إسلام ويب

العدة شرح العمدة [21]للشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شدد الإسلام على صلاة الجماعة، فلم يسقطها حتى في احتدام الحرب، ولكنه شرع صلاة الخوف، وصلاة الخوف لها هيئات متعددة معروفة في الكتاب والسنة.

    1.   

    باب صلاة الخوف

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.

    الخوف عام، فقد يكون خوفاً في معركة، أو خوفاً من عدو، أو خوفاً وأنت في صحراء من عدو مفترس إلى غير ذلك.

    قال رحمه الله: [ باب: صلاة الخوف.

    وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    والمعنى: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الخوف بأكثر من صفة، وهذا يسميه العلماء: اختلاف تنوع، أي: أنه فعل هذا وفعل هذا لبيان جواز هذا وجواز هذا، وهذا كثير فلننتبه إليه، فمثلاً: تارة كان يفتتح الصلاة بقوله: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب...)، وتارة يفتتح الصلاة بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وتارة يفتتح الصلاة بقوله: (قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين...).

    إذاً: هذه حالات فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ونسمي هذا الاختلاف: اختلاف تنوع، ولابد أن تعرف هذا لأهميته، وهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بأكثر من طريقة. قال في الشرح: [ قال أحمد رضي الله عنه: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أو ستة -أو قال: ستة أو سبعة يروى فيها كلها جائز- قال شيخنا: والمختار منها هو الذي اختاره أحمد ، وهو ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف ].

    يعني: اختار الإمام أحمد صفة من صفات صلاة الخوف، ولها ستة أوجه أو خمسة أوجه تعددت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس وطائفة تصلي، وهذا دليل على عظم صلاة الجماعة، حتى عند القتال لم يرخص لنا في ترك صلاة الجماعة، ولعل هذا من الأدلة عند من قال بوجوب الجماعة، أي: أن الجندي في المعركة يقاتل ويصلي إلى غير القبلة ويصلي في نعله، ويحمل السلاح ويتيمم لعجزه عن الوضوء، لكنه لا يرخص له في ترك صلاة الجماعة، فمن باب أولى الآمن، فإن لم يرخص للمقاتل في ترك الجماعة فما بالك بالآمن؟ فهذا دليل عند العلماء على وجوب صلاة الجماعة.

    الطائفة التي تحرس تكون في المقدمة في مواجهة العدو، والطائفة التي تصلي تكون خلف الطائفة التي تحرس وتصلي مع الإمام ركعة كاملة، أي: أن الإمام يكبر وطائفة خلفه تكبر وتصلي والأخرى تحرس ثم يظل الإمام في الركعة الثانية قائماً، والطائفة التي تصلي معه تأتي بركعة ثانية والإمام قائم يطيل في قراءة الفاتحة والقرآن، وهذه الصلاة الوحيدة التي فيها الركعة الثانية أطول من الأولى، فإن من السنة أن تكون الأولى أطول من الثانية إلا في صلاة الخوف بالنسبة للإمام، فعليه أن يطيل في الثانية، ويظل قائماً يقرأ حتى تنتهي الطائفة التي معه من الركعة الثانية وتسلم، ثم بعد أن تسلم تأخذ مكان الطائفة التي تحرس، فتأتي الطائفة التي كانت تحرس فتصلي معه ركعة وهو لا يزال قائماً، فتكبر وتأتي معه بركعة، فإذا جلس للتشهد، قامت هي للركعة الثانية، ويظل الإمام يقرأ التشهد على مهل، حتى تنتهي الطائفة الثانية من الركعة الثانية وتجلس معه للتشهد ثم تسلم معه، وهكذا يكون صلى الإمام ركعتين، وكل طائفة صلت ركعتين: ركعة مع الإمام وركعة بمفردها.

    هذه هي الصفة التي اختارها الإمام أحمد الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد يسأل سائل: أتقرأ التشهد مرتين في صلاة الخوف أم لا؟

    الجواب: لا يجوز أن تقرأ التشهد مرتين أو الفاتحة مرتين، وإنما تقرأ على مهل، فتكون جهرية في الجهرية، وسرية في السرية، وكل الصلوات ركعتان إلا المغرب فإنه ثلاث ركعات.

    وصلاة الخوف ركعتان للرباعية، ومن العلماء من قال: صلاة الخوف بالنسبة للإمام أربع ركعات، حيث يصلي بكل طائفة ركعتين، وهذا استدلال من قال: إنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل؛ وذلك لأن الإمام يصلي بطائفة ركعتين وهي له فريضة، ويصلي بطائفة ركعتين وهي له نافلة، وهذا دليل من قال: إنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل.

    أما صلاة الخوف بالنسبة للمغرب فهي صلاة ثلاثية، يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين كاملتين، ثم تقوم الطائفة الأولى فتأتي بركعة بمفردها، ويظل الإمام قائماً في الركعة الثالثة حتى تنتهي الطائفة الأولى من الركعة الثالثة، ثم تأتي الطائفة التي لم تصل خلف الإمام وتصلي معه ركعة، ثم تأتي بركعتين وهو جالس للتشهد، حتى إذا ما انتهت من الركعتين جلست مع الإمام وسلمت معه.

    أما بالنسبة للاستفتاح للطائفة الثانية التي دخلت والإمام قائم للركعة الثانية، تستفتح وتقرأ الفاتحة وتقرأ ما تيسر من القرآن، ومن الحكمة ألا يطيل الإمام في القراءة بالطائفة الأولى أو الثانية؛ لأنهم في أرض المعركة: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً [النساء:102].

    قال: [ (أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو) ]، معنى وجاه: تجاه.

    [ (فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم) متفق عليه.

    ورواه سهل بن أبي حثمة أيضاً. قال أبو الخطاب : ويشترط لهذه الصلاة أن يكون العدو في غير جهة القبلة ونص أحمد خلافه ].

    والمقصود: أنهم يصلون إلى جهة العدو سواء كان العدو في جهة القبلة أو في غير جهة القبلة؛ لأنه ليس من المعقول أن يصلى إلى القبلة ويعطى العدو الظهور.

    وقد يقول قائل: ولكن هذا كان في الزمان القديم عندما كانت المواجهة والحرب عن طريق الخيول والسيوف، أما الآن فإن الحرب عن طريق الطائرات والرمي والصواريخ والدبابات؟

    قلت: الخوف لم يزل موجوداً في الحالتين، فيمكن للإمام القائد العسكري أن يصلي بمعسكره أو بكتيبته أو بسريته على هذا النحو، فطائفة تضبط المدفع وتقاتل وتركب الطائرات وطائفة تصلي، فإذا انتهت الطائفة التي تصلي تقوم للمهام العسكرية، فالخوف لم يزل موجوداً حتى في ظل الأسلحة النووية الحديثة، يعني: طائفة تجلس على نقاط التحكم في الطائرات أو سلاح الإشارة أو سلاح المدفعية، أو سلاح المدرعات، فكل له عمل، فلا يعقل أن أكون على مدفعي وأترك المدفع وأصلي، بل لابد أن يأتي شخص لينوب عني، فأصلي، وهو يجلس مكاني على المدفع، ثم يحدث التناوب، والصلاة تكون إلى جهة العدو أيضاً.

    قال: [ فإن اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً ].

    الخوف ينقسم إلى قسمين: خوف معه إمكانية صلاة، وخوف ليس معه إمكانية صلاة، بمعنى: أن العدو لا يعطيك فرصة أبداً لتصلي قائماً، فتصلي راكباً على طائرتك أو على دبابتك وتومئ برأسك، المهم ألا تضيع الصلاة.

    قال: (رجالاً) يعني: على أرجلهم، و(ركباناً) أي: راكبين، فالذي يركب سيارة المدفع ولا يستطيع أن ينزل منه يصلي على حالته وهو منفرد، يومئ برأسه في الركوع ثم يومئ برأسه في السجود؛ لأن هذا هو طاقته وقدرته، والله سبحانه قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا [التغابن:16].

    قال: [ فصلوا رجالاً وركباناً إلى القبلة وإلى غيرها ]، إلى القبلة أو إلى غير القبلة في الفريضة، مع أن استقبال القبلة في الفريضة لابد منه، إلا أنه في هذه الحالة يسقط للعجز عن استقبالها.

    قال: [ يومئون بالركوع والسجود على قدر طاقتهم؛ لأن الله سبحانه قال: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، وكذلك كل خائف على نفسه يصلي على حسب حاله ويفعل كل ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره ].

    صفة الصلاة إذا حمي الوطيس واشتد القتال

    لكن المصنف هنا فاته أن يذكر الصلاة إن حمي الوطيس واقترب الفتح، هل نصلي أم نفتح؟

    فأنت الآن تقاتل العدو في حصن، واقترب فتح الحصن، والوقت سيخرج، فهل تؤجل فتح الحصن للصلاة، أم تفتح ثم تصلي بعد خروج الوقت؟

    هذه نقطة مهمة جداً ذكرها البخاري في كتاب صلاة الخوف المجلد الثاني من فتح الباري، وقد أفرد لها الإمام البخاري كتاباً مستقلاً في المجلد الثاني. قال: باب: إذا اشتد القتال ودنا فتح الحصن، واستدل البخاري هنا بحديثين: الحديث الأول: حديث غزوة الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب انشغل بحفر الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، وصلى المغرب بعد غروب الشمس، وقال ابن حجر في الفتح معلقاً: من قال: إن غزوة الأحزاب كانت قبل صلاة الخوف ليس معه دليل، فغزوة الأحزاب كانت في العام السادس من الهجرة فهي متأخرة، في الحديث: قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! يوم الأحزاب ما صليت العصر، فقال: أشعل الله في بيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى -وهي صلاة العصر- وصلى العصر بعد غروب الشمس)، فـالبخاري يستدل هنا بفعل السلف على أنه إذا تعارض الفتح مع وقت الصلاة فإنه يمكن أن تؤخر الصلاة حتى وإن خرج الوقت؛ لتعذر التحصيل.