ترى بعض العلماء أحياناً يسيرون بدون نعل، ولقد رأينا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يخرج من المسجد النبوي إلى البقيع حافي القدمين، فهذه الخشونة من تعلم البذاذة، فقد كان يؤدب نفسه ويعلمها التواضع.

    أما العالم أو طالب العلم الذي يجلس في برج عالي فلا بأس، لكن لا بد أيضاً أن يتعلم الخشونة، وأن يأكل وينام على الأرض أحياناً، وأن يؤدب نفسه بعدم الترفه، فهذا هو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    سابعاًً: أن يكون سلفياً، وهذه نقطة مهمة جداً، والسلفية منهج وفكر، ليست جماعة ولا حزب، ولا خروج على حاكم، ولا تكفير الحكام، ولا تكوين أحزاب على الأرض، إذ كل ذلك طرق بدعية.

    وفي الحديث المتفق عليه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وألا ننازع الأمر أهله؛ إلا أن نرى كفراً بواحاً)، فلا ننازع أولياء الأمور في شأنهم إلا أن نرى كفراً بواحاً، مع وجود القدرة على التغيير، فمنهج السلف هو عدم الخروج، والتكلم في الحكام والحاكمية والانشغال بقضية الكراسي ليس من منهج السلف مطلقاً، وتكوين الجماعات وأمراء وبيعة وقيم هذا ليس من منهج السلف مطلقاً، ولي الأمر واحد ولا يجوز أن يبايع لرجلين.

    ومعنى السلفية هو فهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، من الصحابة ثم التابعين ثم تابعي التابعين؛ والسلفية منهج وفكر، وليست جماعة وحزب؛ لأن التحزب هو الذي أضاع الأمة، والذي قسمها إلى جماعات.

    ثامناً: أن يتعلم الخشية والمراقبة، وأن يخفض الجناح لإخوانه، وأن يتجنب الكبرياء والخيلاء، هذه بعض الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم مع نفسه.

    أما الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها مع شيخه: فعلى طالب العلم ألا يتكلف كثيراً، وإنما يسمع ويقيد، ويهتم بالطلب بحسن السمت والتواضع والخشية من الله، وتوقير العلماء وإجلالهم، ومعرفة قدرهم، بحيث أن الناس جميعاً تشهد له بحسن الخلق.

    لا يجوز لطالب العلم طلب العلم عن طريق الكتب بدون الشيوخ، فمن دخل إلى العلم وحده خرج من العلم وحده، ومن كان شيخه كتابه؛ كان خطؤه أكثر من صوابه كما قال العلماء.

    والعلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، وكم من علمائنا -بارك الله فيهم- أثروا في الناس بخطبهم ومواعظهم، لكن ليس الهدف الموعظة فحسب، بل التربية أيضاً، أنت ستموت أيها العالم! فمن خلفت وراءك لنقل العلم.

    والظواهر العرضية التي تؤثر تأثيراً مؤقتاً تزول، لكن المشكلة هو عدم تربية الأجيال، وأهل الباطل فهموا هذا، ففي حديث صهيب في صحيح مسلم : (كان فيمن كان قبلكم ملك له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إنه قد كبر سني؛ فادفع إليَّ غلاماً أعلمه السحر)، أي: أن الساحر يفهم أن لبقاء باطله لا بد من التربية، ومنهج السلف هو التربية، وليس منهج السلف التهييج وإثارة الجماهير بالشعر والبكاء، وبعد قليل انفضوا.

    منهج السلف أن تربي لا أن تهيج، والوعظ مطلوب لا شك، والتأثير مطلوب لا شك، وترقيق القلوب مطلوب لا شك، لكن لا بد أن تخرج وتربي بطريقة علمية منهجية، فهل قال أحد منا: نريد شباباً نعلمهم العلم؟ لابد من تعلم العلم بدرجاته.

    وأزمتنا الآن أزمة طلاب علم وعلماء، والأمة تعاني من هذه المشكلة، وإذا بحثت عن متخصص لطب الأمراض الجلدية؛ ستجد نسبة من الأطباء تزيد عن المطلوب، أو أردت محامياً لرفع دعوى؛ ستجد عدداً كبيراً من المحامين، أما إذا بحثت عن عالم يوزع الميراث في قضية شرعية؛ لن تجد إلى ذلك سبيلاً، لأن أزمتنا أزمة طلب علم، وقد بدا هذا واضحاً لما قمت بشرح الربا في أحد المساجد فقيل لي: أعد، فأعدت، ثم قيل: أعد، فأعدت، ثم قيل: أعد، فأعدت، وسبب هذا لأن الأذن ما تعودت على سماع طلب العلم، ونحن نعطيكم الخلاصة والعصارة من عمر ضاع في الهتافات والمظاهرات في السبعينات والثمانينات، ما تعلمنا منها شيء، احرصوا على طلب العلم المنهجي بمنهج السلف الصالح من حفظ المتون والشروح.

    والسلف كانوا يهتمون بالعقيدة، بل إن الأنبياء حينما بعثوا اهتموا بالعقيدة، قال تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، والهدهد حينما مرَّ على مملكة سبأ وجد أن الملكة بلقيس تحكم بغير ما أنزل الله، وعندها انحرافات كثيرة في مجتمعها، والذي شغل الهدهد وجعل له الأولوية في الإنكار هو عبادة سوى الله، قال تعالى: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل:24]، فقضية العقيدة لها الأولوية، وهي التي لفتت الانتباه، فلم يعرض لأي شيء آخر، إنما تحدث عن قضية الاعتقاد.

    ولا تنشغل أبداً بكثرة المشاكل بين السلفيين وبين الجماعات الحزبية وأهل البدع والأهواء، لا تقل: عملاء.. مأجورون.. مدفوعون.. متحجرون.. متنطعون.. علماء حيض ونفاس، لا تنشغل بهؤلاء؛ فإن بضاعتهم مزجاة رديئة.

    آداب طالب العلم مع شيخه

    آداب الطالب مع شيخه أكثر من عشرين أدباً سأذكرها إجمالاً:

    أولاً: أن يكون الشيخ محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف عند جلوسك والتحدث معه.

    ثانياً: حسن السؤال والاستماع.

    ثالثاً: ترك المجادلة والمماراة، فكثرة الأسئلة على الشيخ معناها أنك تماري الشيخ وتزيد في السؤال، وتقاطعه عند حديثه، وهذا ليس من الأدب.

    رابعاً: عدم التقدم عليه بكلام أو مسير.

    خامساً: عدم إكثار الكلام عنده.

    سادساً: عدم الإلحاح عليه في الجواب إذا كان لا يريد أن يجيبك في ذلك الوقت.

    سابعاً: لا تناده باسمه مجرداً، كما أنك لا تنادي أبيك باسمه مجرداً، أو تقول له: يا أب! فمن الأدب أن تقول له: يا أبتي! تقدره وتعظمه، أيضاً من الأدب ألا تنادي الشيخ باسمه مجرداً، ولا تقل له: يا شيخ! إنما تقول: يا شيخي أو يا شيخنا! من باب التعظيم والإكرام.

    ثامناً: لا تناده من بعد إلا لضرورة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات:4].

    تاسعاً: توقير مجلسه، كأن تجلس منتبهاً إلى درسه بطريقة فيها احترام وتقدير، أما اللعب في مجلس العالم والالتفات يمنة ويسرة، أو الاستياك والتعطر، فهذا من عدم احترام مجلسه.

    عاشراً: إظهار السرور من الدروس والإفادة به، كالاعتراف بالاستفادة والدعاء له، مع أنه يمكن أن يكون ما أضاف إليك جديداً، لكنك تدخل السرور إلى قلبه، وتظهر له أنك تستفيد من دروسه.

    وهنالك مواقف تدل على عدم احترام الشيخ:

    منها: رسالة أرسلها إلي أحد الإخوة في درس يوم الإثنين -بارك الله فيه وجزاه خيراً- وخلاصة الرسالة: ونحن لا نستفيد من هذا الدرس أبداً، وهو درس ضعيف جداً، جزاك الله خيراً وبارك فيك!

    وفي مرة من المرات حصل لي سبق لسان قلت: (ولتستبين سبيلَ المجرمين)، وهي: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55]، رغم أن (سبيلَ) قراءة متواترة صحيحة، فأرسل أحد الأخوة رسالة أخرى: لقد أخطأت في القرآن أمس، فقلت: (سبيلَ) وهي (سبيلُ).

    وفي درس الربا حينما قلنا: إنه لا يجوز أن يقايض مكيلاً بموزون، وهذا كلام صاحب العدة، لكن ابن تيمية رجح أنه يجوز إذا كان لا فرق بين الموزون والمكيل، فأحد الأخوة قرأ المسألة ثم أرسل لي رسالة قال فيها: أنت الآن تتضارب، مرة تقول كذا وأخرى تقول كذا، ثم لا تفرق بين الكيل والوزن، فهذا ليس من الأدب، وقبل أن تناقش عد إلى المسألة وابحثها، وقبل أن تسارع في التخطئة ابحث المسألة علمياً، وتأنى في الطلب.

    ثم إذا وهم الشيخ، أو سبق لسانه بشيء فقال مثلاً: لا يجوز وهو يقصد: يجوز، فهذا يسمى وهم، ومَن مِن العلماء لا يهم؟

    وكثير من علماء السلف كان يهم في مجلسه، فبعض طلبة العلم إذا وهم الشيخ كان ينشر هذا الإيهام سريعاً، فإذا وهم الشيخ فلا يسقطه ذلك من عينك؛ لأنه إذا سقط من عينك معناه أنك لن تطلب العلم، وكلما وهم الشيخ اترك مجلسه، إذاً: لن تجد من تتعلم على يده، وهذه النقطة من الخطورة بمكان.

    الحادي عشر: عدم امتحانه على القدرة العلمية والتحمل، كأن يأتي الطالب بسؤال لشيخه وهو يعرف الإجابة، لكن مقصوده هو الاختبار له، فيقول له: ما الحكم في كذا؟ والشيخ لا يدري، وهذا من سوء الأدب، واختبار العلماء مصيبة.

    الثاني عشر: استئذانه، فإذا أردت أن تنتقل من مسجد إلى آخر، فعليك أن تستأذن شيخك في حضور هذا الدرس أو عدم حضوره، وهذا من الآداب؛ لعل صاحب الدرس الآخر مبتدعاً، ولعل شيخك يعرف عنه ما لا تعرفه أنت، ولعله يمنعك من الحضور لأسباب، فتعود إليه.

    الثالث عشر: احذر صنيع الأعاجم من الخضوع الخارج عن الآداب الشرعية، وهو لحس الأيادي والكتف والرقبة، وهذا صنيع المخانيث، إذا أردت أن تقبل يد العالم فلا بأس، لكن في عزة ورجولة وعدم تخنث، إنما الممنوع هو التقبيل تبركاً، حتى إذا صار الشيخ بسيارته يحملونها فوق رءوسهم، وإذا أراد أن يشق طريقه لا يستطيع، هذا من الغلو، وهذا من عدم فهم النصوص الشرعية في التأدب مع العلماء.

    الرابع عشر: لا تقلده في مشيته وحركته وهيئته، إذ لا يقلد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    الشيخ ليس له قدوة إلا فيما وافق فيه النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا وافقه فأنت تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أسوتك وقدوتك.

    الخامس عشر: لا تكن سبباً في فتوره وكسله وقطع علمه؛ لأن نشاط الشيخ على قدر نشاط الطالب، والمعنى: أن تكون في مجلس علمه نشيطاً ومنتبهاً، ونشاطك يعطي الشيخ نشاطاً، وإن كسلت في الطلب تأخذه إلى الأدنى.

    السادس عشر: الحذر من المبتدعة من أهل الضلال والبدع؛ فإن مجالستهم ضلال.

    هذه أيها الإخوة الكرام! بعض الآداب التي جمعها العلماء من كتبهم في آداب طالب العلم مع نفسه، وآداب طالب العلم مع شيخه.

    أختم الحديث أيها الأحباب الكرام! بأن شركة الإبداع -وهذا ليس إعلان لتجارة، والله يعلم النيات- قد أصدرت الشريط الخاص بآداب ليلة الزفاف، وفيها يسأل الكثير عن أحكام هذه الليلة.

    ومن واجب طالب العلم أن يوصل هذا الشريط إلى كل بيت؛ ليتعلم المخالفات التي تقع في هذه الليلة، فجزى الله خيراً الذين قاموا بالطبع، وواصلوا الليل بالنهار بالتبييض، فجزاهم الله خيراً على هذا الجهد!

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع.

    اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمِّنا في أوطاننا.

    اللهم ارزقنا حسن الأدب، وحسن العلم؛ إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وأنت نعم المولى ونعم النصير.

    آمين آمين!