إسلام ويب

العدة شرح العمدة [69]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمساقاة في الزراعة عدة أحوال، وهي أن يساقي على شجر قائم، أو يساقي على ثمر على شجره، أو يساقي على شجر لم يغرس بعد، أما المزارعة فصفتها أن يدفع مالك الأرض أرضه لمن يزرعها ويقوم عليها بجزء من زرعها.

    1.   

    باب المساقاة والمزارعة

    قال المصنف: [ باب المساقاة والمزارعة ].

    المساقاة هي: أن يدفع شجراً لمن يقوم عليه بجزء من ثمره.

    ما الفرق بين الشجر والزرع؟

    أولاً: الشجرة لها ساق وفروع وثمرة، أما الزرع فليس له ساق، ويمكن أن يكون له ثمرة.

    ثانياً: أن الزرع له الحصاد، والشجر له الجذاذ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، وفي سورة القلم: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ [القلم:17].

    أنواع المساقاة

    قال: [ أن يدفع شجراً لمن يقوم عليه بجزء من ثمره، ولها ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: شجر قائم يساقي عليه.

    الحالة الثانية: ثمر على شجر يساقي عليه.

    الحالة الثالثة: شجر لم يغرس بعد ].

    الحالة الأولى: شجر قائم يساقي عليه: عندي مثلاً نخلة، جريد وساق وجذع والثمر غير موجود على الإطلاق، وأساقي عليها بمعنى أن أقول لك: اسقها وراعها حتى تنبت الثمرة، وعند جذاذ الثمرة لك الربع. هذه تسمى مساقاة على شجرة قائمة لم تنبت بعد.

    الحالة الثانية: إذا طرحت النخلة خميماً -وهو بلح صغير أخضر لم يلقّح بعد- فقلت لك: الشجرة في طريقها للنمو خذها واسقها وراعها إلى أن تكتمل الثمرة ولك النصف ولي النصف، جاز ذلك، وهذه تسمى: مساقاة على ثمر على شجر.

    الحالة الثالثة: مساقاة على شجر لم يغرس بعد: أردت أن أزرع نخلة، فجئت بك وقلت لك: أريد أن أغرس نخلة هنا وأنت تراعيها بالسقيا والمتابعة حتى تنمو وتضع الثمرة، وثمرتها بيني وبينك مناصفة، وهذه مساقاة على شجرة لم تزرع، وهذا يجوز أيضاً.

    ما تصح فيه المزارعة

    قال: [ وتجوز المزارعة في الأرض بجزء من زرعها سواء كان البذر منهما أو من أحدهما؛ لحديث ابن عمر ].

    انتقل المصنف إلى المزارعة، ويقصد بالمزارعة: أن يدفع المالك الأرض لمن يزرعها ويقوم عليها بشرط أن يقول له: لك ربع الإيراد ولي الثلاثة أرباع، وينهى عن المزارعة إن حدد له مساحة، يقول: لك هذا القيراط ولي الباقي، أي أنه حدد له جزءاً من الأرض، قال: ناتج هذا الجزء لك، والباقي لي، فهذا منهي عنه؛ لأن ناتج هذا الجزء لا أعرفه، وربما لا ينتج أصلاً وينتج الباقي، ففي هذه الحالة يكون المظلوم المزارع، بل لابد أن يكون مشاعاً بيننا، فالحلو والمر لا بد أن يكون بيننا، أما أن تعطيني المنطقة السوداء الجرداء التي لا تنتج وتأخذ أنت الصفراء التي تنتج، وتقول: لك هذا القيراط ولي الباقي؟ فهذا لا يجوز شرعاً.

    قال: [ المزارعة: دفع الأرض لمن يزرعها ].

    لو قلت لك: ازرع هذه الأرض -وبذرها على المالك- قطناً، فأنت الآن تبذرها وتسقيها، وتقوم على رعايتها إلى أن نحصد الزرع وبالنصف، وربما نقول: البذر مناصفة بين المالك وبين المزارع، فهذا جائز أيضاً، وربما يقول: أنا مالك وليست عليّ البذور، وإنما هي على المزارع، فكله جائز حسب الاتفاق.

    والزكاة كل على حسب نصيبه، فإذا أخذتُ النصف وأنت أخذت النصف إذاً زكاتك تلزمك وزكاتي تلزمني إن بلغ النصيب النصاب، وهذه مسألة أخرى في الزكاة.

    قال: [ لحديث ابن عمر ، وفي لفظ: (على أن يعمروه من أموالهم) ].

    أهل خيبر عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بشطر ما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع -متفق عليه- ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأرض ليهود خيبر على أن يزرعوها ويسقوها، وعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم على نصفها، فهم يزرعون ويسقون ونحن نأخذ النصف، وهكذا عاملهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .

    ما يجب على العامل في المزارعة

    قال: [ وعلى العامل ما جرت العادة بعمله في المساقاة والمزارعة من الحرث، والإبار، والتلقيح، وإصلاح طرق الماء، والحصاد والدراس، والذري؛ لأن لفظهما يقتضي ذلك ].

    أي أن العامل يقوم بما جرت به العادة، وعلى ما هو واجب عليه؛ فيسقي الزرع، يحصد، يلقّح، يؤبر، يخزّن، يسقي.. فكل ما من شأنه عمل العامل يقوم به.

    حتى بعد أن يحصد الزرع يدرسه، ثم يعبئه، وبعد التعبئة يخزنه في الأكياس، ثم يحملها إلى المخازن، فكل ما من شأنه حفظ الزرع حتى يصل إلى المخازن هو من صميم عمل العامل.

    قال: [ ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك؛ لأنه يشبه ما لو دفع ماله إلى من يتجر فيه والربح بينهما، ويشترط أن يكون ما بينهما معلوماً كالمضاربة ].

    لو كان عندي حمار ولكني لا أجيد العمل عليه، فقلت لك: شغل الحمار بيني وبينك مناصفة، سخّره ليحمل أي شيء بمقابل والمال مناصفة بيني وبينك، أو على حسب الاتفاق، فالدابة قد تشمل السيارة والأنعام وكل ما يحمل، وهذا معمول به في القرى، فبعض الناس يقتني البعير ويدفع به إلى الجمّال، والجمّال يقوم بنقل الحطب، والقطن ويأخذ أجرته.

    1.   

    باب إحياء الموات

    قال المصنف رحمه الله: [ باب إحياء الموات ].

    ويقصد بإيحاء الموات: إحياء الأرض الميتة.

    ذكر الخلاف في إحياء الموات وتملكه

    مذهب الحنابلة أن من أحيا أرضاً فهي له، لكن الراجح وهو قول جمهور العلماء: أن ولي الأمر لو نظّم إحياء الأرض فهذا من المصالح المرسلة التي ينبغي فيها طاعة ولي الأمر، والمعنى أن تمليك الأرض الموات لا يتم إلا عن طريق ولي الأمر، إذاً الخلاف بينهم: هل هذا على التشريع أم التنظيم؟ والأمر في حديث الترمذي : (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، هل هذا من سبيل التنظيم أم التشريع؟ فعند الحنابلة أنه على التشريع، وأن من أحيا أرضاً ميتة سواء بإذن أو بغير إذن من ولي الأمر فهي له، لكن الراجح من أقوال العلماء: أن ذلك بإذن ولي الأمر؛ لأن ولي الأمر إذا أصدر قراراً يصبح في حكم الشرع طالما لم يخالف؛ لأن المصالح المرسلة التي ليس فيها معارضة للشرع ينبغي أن تطيع فيها ولي الأمر، وولي الأمر في النظام الملكي هم الملوك، وفي النظام الجمهوري رئيس الجمهورية أو من ينيبه.

    ولا يجوز الخروج على ولي الأمر، هذا منهج السلف قاطبة؛ لحديث عبادة بن الصامت : (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان)، قال علماء السلف: حتى لو رأيت كفراً بواحاً ولم تستطع الخروج لاستضعاف ولعدم قوة فالمختار هو عدم الخروج، ولذلك لم يخرجوا على الحجاج بن يوسف الثقفي رغم ما صنع بالتابعين، فقد قتل سعيد بن جبير واستباح الدماء، ومع ذلك لم يخرجوا عليه، وصلوا خلفه.

    حكم تملك الأرض

    قال رحمه الله: [ باب إحياء الموات.

    وهي الأرض الدائرة التي لا يعرف لها مالك ].

    الأرض الدائرة يقاس عليها كل ما لا يعرف له مالك.

    حين تنزل إلى مكان موجود فيه ماء، وتريد أن تغتسل، فوجدت في القاع شيئاً ثميناً صاحبه ألقاه، إما ساعة ذهب أو غير ذلك.. ألقاها لأنه لا يريدها، وأنت وجدتها هل هي من حقك أم من حق صاحبها؟ طالما أنه استغنى عن ملكه وألقاه فهي لمن وجدها، وهذا أصل في كل ما يلقى؛ لأن المالك تخلص من ملكه وألقاه بإرادته، ولا يريد أن يتملك هذا الملك، وهذا يختلف عن اللقطة، فلا بد أن نفرق بين الأمرين.

    قال: [ لما روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) ].

    والأرض الميتة هي التي لا يعرف لها مالك، ولو أن هناك أرضاً مخصصة، أو يجتمع فيها الناس في كل سنة، أو يوضع فيها الحطب، أو تجري فيها السيول فهي مخصصة، فلا يجوز أن تحييها وتقول أنا مالك لها؛ لأنها أصبحت مخصصة، وتعارف الناس على أنها مخصصة.

    حكم تملك ما لم يعلم مالكه

    قال: [ النوع الثاني: ما كان فيها من آثار الملك، ولا يعلم لها مالك ففيها روايتان ].

    مثاله: لو أنني ذهبت إلى صحراء سيناء فوجدت أرضاً ميتة، ولكن هذه الأرض فيها آثار استراحة أو ساقية أو بئر، إذاً فهي آثار استصلاح ملك قبل ذلك.

    ففيها روايتان: فإن عُرف لها مالك فلا يجوز؛ لأنها لمالكها الأول، وإن لم يعرف لها مالك ففيها روايتان، والراجح: أنها لمن استصلحها؛ لأن الأرض تأخذ حكم الميتة؛ لأن المالك تركها.

    ولذلك قال: [ إن رأى فيها آثار الملك ففيها روايتان ] عن الإمام أحمد .

    هيئة إحياء الأرض

    وكيف أحكم على أنه أحيا الأرض؟

    قال: [ عمارتها بما تتهيأ لما يراد منها، والمرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارفه الناس أنه إحياء فهو إحياء؛ لأن الشرع ورد به ولم يثبته فيرجع فيه إلى العرف كما رجعنا إلى ذلك في القبض والإحراز، فإذا ثبت هذا فإن الأرض تحيا داراً للسكنى، أو حظيرة، أو مزرعة، فأما الدار فأن يبني حيطانها وسقفها، وإن أرادها حظيرة فإحياؤها بحائط جرت به عادة مثلها، وإن أرادها للزراعة فأن يحوط عليها بتراب أو غيره مما تتميز به عن غيرها، ويسوق إليها ماء من نهر أو بئر، يعمل فيها ما تتهيأ به للزراعة من قلع أحجارها وأشجارها، وتمهيدها ].

    والمعنى: كيف أحكم أن هذا الرجل أحيا هذه الأرض؟

    بإحيائها بالعرف. إن أجرى لها المياه، وحفر البئر، وأقام القنوات، وخطط الأرض، فبهذا يكون قد أحياها؛ لأن إحياء الأرض للزراعة هو بتدبير مصدر المياه لها أولاً، ثم العناية بها، وأما إحياء البيت فبإقامة الحيطان والسقف، وإحياء الحظيرة بإقامة الحيطان كعادة مثلها.

    من حفر بئراً فأخرجت الماء فله حريمها من الأرض

    قال [ وإن حفر بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمه ].

    قلنا: إحياء الأرض الموات يكون بزراعتها وبوصول الماء إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، وهذا الحديث فيه خلاف بين العلماء: هل هو إخبار بتشريع أم إخبار بتنظيم، وقلنا: لولي الأمر أن ينظم إحياء الأرض الموات، وهذا هو الراجح طالما أن ذلك من المصالح المرسلة.

    ثم بين كيفية الإحياء فقال: [ وإن حفر بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمه ].

    إن كل شيء له حرم؛ ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فمحارم البئر يعني: ما يحيط به من مساحة يملكها من حفر البئر.

    قال: [ وهو خمسون ذراعاً من كل جانب إن كانت عادية ].

    عادية: نسبة إلى قوم عاد، يعني: إن لم تحفر قبل ذلك يملك خمسين ذراعاً.

    قال: [ وحريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعاً ].

    يعني: البئر الذي حفر قبل ذلك وأعاد هو حفره مرة أخرى. يقول الشيخ ابن عثيمين : خمسون ذراعاً باعتبار أنه لم يحفر قبل ذلك، وخمسة وعشرون ذراعاً باعتبار أنه أعاد الحفر.

    قال: [ لما روى الدارقطني بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم العادي خمسون ذراعاً) ]. والمعنى: أنه إذا حفر بئراً لإحياء الأرض الميتة ووصل إلى الماء فإن البئر وما يحيط به من حريمه ملك له، والمسافة التي يملكها خمسون ذراعاً إن كان هو البادئ لحفر البئر، وخمسة وعشرون ذراعاً إن أعاد حفرها مرة أخرى.

    1.   

    باب الجعالة

    الجعالة تعني: الجعل، وهو أن أجعل لك مقابلاً، ولذلك في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا لي جعلاً).

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل، ونحن نقرأ في سورة يوسف: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] ]. والمعنى: أن صواع الملك لما سرق نادى مناد: لمن جاء بصواع الملك حمل بعير، يعني: جعل مقابل لمن جاء به. قوله: زَعِيمٌ ، يعني: ضامن كفيل، والزعيم غارم، فالجعل: هو أن تقول: (من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا)، وهناك يعم بين الناس في العرف أن من وجد لقطة فله نسبة مئوية من قيمتها 10%، وهذا الأمر غير صحيح على إطلاقه، لكن إن قال صاحب اللقطة مثلاً: يا قوم! ضاع مني كمبيوتر، ومن وجده أو رده علي له مائتا جنيه، فهو الآن جعل جعلاً لمن وجد الضالة التي ضاعت منه، فإن كنت أسير في شارع العزيز فوجدت لقطة، ثم ظهر صاحبها فقلت له: اجعل لي جعلاً لا يجوز؛ لأنه لم يجعل جعلاً من البداية، فالجعل هو: أن يجعل صاحب اللقطة أو صاحب الضالة مقابلاً لمن وجد لقطته، وهذا معناه: أنه لا يجوز أن أجد لقطة ثم أقول لصاحبها: أنا لي فيها نسبة؛ لأننا الآن يؤمن الكثير منا أن من وجد مثلاً مبلغاً مقداره عشرة آلاف جنيه في محطة رمسيس، ثم وجد صاحبها يقول له: لي 10% حقي! ومن الذي أعطاه لك؟ يا عبد الله! هذا لا يجوز إلا إذا أعلن صاحب اللقطة أن من وجد اللقطة فله كذا قبل وجودها، أما بعد الوجود فلا يجوز أن أشترط أنا عليه إلا أن يعطيني بطيب نفس منه.

    يعني: أنا وجدت مثلاً لقطة في الطريق العام وجئت إلى صاحبها فعرفها فأعطيته إياها، فقال لي: هذا لك بطيب نفس، فهذه ليس فيها شيء، طالما أني لم أشترط.

    ولذلك قال هنا: [ وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل، ويقول ربنا: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، وروى أبو سعيد: (أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حياً من أحياء العرب، فلم يقروهم) ].

    يعني: أن نفراً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام نزلوا إلى حي من أحياء العرب، فوجدوا سيد الحي قد لدغه ثعبان، وأصحاب هذا الحي عندهم بخل شديد؛ لقوله في الحديث: (فلم يقروهم)، وإقراء الضيف واجب.

    مقتطفات في الكرم وأهله

    وأول من أكرم الضيف إبراهيم عليه السلام. يقول ابن حجر : ماله للضيفان وجسده للنيران وولده للقربان، فاستحق أن يكسى عند الواحد الديان، ولما دخلت عليه الملائكة أراد ضيافتهم، قال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:24-25]، يعني: لا يعرفهم: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ [الذاريات:26] يعني: مال إلى زوجته: فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26]، انظر إلى كرم إبراهيم، ملائكة في صورة بشر يأتي لهم بعجل، قال تعالى: فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ [الذاريات:26-27] يقول ابن مفلح : ومن باب إكرام الضيف أن تقرب له الطعام وألا تستخدمه في خدمة الطعام، ومعناه: أنك تقرب الطعام حيث يجلس، كما قال تعالى: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ من الآية، ومن باب إهانة الضيف أن تقول له: اغسل الملعقة لو سمحت! ناولني هذا الطبق وتستخدم الضيف، وليس من أدب الضيافة أن تستخدم الضيف في الخدمة. قال تعالى: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27] حينما ينزل بي رجل الساعة الثالثة ظهراً فربما يكون تغدى وربما لم يتغد؟ وقد يكون أتى من سفر، سافر صباحاً وأتى إلي عصراً، فأغلب الظن أنه لم يتغد، فمباشرة أدخل إلى الزوجة، وأحضر الطعام المتاح عندي وأقربه لهذا الضيف، أما أن أسأله: أيريد غداء أو شراباً فهذا من باب البخل، وفي سورة الكهف قال تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف:77]، ضيف مسافر متعب يطلب الطعام: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ، يعني: رفضوا رفضاً قاطعاً، وعلى ما يبدو أن المرأة منهم كانت ترضع الولد البخل كما ترضعه اللبن، قال تعالى: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77].

    أقول: هؤلاء القوم لم يقروا الصحابة، وليس هذا دأب العرب، فقد كان العرب قبل البعثة يوصفون بالكرم وأي كرم، حتى إن حاتماً الطائي كان يشعل ناراً في الصحراء، فيراها عابر السبيل فيأتي إليها ويقدم له الطعام، فمعنى هذا: أنه كان يحب إكرام الضيف، فقد جاء في ترجمته: أنه أراد أن يختبر خلق رجل من العرب، فجاء الرجل إلى حاتم الطائي وقال له: يا حاتم ! أطعمني -فـحاتم يعرفه، وهو يعرف حاتماً - فقال: انصرف فليس عندي طعام، فانصرف الرجل بعد أن نهره حاتم ، ثم تلثم حاتم ، وقابل الرجل من طريق آخر، قال: من أين أنت قادم يا أخا العرب؟! قال: من عند حاتم الطائي . قال: أأكرمك؟ قال: أكرمني وقدم لي الطعام وأفاض علي من الخير، فرفع اللثام وقال: يا رجل! أنا حاتم ولم أقدم لك شيئاً فلم تكذب؟ قال: يا حاتم ! إن قلت للناس: إنك لم تكرمني لن يصدقني أحد.

    فـحاتم الطائي وغيره من العرب كانوا يوصفون بالكرم، لكن هذا الحي كان على غير هذه العادة، ولذلك في الحديث: (فلم يقروهم) والحافظ ابن أبي الدنيا له كتاب في قرى الضيف، يعني: إكرام الضيف.

    أحكام في الرقية

    قال المؤلف رحمه الله: [ (فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل، أو تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل منهم يقرأ بأم القرآن، ويجمع ريقه ويتفل) ].

    إن أصحاب هذا الحي يسألون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (هل فيكم من راق)، يعني: استخدام الرقية كان معروفاً عند العرب، وطالما أن الرقية ليس فيها شرك جازت، والبعض يستدل بهذا الحديث على جواز أخذ المقابل في الرقية، لكن الحديث له مناسبة، وهي: أن هؤلاء لم يضيفوهم فافترضوا لهم جعلاً من باب عدم الإقراء؛ ونحن نؤمن بوجود الرقية لا شك في هذا، لكن البعض أخذ المسألة وتوسع فيها حتى حدد مبلغاً معيناً للعلاج، الكشف بعشرة جنيهات، والكشف من السحر بخمسة عشر جنيهاً، والمس بسبعة جنيهات، والحسد بثمانية جنيهات، وتعليق السماعات بخمسة جنيهات، والمسك الإنجليزي بخمسين جنيهاً، وورق السدر بكذا.. وهذا كله من الدجل، فاحذر أن تقع فريسة لهؤلاء، فالأصل أن تنفع أخاك بغير مقابل، فالرقية الشرعية تجوز، ولكن من دون مقابل وبضوابط.

    قال: [ (فجعلوا لهم قطيعاً من الشياه، فجعل رجل منهم يقرأ بأم القرآن) ].

    يعني: بالفاتحة على اللديغ، فالقرآن شفاء من كل داء من الأمراض الجسدية ومن الأمراض القلبية والمعنوية، ولدغ الثعبان معناه: أنه يحتاج عندنا في الطب إلى مصل وحقنة لإبطال مفعول السم، فالفاتحة تبطل هذا المفعول، وهكذا تفل الصحابي في موضع الجرح ثم قرأ الفاتحة، ويستحيل أن يصل أحد إلى درجة الصحابي، فالسيف بضاربه لا بحده والمعنى: إذا كنت تجيد إصابة الهدف تحقق الإصابة من أول وهلة، فالفاتحة هي الفاتحة، لكن أين عمر ؟.

    والبعض يثق في الراقي ولا يثق في الرقية، فيقول: أنا أريد شخصاً يعالج، فهذا شرك يا عبد الله! أو يقول: ابعثني إلى رجل متمكن! هل أنت تثق فيه أم تثق في الرقية؟ الثقة في الرقية وفي القرآن: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]؛ لذلك ابن القيم يقول في الجواب الكافي: وأمكث في مكة وتعتريني بعض الأمراض ولا أذهب إلى طبيب، وكنت أرقي نفسي بالفاتحة، فأجد لها أثراً عجيباً. فالمهم التوكل وحسن الثقة بالله عز وجل.

    قال: [ (فبرئ الرجل فأتوهم بالشاة، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وما يدريك أنها رقية، خذوها واضربوا لي فيها بسهم) ].

    والمعنى: أن النبي عليه الصلاة والسلام أقرهم على الجعل الذي أخذوه، فلم يرق ذلك الصحابي إلا أن يجعلوا له جعلاً، ولم يأخذوا الجعل إلا بعد أن استفتوا النبي عليه الصلاة والسلام، فأقرهم على قبوله وقال: (اضربوا لي بسهم).

    قال: [ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجاز كالأجرة.

    ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه؛ لأنه يجب عليه ردها إذا وجدها، فلا يجوز له الأخذ على الواجب ].

    يعني: المفروض علي شرعاً أن أرد اللقطة فلا أطلب لها مقابلاً؛ لأن هذا من باب الواجب، فلا أستحق على أداء الواجب مقابلاً شرعياً.

    1.   

    الأسئلة

    منهج السلف في الحاكمية

    السؤال: ما هو منهج السلف في الحاكمية؟

    الجواب: أحيلك على شرح لرياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين ناقلاً عن منهج السلف: هل يجوز الخروج على ولي الأمر حتى وإن ابتدع بدعة كفرية أم لا؟

    ولا داعي أن نشغل أنفسنا بقضايا لو ألزمتك فيها بقولك أنا أعلم علم يقين أن النتائج المترتبة على قولك هذا أنت نفسك لن تقيم لها اعتباراً، فلا داعي أن ندخل في مثل هذا الحوار، فدعاة الحاكمية ودعاة التكفير ليس لهم مجال عندنا في هذا المسجد، وأنا أعتذر لهذا القول، فتنظيف الأفكار وظيفة، وأين نشأ فكر التكفير؟ في المعتقلات، لما زادوهم في التعذيب رموهم بالكفر، وكفّروا من ولّاهم حتى عم فكر التكفير والخروج، وما تفجيرات الخبر والرياض ببعيد علينا، وتفجيرات المغرب، واستحلال الدماء!

    وأنا أقول هذا هنا لأني أعرف أن هناك من يدافع عن هذه القضية، فإن كنت تريد الحق فعد إلى كتب دعاة السلفية في العصر الحاضر، الشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز ومن سبقهم من علماء السلف، قد تقول: إن مجاهداً خرج على الحجاج ، فاخرج أنت أما أنا فلن أخرج.. اخرج أنت ولا تلزمني بالخروج.

    فأقول لا بد أن نقرأ قبل أن نحكم على الناس بأنهم مبتدعة، من هو المبتدع؟ فالذي يخرج على الحاكم مبتدع، والذي يكفّر ولاة الأمور مبتدع وضال، يضلل الأمة ويفرق وحدتها، لا يدعونا ظلم الآخرين لنا إلى أن نثبت حب الفرقعة الإعلامية.

    هذا منهجي الذي أدين الله به، فأما منهجك فأنت وشأنك.

    المنهج السلفي هو منهج الصحابة والتابعين

    السؤال: جلست مع رجل من الحزبيين فقال لي: إن الشيخ الغزالي ناظر كلاً من الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين في المسجد الحرام وبيّن لهم فساد المنهج السلفي؟

    الجواب: فساد المنهج السلفي! إذاً فقل: فساد منهج الصحابة، فالسلف هم الصحابة والتابعون.

    نكتفي بهذا القدر.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.