إسلام ويب

تفسير سورة المزمل [2]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله النهار وقتاً لقيام العبد بأعماله الدنيوية؛ حتى يتفرغ لعبادة ربه في الليل؛ وذلك لأن النهار مظنة القيام بأعمال الدنيا؛ لما فيه من الصخب، بخلاف الليل فهو مظنة العبادة؛ لما فيه من الطمأنينة والسكون وهدوء البال، وهذا مناسب لقيام العبد بين يدي ربه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن لك في النهار سبحاً طويلاً)

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، بيده الخير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    ثم أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع سورة المزمل، ولقد توقفنا عند قول الله سبحانه: إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل:7-19].

    إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:7]، قال المفسرون: (سَبْحًا) بمعنى: شغلاً، في النهار انطلق إلى أعمالك الدنيوية وحصلها، انطلق إلى معاشك وإلى شئون حياتك، في هذه الفترة النهارية القلب ينشغل قليلاً بالأعمال التي ينشغل بها المرء، إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ [المزمل:7] أي: فراغاً طويلاً خذه، ثم بعد أن تنتهي من شئون حياتك، تفرغ لعبادة ربك، ولذلك يقول ربنا: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7] والمعنى: إذا فرغت من شئون عملك فانصب إلى عبادة الله عز وجل، وعبادة الليل كما قلنا هي أشد مواطأة للقلب من عبادة النهار؛ لأن القلب بالليل ليس هناك ما يشغله، فيقف الإنسان بين يدي ربه وقد انتهى من شئون حياته ومن أعماله.

    قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، يقول الحافظ ابن كثير : أكثر من ذكر ربك، فالذكر يعين العبد على أداء رسالته الدعوية وعلى أعماله الدنيوية، والذكر يعطيك قوة في بدنك، وقوة في قلبك، وقوة على مجابهة عدوك، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت)، فالذي يغفل عن ذكر ربه ميت وإن كان بين الأحياء، وكما قال العلماء: كم من ميت بين الأحياء، وكم من حي بين الأموات، إنسان يأكل، ويشرب، ويعمل، ويتزوج، وينجب، لكنه في واقع الأمر ميت، لابتعاده عن ذكر ربه وعن طاعة ربه: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    ولذلك كان وقود النار الناس والحجارة، ولعلك تسأل نفسك: الناس عقلاء، والحجارة جماد، فلماذا جمع الله بين الناس والحجارة في قوله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ما علاقة الناس بالحجارة؟

    والجواب: أنهم ليسوا أناساً، وإنما هم في واقع الأمر حجارة، فقد تجمدت عيونهم عن البكاء من خشية الله فهي كالحجارة: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، أي: بل أشد قسوة، هناك أناس كالحجارة ليس فيهم لين، ولا عطف، ولا رحمة، قلوب متحجرة قاسية، بل هي أقسى من الحجارة، فحق لهم أن يكونوا وقوداً للنار مع الحجارة، لذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذكره، فقال: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ [المزمل:8]، وينبغي أن تعلم أن الفرق بين المنافق والمؤمن ليس مجرد الذكر، بل هو الذكر الكثير؛ لأن المنافق يذكر الله، ولكن كما قال الله في حقهم: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، ولذلك قال موسى عليه السلام لربه: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي [طه:29-30] لما؟ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا [طه:31-33]، فموسى عليه السلام يسبح الله، لكنه يريد أن يسبحه كثيراً، وقد أمر الله المؤمنين بالإكثار من ذكره، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42].

    ويقول ربنا في سورة الجمعة: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة:10]، والانتشار في الأرض هو طلب الرزق، ولما كان طلب الرزق مظنة نسيان الذكر، جاء التنبيه على هذه النقطة فقال سبحانه: فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] ثم قال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الجمعة:10]، لا تنس الذكر وأنت في عملك، لا تنس الذكر وأنت في شئون حياتك، لذلك كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الصحابي الجليل بقوله: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله).

    ثم قال الله سبحانه: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، والتبتل هنا بمعنى: الانقطاع.

    والتبتل ينقسم إلى قسمين: تبتل مأمور به، وتبتل منهي عنه، وفي هذه الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبتل، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر للأمة، إلا إذا جاء دليل على التخصيص، وهذه قاعدة أصولية مهمة.

    وحين أمر الله نساء النبي عليه الصلاة والسلام بأن: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]، فالأمر لهن ولنساء المسلمين قاطبة، لا كما تقول العلمانية، ومن رضع من عصارة الغرب، وتربى تحت أيديهم: إن الأمر لنساء النبي، أما نساء الأمة فلا يدخلن تحت هذا الأمر. يا رويبضة، ادخل إلى جحرك، الزم غرزك، من أنت حتى تقول هذا؟! الأمر لنساء النبي عليه الصلاة والسلام أمر لكل نساء الأمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً)

    قال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، ورد حديث في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل، ولو أذن لـعثمان بن مظعون به لاختصينا)، والمعنى: أنه نهى عثمان بن مظعون عن التبتل، وهو الانقطاع عن طيبات الدنيا، وحبس النفس على الطاعة دون استمتاع بالأمور التي أباحها الله.

    والاختصاء: هو أن يمتنع المرء عن الزواج، وعن الطيبات، وعن الحياة الدنيا، وأن يتبتل وينقطع لعبادة الله، وعثمان بن مظعون أراد أن يختصي ليتفرغ لعبادة ربه عز وجل، والآية فيها الأمر بالتبتل وهو: الانقطاع عن كل معبود إلا الله وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، فحينما تكون الجهة منفكة فمتعلق الأمر يختلف عن متعلق الناس.

    والعجب ممن يقول: الإسلام قد نهى عن تعدد الزوجات؛ لأن الله قال في موضع: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]، وفي موضع آخر قال: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ [النساء:129]، وهذه معارضة بين النصين: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا)، (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا)، قلنا: الجهة منفكة، فمتعلق هذه الآية يختلف عن الأخرى، والعدل في الآية الأولى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [النساء:3] هو في المسكن والملبس، وهذا هو العدل المادي المحسوس، أما قوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:129] فالمقصود بها: العدل القلبي، فقلبك قد يميل إلى واحدة دون الأخرى، وهذا لن تستطيع أن تعدل فيه.

    إذاً: العدل في الأولى يختلف عن العدل في الثانية، ولكن الذين يريدون أن يشرعوا للأمة على حسب أهوائهم ضربوا الآيات بعضها ببعض، وقالوا: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ، الأصل ألا تعدد، وهكذا بسوء الفهم ضيعوا الأحكام الشرعية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً)

    وقال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9]، فهو رب المشرق والمغرب، كما قال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17].

    وقوله سبحانه: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) أي: لا تلجأ إلا إليه، ولا تستعن إلا به، ولا تطلب المدد والعون إلا منه.

    والتوكل على الله عز وجل من أعمال القلوب وهو ثمرة اليقين، وفي الحديث الذي أورده الإمام النووي في كتابه القيم (رياض الصالحين) الباب السابع: باب اليقين والتوكل، حديث عكاشة بن محصن رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي الأمم)، أي: كل الأمم السابقة عرضت على النبي عليه الصلاة والسلام (فرأيت النبي ومعه الرهيط -والرهيط يعني ثلاثة- ورأيت النبي ومعه الرجلان، ورأيت النبي ومعه الرجل، ورأيت النبي وليس معه أحد)، فهذا نبي بعثه الله إلى أمة فلم يستحب له أحد، (ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم سواداً فظن أنه أمته، فقيل له: هذه أمة موسى، ثم رفع له سواد أعظم من الأول فقيل له: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً)، وفي رواية أخرى: (ومع كل واحد من السبعين ألفاً سبعون ألفاً)، فسبعون ألفاً في سبعين ألفاً تصبح أربعة مليارات وتسعمائة مليون من أمة النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء (يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) أنت مغبون إن لم تكن من الأربعة المليار، وليس لك مكان في الأربعة المليار يا عبد الله.

    ثم قال: (مع كل واحد من السبعين سبعون ألفاً، فخاض الصحابة فيهم فقال بعضهم: هم السابقون، وقال بعضهم: هم الذين جاهدوا في بدر واختلفوا فيهم، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ووجدهم يختلفون في شأنهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هم الذين لا يسترقون) (لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم، وإنما يتوكلون على الله عز وجل، ولا يلجئون إلى أحد وإنما يلجئون إلى الله، وليس هذا قدحاً في الأسباب، وإنما هو صدق اللجوء إلى الله، لا يجعل هنا واسطة حتى في الرقية؛ لأن الله يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يتطيرون)، التطير هنا بمعنى التشاؤم، وبعض الناس يتشاءم بيوم الأربعاء، أو يتشاءم بشهر شوال، ويقول: إن تزوجت المرأة في شوال تنكبس، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بـعائشة في شوال، وعقد عليها في شوال.

    فعليك أن تتلقى العلم على يد عالم يضبط لك المسألة؛ لأنه ربما يقرأ قارئ: بنى بـعائشة في شِوال، فكلمة (شوال) لابد أن تشكل، فينبغي أن تتلقى العلم على يد عالم يضبط لك الحروف ويصحح لك النطق.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها في شوال وبنى بها في شوال؛ ليدفع التشاؤم الذي كان عند العرب من هذا الشهر في الزواج والعقد، والبعض إذا دخل على متجره في الصباح رجل إحدى عينيه مصابة بعمى، يقول له: اصطبحنا بوجهك لن نستفتح، اليوم كله هكذا.

    وبعض الناس عنده تفاؤل بالأرقام، يقول: أنا أتفاءل برقم تسعة.

    وكان العرب في الصباح يطلقون الطير، فإذا طار إلى اليمين تفاءلوا، وخرجوا إلى العمل، وإذا طار إلى اليسار تشاءموا وجلسوا في البيوت، هذا هو التطير.

    ولعل بعض كبار رجال الأعمال اليوم يعتمدون في حظهم على الأبراج، يقول لك: أنا برجي الثور، فيقرأ ثم يصدق، هذا من باب التطير ومن باب التشاؤم الذي لا يجوز أبداً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يتطيرون)، وأحياناً تجد شاباً من شبابنا يلبس حظاظة وفي أذنه حلق، هل هؤلاء هم الذي سيحررون الأقصى؟ نسأل الله العافية.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يكتوون -أي: بالنار- وعلى ربهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن رضي الله عنه : ادع الله أن أكون منهم يا رسول الله! قال: أنت منهم يا عكاشة ، وقام آخر وقال: وأنا يا رسول الله، قال: سبقك بها عكاشة)، انظروا إلى الأدب النبوي، لم يقل له: لست منهم، إنما قال بأدب جم: (سبقك بها عكاشة).

    قال العلماء: إما أن يكون الرجل من أهل النفاق، وقد أطلعه الله على ما يبطنه، وإما أنه أراد أن يغلق الباب؛ لأنه لو قال للثاني: أنت منهم لقام الثالث، ثم قام الرابع، فأغلق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب.

    لذلك في حديث البخاري : (كان عند النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة، فأكثروا السؤال عليه، فقال لهم: سلوا عما شئتم، فقام رجل وقال: يا رسول الله! من أبي؟ فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أبوك حذافة، فقام آخر وقال: وأنا يا رسول الله! من أبي؟)، فاشتد عمر غيظاً وجلس على ركبتيه وكبر وسبح حتى يمنع تلك الأسئلة التي لا يترتب عليها عمل، ولذلك أنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، فالسؤال لابد أن يكون سؤالاً حكيماً يترتب عليه عمل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً)

    قال الله سبحانه: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [المزمل:10]، هذه الآية مهمة جداً للداعية، فقد يقال له: ساحر، مجنون، شاعر، إرهابي، عميل، متحجر، لص، رجعي، ولهذا قال الله سبحانه: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [المزمل:10]، دع الكلاب تنبح، وأد أنت الرسالة ولا تعاتبهم، ولا تنزل إلى مستواهم في السب والشتم.

    إن أفضل الأمور للرد على من أعرض ومن طعن في السنة أو في القرآن هو الإعراض عنه أحياناً، فأعرض عنه الإعراض الجميل، ولا تقم له وزناً، فهو حشرة ليس له ذكر، فأراد أن يكون له ذكر، فقام يطعن في القرآن، حتى يقال: فلان طعن في القرآن، أو فلان طعن في الحجاب، أو فلان طعن في كذا، فيصبح له ذكر بين الناس فيطعن لأجل هذا الغرض، فلا تعطه غرضه واتركه وأهمله ولا تقم له اعتباراً.

    يقول ربنا: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [المزمل:10]؛ لأن الله ناصرك، فأنت تتقدم وهم يتأخرون، أنت تفتح البلاد وهم يسلمون، شأنك يعلو وهم يتراجعون، لذلك اترك من يخوض في عرضك، دعه يتكلم، وأنت إلى الأمام دائماً بإذن الله عز وجل، لذلك هذه نصيحة لطالب العلم: لا تنشغل بقيل وقال، وكثرة السؤال، وقالوا وقلنا، انطلق وأنتج، وكن مسلماً، أما أن تنشغل بكلام هذا وكلام هذا فلن تتقدم خطوة.

    وقال الله سبحانه: وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [المزمل:10]، قال المفسرون: الهجر الجميل: هو الهجر الذي ليس فيه عتاب ولا سب ولا أذى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن لدينا أنكالاً وجحيماً ...)

    يقول ربنا سبحانه: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا [المزمل:12] أي: هذا ما أعده الله للمكذبين: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [المزمل:12-13].

    يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا [المزمل:14]، وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [المزمل:11]، في أول الآيات: ( ذَرْنِي ): اتركني مع أهل التكذيب والإعراض، وانظر حينما يكون الله قد انفرد بهذا الظالم، كما قال الله: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44].

    قوله: (أُولِي النَّعْمَةِ) أي: أصحاب الترف وأصحاب الفخامة، أمثال: شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأبي جهل ، وأمية بن خلف ، الأسماء اللامعة في عالم الضلال والكفر، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [المزمل:11]، أي: موعدهم قريب في يوم بدر، فهو موعدهم جميعاً يوم أن داستهم الأقدام، وسحبوا على وجوههم إلى بئر بدر، ووقف فوق رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم يخاطبهم : (يا شيبة بن ربيعة ، يا عتبة بن ربيعة ، يا فرعون الأمة أبا جهل ، يا أمية بن خلف ، إني وجدت ما وعدني ربي حقاً من النصر والتمكين، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً من الخذلان والتنكيل؟ قال عمر : يا رسول الله أتحدث أجساداً قد ماتت فقال صلى الله عليه وسلم: يا عمر والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يجيبون)، هذا مصير كل طاغية، إن الظالم له نهاية، ونهايته كنهاية هؤلاء، فإن دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55].

    يقول ربنا سبحانه: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا [المزمل:12] أي: قيوداً في أقدامهم: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ [المزمل:12-13]، أي: طعاماً كريهاً نتناً يأخذ بالحلق فلا يخرج ولا يدخل إلى المعدة، كالشوك، هذه وجبات أهل النار:

    الوجبة الأولى: الزقوم، إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان:43-45].

    الوجبة الثانية: الضريع، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:7].

    الوجبة الثالثة: الغسلين، وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة:36] والغسلين كما قال ابن عباس : هو القيح والدم والصديد المتخلف عن أجساد أهل النار، هذا طعامهم، يقول ربنا سبحانه: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:16-17].

    ويقول سبحانه: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29].

    وقال ربنا سبحانه: وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا [المزمل:13] أي: شديداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً)

    قال سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا [المزمل:15] أي: محمداً صلى الله عليه وسلم، : شَاهِدًا عَلَيْكُمْ [المزمل:15] أي: على هذه الأمة، وعلى من أعرض، وعلى من استجاب، وعلى من أبى، ومن امتثل.

    ثم قال سبحانه: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا [المزمل:15]، وهو موسى بن عمران عليه السلام، جاء إلى فرعون، وحدثت المناظرة الكبرى بين فرعون وموسى، وفرعون لقب لحاكم مصر، دخل عليه موسى يدعوه إلى ربه، فقال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24].

    وقال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، فأجرى الله الأنهار من فوقه، والجزاء من جنس العمل، وهذا إمهال واستدراج من الله الذي لا يغفل عن أي ظالم أبداً.

    قال الله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا [المزمل:15]، قال فرعون لموسى: من ربك يا موسى ويا هارون؟ فقالا: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] فأجابهم فرعون: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:51-52] هذا حوار بين موسى وفرعون، فماذا قال فرعون بعد ذلك الحوار؟ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [طه:63]، وكيف يكون موسى ساحراً وقد تربى في بيتك، وأنت تعلم أمانته، ولكن هذه التهمة كانت جاهزة: (ساحر)، ثم قال فرعون لحاشيته: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى [طه:64]، تولى فرعون وسعى في المدينة وجمع السحرة الأكفاء، وجاءوا وهم يقولون: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44]، يقسمون بعزة فرعون، ثم سألوه: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:41-42]، أيضاً ستصبحون من البطانة، هذا الأجر الذي يسعون إليه أن يكونوا من البطانة، ويكون لهم حكم وتمكن وقدرة، فماذا قالوا لموسى؟ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى [طه:65] أي: نحن واثقون من أنفسنا إما أن تبدأ أو نبدأ نحن، فالنتيجة معروفة مسبقاً، وهذا غرور من السحرة، فأجاب موسى: قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:66-69]، ألقى موسى العصا، فلما رأوا العصا بأعينهم، وهم أرباب المهنة عرفوا الحقيقة، فقال الله عن حالهم: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا [طه:70] الله أكبر! التحول في دقيقة من الكفر إلى الإيمان، فمن صاحب الأمر في تحول القلوب؟ إنه الله عز وجل، والقلب ما سمي قلباً إلا لشدة تقلبه.

    فماذا قال فرعون؟ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه:71] حتى الإيمان يحتاج إلى إذن من فرعون، كل شيء بإذن، وهكذا حالنا الآن تريد أن تصلي خذ إذناً، تحضر محاضرة خذ إذناً، تقرأ قرآناً خذ إذناً، تصلي الفجر استأذن، حتى العبادات الفردية لابد أن تستأذن فيها، آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه:71]، يا كذاب يا ضال أنت الذي جئت بهم، هم أربابك وأتباعك موسى لا يعرفهم، أيكون الذي علمهم السحر موسى؟! يا رجل أما تعقل؟ هذا قلب للحقائق، هذا ارتكاس وانتكاس للأمور عند الفراعنة، وهذا دأبهم وهذا عهدهم، لذلك قال فرعون: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [طه:71] هذا ما يملكه فرعون: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] قتل، وتنكيل، قطع للأيادي والأرجل من خلاف، إما أن تعودوا إلى الكفر وإما العذاب، ماذا قال السحرة؟ قالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [طه:72] الله أكبر! السحرة في وقت ضئيل تحولوا من قمة الكفر إلى قمة الإيمان والصبر على الأذى، فصاحب الأمر هو الله عز وجل.

    ثم قال سبحانه: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [المزمل:16] أي: شديداً، لقد أدرك فرعون موسى ومن معه بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر فانفلق بإذن الله، وعلا الموج يميناً ويساراً، ومر موسى مع بني إسرائيل في أمن وطمأنينة: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، مر بين الفلقتين بأمر ربه سبحانه، فجاء فرعون خلفهم، فلما نزل إلى البحر مع جنوده أطبق عليهم الماء، فقال المجرم الكافر: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، الكبر حتى عند موتك، لم يقل: آمنت أنه لا إله إلا الله وإنما قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فقال الله له: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس:91] أي: بعد فوات الأوان، لقد أقمنا عليك الحجة، ولكن الحجة لا تنفع إلا من أراد الله سبحانه له النفع.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً)

    الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.

    وبعد:

    فقد نسينا أن نذكر: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا [المزمل:14] هذا من علامات الساعة: تتزلزل الأرض، وترتجف، وتتشقق السماء، وتنتثر نجومها، وينفرط عقدها، ولذلك يقول ربنا: السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل:18] أي: أن السماء ستتشقق يوم القيامة.

    إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ [المزمل:15-17] أي: كيف تتقون هذا العذاب؟! إِنْ كَفَرْتُمْ [المزمل:17] أي: بعد كفركم وبعد إعراضكم، كيف تتقون: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل:17]، الطفل الصغير الرضيع يشيب في هذا اليوم من شدة ما يرى من العذاب: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2].

    يا عبد الله! صدق من قال: إن قلتها مت، وإن لم تقلها مت، فقلها ومت، لقد أرسل المأمون إلى الإمام أحمد لما فتن بفكر الاعتزال، والمأمون هو أحد خلفاء العصر العباسي الأول، دفع عليه الاعتزال علماؤهم حتى أقنعوه أن القرآن مخلوق، فامتحن الناس، وأرسل إلى الإمام أحمد مع محمد بن نوح الذين أبوا أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، وحملهم المأمون في بعير كل في ناحية يعني: أحمد في ناحية ومحمد بن نوح في ناحية أخرى على بعير واحد، وقد ذهبوا إلى المأمون فجاءه أحد الناس وقال له: يا أحمد لقد سل المأمون سيفاً لم أر مثله قبل ذلك قط، وعزم على قتلك إن لم تستجب لأمره بأن القرآن مخلوق، فهذا الذي هدده وتوعده: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [آل عمران:173].

    جاءه أحد من العلماء وهو على البعير وقال: يا أحمد أنت الآن رأس أمة، فإن زللت فستزل الأمة معك، وأنت في الحالتين ميت، فاصبر على إيذائه، فإن قلتها ستموت وإن لم تقلها ستموت، وزلة العالم زلة عالم، فاحذر يا أحمد أن تكون رأساً للفتنة، واصبر على إيذائه، يقول الإمام أحمد : فثبتني بقوله: وطمأن قلبي، وبينما أنا في الطريق إلى المأمون وقد عرفت أنه عزم على قتلنا بالسيف الذي أعد، قلت: يا رب إن كان كلامك غير مخلوق فلا تجمع بيني وبين المأمون في الدنيا بعد اليوم، فأتى الصارخ في ثلث الليل أن المأمون قد قبضه الله، الله أكبر! هؤلاء هم العلماء الربانيون، الذين إذا دعوا الله عز وجل استجاب لهم، مات المأمون ثم جاء بعده المعتصم ثم ابتلاه أيضاً، وحبسه أكثر من ثمانية وعشرين شهراً، ثم جاء المتوكل بعد الواثق فأطلق سراحه، وقال: أحمد بن حنبل إمام أهل السنة يبلغ ما شاء الله أن يبلغ، ودافع عن منهج السلف، وعاد أحمد ليرفع الرأس، وأذل الله أئمة الكفر، وهذه سنة الله سبحانه في أصحاب الدعوات، لا يمكن بحال أن تكون للظالم دولة أبداً مهما طال، ومهما طال سواد الليل لا بد من طلوع الفجر، وبعد ألم المخاض وضعاً وبعد العسر يسراً، وبعد الضيق فرجاً.

    أسأل الله سبحانه أن ينصر الإسلام وأن يعز المسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين.

    اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

    اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.

    اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    اللهم ول أمورنا خيرنا.

    اللهم آمنا في أوطاننا.

    اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك.

    اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.

    يا رب لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.