إسلام ويب

محاسد العلماءللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بين الله سبحانه وتعالى صفات اليهود والنصارى، وحذرنا من الوقوع فيها والتشبه أيما تحذير، وفي هذه المادة يتعرض الشيخ لمسألة هامة جداً، ألا وهي تشبه بعض علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصفة من صفة اليهود، ألا وهي الحسد، ثم يبين صور التحاسد بين العلماء.

    1.   

    الحسد من صفات اليهود

    الحمد لله رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.

    اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا.

    اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

    اللهم أصلح أزواجنا، وأولادنا، ونساءنا، وأرحامنا، وجيراننا، ومن كان منا في سبيلك، اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.

    اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها، ونعوذ بك من النار وجحيمها.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته.

    ومع درس جديد في شرح كتاب ابن تيمية رحمه الله: اقتضاء الصراط المستقيم .

    وقد ذكر الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام قدس الله روحه، ونفعنا بعلمه، وجمعنا وإياه في ظل عرشه، ونشهد الله على حبه، ذكر اليهود والنصارى، وبيَّن في الدروس السابقة أن اليهود هم: ( المغضوب عليهم ) والنصارى: سماهم الله بـ( الضالين ).

    وبيَّن أن اليهود كانوا يعلمون الحق ولا يعملون به، والنصارى يجهلون الحق ويعبدون الله بلا علم.

    وذكر الإمام ابن تيمية بالنسبة لبعض علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أو بعض من ينتسب إلى هذه الأمة العظيمة، وقال: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، أي: يعلم ولا يعمل، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، أي: يعبد على بدعة بغير علم، وهذا موجود في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثم يذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله بعض الصور التي تشبه بها بعض المسلمين، وكانت هذه الأخلاق السيئة التي هي أصلاً في اليهود والنصارى، انتقل بعضها إلى المسلمين، فيقول الإمام ابن تيمية رحمه الله، ويذكر بعض هذه الصور، وأولها: الحسد، قال تعالى في كتابه الكريم: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109].

    ( وَدَّ ) أي: من أعماق قلوبهم، فالمودة في القلب.

    ثم قال سبحانه وتعالى بعد أن ذكر أن الحسد نابع من قلوب اليهود والنصارى: ( وَدَّ كَثِيرٌ )، أي: أكثر اليهود، وأكثر النصارى يحسدون هذه الأمة، لهذا أنت ترى التآمر الدولي الصهيوني الصليبي الاستعماري، تراه تآمراً دولياً يعقدون من أجله اللقاءات والمؤتمرات.

    والشاهد الآن في واقعنا: مؤامرات العالم الصهيوني والصليبي للحيلولة دون قيام دولة الإيمان والإسلام على أرض أفغانستان ، يضعون العراقيل بعد العراقيل، ولعل لقاءات القمة بين الرئيس الأمريكي والسوفييتي، وتقاسمهما للنفوذ في خريطة العالم، والتودد العجيب من البيت الأحمر لمنطقة الخليج بالذات وانفتاحها عسكرياً وسياسياً، هذا يدل على عمق هذا التآمر، لا يريدون أن تقوم دولة إسلامية حقيقية على بقعة من الأرض، يريدون إسلاماً مشوهاً، يريدون إسلاماً هم يحركون أحجاره كيفما يشاءون، أما أن ينبثق من الكتاب والسنة فلا، والسبب في ذلك ما بينه الله سبحانه وتعالى من الحسد الذي في قلوبهم بقوله: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109]، فالحق عندهم بيِّن واضح؛ لكنهم يردونه، ويريدون أن يردوا المؤمنين إلى الكفر.

    1.   

    التحاسد بين علماء المسلمين

    يقول الإمام ابن تيمية : وقد يُبتلى بعض المنتسبين إلى العلم، أي: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قد يُبتلى بعض المنتسبين إلى العلم، وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع، أو عمل صالح، وهو خُلق مذموم مطلقاً، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم.

    ما معنى هذا الكلام؟

    يقول: خُلق الحسد المذموم قد يُبتلى به بعض العلماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، عندما يرون إنساناً عالماً نابغاً، وفقه الله إلى علم صالح نافع، يبدأ الشيطان يفسد بينهم، ويُحرش في قلوبهم؛ حتى يزرع فيها الحسد.

    إذاً.. هذا الكتاب ( إقتضاء الصراط المستقيم ) يربينا على محاربة الحسد، وأنه من أخلاق اليهود والنصارى، الذين هم أهل الكتاب، وعلى هذه الأمة ألا تتحاسد، كيف لا وقد أنزل الله سورة كاملة في ذم الحسد: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:1-5].

    ومن صور هذا التحاسد، وبالأخص بين طائفة طلاب العلم والعلماء، أشرح في هذا، وأفصِّل قليلاً.

    فإذا كان هناك:

    أخٌ داعية نابغ نابه بين إخوانه، يؤلف بين القلوب.

    أو طالب علم يدرس في الخارج أو في الداخل، وآتاه الله امتيازات وذكاء.

    أو أختٌ آتاها الله فهماً وفقهاً وحركة وتجميعاً للدعوة.

    أو غني وثري ينفق في سبيل الله ولا يبالي.

    أو عالم يتحبب إلى الناس، فيأتونه، فيعلمهم ويفهمهم، ويُقبلون عليه.

    هكذا تتعدد هذه الصور، فما يخلو هؤلاء من حاسد.

    من صور هذا الحسد: خذ على سبيل المثال:

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: الدعاء بقصد الوضع من القدر

    الصورة الأولى:

    عالم يحسد عالماً، يأتيه أحد طلبة العلم فيسأله عن عالم ما، أو يذكر اسمه عنده، فيقول: غفر الله له، هداه الله، أصلحه الله، يردد هذه العبارات، وفي ظاهرها الدعاء؛ لكن يُفهم منها شيء آخر.

    غفر الله له: يفهم منها المستمع: أن هذا العالم كثير الذنوب والخطأ.

    هداه الله: يُفهم منها: أنه على ضلالة.

    أصلحه الله: يُفهم منها: أنه فاسد.

    وإن لم يقل ذلك؛ لكن النبرة والحركة والإشارة والموقف والسائل والسؤال يوحي هذا إلى السامع والفاهم، وذلك من الحسد، وقد لا يشعر الذي تكلم بهذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، قد يكون بدافعِ مزيجِ من حسدٍ وغَيْرَةٍ داخل هذه النفس، فلو أوقفتَه ونبَّهتَه، وقلتَ له: يا شيخ جزاك الله خيراً أنا أسألك عن فلان، فتقول لي: هداه الله، أصلحه الله، غفر الله له، ماذا يعني هذا؟ ألا نذهب إليه، ولا نتعلم عنده؟ قال لك: لا. بل اذهب إليه، وتعلم عنده، لكنني أقصد كذا وكذا.. فينتبه.

    فأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيها أو أكثرها فيهم سلامة الصدر، لكنَّ الشيطان يحرش، ويجعل الإنسان ينسى ويذهل، ويغفل، وتخرج منه كلمات عجيبة، قد لا يعنيها ولا يقصدها، ولو نُبه وذُكر لانتبه وعاد؛ لأن من صفة هذه الأمة أنها رجَّاعة إلى كتاب الله وإلى الحق.

    أقرِّب هذا المفهوم بمثالٍ أضربه، بين أم وابن وزوجة الابن. لا يوجد هناك مخلوق يحب الولد مثل أمه، ولا شك أنها تتمنى سعادته في الدنيا والآخرة، وقد كانت تسهر لينام، وتجوع ليشبع، وتتعب ليرتاح، وتمرض ليصح؛ لكنها هي التي أيضاً خطبت له وزوجته، وأنفقت وسهرت، وتعبت في زواجه، فلما رأت أن الزوجة أخذت جزءاً من حياة هذا الابن تحرَّك شيء في نفسها، وربما يتحرك بدون قصده، فأصبحت العبارات غير العبارات، والكلمات غير الكلمات، والإشارات غير الإشارات، لو جاءت امرأة في الصباح الباكر زائرة لهذه الأم وقالت: كيف فلانة زوجة ابنك؟ لقالت: هَه، والله نائمة إلى الآن، فكلمة: نائمة إلى الآن، قد تكون هذه ساهرة من الطفل، قد تكون مريضة، قد تكون متعبة، قد يكون لها عذر شرعي؛ لكن: نائمة إلى الآن، لها معنىً يفهمه الناس؛ بأنها أصبحت تغار أو تحسد، سواءً أرادت أو لم ترد، هذه طبيعة بشرية فطر عليها الناس. هل تتمنى لهذه الزوجة الأذى؟ لا. بل هي تحبها، لأنها زوجة ابنها، وسعادته من سعادتها؛ لكن هكذا الناس، الله جعل في القلوب دفائن وخفايا يسترها بلطفه، ويسترها بستره، لو تكاشف الناس بما في قلوبهم ما تدافنوا حتى في المقابر، لو تكاشف الناس بما في صدورهم، كأن تدور خواطر وهموم وأفكار، وشماتات وأحقاد، وغيرة، وأشياء عظيمة، لكانت كارثة؛ لكن الإيمان يسترها، واللطف والعفو، والرحمة والمودة، إلى أخره، فلا يعلمها إلا الله.

    لهذا لا يدخل المسلم الجنة إلا نظيفاً من هذه الأمور: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    ولكثرة هذه الأمور في النفوس يصفها النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (الغل عند أبواب الجنة كمبارك الإبل) انظر، إلى درجة أنهم وصلوا عند باب الجنة، واجتازوا أهوال وأهوال، اجتازوا البعث، وحياة البرزخ، واجتازوا الحوض، والصراط، والميزان، والحساب، وهم على باب الجنة، ولا تزال هذه القضايا موجودة في الصدور، ينـزعها الله، ثم يلقيها خارج الجنة، ثم يدخلون بعد ذلك.

    عندما تسمعون هذه الصور في قضية التحاسد بين العلماء، لا يَهُولَنَّكُم هذا الأمر، فيدخل فيكم سوء الظن، ويدخل فيكم الوسواس، وتبدءون تأويل الحركة والكلمة بأنها من هذا الباب، لا، فهذه مجرد تنبيهات وتذكيرات؛ لنصل في النهاية إلى أن يعفو بعضُنا عن بعض، ويفهم بعضُنا بعضاً أكثر، ونتقارب أكثر، فكلما انفتحت الصدور التقت الأرواح وتعارفت وتآلفت.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: التهوين من علمه ودعوته

    الصورة الثانية: التهوين من علمه ودعوته، وكتبه وأشرطته:

    والتهوين منها كأن يقال له: ما رأيك يا فضيلة الشيخ في الكتاب الفلاني -لعالم ما- فيقول: هو كتاب لا بأس به، ولولا أنه قال كذا وكذا؛ لأصبح الكتاب يُقرأ. وكذا وكذا قد تكون سطراً أو كلمة، أي: سيئة واحدة في بحر حسنات، ولو حسبت الكلمات في ميزانه عند الله في هذا الكتاب، لوجدت هذه الكلمة هباءً؛ لكن انظر كيف، والمستمع الذي لم يقرأ هذا الكتاب، أو لم يسمع هذا الشريط يتردد في قراءته، ويتردد في استماعه، فهذا ثقة.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: وصفه بالوهابي

    الصورة الثالثة: يُتهم بتهمة شائعة في العالم:

    وذلك خاصة إذا عُلم فيه صحة العقيدة، وصلاح العمل، والعمق في التوحيد، ومحاربة البدع، وبالأخص: عبادة القبور، وسؤال الميتين، والاستغاثة بهم إلى آخره، هناك تهمة جاهزة مُعَلَّبة مصفوفة، إذا قيل له: ما تقول يا فضيلة الشيخ في هذا العالم؟ قال: أعوذ بالله، هذا وهابي، كلمة وهابي هذه أصبحت تهمة توجه لخيار هذه الأمة، وخاصة ممن يقول فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي).

    فأصبح الذين هم على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه من سلامة القلب، وحُسن الاعتقاد، ومحاربة البدعة، وتصحيح التوحيد، وإخلاص العبودية لله، ومحاربة الشرك بجميع صوره، من عبادة القبور، والطوفان بالأضرحة، والتمسح بها، وسؤالها الولد والزوجة، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله، كما هو مبثوث في العالم كله، إلا من رحم الله، يحاربون هذا، ويبينون للأمة بأن هذا باطل، وبأنه شرك، إلى آخره. فالتهمة جاهزة: هذا وهابي.

    ويوم أن يسمع العامي أو طالب العلم كلمة: وهابي، من إنسان له لحية كبيرة، وعمامة كبيرة، وشيخ طريقة، وله مريدون، وله وجاهة وسَمْت، يأخذها على ظاهرها بأنها تُهْمَه، فيبتعد ليس عن هذا الشخص، وإنما عن مجموع العلم العظيم الذي يحتاجه السائل، ينجيه في الدنيا وينجيه في الآخرة.

    و(الوهابية) دعوة قامت على يد الداعية الرباني محمد بن عبد الوهاب ، في أرض الجزيرة العربية ، أرض خاتم النبوات والرسالات، الأرض الطيبة المباركة، التي فيها الحرم المكي، والحرم النبوي، والتي انطلق منها الصحابة برحمة الله يفتحون البلاد، وقلوب العباد.

    لم يأت محمد بن عبد الوهاب من البيت الأبيض أو من البيت الأحمر، أو من أقصى الصين الماوي، ونشأ هذا الرجل والناس يعبدون الأشجار، ويعبدون الأحجار، ويعبدون القبور، ويذبحون لها الذبائح، وينذرون لها النذر، فجمع الأمة على التوحيد، وجاهد في الله حق جهاده.

    وببركة دعوته عمَّت منطقة الخليج النظافة العقدية، وعلى سبيل المثال: هنا عندنا في الكويت ، لا يوجد قبر يُعبد من دون الله، كان هناك في منطقة فيلكا حجر يُسمى: بـ( قدم الخِضْر )، والناس كانوا يذبحون له، ويتبركون به، وقيَّض الله شاباً من شباب هذا البلد، وأخذ الإذن بهدمه وانتهى، وهذه من بركة الدعوة الوهابية، حيث سلامة الاعتقاد، ونور اليقين، وحلاوة الإيمان، وبرد الرضا، وبركة الدعوة، وإجابة الدعاء، وسلامة التوحيد، وصلاح العمل، وإخلاص النية.

    إذاً .. عندما تسأل عن كتاب، أو عالم، فيقال لك: هذا وهابي، فاعلم أنها صفة مدح، وليست صفة ذم، فتشبث بهذا العلم، فهو ينجيك يوم القيامة بإذن الله.

    وأكثر من ابتلي بهذه التهمة: الأعاجم، دول الأعاجم، وأعني بالأعاجم: الذين لا يتكلمون اللغة العربية، وليس العجم الفرس.

    فهذه التهمة رائجة في الهند، وفي باكستان ، وفي ماليزيا ، وإندونيسيا ، وهذه المناطق هناك.

    فإذا ذهب داعية ودخل على أناس فإنه يجدهم عند قبر يعقدون عقد الزواج، وقد شاهدت أنا هذا بعيني في تركيا ، الناس يأتون إلى القبور، وهناك رجل من السدنة جالس عند القبر، وكل الأمراض متجمعة فيه؛ لأنه لا يخرج إلى الهواء النقي، جالس في الظلام، ودخان البخور، وكثافة الجو بثاني أكسيد الكربون والظلام الدائم؛ لأنه طول النهار موجود في القبور، والعرق، والحر، وزحمة الناس، ويأخذ منهم المال والضرائب (والأتاوي) والنذور، ثم بعد ذلك يستغيث بالمدفون، والمدفون هو بأمس الحاجة إلى حرف واحد من دعاء هؤلاء الزائرين؛ لأنه في دار جزاء وهم في دار عمل، لكن انظر كيف انقلبت الصورة. ويجتمع العريس والعروسة، ويبدأ هذا السادن يستغيث: يا صاحب القبر.. أيها الولي.. أيها العالم.. يا عالم زمانه.. يا قطب.. يا سيد؛ أعطهم الزواج المبارك والابن الصالح، ثم بعد ذلك يفرش المنديل الأخضر أو الأحمر، على حسب لون الخرقة الموجودة، ويضعون عليها الذهب. وهذا شرك لا يجوز. فإذا جاء عبد صالح وقال: هذا لا يجوز، هبَّ العلماء هناك، وقالوا: اطردوه، هذا يكره محمداً، هذا يكره آل البيت، هذه يكره عباد الله وأولياء الله، هذا وهابي، وهذه آخر كلمة تقال.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: الاتهام بعداوة الأئمة الأربعة

    الصورة الرابعة من صور الحسد: اتهامه بعداوة الأئمة الأربعة:

    فتجد من العلماء من هو عالم عامل داعية، لكنه لا يؤمن بالتقليد الأعمى، لأن ديننا طاعة على بصيرة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ [يوسف:108] فهذه آية واضحة.

    فقضية الطاعة العمياء هذه الموجودة في الجيوش النظامية عند التدريبات العسكرية، مثل: نفذ ولا تسأل؛ لكن ديننا على علم ونور وبصيرة، ومن أسماء القرآن النور، ومن أسماء الله النور، والصحابة يناقشون ويتعلمون ويسألون ويأخذون ويعطون في المسائل.

    وفي القضايا التعبدية، التي لم تبد لنا حكمتها، نُسَلِّم بأن الله حكيم، وإن بدت لنا الحكمة فيها ونعمت، وإن لم تبدُ فالأصل أن الله حكيم، لا يعبث في التشريع، نسمع ونطيع، فركعات الفجر ثنتين؛ نطيع، والمغرب ثلاث؛ نطيع، لا نقول: لماذا؟

    لكن هذا العالم الحاسد عندما يرى العالم الذي يرفض التقليد الأعمى، وإنما دائماً يهتدي بالدليل من الكتاب والسنة، ومذهبه هو حديث محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بأس من أن يتقن ويتخصص في أحد المذاهب الأربعة، ويبرز فيها، كالحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، فإذا جاءه الدليل تذكر قول الإمام: الحديث مذهبي، كل يؤخذ منه ويُرد عليه، إلا صاحب هذا القبر، وهو: محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذا رأوه من هذا الصنف، يحتالون عليه، ويقولون له: ما تقول في هذه المسألة؟ فيقول لهم: فيها حكم مأخوذ من الدليل، فيقولون له: ولكن الإمام الشافعي قال غير هذا، فيقول: إن الدليل يخالف رأيه، فيقولون: إذن أنت تكرهه.

    ثم يأخذون يشيعون عنه أنه يبغض الأئمة الأربعة، مع أن الأئمة الأربعة أحب شيء إلى نفوسهم اتباع النص من الكتاب والسنة، يقول الواحد منهم: الحديث مذهبي، هذا نص عليه الأئمة الأربعة، بل والله إنه من محبتهم والدفاع عنهم هو تقريب النص إلى فقههم، وأن يُقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشرط: أن يتأدب طالب العلم في الحصول على الدليل أمام هؤلاء الأئمة الأفذاذ.

    لا يأتي طفل صغير قرأ حرفين، وكتيبيَن، وحديثين، ثم يمد رجليه أمام فقه الإمام أحمد ، أو الشافعي ، ويقول: أنا رجل وهو رجل، هذا من سوء الأدب، ومثل هذه الممارسات الفردية هي التي جعلت البعض يوجه التهمة إليهم.

    فلننتبه أيها الأحباب الكرام إلى أن من صور تحاسد بعض العلماء: توجيه التهمة لغير المقلد بكره الأئمة الأربعة، مع أنكَ لو بحثتَ لوجدتهم من أحب الناس إليه.

    فالأئمة الأربعة هم الذين حفظوا هذا الدين، واجتهدوا فيه، ووالله لو عملنا الدهر كله فإنا لا نصل إلى معشار ما قدموه، فالواحد منهم كان موسوعة ودائرة معارف، أما الآن فيا حسرة الطلبة بهذا الحشو الذي تملأه المدارس في أذهانهم، من الروضة إلى الجامعة، ويتخرج بعضهم وهو لا يحفظ الفاتحة؛ لأنه لا يصلي.

    فرضي الله عن الأئمة الأربعة، ورحمهم الله، وكل علماء هذه الأمة العاملين الصادقين المخلصين، نسأل الله أن يحشرنا وإياهم، وأن يرزقنا حبهم يوم أن نلقاه.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: إحصاء السقطات والفلتات

    الصورة الخامسة: عمل إحصائية لسقطاته وفلتات لسانه وأخطائه، وجمعها عليه:

    ما من عالم على وجه الأرض إلا وله أخطاء، والمعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم، وما دام هو يتحدث ويتكلم ويدعو فهناك سبق اللسان, وهناك الذهول، فالإنسان يذهل وينسى، وهناك الحائل، يحول الله بين قلبه وبين حاجته التي يريدها، أو المعنى الذي يريد أن يصل إليه، وقد تكون الحاجة بيده، وهو لا يراها، وهذا يحدث لكل إنسان؛ لكن الحسد جرَّد ذلك العالم وجعل له مذكرة، وأوصى طلبة العلم أن يحصوا كل السقطات في الدروس والمحاضرات، والخطب والأشرطة، وكل شيء، وقد يؤلف فيها كتاباً كاملاً: أخطاء فلان، وهذا يستفيد منه العالم الحاسد فائدتين:

    الأولى: إسقاطُ مَن حسدَه من عيون الناس:

    لأنه في هذا الكتاب لا يذكر له حسنة واحدة، وإنما يأتي بالأرقام والصفحات والتواريخ، ويدونها عليه، والذي يقرأها بمجموعها يرى أن هذا لا علم له ولا يفقه، ولا يستحق أن يستمع إليه الإنسان كلمة واحدة.

    وإذا حطمنا نحن قدواتنا ماذا بقي لأولادنا؟ بقي مايكل جاكسون ؟! بقي الممثل الفلاني والعلاني من الشرق أو الغرب؟! بقي المغني والمغنية؟! هذا الذي بقي.

    إذا بثثنا مثل هذا الفكر وروَّجناه، أن نسقط القدوات والعلماء، ولا يبقى في الساحة إلا نحن، وهذه هي النتيجة الحتمية.

    الثانية: توصل القارئ إلى أن الكاتب لا يخطئ:

    الذي يكون هذا هو منهجه، تصيد سقطات العلماء، فالنتيجة: أن يتوصل القارئ أن هذا هو الذي لا يخطئ.

    والذي يخالط الناس ويتقرب منهم ويصيبه الأذى يرى مدى عمق المأساة في جيلنا اليوم.

    فيوم أن يأتي شاب لا يزال طفلاً من ناحية الفهم الإسلامي، يحبو أو يخطو خطواته الأولى، وإذا برجل طويل اللحية، قصير الثوب، يمسكه من يده، ويفتح أذنه بيديه، ويقول له: احذر فلاناً، وفلاناً، وفلاناً، وفلاناً، واحذر علاناً، وعلاناً، إذاً: مَن بقي؟ من هؤلاء الذين أحذرهم؟ أأحيا بين يهود؟ أم أحيا بين نصارى؟ ما بقي إلا هذا المحذر؟ جهاز الإنذار المبكر؟ وشيخه الذي وراءه؟

    فيصبح هذا المسكين الذي جاء بصدر سليم، ونية طيبة، وروح مشرقة، وقد أقبل على الدين بروحانية وإيمانية وقد أحسن الظن بالناس جميعاً لأنهم مسلمون، أصبح ينصب نفسه قاضياً ويشرح الناس، يكفر هذا، ويفسق هذا، ويضلل هذا، ويخطئ هذا، ويبدأ يتربى بالتدريج على مثل هذا المنهج، فيصبح -والعياذ بالله- على مدى الأيام قاسي القلب، جافي الروح، لا يطيقه أحد، ويمر به هذا الأسلوب التربوي حتى يعزله في النهاية في مكان بعيد، يتقوقع، ولم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) هل الدعوة والإسلام ألا تلتقي إلا بمن هو مثلك ولحيته أطول من لحيتك، وثوبه أقصر من ثوبك، وتعتزم معه في صحراء، تأكل الخروف المشوي، واللبن الخاتر، والتمر النقي، أهذا هو الإسلام، وهذه هي الدعوة؟!

    والله لو كان الإسلام بهذه الصورة ما خرج من المدينة المنورة .

    لكن الإسلام اقتحم عالَم الروم والفرس، وعبر البحار والمحيطات، وانتشر في أنحاء الدنيا وأشرقت الأرض كما تشرق الشمس.

    فالحذر كل الحذر من هذا الأسلوب، الذي هو إحصاء زلات وأخطاء العالم، ولا يوجد كتاب على وجه الأرض يخلو من خطأ إلا القرآن العظيم، وأما الأعمال البشرية فلا تخلو من خطأ أو مظنة خطأ، وتبرئةً للصحاح أستثني صحيح البخاري وصحيح مسلم، حتى لا أجرئ أعداء الدين على هذين الكتابين العظيمين؛ لأن أعداء الدين ينتظرون منا مثل هذه التصريحات. ويظل البشر هم البشر: (كل ابن آدم خطاء).

    يدفعه الحسد على إحصائية الأخطاء، ولو تفحصتَ أدب القرآن، وهو يذكر شهاداته ضد أعدائه من اليهود والنصارى والمنافقين، تجد القرآن دقيق الوصف، فالشيء الممدوح فيهم يذكره، والشيء المذموم فيهم يذكره؛ لأنها شهادة حق ممن لا ينتفع بالطاعة ولا تضره المعصية، وهو الله، حتى الخمر والميسر لَمَّا أراد تحريمهما انظر إلى العدالة في الشهادة، هذه جمادات: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]. الله أكبر.

    وراجع آيات وصف أهل الكتاب في القرآن، كيف أن الله سبحانه وتعالى عندما يذكر صفة ذمية يقول مثلاً: ... إِلَّا قَلِيلاً [البقرة:83].. لَيْسُوا سَوَاءاً ... [آل عمران:113] دائماً يكرر مثل هذه المعاني، حتى لا يختلط الحق بالباطل، أنت عندما تريد أن تتصيد خطأ العالم الفلاني، بحجة أنك تريد إنقاذ الناس وتوضيح الحق؛ حتى لا يقعوا في الباطل. فليكن قدوتك في ذلك العلماء الأولين الصادقين.

    نذكر أسلوب العلماء الصادقين كالإمام ابن تيمية ، والإمام ابن القيم ، وكما ذكر علماء أرباب السلوك في كتبهم من الآداب، فيُثْنَى عليه، ويُمْدَح، ويُرَغَّب في علمه، وتُذْكر أسماءُ كتبِه، ومحاسنُه، وتوضع كلها في كفة، حتى إذا ما ذكرتَ أنتَ هذه السقطة كانت ذرة في محيط، ونقطة في بحر، فيحذر منها القارئ وطالب العلم؛ لكن يقبل على علم هذا الإنسان، لكن الحسد يعمي، لهذا يقول الشاعر:

    اصبر على كيد الحسود     فإن صبرك قاتلُهْ

    النار تأكل نفسها     إن لم تجد من تأكلُه

    وعندما ذكر الشاعر النار هذه لها حقيقة قرآنية؛ لأن أول الحاسدين: إبليس، وأول المحسودين: آدم: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] وميَّز الله آدم بالعلم: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:31-32] وهذا العلم الذي وهبه الله آدم، فيعرف حقائق الأشياء، ويعطي للمسمَّيات الأسماء، وجعلها فطرة متناقلة وراثية في كل أجياله من البشر، ما يُخترع شيء أو يُنتج إلا ويضعون له اسماً وفهماً ولغةً، فحسد الشيطان آدم، وأبى سجود الاحترام له، فكانت النهاية الكِبْر الذي أخرجه من رحمة الله وسخط عليه إلى يوم القيامة.

    فالعالم الذي يحسد العالم الآخر لما حباه الله من فهم وعلم، فليعلم أنه يأخذ خصلة إبليسية، فليحذر منها، والله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بيَّن أحوال المنافقين والكافرين بالنسبة لهذه الأمة العظيمة، كيف أن الحسد يحرقهم من الداخل بكل توفـيق وازدهار وحضـارة وإنتاج، قـال تعالى: إِنْ تَمْسَـسْكُمْ حَسَنَةٌ [آل عمران:120]: انظر (تَمْسَسْكُمْ) أقل حسنة: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:120]، فعند الحسنة ذكر المس والمسيس، أي: أقل خير يأتيكم من الله أنتم محسودون عليه، ويتمنون أن تصيبكم أكبر مصيبة حتى يفرحوا بها، (وَإِنْ تُصِبْكُمْ) لم يقل: وإن تمسسكم مصيبة كما قال عن الحسنة، انظر بلاغة القرآن وفصاحته، ومعرفة الله لخبايا نفوس أعدائنا.

    أما التنافس النـزيه، فهو مرغوب ومحبوب، والله قال عنه في القرآن: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] وشجَّع عليه ودفع إليه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا، فقال: (لا حسد إلا في اثنتين..) وهذا الحسد يُراد به حسد الغِبْطة، وهناك فرق بين حسد النقمة وحسد الغبطة، فحسد النقمة: هو أن يتمنى زوال النعمة التي أنعم الله بها على ذلك المسلم، أما حسد الغبطة: فهو أن يتمنى دوامها عنده، وأن يُرزق مثلها؛ لهذا يقول الحديث: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هَلَكَتِه في الحق، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس) وهذا حسد غبطة، أن تقول: يا ليت لي مثل مال فلان فأعمل بعمله، فأنتَ بنيتك، وهو بنيته، فأنت وهو في الأجر سواء، يا ليت لي مثل علم فلان فأعمل به وأعَلِّمه، فهو نيتك، فأنت وهو في الأجر سواء، أرأيتم سلامة النية كيف أثرها، القضايا كلها هنا: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) لهذا انظر عندما فسد قلب الحاسد، ولّدَ انعكاسات هذا الفساد من ذلك القلب على الوجه والحركات، والحاجبين والشفتين واليدين، والنظرات والكلمات، كلها تغيرت، لهذا تستطيع أن تفرق بين وجه الحاسد حسد نقمة، وبين الحاسد حسد غبطة.

    من صفات المدح للصحابة رضي الله عنهم، وهم الذين يحسدون حسد الغبطة، يقول تعالى في كتابه الكريم، وهو يربيهم: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32] ويقول الله سبحانه وتعالى، وهو يصفهم: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر:9] فالصدور سليمة، ليس فيها حاجة مما أوتوا، نظيفة خالية، وهذا صاحب القلب المخموم، الذي بشره الله بالجنة، وبشره رسوله بالجنة، إذا جاء الليل قال: [اللهم إني عفوت عمن ظلمني] وينام سليم الصدر، نقي الروح، هادئ البال، قرير العين، فحياته والله أطيب حياة.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: النصيحة بعدم أخذ العلم منه

    الصورة السادسة: النصيحة بعدم أخذ العلم منه:

    وهي: أن يأتيه طالب علم فيسأله: أأذهب إلى فلان أتعلم عنده؟ فيقول له: لا. ولكن اذهب إلى فلان أو علان فهو أحسن.

    فمفهوم المخالفة: أن هذا أسوأ، أو سيء، أو لا يستحق أن يُذهَب إليه، وقد يكون هو خير من يُذهَب إليه.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: تحقير المؤهَّل

    الصورة السابعة: تحقير مؤهَّلِه:

    وهي: أن يأتيه سائل فيقول: ما تقول في هذا العالم؟ فيرد عليه الجواب: هل درس في الأزهر الشريف؟ فطالب العلم يقول: لا. فيقول: هل درس في إحدى الجامعات الإسلامية في السعودية ؟ فيقول طالب العلم: لا، فيقول: هل عنده شهادة دكتوراه جامعية؟ فيقول له طالب العلم: لا. فيقول له: إذاً: يا ليته درس في الأزهر، وأخذ الدكتوراه، وهذا مما جعل طلبة العلم أو كثيراً منهم الآن يحرص على حيازة هذه الشهادة وذلك المؤهل؛ لكي يكون (حرف الدال، والنقطة) موجدين أمام اسمه، لا لشيء إلا توثيقاً لعلمه ولدعوته.

    أصبح الناس الآن عندما يسمعون بفلان الدكتور، فإن جسور الثقة تكون عامرة، وهذا طالب جامعي وموثوق به، فكيف إذا تخرج وأخذ الشهادة.

    علمٌ قد يكون بجهد ذاتي، وتوفيق من الله، وصدق من العالم، ومجهود شخصي وفطنة، قد يتفوق فيها على أساتذة الجامعة، لكن لأنه لم يصل إلى هذا المؤهل أصبح بعض الحاسدين من العلماء يصرفون من هذا الباب طلبة العلم عنه، ويعتبرون هذه مسبة.

    والإمام المجدد حسن البنا رحمه الله الذي أنشأ دعوة الإخوان المسلمين في مصر ، وقد انتشرت الآن في مشارق الأرض ومغاربها، لم يدرس ولم يأخذ هذه الشهادات، أقصى ما توصل إليه، شهادة دبلوم معلمين، ثم كان مدرساً، وأما أبوه فساعاتي لم يتخرج من هذه المراكز بارك الله فيها ووفق من تعلم فيها، ومع هذا كان من كبار شراح أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ووالده الشيخ أحمد البنا ، والإمام الابن وهو حسن البنا من المجددين لهذا الدين, ومع هذا لم يأخذا شهادة الدكتوراه.

    وهناك عندنا في عالم الأدب العربي: العقاد ، الذي كما يقولون أعلى شهادته ابتدائية، أي: عرف كيف يخط الخط فقط، ثم صار من كبار علماء وعباقرة هذه الأمة.

    إذاً.. لا يدفع العالِمَ الحسدُ إذا ما جاء طالب علم، أو ذُكر عنده عالم - رفع الله قدره وأعلى ذكره - بأنه لا شهادة له، فكأن تَقَدُّم الناس عند الله بالشهادات والمؤهلات لا بالصدق والدعوة والإخلاص والفهم. وأين فهم داوُد من فهم سليمان، هذا الوالد هو الأصل، وهذا هو الفرع، ومع هذا قال الله بالنسبة لسليمان: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79].

    فتبيَّن بأن العلم يؤتيه الله من يشاء، ويهبه لمن يشاء، وينـزعه ممن يشاء، لهذا الصحابة رضي الله عنهم عامتهم أميون، وهم علماء الأمة إلى يوم القيامة، نورهم وخيرهم وبركتهم عمَّت الدنيا إلى يوم القيامة.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: المناظرة والمماراة

    الصورة الثامنة: المناظرة:

    وهي: أن يطلب هذا العالِم المناظرة مع من يحسده، مناظره علنية، ويطلبها في مجال تخصصه هو، فإذا كان مثلاً مجال تخصصه علم سند الحديث يطلبها في هذا، مجال تخصصه في الفقه يطلبها في الفقه؛ ليُماري بهذا العلم أمام الناس ويُسقِط من هيبة أخيه في الدعوة، ويُظهر للناس أنه عالم، وهذه والله المهلكة، فأول من تسعر به النار: هذا الصنف، ذُكر المجاهد الشهيد، وذُكر المنفق في سبيل الله، وذُكر العالم، ماذا فعلتَ بعلمك؟ فيقول: عمِِلْتُ بما علِمْتُ، وعَلَّمتُ، فيقول: كذبتَ، إنما ليُقال عالِم، وقد قيل، خذوه إلى النار.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: القهر بالقانون والوشاية

    الصورة التاسعة: محاولة قهره بالقانون، والوشاية، والسعاية:

    كثيرٌ من الدول العربية تحكمها القوانين، وزماننا هذا يسمى: زمن سيادة القانون؛ لكن أكثر من تضرر بهذه القوانين هم العلماء والدعاة الصادقين المخلصين. خذ على سبيل المثال: السادات أصْدَر قانوناً، مفاده: أنه من تكلم في مسجدٍ أو جمعٍ كلاماً يمس الدولة، أو قانوناً من قوانين الدولة يُغرَّم ألفي جنيه، فإذا تكرر منه ذلك، يغرَّم ويُحبس، فلهذا تعطل وأوقِف كثير من الدعاة الصادقين المخلصين، في هذه الأمة الكبيرة، أمة مصر ، أمة النور، وأمة العلم، وأمة العلماء، بسبب هذا القانون الظالم الجائر.

    فإذا حسد عالمٌ عالماً ذهب إلى المتنفذين ممن يجلس معهم، من وزراء، وخبراء، ورؤساء، وأمراء، وملوك، ثم أخذ يَشِيْ، ويَنِمُّ من النميمية، ثم يقول: وكلامه هذا ضد القانون، وينبه السلطة على هذا، ويقتطع من كلام هذا العالم ما يخدم غرضه وحسده على طريقة قطع الآية: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] والمتنفذ والسلطان ليس عندهم الاستعداد لأن يأتي بكل كتب هذا العالم، وبكل أشرطته ويسمع، وإنما يثق بهذا فيأخذ منه، فيصدر قراراً في لحظة غضب: أوقفوه، امنعوه، حجِّموه، حجِّروه، إلى آخره.

    وقد عانى الإمام ابن تيمية من هذا الصنف معاناة عظيمة حتى مات في السجن بسبب هذا الأمر، وامتنع عن الزواج، ولم يتمكن رحمه الله من الزواج، فهو من سجن إلى سجن، ومن معتقل إلى معتقل، ومن تشريد إلى تشريد، من منفى إلى منفى، وكان أحرص ما يحرص على بر أمه؛ لأنه يبرها في الوقت الذي كان يريد أن يجعله للزوجة، فتركه لوالدته رحمة الله عليه، كان يخرج من السجن ويذهب لزيارتها أربعة أيام، أو خمسة أيام، ثم يرجعونه إلى السجن مرة أخرى، بسبب هؤلاء العلماء الحاسدين.

    1.   

    من صور التحاسد بين العلماء: التجسس على الحياة الخاصة

    الصورة العاشرة: التجسس على حياتهم الخاصة:

    أيها الأحباب الكرام: علينا أن نفهم أن كثيراً من العلماء أقل من ينتفع بعلمهم أهلهم، فالإمام ابن الجوزي رحمه الله، هذا الإمام الذي عدوا صفحات مؤلفاته فوجدوا أنه يكتب في اليوم(60) صفحة، حسبوا معدل الصفحات مع معدل أيام عمره، وجمعوا نشارة الأقلام التي براها وكتب فيها، فسخنوا بها الماء الذي غسلوه به لما توفي رحمة الله عليه، هذا العالم الرباني الحبر والبحر العظيم، كان أعدى أعدائه ولده، لم ينتفع بعلم والده، وانتظر حتى مات والده، ثم جمع كتبه وباعها بأبخس الأثمان، وهذه طبيعة موجودة في كثير من البشر، وكما يقولون في المثل: ( مغني الحي ما يطرب ) و( الطبخة الغريبة حلوة ) والمعنى: أن الزوجة تطبخ أحسن الطبخات والأم تطبخ ألذ الطبخات، ثم يأتي طبق من بيت الجيران لا يقدم ولا يؤخر، فيتعاركون عليه.

    فلهذا تجد العالم الحاسد، يجعل له مباحث وجواسيس يرصدون حياة هذا العالم، فإذا وجد سقطة في ولده أو أخته أو بنته أو رحمه أو قريبه، وهو لا يألو جهداً في نصيحتهم، والإنكار عليهم، ودعوتهم؛ لكن القلوب بيد الله، ولو كانت بيد البشر لهدى محمدٌ صلى الله عليه وسلم عمَّه أبا طالب ، والله يقول في القرآن: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] لكن هذا الحاسد جالس بالمرصاد، يقول: هذا العالم لو أن فيه خيراً لأصبح ابنه كذا وكذا، هذا العالم لو أن فيه خيراً لكان أول تأثيره على إخوانه، ويبدأ يجرح فيه، ويجرح فيه، حتى يسقطه أمام الناس، وقد يكون تقياً فقيراً خفياً صالحاً عابداً ناسكاً زاهداً؛ لكن الحسد يعمي عليه جميع هذه المحاسن.

    وأختم بهذه الصورة الأخيرة؛ لكي نستأنف بعد ذلك الصور الأخرى.

    1.   

    من صور التحاسد: إظهار المنة على المحسود

    الصورة الحادية عشرة :-

    تراه يحرص كل الحرص على إظهار الفضل والمنة عليه، خاصةً إذا كان قد أسدى إليه معروفاً.

    أحبتي في الله: أفقر أهل الأرض ليس من ترده الكسرة والكسرتين واللقمة واللقمتين. يجب على أثرياء أمة محمد أن يفهموا هذه الحقيقة.

    إن أفقر أهل الأرض العلماء المخلصون؛ لأنهم لا يمدون أيديهم إلى الأنذال، ولا يبسطون أيديهم إلى الحكام والطواغيت البغاة الذين ينهبون ويسلبون، ولا يأكلون باسم الدين، ولا يتاجرون بالإسلام، وإنما هم جعلوا أوقاتهم للدعوة إلى الله، وكم من عالمٍ -أنا شخصياً- أعرفه، وأبعث له سراً مما يعطيني الله من الأرزاق، وليس من مال الصدقة؛ لأنهم لا يريدون الصدقة، وليس من باب الزكاة؛ لأنهم لا يريدون الزكاة، فهي أوساخ أموال الناس، وإنما من باب الهبة والهدية، وإني أقسم لهم في الرسالة التي أرْسِلُها إليهم أنها من مال حلال طيب، ويترددون مائة مرة قبل أن يقبلونها، ويعلم الله أنك لو زرتهم في بيوتهم لما استطاعوا أن يجمعوا لك بين الشاي والحليب؛ لأنهم لا يملكون قيمته، وأحدهم محجور عليه في بيته، مفصول من وظيفته، ممنوع من أن يخرج، ممنوعاً من أن يزور أو يُزار، وهناك أنظمة عربية تتسلط على هذا الصنف من العلماء، لا لشيء، إلا ليذلونه، إن أراد تدريس أبنائه، قالوا: المدارس خاصة، والمدارس الخاصة بأموال، وإن أراد علاج أبنائه فبأموال، وإن أراد حتى لقمة العيش يعيش بالكفاف وأولاده يُصابون بأمراض بسبب سوء التغذية، ولا يعلم بهم أحد: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273] إذا رأيته وجدت خاتم الفضة بيده، والعباءة النظيفة المغسولة، والعمامة النقية على رأسه، والثوب اللماع، كأنه يحيا حياة ملوك، وإذا دخلتَ في بيته، قد لا تجد عنده قوت يومه، والناس عندهم أقوات أعوام.

    فهذا النوع من العلماء الصادقين المخلصين، وأنتم لا تظنوا أن الناس تعيش بهناء هنا في الكويت أو في الخليج ، فهناك من العلماء لا يستطيع أن يطعم أهله إلا أن يخرج يومياً إلى السوق، وأبو بكر الصديق خليفة الأمة، كان لا يستطيع أن يطعم أهله إلا عندما يأخذ القماش ويذهب إلى السوق ليبيعه، حتى أن عمر وعلياً أمسكاه، وقالا له: [نصرف لك من بيت مال المسلمين، وتفرغ للخلافة] يجب أن نعلم هذه الحقيقة.

    فهذا العالم الحاسد لما علم حقيقة هذا الرجل النـزيه الزاهد العالم التقي الخفي الفقير، أعطاه بعض المساعدة، ثم كانت المِنَّة التي تُثَرِّبُ اللحم تَثْرِيْباً، ما من درس ولا لقاء ولا اجتماع، إلا ويلمح أو يصرح بهذا حتى يسقطه من عيون الناس، لو اشترى له غسالة لا تقدم ولا تؤخر، فإنه لا يتردد ولا يستحي في مجلس علم أو وجهاء أو قضاة أن يقول: ما شاء الله! كيف حال الملابس؟ نظيفة أم ليس نظيفة؟

    فهذه صورة من صور التحاسد بين العلماء.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا منها، وأن يحفظنا منها، وأن يرزقنا القلب السليم.

    أيها الأحباب الكرام: قال تعالى في كتابه الكريم على لسان إبراهيم عليه السلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89].

    وإلى لقاء آخر, مع الدرس الجديد مع كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم ، لنتم هذا الباب، التحاسد، تحاسد العلماء.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولعلماء أمتنا، وأن ينفعنا بعلمهم، وأن يزيد صاحب الهدى هدى، ومن كان على باطل وهو يظن أنه على الحق أن يرده إلى الحق رداً جميلاً.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.