إسلام ويب

العدة شرح العمدة [59]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المقصود بالخيار أن لكل من المتبايعين حق الرجوع في البيع إذا رأيا ذلك أو أحدهما، والخيار يكون قائماً ما لم يتفرق البيعان، فإن تفرقا فلا خيار؛ إلا أن يكون الخيار خيار عيب لم يكن قد علمه المشتري، فله حق الرد عند اكتشاف العيب.

    1.   

    باب الخيار

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فما زلنا مع كتاب البيوع في فقه المعاملات، وهو من أنواع الفقه الغائبة عن حياتنا؛ لانشغالنا بفقه العبادات عن فقه المعاملات، رغم أن المعاملات لا يخلو منها إنسان.

    المقصود بالخيار: أن لكل طرف حقاً في الخيار؛ إما إمضاء العقد، وإما الفسخ، وبالمعنى البلدي: رد البضاعة.

    مثال ذلك: اشتريت سلعة من تاجر، ثم جئت لترد إليه السلعة التي اشتريتها، هل لك حق في ردها، أم ليس لك ذلك؟

    إذاً: باب الخيار من أهم الأبواب في فقه البيوع؛ لأنه لا يخلو منه التعامل اليومي.

    يقسم العلماء الخيار إلى ثمانية أقسام، وكلامنا لا ينسحب إلا إذا كان هناك خيار.

    مثال ذلك: ذهبت لشراء كتاب، فقلت للبائع: أنا بالخيار لمدة أسبوع، وأنت أيضاً بالخيار، ومعنى الخيار: أن للبائع حقاً وللمشتري حقاً في فسخ العقد أو إمضائه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ البيعان بالخيار ] يعني: البائع والمشتري، سميا بالبيعين تغليباً كما نقول عن الشمس والقمر: القمرين، ونقول عن التمر والماء: الأسودين، ونقول عن عمر وأبي بكر : العمرين، ونقول عن عائشة : أم المؤمنين تغليباً فهذا يسميه العلماء: التغليب.

    فالبيعان هما: البائع والمشتري، يقول الله تعالى في سورة الكهف: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً [الكهف:80]، (أبواه): أبوه وأمه، أطلق عليهما الأب تغليباً؛ لأن الأب يقدم على الأم، كذلك يغلب العاقل على غير العاقل، والجمع على المفرد.

    الفراق بين البائع والمشتري يحدث بالأبدان وجوب البيع يكون بالتفرق

    قال المؤلف رحمه الله: [ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما ]، يبين المصنف أن الفراق بين البائع والمشتري يحدث بالأبدان وليس بالأقوال.

    مثال ذلك: اشتريت من مكتبة سلعة، وظللت فيها ساعة بعد الشراء وإعطاء البائع المال، فهل تفرقت الأبدان في هذه الحالة أم لم تتفرق بعد؟

    الجواب: لم تتفرق بعد، فلي أن أرجع الكتاب طالما لم نتفرق، وإن تفرقنا ولم نتفق على الخيار؛ فليس لي حق الإرجاع إلا أن يقبل هو.

    مثال آخر: رجل اشترى سلعة وأخذها إلى البيت، ثم عاد إلى البائع يريد أن يردها لا لعيب فيها، فإما أنه اشترى بالخيار أو اشترى بغير خيار، فإن كان بغير الخيار فليس له حق، وإن كان بالخيار فله حق.

    قال: [ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما؛ لما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعاً أو يخير أحدهما الآخر؛ فيتبايعا على ذلك فقد وجب البيع)، متفق عليه ].

    ومثال على ذلك: لو أني كنت أنا في طائرة متوجهة من مصر إلى ألمانيا تأخذ ست ساعات أو سبع ساعات في الطريق، واشتريت من تاجر في الطائرة سلعة، وأعطيته الثمن، فتم البيع واتفقنا، فهل تفرقت الأبدان أم لم تتفرق؟ لم تتفرق؛ فلي حق الرد إلى أن أصل إلى ألمانيا.

    فعند ذلك يقول البائع: أنت لست بالخيار؛ لكي يقطع في البيعة، لأنه ما لم تتفرق الأبدان فلا زال للمشتري حق الرد، وقد يكون الخيار لأحدهما، كأن يقول البائع للمشتري: لك الخيار، أما أنا فلا، اتفقنا، أو يقول: لي الخيار وليس لك، اتفقنا، والمؤمنون عند شروطهم، فإن كان الخيار لأحدهما فلا بأس.

    والخيار يكون في عقد البيع، ولا يكون في الرهن، ولا في القرض، ولا في المساقاة، ومعنى المساقاة: رجل أعطى رجلاً زرعه ليسقيه له مقابل جزء من الزرع؛ هذه هي المساقاة، ولا خيار فيها، كذلك لا خيار في القرض.

    مثال ذلك: أعطيتك مبلغاً من المال قرضاً على أن تعطيني رهناً مقابل هذا القرض، فأحدهما يلزمه أن يقدم الرهن، والآخر الذي أقرض الرهن عنده، فهنا يمكن أن يتنازل بمحض إرادته عن الرهن، فالخيار لا يكون إلا في عقد البيع.

    قال: (فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع؛ فقد وجب البيع).

    مثال ذلك: ذهبت لشراء مسجل، واشتريته بخمسين جنيهاً، ودفعت المبلغ، واتفقنا على الثمن، وعاينت السلعة معاينة نافية للجهالة، وقلبتها يميناً ويساراً، وضعت فيه شريطاً، وجربت الشريط تقديماًً وتأخيراً، فاتفقنا وأخذت المسجل وتفرقنا؛ فأصبح البيع ملزماً لي وله، وبعد ساعتين لم يعجبني المسجل، فأردت أن أرده، فهل لي حق في هذه الحالة؟

    الجواب: لا، إلا إذا اشترطت.

    كذلك السمن وأمثاله مما قد يكون مغشوشاً، فلو قلت أثناء الشراء: أنا بالخيار، فإن كان السمن جيداً لا فساد فيه لن أرجعه، وإن كان فيه فساد أرجعته لك، فالأصل في السلع المغلقة الخيار أثناء الشراء.

    كذلك البطيخ بالخيار، فعندما تشتري بطيخة قل له: أنا بالخيار بعد أربع ساعات، إن وجدتها بيضاء فهي لك وتعطيني مالي، وإن كانت حمراء فهي لي. وعلى ذلك إذا فتحتها فوجدتها بيضاء يحق لك أن تعيدها إلى البائع وتأخذ نقودك؛ لأنك قد اشترطت عليه بالخيار.

    إذاً: الخيار يحل مشاكل عديدة، وإن لم تشترط الخيار فقد نفذ البيع وتم، ولا حق لك في أن ترد السلعة إلا إذا أقالك، والإقالة: أن يقبل البائع أن يرد السلعة.

    قال: [ والتفرق يكون بالأبدان، فإن ابن عمر كان يمشي خطوات حتى يلزمه البيع إذا أراد لزومه، ولا خلاف في لزومه بعد التفرق، والمرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم ].

    طالما أن الشرع لم يضع حداً للتفرق فالعرف يحكم، مثال ذلك: كنت في هذه المكتبة، فأخذت كتاباً ثم انطلقت به بعد أن عاينت ودفعت السعر إلى البائع، فهنا تفرقنا، فإن كنت ما زلت أتنقل بين المكتبات القريبة من المكتبة التي اشتريت منها الكتاب ففي هذه الحالة لم نتفرق بعد، والعرف هو الذي يحكم، كما أن التفرق في الطائرة يختلف عن التفرق في الأسواق؛ لأن العرف هو الذي يحكم.

    ولذلك يقول: [ ولا خلاف في لزومه بعد التفرق ]، يعني: بعد التفرق يلزم البيع البائع والمشتري، إلا أن يكون البائع قد تفرق لحيلة، كأن يكون باعك السلعة وقبض الثمن، وقبل أن تشترط عليه قال: أستأذنك لحظات سأذهب ثم آتي، وتفرق عنك وأنت ما زلت في المحل؛ لينفي شرط الخيار، ففي هذه الحالة يعامله الشرع بضد مقصوده؛ لأنه أراد أن يحرم المشتري من شرط الخيار بسرعة التفرق، وهذه حيلة غير مشروعة، وهنا يعامل بضد مقصوده.

    قال: [ لأن الشارع علق عليه حكماً ولم يبينه؛ فدل على أنه أبقاه على ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز، فالتفرق العرفي هو التفرق بالأبدان، كذلك فسره ابن عمر ، وتفسيره أولى؛ لأنه راوي الحديث ]، إذاً: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما.

    أحكام خيار الشرط

    قال المؤلف رحمه الله: [ إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة؛ فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه ].

    من أنواع الخيار: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب -الغبن- وخيار التدليس، وخيار في بيع بتخيير الثمن، وخيار لاختلاف المتبايعين.

    قال: [ إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة؛ فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة، إلا أن يقطعاه؛ لأنه حق ]. ما معنى: إلا أن يقطعاه؟

    اشتريت منك سلعة بالخيار لمدة شهر، وفي يوم عشرين جئت وقلت لك: أنا لا أريد السلعة، فما زالت في مدة الخيار، ولي الحق في قطع هذا البيع، كذلك قبل أن ينقضي الشهر قلت لك: أعطني شهراً آخر، هل يجوز ذلك أم لا؟ يجوز ذلك مادام في مدة الخيار عند جمهور العلماء.

    أما لو جئت بعد مضي الشهر بيوم وقلت لك: لا أريد السلعة فهذا لا يجوز؛ لأن مدة الخيار نفذت وانتهت، والمؤمنون عند شروطهم، هذا هو معناه؛ لذلك قال: [ إلا أن يقطعاه ]، ومدة الخيار لا بد أن تكون مدة معلومة، مثال ذلك: بعتك مسجلاً وقلت لك: لي بالخيار إلى أن يعود ابني من السعودية، متى سيعود؟ ربما يعود هذا العام، أو العام القادم، وربما بعد عشر سنوات، فهذه مدة غير معلومة، فالخيار فيها لا يتم؛ لأنه لا بد أن تكون المدة معلومة؛ ولذلك اختلف العلماء.

    مثال آخر: بعتك هذه السلعة إلى حصاد زرعي. قال بعض العلماء: المدة معلومة، وقال بعضهم: مجهولة؛ لأن حصاد الزرع إما أن يتم في زمن معين لا يؤخر عنه، وإما أن تأتيه ريح فتعصف به فلا يكون معلوماً.

    قال المؤلف رحمه الله: [ لأنه حق يعتمد الشرط؛ فجاز ذلك فيه كالأجل، ولا يجوز مجهولاً؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلم يصح مجهولاً كالتأجيل، وهل يفسد به العقد؟].

    يعني: باع بالخيار لمدة مجهولة، هل يفسد العقد أو لا يفسد؟

    قال: [ على روايتين:

    إحداهما: لا يفسد؛ لحديث بريدة .

    والثانية: يفسد؛ لأنه عقد قارنه شرط فأفسده أشبه نكاح الشغار، وعنه يصح مجهولاً؛ لقوله عليه السلام: (المؤمنون على شروطهم)، رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، فعلى هذا إذا كان الخيار مطلقاً مثل أن يقول: لك الخيار متى شئت، أو إلى الأبد؛ فهما على خيارهما أبداً أو يقطعاه، وإن قال: إلى أن يقوم زيد، أو ينزل المطر؛ ثبت الخيار إلى زمن اشتراطه، أو يقطعاه قبله ]، والراجح: عند عدم تحديد المدة في الخيار البيع صحيح، لكن لا بد من تحديد المدة وعليه إثم عدم التحديد.

    مثال ذلك: تقول: بعتك هذه السلعة ولك الخيار إلى أن ينزل المطر، متى ينزل المطر؟ الله أعلم، فإن قبل البائع هذا الشرط وقبل المشتري؛ فالمؤمنون عند شروطهم، فهذا شرط لكنه مجهول، وهذا محرم لأنه مجهول، والبيع بالخيار مشروع، لكن لابد أن يحدد أجلاً، فالقول الراجح: أن البيع صحيح لا شك في ذلك، لكن عليه إثم عدم تحديد المدة.

    أحكام خيار العيب

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه؛ فله رده أو أخذ أرش العيب ].

    وأرش العيب هو الفرق.

    مثال: اشتريت مسجلاً بخمسين جنيهاً، ولا خيار لي في الرد، فوجدت فيه عيباً بعد أن اشتريت، فعدت إلى البائع وقلت له: المسجل معيب، حتى لو لم يكن هناك خيار.

    فقال البائع: لك أحد أمرين:

    الرد وتأخذ الثمن، أو تأخذ الفرق بين السليم والمعيب أو المضروب، وهو أرش العيب.

    قال: [ والعيب كالمرض أو ذهاب جارحة أو سن، وفي الرقيق: من فعله كالزنا والسرقة والإباق ].

    والآبق هو: غير المطيع لسيده، وهذا يعد عيباً.

    روى الذهبي في الكبائر: أن رجلاً خرج بعبده إلى السوق يقول: من يشتري هذا العبد إلا أنه نمام، فقال أحمق: النميمة ليست بعيب، أنا آخذه، فأخذه على عيبه، فجاء العبد إلى زوجة سيده وقال لها: سيدي يريد أن يتزوج عليكِ، فإن أردت ألا يفعل فائتيني بشعرة من لحيته، وسأفعل له أمراً لا أجعله يتزوج، وجاء لسيده وقال: سيدتي تريد أن تقتلك وأنت نائم، وإن أردت أن تعرف صدقي من كذبي فلا تنم الليلة وتبين من صدق كلامي، فدخل سيده إلى فراشه وهو يتناوم، فجاءت الزوجة وانكبت عليه تريد أخذ شعرة من شعرات لحيته بموس، فنظر الرجل إليها، فوجدها تهوي عليه، فطعنها فقتلها، فاجتمعت قبيلتها عليه فقتلوه؛ فقامت الحرب بين القبيلتين بفعل هذا النمام.

    قال: [ وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه؛ فله رده أو أخذ أرش العيب، فمن اشترى معيباً لم يعلمه؛ فله الخيار ]، طالما أنه معيب لم أعلمه، لي الخيار سواء اشترطت الخيار أو لم أشترط.

    قال: [ فله الخيار بين الرد وأخذ الثمن؛ لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم، ولم يسلم له؛ فثبت له الرجوع في الثمن: كما في المصراة ]، والمصرَّاة: أن يحبس اللبن في ضرع البهيمة أياماً حتى تنتفخ، ويذهبون بها إلى السوق حتى تباع بمبلغ مرتفع، ففي هذه الحالة له أن يردها، وإن حلبها يردها ويعطي البائع صاعاً من تمر.

    قال: [ كما في المصراة، وبين الإمساك وأخذ الأرش؛ لأن الجزء الفائت بالعيب يقابله جزء من الثمن، فإذا لم يسلم له؛ كان له ما يقابله كما لو تلف في يده.

    ومعنى الأرش: أن ينظر ما بين قيمته سليماً ومعيباً؛ فيأخذ قدره من الثمن، فإذا نقصه العيب عشر قيمته فأرشه عشر ثمنه؛ لأن ذلك هو المقابل للجزء الفائت.

    مثاله: أن يكون قد اشترى منه سلعة بخمسة عشر، فيظهر فيها عيب، فتقوم صحيحة بعشرة ومعيبة بتسعة؛ فقد نقصها العيب عشر قيمتها، فيرجع المشتري على البائع بعشر الثمن دينار ونصف، وحكمة ذلك: أن المبيع مضمون على المشتري بالثمن، ففوات جزء من المبيع يسقط عنه ضمان ما قابله من الثمن أيضاً ]، والمعنى: أن المشتري دفع الثمن مقابل الانتفاع بسلعة سليمة، والعيب يفوت عليه ذلك، فلا بد أن يعوض بقدر هذا العيب، هذا يسمى عند العلماء أرش العيب.

    قال: [ وما كسبه المبيع -يعني المشتري- أو حدث فيه نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له].

    هب أنني اشتريت عبداً، وانتفعت به لمدة شهر، وبعد الشهر تبين لي أنه نمام، ولم يبين لي البائع هذا العيب، إذاً: إما أن أنتفع به وإما أن يحدث فيه نماء، كأن أشتري مثلاً شاة أنثى وهي حامل في شهرها الأول بألف جنيه، وبعد أن وضعت اكتشفت أنها جرباء، وكان قد دلس علي البائع وأوهمني أنها سليمة، فحدث نماء بوجود أم ابنها معها.

    فما حكم هذا النماء في السلعة: هل هو من حق المشتري أم من حق البائع؟

    قال: [ وما كسبه المبيع أو حدث فيه نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له؛ لما روت عائشة: (أن رجلاً ابتاع -اشترى- غلاماً، فاستعمله ما شاء الله، ثم وجد به عيباً فرده، فقال: يا رسول الله! إنه استعمل غلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان)، رواه أبو داود ]، والمعنى: أنك تضمن سلامة العبد من العيوب؛ لأنك لم توضح له العيب.

    قال: [وعنه -يعني: رواية أخرى عن أحمد - ليس له رده دون نمائه؛ لأنه تبع له أشبه النماء المتصل كالسمن واللبن، والتعلم والحمل، والثمرة قبل الظهور؛ فإنه إذا أراد الرد رده بزيادته إجماعاً؛ لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك، فلم يجز رده دونها ].

    وهو الصحيح: أنه يرد مع النماء، وإذا أنفق عليها شيئاً يأخذ ما أنفقه.

    حكم تلف السلعة المعيبة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن تلفت السلعة، أو أعتق العبد، أو تعذر رده؛ فله أرش العيب، أما إذا أعتق العبد ثم ظهر على عيب قديم؛ فله الأرش بغير خلاف نعلمه، وإن تلف المبيع، أو تعذر الرد، وكذا إن باعه أو وهبه وهو غير عالم بعيبه نص عليه؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه، وإن فعل ذلك مع علمه بالعيب فلا أرش له؛ لرضاه به معيباً، حيث تصرف فيه مع علمه بعيبه؛ ذكره القاضي ].

    النهي عن تصرية الإبل

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصروا الإبل) الحديث. التصرية في اللغة: الجمع ]، يعني: لا تصروا الإبل، وهذا نهي عن المصراة؛ ولذلك قال: (من غشنا فليس منا،) متفق عليه.

    قال: [ فمن اشترى مصراة وهو لا يعلم فهو بالخيار، إما أن يقبلها، وبين أن يردها وصاعاً من تمر ] فهذا حكم فقهي مهم.

    مثال ذلك: اشتريت مصرَّاة دون أن أعلم العيب، وبعد أن اشتريت تبين لي العيب، فما حكم هذا البيع؟

    الجواب: أنا بالخيار: إما أن أردها إلى صاحبها مع صاع من تمر، وليس صاعاً من أرز، وقياس الأحناف على أن زكاة الفطر تجوز نقداً، وهذا قياس فاسد، قاسوه على المصرَّاة، أنه يرد المصرَّاة ومعها صاع من تمر؛ مقابل اللبن الذي أخذه منها عندما كانت السلعة عنده.

    قال: [ وهو قول جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن اشتراها فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر)؛ ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه؛ فوجب منه الرد، كما لو كانت شمطاء فسود شعرها ].

    مثال ذلك ذهب رجل ليتزوج امرأة شمطاء -أي: لون شعرها أبيض- ولها من العمر ستون سنة، فصبغ شعرها بالسواد فذهب إلى البيت ليكشف عنها، فوجد أنها عجوز، ليست هي التي رأى، وهذا معنى قوله: شمطاء فسود شعرها، يعني: غير في ملامحها.

    كذلك إذا كان عندها عيب في العين كأن تكون بلا عين، فصنعوا لها عيناً صناعية، فلما كشف العريس عنها في البيت وجد أنها بلا عين، فهنا له حق في الرد. هذه أمور مهمة.

    صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تجنبوا السواد)، لكن نحن هنا نبين الأمر المشروع في البيع والشراء، فلو كان معي أمة أريد بيعها، وقد صبغت شعرها باللون الأصفر؛ فهنا لا بد أن أقول للمشتري: ليس هذا اللون لون شعرها الحقيقي، حتى لا يتفاجأ عندما يراها في البيت على حقيقته. قال صلى الله عليه وسلم: (فإن بينا بورك لهما في بيعهما)، وهذا هو الأصل: لا بد من التبيين عند التعامل، والله تعالى أعلم.

    قال: [ فإذا ردها رد بدل اللبن صاعاً من تمر كما جاء في الحديث، وفي لفظ: (ردها ورد صاعاً من تمر لا سمراء) يعني: لا يرد قمحاً ] أي: لا بد أن يكون الصاع من تمر.

    قال: [ فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها ].

    يعني: قبل أن يحلب علم أنها مصراة ردها دون شيء فلا يستعيض بصاع التمر إلا إذا حلبها مقابل الانتفاع بالمصراة هذه المدة.

    قال: [ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من اشترى غنماً مصرَّاة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)، رواه البخاري ، وهذا لم يأخذ بها لبناً؛ فلا يلزمه رد شيء. قال ابن عبد البر : هذا ما لا اختلاف فيه ].

    قال المؤلف رحمه الله: [ وكذلك كل مدلس لا يعلم بتدليسه له رده، كجارية حمر وجهها، أو سود شعرها، أو جعده، أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري؛ لأنه تدليس بما يختلف به الثمن، فأثبت الخيار في الرد كالتصرية ].

    مثال ذلك: كأن تكون هناك سيارة منتهية أدخلها الفرن ولمَّعها، ومن الداخل مشوهة، فهذا فيه تدليس أم لا؟ فلا بد أن أبين العيب للمشتري.

    قال: [ وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها في ثمنه، فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة، أو أن الدابة هملاجة -سريعة- أو الفهد صيود أو معلم، أو أن الطير مصوت ونحو هذا؛ فله الرد لذلك ].

    يعني: اشتريت منك عبداً على أنه يجيد الكتابة، وذهبت فوجدته أمياً لا يعرف الكتابة ولا القراءة، هذا عيب أم لا؟

    أو اشتريت سيارة على أنها (3) سلندر أو (5) سلندر، واتفقت مع البائع على ذلك، فذهبت فوجدتها (8) سلندر، فهل لي حق الرد أم لا؟

    الجواب: نعم. طالما أنه لم يظهر لي عيب السلعة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه؛ رجع عليه بالزيادة، وحظها من الربح إن كان مرابحة، يثبت الخيار في بيع المرابحة ].

    إن المرابحة والمضاربة والمشاركة أنظمة إسلامية معمول بها في الفقه الإسلامي؛ ولذلك بنك فيصل الإسلامي بنى تعاملاته على المرابحة والمشاركة والمضاربة.

    نكتفي بهذا القدر، والله تعالى نسأل أن يتقبل منا ومنكم، وجزاكم الله خيراً!