إسلام ويب

تفسير سورة القلم [1]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلم منزلة عظيمة وشرف لصاحبه ورفعة له في الدنيا والآخرة، والعلم يفتقر إلى العمل، فلا بد من العمل بالعلم؛ حتى يثمر العلم في صاحبه، وللعلم آداب ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم حتى ينتفع بعلمه وينفع به الناس، فإن العلم إن لم ينفع صاحبه فإنه يضره، ويكون حجة عليه أمام ربه يوم القيامة.

    1.   

    الإشارة إلى فضل العلم في سورة القلم

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وما بكم من نعمة فمن الله.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا بعد ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

    وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    ثم أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم مع سورة القلم، وسورة القلم هي السورة الثانية في جزء تبارك، وهي سورة مكية، أي: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة؛ لأن معيار التفرقة بين المكي والمدني عند العلماء على الراجح من أقوالهم: أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن نزل خارج مكة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بمكة، فهي سورة مكية عدد آياتها (52) آية، افتتحها الله عز وجل بقوله: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القلم:1-7].

    ولقاؤنا هذا مع قول الله سبحانه: وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]، أقسم الله سبحانه وتعالى بالقلم لمنزلة العلم، ولمنزلة العلماء، وإشارة إلى فضل القلم الذي به يكتب العلم.

    قال المفسرون: إما أن يكون القلم هو القلم الذي كتب الأقدار، حيث قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) ، فكتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    أو القلم هو كل قلم يكتب العلم ويسطره.

    وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1] أي: وما يكتبون، إشارة إلى منزلة العلم، ومن ثم حديثنا عن العلم وحقيقته، وفضل العلماء، وحكم طلب العلم، وآداب طلب العلم، وآداب طالب العلم مع نفسه، وآداب طالب العلم مع شيخه، وآداب التلقي لطلب العلم، ثم محاذير ينبغي أن ينتبه إليها طلاب العلم، هذا هو موضوع اللقاء، أسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع.

    1.   

    تعريف العلم لغةً واصطلاحاً

    العلم لغة عند العلماء: هو إدراك الشيء على حقيقته إدراكاً جازماً. هذا التعريف اللغوي، أما التعريف الاصطلاحي فالعلم: هو العلم بالشيء على حقيقته. هذا هو العلم، وضده الجهل المركب.

    وتنقسم تلك المصطلحات إلى أنواع أريد أن أشير إليها، إن سئلت متى كان فتح مكة؟ فإن قلت: في العام الثامن؛ لأنك أدركت الشيء على حقيقته، هذا يسمى علماً، فإن قلت: فتح مكة في العام التاسع فهذا جهل مركب وليس جهلاً بسيطاً؛ لأنك أدركت الشيء على غير حقيقته.

    فإن قلت: لا أدري فهذا جهل بسيط، والجهل البسيط أدنى من الجهل المركب، والجهل المركب في هذا الزمان حدِّث عنه ولا حرج، جهل بغير علم، وقول بغير دليل، وافتراء على الأدلة.

    فإن قلت: فتح مكة كان في العام الثامن ويحتمل أن يكون في السابع، فكونك أدركت الاحتمال الراجح، ثم ذكرت قولاً مرجوحاً، فهذا ظن.

    فإن قلت: فتح مكة في العام السابع ويحتمل أن يكون في الثامن، فهذا وهم.

    فإن قلت: لا أدري ربما يكون في السابع أو الثامن، فهذا شك.

    إذاً: هناك علم، وهناك جهل مركب، وجهل بسيط، وظن، ووهم، وشك، لا بد أن تفرق بين هذه المصطلحات، وإدراك الشيء على حقيقته هذا هو العلم.

    1.   

    فضل العلم وأهله ونماذج ممن رفع العلم قدرهم

    قد جاءت الآيات والأحاديث تبين فضل العلم، منها: قول ربنا عز وجل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    فالعلم يرفع قدر أصحابه في الدنيا والآخرة، ولنا في ذلك نماذج:

    أولاً: أنبياء الله ورسله أنعم الله عليهم بالعلم، قال الله في حق آدم: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31].

    وقال الله في حق موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [القصص:14].

    وقال الله في حق إبراهيم: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم:43].

    وخير الأنبياء محمد قال له ربه: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113]، وقال له ربه: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    ثانياً: دخل رجل إلى البصرة فقال: من سيد هذه البلدة؟ من كبيرها؟ قالوا: الحسن البصري قال: بم تقدم عليكم؟ قالوا: احتجنا لعلمه، واستغنى هو عن دنيانا.

    ولما دخل البخاري إلى نيسابور استقبله أهلها على مراحل من البلدة، ونثروا عليه الدراهم والدنانير ترحيباً بقدومه على بلدتهم، فسألت امرأة ولدها، قالت: يا بني من هذا؟ قال: هذا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، فقالت: يا ولدي هذا هو الملك لا ملك هارون.

    وقد فرق العلماء بين الكلب المعلم، والكلب الجاهل، فإن أرسلت كلبك المعلم وأتاك بصيد فسم الله وكل شريطة أن تسمي عليه قبل أن ترسله، وإن أرسلت كلبك الجاهل فلا ينبغي أن تأكل من صيده.

    وهذا الهدهد قال لسليمان كما أخبر الله سبحانه عنه: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22].

    والنملة وعظت وأرشدت، ونبهت، وأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وأحبت لبني جنسها ما تحب لنفسها: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    فالعلم يرفع قدر من يحمله؛ لذلك يقول عمر بن الخطاب : تعلموا قبل أن تسودوا، قال البخاري معلقاً: وبعد أن تسودوا.

    والمقصود بقبل أن تسودوا كما قال ابن حجر : قبل أن تصبحوا سادة، وربما يكون المعنى قبل الزواج؛ لأن الرجل سيد الزوجة، وبعد أن يتزوج يذهب بعض الوقت في الحاجات الزوجية، والإنفاق على الأولاد، فالأوقات تخرج منه رغم إرادته، فتعلّم قبل أن تسود. يعني: قبل أن تكون قائداً، ومن ثم كانوا يطلبون العلم في صغرهم، وكانوا يرحلون لطلب العلم.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام قد جاءت عنه الأحاديث في فضل العلم والتعلم، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء)، فالعلم ميراث الأنبياء، فيا من أخذت العلم لقد أخذت ميراث الأنبياء، وهو الذي يبقى لك بعد موتك، يقول صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

    ويقول ربنا سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28].

    ويقول: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .

    فطريق الجنة العلم، والمخرج مما نحن فيه من الفتن العلم، ولذلك كان أبو سعيد الخدري إذا رأى رجلاً يطلب العلم، قام إليه قائلاً: مرحباً بوصية رسول الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (مرحباً بطالب العلم) ، وقد أفرد الإمام البخاري في صحيحه كتاباً للعلم، فأول كتاب في صحيحه هو كتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، ولوقوع هذا الكتاب بهذا الترتيب سبب وحكمة، وهي أن العلم بلا إيمان لا وزن له، والعلم بغير وحي لا قيمة له؛ لأن الدين مداره على الوحي والإيمان؛ لأن الإيمان مفتاح قبول الأعمال، فجعل البخاري العلم بعد بدء الوحي والإيمان، ووضع فيه أبواباً كثيرةً بين فيها آداب طلب العلم، وآداب العلم، وآفات طلب العلم، وفي ذلك قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر. فالعلم يضيع بين الكبر والحياء.

    وفي الحديث عن علي رضي الله عنه قال: (كنت رجلاً مذاءً -يعني: كثير المذي-، فمنعني الحياء أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنزلة فاطمة مني، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع، فلما سأله قال: يكفيك منه أن تغسل المذاكير وتتوضأ، وليس منه الغسل) . فهو رغم حيائه من الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعه ذلك من طلب العلم.

    يقول ابن حجر : فإن منعك الحياء فكلف غيرك ليسأل؛ حتى لا تمتنع أو حتى لا تستفد من العلم بسبب الحياء.

    وقال البخاري أيضاً في ذات الكتاب: باب الفهم في العلم، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فطرح مسألة علينا؛ ليختبر ما عندنا من فهم، وقد بوب عليه البخاري فقال: باب الإمام يطرح المسألة على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأل وهو يعلم، قال: (إن من الشجر لشجرة لا يسقط ورقها، حدثوني ما هي؟ يقول ابن عمر فوقع الناس في شجر البوادي)، وقد خرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وهو يأكل جماراً، والبخاري ذكر هذا الحديث في كتاب البيوع؛ لأن النبي خرج وهو يأكل الجمار، وما يجوز أكله يجوز بيعه، وهذا من فقه البخاري ، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرب المسألة لأصحابه، فخرج بشيء في يده وهو الجمار حتى يقرب المعنى لمن يستطيع أن يستنبط، فإن الجمار يشير إلى النخل، فطرح هذا السؤال والأفهام تتفاوت، وسنقف بعد قليل على آداب الاختلاف في العلم؛ لأن الكثير يتطاول بعلم أو بغير علم، والعلم رحم بين أهله، وطالب العلم لا يعرف البذاءة، ولا يعرف إلا الأدب، ولذلك قال ابن سيرين: علم بلا أدب نار بلا حطب. إن فقد طالب العلم الأدب فقد وقود العلم، ولذلك قال ابن عمر: (كنت أصغر القوم فاستحييت أن أحدث رسول الله بها، ودار في نفسي أنها النخلة)، فامتنع عن الإجابة حياءً، فلما عجز الحضور عن الإجابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها النخلة، مثلها مثل المؤمن)، ما وجه الشبه بين النخلة والمؤمن؟ النخلة نفعها ممتد، كذلك المؤمن بعد موته، نفعه يمتد، فهو في قبره وعلمه يتنقل بين الناس، فانظر ماذا تركت يا عبد الله بعد موتك؟! يقول ابن عمر فقلت لأبي: (لقد حدثتني نفسي أنها النخلة، قال: يا بني لقد كان أحب إلي من الدنيا وما فيها أن تخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    1.   

    حكم الإقبال على مجالس العلم والإعراض عنها وذكر الأحوال التي تجوز فيها الغيبة

    كان النبي عليه الصلاة والسلام في مجلس علم، ودخل إلى مسجده ثلاثة نفر: أما الأول فوجد فرجة في حلقة العلم فجلس في الفرجة، لذلك من آداب طلب العلم أن نجلس على هيئة حلق، لا أن نتشرذم ونتبعثر، فوجود صف في الأول وصف في الآخر، وثالث في آخر المسجد ورابع في الخارج هذا منهي عنه، لا بد لطلاب العلم أن يجتمعوا وأن يتقاربوا، كما كان يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بذلك، فالأول وجد فرجة فجلس فيها، والثاني جلس بعيداً عن حلقة العلم استحياءً، والثالث خرج معرضاً عن حلقة العلم بغير عذر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أما الأول أقبل فأقبل الله عليه، وأما الثاني استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث أعرض فأعرض الله عنه).

    الإعراض عن مجالس العلم إعراض عن الله، والإقبال عليها إقبال على الله، ربما يقول قائل وقد سمع الحديث، كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أما الثالث أعرض فأعرض الله عنه) والرجل غير موجود، أليست هذه غيبة؟ وهذا كلام يحتاج إلى إجابة، يقول العلامة ابن حجر : وهذه لا تعد من الغيبة؛ لأن الغيبة لا تعد غيبة في ستة مواضع لا بد أن تعرفها، يقول العلماء:

    القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر

    ومجاهر فسقاً ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر

    القدح ليس بغيبة في ستة أحوال:

    أولاً: متظلم: ظلمك فلان فذهبت تشكوه إلى ولي الأمر أو إلى من بيده الحل والعقد، فتقول: فلان ظلمني، أخذ مالي، فعل بي كذا، ليس في حضوره، فأنت الآن تذكره رغم عدم وجوده، فلا يعد هذا غيبة.

    ثانياً: ومعرف: ربما تذكر رجلاً فيعجز الناس عن معرفته، تقول: محمد بن أحمد بن علي، فلا أحد يعرفه، فقلت: الأعرج، فعرفه الناس بهذا اللقب، ولكن لا تقل: الأعرج على سبيل السخرية والتعريض، ولكن على سبيل التعريف.

    ثالثاً: ومحذر: رجل يأكل أمول الناس بالباطل، كلما أخذ مالاً لا يرده، فجاءك يقترض منك مبلغاً، فقلت له: أمهلني وجئت تسأل: يا فلان ما رأيك في معاملة فلان؟ هل إن حذرت منه تكون غيبة؟ لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة التي جاءت وقالت: (يا رسول الله تقدم لخطبتي معاوية وأبو جهم فمن أتزوج؟) والكثير من الناس الآن حينما يسأل عن زوج أو غيره لا يقول الحقيقة وهذا جهل مركب، ليس بسيطاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له -أي: لا يقدر على أعباء الزواج، ولا يتحمل الباءة والإنفاق- فلا تتزوجيه، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)، يعني: ضراب يضرب النساء كثيراً فلا تتزوجي هذا ولا هذا، فهذه ليست غيبة.

    رابعاً: مستفت: يطلب الفتوى في مسألة بينه وبين رجل، فيذكر عنه أنه كذا وكذا.

    خامساً: ومجاهر فسقاً: أي: رجل يجاهر بالمعصية، لا بد أن تحذر منه.

    سادساً: ومن طلب الإعانة في إزالة منكر: ذهبت إلى ولي الأمر فقلت: إن عند فلان منكراً، فطلبك للإعانة في إزالة المنكر ليس بغيبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (أما الآخر أعرض فأعرض الله عنه) ليست غيبة؛ لأنه يحذر من صنيعه كما قال العلماء.

    1.   

    آداب طالب العلم مع نفسه

    ننتقل في عجالة إلى آداب طلب العلم، العلم هو درة في هذا الشرع المطهر، فينبغي أن نتحلى بآدابه، وأن نتخلى عن آفاته، فما هي آداب طلب العلم؟ هناك آداب للطالب في نفسه:

    أولاً: ينبغي أن يكون مخلصاً في طلبه للعلم. فلا يطلب العلم ليماري به العلماء، وليجادل به السفهاء، وليلفت به أنظار الناس إليه، حتى يقال: العالم العلامة، والبحر الفهامة، والأستاذ كذا وكذا، يسعى للشهرة ولا يسعى لرضا ربه عز وجل، ولذلك من الثلاثة التي تسعر بهم النار: عالم طلب العلم لغير الله، فيدنيه الله ويعرفه نعمه ويقول له: (علمتك العلم فماذا صنعت به؟ يقول: يا رب ما تركت مكاناً إلا وعلمت الناس فيه، فيقول: كذبت، إنما تعلمت العلم وعلمته ليقال عنك: عالم، وقد قيل، خذوه على وجهه إلى النار) .

    إذاً: طالب العلم لا بد أن يفتش في النية، ونية المرء خير من عمله، ولذلك يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) .

    ثانياً من آداب طالب العلم في نفسه: أن يكون سلفياً، على منهج السلف الصالح. فلا ينتمي إلى فرق الضلال والبدع، ولا إلى جماعات حزبية تدعو إلى العنصرية والبغضاء، وتشيع في الناس التفرقة، وإنما طالب العلم سبيله القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، فكن يا طالب العلم من أتباع السلف الصالح على منهج أهل السنة والجماعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، فتعرف على منهج أهل السنة، من هم أهل السنة؟ وما هي عقيدتهم أو منهجهم في الخلاف؟ وما هو منهجهم في الاعتقاد؟ وما هو منهجهم في العبادات؟ وما هو منهجهم في دراسة الفقه؟ أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية، فإياك أن تكون مع أهل البدع والأهواء يا طالب العلم.

    ثالثاً: أن تعرض عن مجالس اللغو. فطالب العلم سمته واضح بين، لا يكون مع البطالين، ولا يجلس على المقاهي، ولا يذهب إلى مباراة، ولا يجلس في مكان لهو وعبث، إنما طالب العلم له سمت ينبغي له أن يتحلى بهذا السمت؛ لأنه محسوب على العلم والعلماء.

    رابعاً: طالب العلم لا يعرف الكبر إنما يعرف التواضع، وينبذ الخيلاء؛ لأنه كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً. وكما قلنا: العلم ثلاثة أشبار، من حصل الشبر الأول تكبر، ومن حصل الشبر الثاني تواضع، ومن حصل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم، فلا تكن أبا شبر، وما أكثر أبي شبر، أبو شبر حينما يحصل الشبر الأول يتكبر، إنما العالم كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً، فإن سمعت من يقول: أنا أعلم، أنا أفضل، فكبر عليه أربع تكبيرات من غير ركوع ولا سجود؛ لأنه في عداد الأموات، فطالب العلم لا يعرف الكبر؛ لأن الكبر مرض من أمراض القلوب، فلا تنظر إلى الناس كأنهم أدنى منك، وأنهم بعوض، وجرذان، وضفادع، وأنت في برج عالٍ.

    أين أنت من أصحاب رسول الله؟

    هذا عمر -وما أدراك ما عمر - يقول: لو نودي يوم القيامة: كل الناس يدخلون الجنة إلا واحداً، لخشيت أن أكون أنا هو.

    و أبو بكر يقول: لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارج الجنة ما أمنت مكر الله عز وجل.

    هذا هو الخوف من الله، وخشية حبوط العمل وعدم قبوله، وخوف الرياء والسمعة، وخوف عدم ارتفاع الأعمال إلى الله، طالب العلم وجل خائف يلازم الخشية، يلازم المراقبة، هذا هو طالب العلم، ثم يتأمل فمن تأمل أدرك، ومن ثبت نبت، تثبت على طريق ولو كان وعراً، هذه آداب لطالب العلم في نفسه، وهناك آداب لطالب العلم مع شيخه.

    1.   

    آداب طالب العلم مع شيوخه

    من آداب طلب العلم: أن يطلب العلم على يد شيخ، وهناك أقوام يقولون: ما حاجتنا إلى العلماء، عندنا الآلات الحديثة: السيديهات، الأشرطة، الكتب، لا حاجة لنا إلى العلماء، وما ضاعت الأمة إلا بعد العلم، وما تفرقنا إلا بعد العلم، وهناك من يقول: نبلغ العلم. البلاغ مطلوب، لكن تبلغ بعد أن تعلم، يقول البخاري : باب العلم قبل القول والعمل، فقبل أن تبلغ لا بد أن تعلم ما تبلغ، حتى لا تبلغ جهلاً، فلا بد أن تبدأ بالعلم، فاعلم أنه لا إله إلا الله، فالعلم يسبق القول والعمل.

    يقولون في أدب طالب العلم مع العلماء: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه.

    ومن دخل إلى العلم وحده خرج من العلم وحده.

    ولا تأخذوا العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي.

    كل عالم من علماء السلف كان له شيخ وشيوخ يتعلم على أيديهم، فكان ابن عباس يذهب إلى بيت زيد بن ثابت ليسأله، فينام على باب داره حتى يخرج إليه، أدب مع العلم، فلما تقدم به العمر علم الصحابة أن ذلك الغلام كان أفقههم لدين الله؛ لأنه اجتهد في طلب العلم، ولن تجد عالماً ليس له شيوخ إلا علماء الكتب، وهذه الكتب لا تخرج شيوخاً، الكتاب مطلوب، لكن لا بد من مدارسته على يد شيخ، فالعلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، والعالم يسهل لك الطريق.

    ومن آداب طالب العلم مع شيخه: ألا يكثر عليه في السؤال، وألا يسير أمامه، ولا أن يجلس قبله، وألا يناديه باسمه مجرداً، وإنما يقول يا شيخنا، يا شيخي.

    أحبتي الكرام! هذه آداب لطالب العلم مع شيخه، وهناك آداب لتلقي العلم من بطون كتب السلف، بحفظ المتون والمختصرات، وأن تبدأ رويداً رويداً، فمن دخل إلى العلم جملة، فقد العلم جملة، كما يقولون.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

    من آداب طالب العلم مع شيخه: ألا يذكر عالماً آخر بسوء.

    يقول ابن عساكر: اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب. فلا يجوز لطالب العلم أن يتتبع عورات العلماء، أو أن يعرض بأسمائهم، نعم ربما يخطئ العالم فلك أن تصوب، ولكن دون تجريح ودون أن تذكر أو تعرض، لذلك كان علماؤنا يحرصون على هذا الأدب، فالأدب مقدم على طلب العلم، فقبل أن تبدأ العلم لا بد أن تتعلم الأدب، ولذلك إخوتي الكرام جاءت الآيات القرآنية تعلمنا هذا المنهج حينما اتبع موسى الخضر، فماذا قال له؟ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66]، أدب في الاستئذان، وأدب في الاتباع، وأدب في الطلب.

    وربنا سبحانه حينما قال لعيسى: أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ [المائدة:116]، كان الجواب أن يقول: لم أقل، ولكنه من باب الأدب قال: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116].

    ويوسف عليه السلام أدباً مع إخوته، وتلطفاً بهم بعد أن عاد إليهم وعرفوه وعرفهم، قال عن فضل ربه عليه: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100]، رغم أنهم ما وضعوه في السجن، فلم يذكر الجب وذكر السجن أتدري لماذا؟ لأن ذكر الجب سيستدعي الآلام مع إخوته فيذكرهم بما صنعوه، فذكر السجن ولم يذكر الجب تأدباً وتلطفاً.

    وسئل العباس عم رسول الله عليه الصلاة والسلام: أأنت أكبر أم رسول الله؟ فمن باب الأدب قال: رسول الله أكبر مني، وأنا أسن من رسول الله، هذا هو الأدب.

    فطالب العلم ينبغي أن يتعلم الأدب مع شيخه، والأدب في كيفية الطلب، والأدب في التعامل مع الكتاب، والأدب في كيفية تلقي العلم، فهذه آداب هامة نحيلكم فيها إلى كتاب أستاذنا الفاضل بكر أبو زيد في كتابه القيم (حلية طالب العلم) ويوم فقدت الأمة هذه الآداب عمت الفوضى، وساءت الأخلاق وهذا يطعن في ذاك، وذاك يجرح هذا.

    وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذلك

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم ارزقنا حسن الأدب، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً.

    نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، استر عوراتنا، آمن روعتنا.

    اللهم نسألك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.

    اللهم علمنا القرآن وخلقنا به، وارزقنا حب القرآن، وارزقنا فهم القرآن، وارزقنا عطاء القرآن ونور القرآن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا.

    اللهم انزع الغل والحقد والحسد من صدورنا.

    اللهم أصلح ذات بيننا.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

    اللهم ول أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين.

    اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واخسف بهم الأرض، وجمد الدم في عروقهم.

    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا! اللهم اعف عنا، وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك سلمنا، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.