إسلام ويب

العدة شرح العمدة [66]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أبواب فقه المعاملات باب الصلح وباب الوكالة، والصلح هو عقد يحصل به فض النزاع، ولابد فيمن يتصدر للإصلاح بين الناس أن يكون ملماً بالأحكام الشرعية، أما الوكالة فهي الاستنابة، ولا تكون إلا من جائز التصرف لآخر جائز التصرف، ويكون وكيلاً عنه فيما تجوز فيه النيابة.

    1.   

    باب الصلح

    تعريف الصلح وفيما يكون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلح ].

    الصلح: هو عقد يحصل به فض النزاع.

    والصلح يكون في الأمور المالية وفي غيرها، يقول الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا [النساء:128] أي: الزوجة إذا خافت من زوجها نشوزاً وترفعاً عليها، وعدم إنفاق عليها واستهتاراً بها، وتطاولاً عليها نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128] فمطلق الصلح هنا خير، وقال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [النساء:35] أي: بين الزوج وزوجته فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35].

    وقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9].

    وقال: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] فهذا كله في الصلح.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم وفساد ذات البين فإنها الحالقة، لا أقول تحلق الشعر وإنما تحلق الدين) والإصلاح بين الناس مهم في خلق المسلم.

    الصلح بإسقاط بعض الدين

    قال: [ باب الصلح.

    ومن أسقط بعض دينه، أو وهب غريمه بعض العين التي له في يده جاز ].

    فلو أنك مدين لي بألف جنيه، وقلت لك: أسقطت عنك خمسمائة لوجه الله، فأنا لي الحرية في إسقاط ما أشاء من مالي، أما إن قال المدين: لن أعطيك الألف حتى تسقط النصف، فهذا ليس له ولا يجوز.

    قال: [ ما لم يجعل وفاء الباقي شرطاً في الهبة والإبراء، أو يمنعه حقه إلا بذلك ].

    أي إن كنت أنت مديناً لي بعمارة، فقلت لك: نصف العمارة لك والنصف الآخر لي فهذا يجوز، إلا أن أشترط أن يكون ذلك شرطاً في الإبراء أو الهبة.

    قال: [ وذلك لأن الإنسان لا يُمنع من إسقاط حقه ولا من استيفائه ].

    فليس هناك أحد يمنعني من استيفاء حقي كاملاً، إلا أن يشفع أحد الناس وأنا أقبل الشفاعة، والنبي صلى الله عليه وسلم شفع في حالتين: شفع في دين جابر بن عبد الله بن حرام -بعد موت أبيه- عند الدائنين أن يسقطوا حقه، أو أن يستوفوه من أصل معين.

    وشفع عند كعب بن مالك لـابن أبي حدرد -والحديث في البخاري في كتاب الصلاة- عندما ارتفعت أصواتهما في المسجد، فـكعب بن مالك يقول: وفني حقي، قال: ليس معي الآن، قال: جاء الوقت وأنت مدين، وارتفعت أصواتهما، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر كعباً أن يضع الشطر، ثم قال: يا ابن أبي حدرد قم وفه.

    قال: [ ولو شفع فيه شافع لم يأثم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر، وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر، ويجوز للقاضي فعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ولو قال للغريم: أبرأتك من بعضه بشرط أن توفيني بقيته لم يصح ].

    أي: أنت عليك لي ألف جنيه، فقلت لك: أنا سأضع لك خمسمائة ولكن أعطني خمسمائة الآن، ففي المذهب لا يجوز، لكن الراجح أنه يجوز.

    قال: [ ولا تصح بلفظ الصلح؛ لأن معنى: صالحني عن المائة بخمسين أي بعني، وذلك غير جائز لما ذكرناه، ولأنه ربا ].

    كأن المدين يقول: بعني الألف بخمسمائة، وهذا هو عين الربا، فالمدين لا يحق له أن يشترط للوفاء أن يعطيه أقل من حقه، لكن الدائن حر في ماله.

    قال: [ أو يضع له بعض المؤجل ليعجل له الباقي، يعني: لو صالح عن المؤجل ببعضه حالاً، مثل أن يصالح عن المائة المؤجلة بخمسين، لم يجز لأنه ربا، وهو بيع بعض ماله بماله؛ ولأن بيع الحلول غير جائز ].

    هذا الكلام أيضاً مرجوح، فالتصالح على دين مؤجل بمبلغ معجّل في المذهب لا يجوز، لكن الراجح إن طلبها الدائن جاز؛ لأن هذا ملك الدائن، فلا نصادر حريته في ذلك.

    قال: [ ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق -أي: الفضة- بالورق عن الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس، وذلك أنه إذا صالحه عن أثمان بأثمان، فهذا صرف يعتبر له شروط الصرف من القبض في المجلس وسائر الشروط ].

    أي أنك لو أخذت مني الآن (100) جرام ذهباً فلا بد أن تعطيني إما (100) جرام ذهباً، أو ما يعادلها فضة، ويشترط التقابض لكن لا يشترط المماثلة لاختلاف الجنس، طالما اختلف الجنس فهنا نشترط التقابض في مجلس العقد ولا نشترط التماثل.

    الصلح في الإقرار والإنكار

    قال: [ ومن كان له على غيره حق لا يعلمه المدّعى عليه فصالحه على شيء جاز ].

    أي عندما تأتي تتقاضى من بعض خصومك قد تجد منهم من ينكر، ففي هذه الحالة أنتما مدع ومدّعى عليه، فالمدّعي هو الدائن، والمدّعى عليه المدين، فإن صالحه عليه جاز، وإذا صالح على البعض لم يجز البعض الآخر.

    [ فإن كان أحدهما يعلم كذبه في نفسه فالصلح باطل ].

    أي: أن الصلح هنا في شكله الظاهر يسري، لكنه بالنسبة لأحدهما باطل؛ لأنه يعلم أنه كذّاب.

    قال: [ وهذا هو الصلح على الإنكار ].

    فالصلح ينقسم إلى قسمين: صلح على إقرار وصلح على إنكار.

    [ وهو أن يدعي على إنسان عيناً في يده أو ديناً في ذمته لمعاملة، أو جناية، أو إتلاف، أو غصب، أو تفريط في وديعة، أو مضاربة ونحو ذلك، فينكره ويصالحه بمال، فيصح إذا كان المنكر معتقداً بطلان الدعوى، فيدفع إليه المال افتداء ليمينه ودفعاً للخصومة عن نفسه، والمدعي يعتقد صحتها، فيأخذه عوضاً عن حقه الثابت له؛ لأنه صلح يصح مع الأجنبي فيصح بين الخصمين كالصلح في الإقرار ].

    والمعنى: أنه يجوز الصلح مع الإنكار لو أقره أحد الخصمين ويسري في حقهما، إلا أن يكون أحدهما كاذباً، فيكون الصلح في حقه باطلاً مع سريانه ظاهراً.

    ثم قال: [ ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز؛ لأن الحق لهما لا يخرج عنهما ].

    والمعنى: أنت مدين لي وأنا دائن لك، فلا المدين يعرف ولا الدائن يعرف. الطرفان يعترفان بأن لأحدهما حق، لكنهما اختلفا في قيمته، فاصطلحا على مبلغ معيّن، فأحدهما قال: أنا أقر بما تقول واتفقا على المبلغ جاز ذلك.

    قال: [ ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز؛ لأن الحق لهما لا يخرج عنهما، فإذا اتفقا عليه جاز كما لو اتفقا على أن يتبارأا].

    أي: هذا يبرئ هذا، وهذا يبرئه يجوز.

    صفة عقد الصلح وشروط المصلح

    وأما عقد الصلح في الفقه فهو عقد يقطع الخصومة بين الخصمين، والإصلاح فيه خير كثير كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد أصلح النبي صلى الله عليه وسلم بين بني عمرو بن عوف لما اختلفوا وتراشقوا بالحجارة وأصلح بين زوج وزوجته، والإصلاح بين الناس أفضل من التهجد، وأفضل من الاعتكاف، وأفضل من السنن؛ لما فيه من خير عظيم.

    ويشترط فيمن يصلح بين الناس أن يكون عالماً بالأصول الشرعية، فلا يصلح في المحرمات والمخالفات الشرعية.

    فمثلاً إن أعطيتك 100 جرام ذهباً وأخذت منك 1000 جرام فضة، فطالما كان التقابض في مجلس العقد فهذا جائز؛ لأنك قبلت وأنا قبلت فتقابضنا فضة بذهب أو ذهباً بفضة: (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) حسب الاتفاق.

    1.   

    باب الوكالة

    قال رحمه الله: [ باب الوكالة ].

    وهو باب خاص بالمحامين والمحاسبين.

    ما تجوز فيه الوكالة

    باب الوكالة فيه من الفوائد الفقهية الكثير، والقاعدة فيه: لا تجوز الوكالة إلا فيما يجوز فيه النيابة.

    ما معنى النيابة؟

    مثلاً تقول لصديقك أن يتوضأ مكانك لصلاة ما، فهنا لا تجوز الإنابة في الوضوء، أو أن تقول له: صل مكاني المغرب، أو تحية المسجد، أو صم بدلاً مني رمضان وأنا سأفطر، فهنا لا تجوز الوكالة إلا فيما تجوز فيه النيابة.

    إذاً ما الذي يجوز فيه النيابة؟

    البيع فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف:19] فهذا وكيل ذهب ليشتري بالنيابة عنهم.

    أيضاً آخر وكلك في طلاق زوجته فهذا يجوز، أو وكلتك في زواج امرأة فهذا أيضاً يجوز؛ لأن الزواج يجوز فيه النيابة.

    رجل وكّل زوجته في طلب الطلاق متى شاءت، فهنا العصمة بيد الزوجة، وهي بمعنى أن تقول: طلقني لا أن تقول: أنت طالق كما يفعل البعض في الأفلام الهابطة، ولا يحق له أن يمتنع؛ لأنه قد جعل لها الوكالة في طلب الطلاق متى شاءت، فكما أني أعطي الوكالة في الطلاق لشخص ما فمن باب أولى أعطيها للزوجة، وهذا هو معنى أن تكون العصمة بيد الزوجة، فليست العصمة أن تقول الزوجة لزوجها: أنت طالق، هذا جهل، ولا أدري من أين استقوا هذا الجهل. طالما اشترطت المرأة في عقد الزواج ذلك، فلها شرطها متى شاءت، وتكون أنت من تنازل عن حقه لها فلا تمتنع.

    والخلع أيضاً يجوز فيه الوكالة، والإيجار يجوز فيه الوكالة، فكل ما جاز فيه النيابة جاز فيه الوكالة.

    والحج تجوز فيه الوكالة بشرطين: الشرط الأول: أن يكون الوكيل قد حج عن نفسه.

    الشرط الثاني: أن يكون الذي أنابه لا يستطيع أن يصل إلى مكة مع القدرة المادية لمرض.

    شروط الموكل والوكيل

    قال: [ باب الوكالة ].

    والوكالة هي: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.

    جائز التصرف: بمعنى أنه لا بد أن يكون الموكل حراً، بالغاً، عاقلاً، رشيداً، فإذا كان الموكِّل عبداً أو مجنوناً أو سفيهاً أو صبياً فلا يجوز، فلا بد أن يكون الموكِّل جائز التصرف.

    أيضاً يوكِّل جائز التصرف، فلا يوكل المجنون ولا الصبي ولا السفيه.

    إذاً: استنابة جائز التصرف يوكِّل جائز التصرف، فيما تجوز فيه النيابة.

    أمثلة للوكالة

    مسألة: وكل رجل آخر بطلاق زوجته، فطلقها له، هل يجوز له أن يزوجها؟ أي: الوكيل طلّق المرأة بتوكيل، فإذا جاء المرأة رجل آخر يريد أن يتزوجها فوكّل نفسه لزواجها، فهل فعله يجوز أم لا؟

    الوكيل يجوز له أن يطلق، ويجوز له أن يزوج على حسب مرات الوكالة، أما هنا فلا يجوز؛ لأنه طلق بصفته وكيلاً لا ولي أمر، فليس له علاقة بها على الإطلاق.

    مثال ذلك: وكّلت أنا الموقع أدناه فلان بن فلان أخي فلان بن فلان في تطليق زوجتي فلانه بنت فلان على أن يسدد لها مؤخر الصداق، وقدره خمسة آلاف جنيه، وأن يعطيها نفقة المتعة والعدة ثلاثة آلاف جنيه، وليس له حق التصرف في أكثر من ذلك، وله الحق في التوقيع نيابة عني أمام المأذون وفي كل ما من شأنه إجراء الطلاق.

    فأخذ الوكيل التوكيل وذهب إلى المأذون، وجاءت الزوجة، هل يقول لها: أنتِ طالق؟ لا، وإنما يقول: أنتِ طالق من الذي وكلني، بعد هذا جاءت الزوجة فاطمة نفسها، وآخر وكله بالزواج منها، فقال: قبلت الزواج منها لموكلي، فهو يجري الطلاق ويجري الزواج بصفته موكلاً.

    فلا بد أن أوكله في الطلاق، ولا بد أن أنص على الطلاق في الوكالة، وأن الوكالة قائمة، وأن يتحقق منها المأذون.

    قال: [ تجوز الوكالة بإجماع الأمة في الجملة، وتجوز في الشراء والبيع والنكاح؛ لأن النيابة تدخلها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة بن الجعد ديناراً، وأمره أن يشتري به شاة ].

    عروة بن الجعد هل كان يشتري لنفسه أم لوكيله؟ لوكيله، من هو وكيله؟ أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، فذهب عروة بن الجعد إلى السوق فوجد رجلاً يبيع شاتين بدينار، والنبي صلى الله عليه وسلم وكله بشراء شاة واحدة، فاشترى شاتين وباع في طريقه شاة، وأتى بشاة ودينار، فالدينار كما هو والشاة معه وقال: يا رسول الله اشتريت بالدينار شاتين فبعت شاة، فهذه الشاة وهذا الدينار، فقال: (اللهم بارك له في بيعه، فكان الرجل لا يبيع ولا يشتري إلا أن يبارك الله له بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم).

    وهنا نقول الشاهد من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وكّل عروة بن الجعد في الشراء.

    قال: [ وقال تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19] ].

    فهل إذا بعثني أحد لأشتري له سلعة وأعطاني 100 جنيه فاشتريتها بـ50 جنيه، آخذ الزيادة لي؟

    الجواب: لا. فهذا لا يجوز، فأنت أمين على مال الوكيل.

    قال: [ وقال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60] ].

    فالعامل عليها وكيل، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دفع لـعلي رضي الله عنه الهدي ليذبحه بدلاً منه، فهو هنا وكيل، فذبح بيده الطاهرة ثلاثاً وستين، ودفع الباقي لـعلي كوكيل ليذبح الباقي، فالتوكيل في الذبح يجوز.

    قال: [ فجوّز العمل عليها.

    وقال جابر بن عبد الله للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإذا ابتغى منك آية، فضع يدك على ترقوته)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية في قبول نكاح أم حبيبة ، وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة .

    وتجوز الوكالة بشرط أن تكون فيما تدخله النيابة كالبيع، والشراء، والنكاح، وتجوز في الرهن، والحوالة، والضمان، والكفالة، والشركة، والوديعة، والمضاربة، والجعالة -الجعل هو المقابل- والمساقاة، والإجارة، والقرض، والوصية، والصلح، والهبة، والوقف، والصدقة، والفسخ، والإبراء، والقسمة -كل هذه تجوز فيها الوكالة؛ لأنها تجوز فيها النيابة- وهي في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه، ولا نعلم في شي من ذلك خلافاً ].

    ما تصح وتبطل به الوكالة

    قال: [ ويشترط أن يكون الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه بنفسه، وليس معنى الوكالة أن يسقط حق الأصل ].

    زوج وكّل زوجته في طلب الطلاق متى شاءت، هل معنى ذلك أنه فقد حق الطلاق؟

    لا. فهي لم تقل له: طلقني، وعندما يقول لها: أنتِ طالق يقع، فلو وكّل فلاناً من الناس ثم ذهب بنفسه مباشرة يجوز، فالتوكيل لا يلغي الأصل.

    قال: [ وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما ] إن مات الموكل أو الوكيل بطلت الوكالة.

    [ وجنونه ] فإن وكلك ثم جُن، فإن التوكيل يبطل.

    [ والحجر عليه لسفه؛ لأنه يخرج بذلك عن أهلية التصرف، ويبطل بفسخ كل واحد منهما ].

    فإذا أراد أحدهما أن يلغي التوكيل فله ذلك، ولكل واحد منهما أن يفسخ التوكيل طالما لم يشترطا، فإن اتفقا على غير ذلك جاز، ويجوز أن أعطي حق الفسخ لطرف، ويجوز إلغاء توكيل الطرف الأول دون الطرف الثاني، كل هذا جائز طالما اتفق عليه الطرفان.

    قال: [ وكذلك الحكم في كل عقد جائز كالشركة، والمساقاة، والمزارعة، والجعالة، والمسابقة ] أي: أنها تصلح للفسخ.

    والوكالة تكون بالقول أو الكتابة أو الفعل، فلو أخذت بضاعتي ووضعتها عند فلان في مكتبته، فهنا كأني وكلته في بيعها، فعندما أقول له: وكلت أنا فلان في بيع السلعة، فهذه وكالة بالفعل، أيضاً تجوز بالقول، فتقول مثلاً: يا فلان أنا وكلتك في شراء السيارة، لكن الأولى ألا تفعل إلا بالكتابة الموثقة، وما أقاموا الشهر العقاري إلا ليوثق، لأنه قد يأتي ويقول: وكلتك في طلاق زوجتي، ثم بعد ذلك ينكر ذلك كله، فهذا لا يجوز، فالوكالة تجوز بالكتابة وتجوز بالفعل وتجوز بالقول.

    ما يجوز للوكيل أن يتصرف فيه

    قال: [ وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً ].

    أي: ما نص عليه في التوكيل؛ لأن الإنسان ممنوع من التصرف في حق غيره، وإنما أبيح له التصرف في ملك موكله بإذنه، فيجب اقتصار تصرفه فيما تناوله إذنه، إما لفظاً كقوله: بع ثوبي بعشرة، وإما عرفاً كبيعه الثوب بعشرة وزيادة، وإما من جنس العشرة كبيعه بأحد عشرة وما زاد عليها، أو من غير جنسها كعشرة وثوب؛ لأن الزيادة تنفعه ولا تضره.

    أي: أني وكلتك في بيع ثوبي هذا بعشرة، فأنت وفقك الله وبعت الثوب بخمسة، فلا بد أن أقول لك: وكلتك في بيعه بعشرة ولا تبعه بتسعة؛ لأن الوكالة منصوص عليها، إن باعه بزيادة جاز، ولكن ليس له أن يبيعه بأقل، طالما قبلت الوكالة فلترجع له بسلعته.

    قال: [ وليس للوكيل توكيل غيره، وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال ].

    ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن الموكل، وأن يكتب بأن له الحق بتوكيل غيره.

    [ وذلك أن الوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال ].

    ليس له أن يوكل غيره إلا بنص في التوكيل إلا في أحوال ثلاثة، وهذا ما سنذكره في الدرس القادم حتى نجيب عن بعض التساؤلات، وننطلق إلى باب الشركة، ثم بعد ذلك إلى الجعالة واللقطة والإجارة، ثم إلى الفروض لنشرح المنظومة الرحبية في علم المواريث بعنوان الهدية في شرح المنظومة الرحبية في علم المواريث.

    1.   

    الأسئلة

    حكم العمل في إصلاح أجهزة الكاسيت

    السؤال: أنا أعمل بتصليح أجهزة الكاسيت، وربما يأتي كثير من الناس لإصلاح أجهزتهم التي قد تستخدم في سماع ما لا يجوز، فما حكم عملي؟

    الجواب: يجوز أن يصلح الكاسيت؛ لأن الكاسيت له استخدامات عديدة ومنها سماع القرآن والمحاضرات وكذلك الأغاني، ولكن الإثم على المستخدم، فالعمل أصله مباح؛ لأن هذه الصنعة غير مخصصة في الأعمال المحرمة، بل هي للمباحة أيضاً، فهو لا يشترط قبل تصليحه فيما إذا كان استخدامه له في الخير أو الشر، فهذا فيه تحقيق وإثبات حالة، فعندما يأتي الذي يريد الموس مثلاً هل ستسأله: تحلق شعر الرأس أم اللحية أم العانة أم الإبط أم غير ذلك، فهذا تنطع.

    ففي الأشياء التي الأصل فيها الإباحة جائز بيعها وتصليحها؛ لأن الله يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] طالما أن السلعة تستخدم في الحلال، أما إن استخدمها في الحرام فالإثم عليه.

    جهاد المرأة

    السؤال: هل يوجد أجر للمرأة يعدل أجر الرجل في الجهاد في سبيل الله؟

    الجواب: نعم، لكن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة.

    حكم قضاء الفوائت من الفروض

    السؤال: عندما أريد أن أصلي فرضاً لم أصله من قبل، هل عليّ أن أصليه قبل الفرض الحاضر أم بعده إذا كان بعده؟

    الجواب: لا، فـابن تيمية يقول: ننازع في أصل القضاء، فالقضاء لا يجوز للفائتة وإنما تكثر من النوافل، والفائتة بنوم أو نسيان يقضيها عندما يذكرها في الحال ولا يشترط الترتيب.

    حكم الإقراض من الأمانة والتصرف فيها

    السؤال: المال الأمانة هل يجوز أن أقرض أحداً منه؟

    الجواب: لا يجوز؛ لأنها أمانة، هب أن الأمانة ضاعت عند الآخر، أو تظن بأنك قادر على السداد فأفلست فجأة، هب أنه حدث لك حادث، فالأمانة يشترط فيها عدم التصرف إلا بإذن صاحبها.

    وقال لي بعضهم: أن رجلاً وضع أمانة من المال عند أخته المتزوجة، فأعطت أمها جزءاً منه دون علمه، ثم ردت له المال ناقصاً فهل يجوز هذا؟

    فنقول: هذا لا يجوز.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا،

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.