إسلام ويب

أصحاب الشمالللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عما أعده الله عز وجل لأصحاب اليمين من نعيم في الجنة: من حور عين، وشباب لا يهرم، وقوة لا تذهب، وعيش هنيء يجد فيه كل ما يجول بخاطره وتشتهيه نفسه. ثم تحدث عن أصحاب الشمال وما يكون لهم من عذاب في جهنم من زمهريرها وحميمها وسمومها، وأنهم في العذاب خالدون.

    1.   

    ما أعد الله لأصحاب اليمين

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    اللهم إنا نسألك حسن الاعتقاد، ونور اليقين، وحلاوة الإيمان، وبرد الرضا، وأنس الذكر، وبركة الدعوة، وإجابة الدعاء.

    اللهم انصر المجاهدين، وأكرم الشهداء، وثبت الغرباء، وفك المأسورين من إخواننا المسلمين.

    اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل جمعنا في ديواننا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه، ومستقر رحمته، وأن يجعل الدنيا بأيدينا، ولا يجعلها في قلوبنا، وأن يرزقنا منها ما يقينا به فتنتها، وأن يجعل حظنا الأوفر والأكبر يوم لقائه، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] .

    سورة الواقعة: يسَّر الله تفسيرَ كثيرٍ من آياتها وقد ذكرتُ أصحاب اليمين، وما أعد الله لهم من نعيم.

    نتلو الآيات:

    أعـوذ بالله من الشيطـان الرجيـم، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ * وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:27-46] .

    معنى قوله تعالى: (وفرش مرفوعة)

    قال الله سبحانه وتعالى: وفرش مرفوعة [الواقعة:34] يكني الله سبحانه وتعالى عن نساء الجنة والحور العين بالفرش، المرأة هي فراش الرجل، وهذا من عفة القرآن وآدابه، حيث إنه وهو يذكر نساء الجنة وحورها، تراه مرة يصرح، ومرة يكني ويورِّي حتى يعلمنا آداب الحديث، فليس كل الناس يحب ذكر زوجته أو أهله في محضر الرجال، حيث إن الغيرة الإيمانية والإسلامية لها مواقع في قلوب أصحاب المروءات، أما الذي لا دين له فلا كرامة له ولا غيرة ولا مروءة.

    الله سبحانه هنا لما أراد أن يذكر نساء الجنة لأصحاب اليمين سمى النساء بالفرش، والفرش المرفوعة، فقال سبحانه وتعالى وهو يصفهن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:34-38] .

    وهذه الصفة الطيبة الكريمة: الفرش المرفوعة، إن شئتَ قلتَ: هي الأَسِرَّة والأرائك رفعها الله في مقام طيب كريم في جنات النعيم، وإن شئتَ قلتَ: إنهن الزوجات الحسناوات من الحور العين، رفعهن الله وادخرهن لأصحاب اليمين.

    الصفة هنا بالرفعة، فالرفعة رفعتان:

    فلهن قدر ومكانة عند الله، كيف لا والحديث يقول: (لو أن امرأة من نساء الجنة أطلَّت بخمارها -المنديل الذي على رأسها- لملأت ما بين السماء والأرض عطراً وطيباً، ولو أطلت بسوارها لَطَمَس ضوءُه ما حوله كما يطمس ضوءُ الشمس ضوءَ النجوم في وضح النهار).

    قال تعالى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34]: تأتي إحداهن وقد لبست لزوجها سبعين حلة من حرير، كل حلة لها لون ينفذها بصر الزوج، أي: ينفذ الفساتين والأثواب التي تلبسها الحورية، فكلما نفذ من ثوب إلى ثوب رآها بلون جديد، فليس هناك داعٍ أنها تنزع وتبدل حتى تظهر بمظهر جديد وثوب جديد، لا، بل سبعون ثوباً مرة واحدة، ومن رقة الأثواب ولطافتها وأناقتها كأنها ثوب واحد، لكن عندما ينفذها البصر يرى سبعين لوناً، قال: (حتى يرى مخَّ ساقها في عظمها، كالشراب الأحمر في القارورة البيضاء) هذا إذا أراد، ينفذها البصر ثوباً ثوباً، ثم يأتي الجلد، ثم ينفذه إن أراد، ثم يأتي العظم، ثم ينفذه بصره حتى يرى المخ، الله أكبر! ما هذه القدرة؟! وما هذا الخلق؟! وما هذا الإبداع؟!

    قال تعالى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34] : قلنا رفعة قدر ومكانة، كما قال عن المساجد: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] ترفع قدراً ومقاماً، ترفع بناءً وتشييداً، ترفع نظافة وتطهيراً وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34] أي: نظيفة عفيفة شريفة، من سماتها وعلاماتها: أنها قاصرة الطرف، أي: لا يشطح بصرُها يميناً وشمالاً إلى غير حبيبها وزوجها، إنما غَضَّت بصرها وقصرته على زوجها، فالتي تقصر بصرها عليك أيها المؤمن وهي في الجنة ألا تغض بصرك لكي تحوزها وتنالها وأنت في الدنيا؟!

    هي في الجنة قصرت بصرها، ألا تقصر أنت البصر وأنت في الدنيا؟! وتؤثر الباقي على الفاني؟! هذا باقٍِ، وهنا فانٍ، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30].

    قال تعالى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34] : لأن بعض الفرش في الدنيا تدنس، طاغوت من الطواغيت بجرة قلم يهتك أعراض العذارى ولا يبالي، وكم من الشرف دُنِّس، ومن الدم المسفوح أُهْدِر، ونسمع إعلاناتهم لما دخل يهود وأعوان يهود في لبنان كل يوم، وفي كثير من الدول العربية جبابرتها وطواغيتها زوار الفجر، أما الدول الشيوعية والاشتراكية فحدث ولا حرج، حيث جروا النساء المؤمنات المسلمات الغافلات من أخدارهن إلى معسكرات مشتركة يخلطونهن بالرجال.

    وآخر الأخبار تصلنا من إريتريا : قامت الجبهة الشعبية فيها باختطاف (ستة آلاف) بنت مسلمة، لينتجوا منها ما يسمى ببذور الثورة من أبناء الزنا، ستة آلاف بنت مسلمة تنشر جريدة المسلمون أخبار اختطافهن في معسكرات تسمى: المعسكر الأول: الكوكب الأحمر، والمعسكر الثاني: الوردة الحمراء، والمعسكر الثالث: بذور الثورة، ويؤتَى بالمعاقين بسبب الحرب الدائرة بين إريتريا والحبشة إثيوبيا ، هذه الحروب المستمرة يؤتى بالمعاق الذي انقطعت أطرافه وأصبح معاقاً، ينتجون منه جيلاً يسمونه (بذور الثورة) لا رحمة له ولا دين ولا نخوة ولا شرف ولا كرامة، يعرف أمه ولكنه لا يعرف أباه، كمزرعة الدواجن يخرج الفرخ ولا يُدْرَى أي ديك لقَّح تلك البيضة.

    فعندما يذكر الله الرفعة لنساء الآخرة، ذلك من معاناة أهل الدنيا من تدنيس الشرف والخيانات الزوجية.

    فكما أن الجنة سلام سلام، لشدة ما يعاني الناس من الظلم والحروب وأصبح للسلام طعم وذوق وحنين يحن إليه الإنسان. (يأتي زمان على الناس يتسافد الناس في الطرقات كما تتسافد الحمير، وخيرهم الذي يقول: لو نحيتها جانباً عن قارعة الطريق) ذلك فيهم كـأبي بكر وعمر فيكم الذي فقط يقول: انعزل قليلاً عن الشارع حتى لا يراك الناس، توارَى، ولا تسير أنثى في شارع إلا وينـزو الناس عليها، لا يُفَرَّق بين الأم والأخت والبنت. نسأل الله العافية.

    بداية هذه الآن موجودة في أوروبا وأمريكا والسويد، ولا نجاة إلا بالقرآن وبالسنة والتزامهما، المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.

    فعندما يأتي القرآن بصفة رفعة نساء أهل الجنة، هذه تربية لنا ما دمنا في دار عمل، قبل أن ننتقل إلى دار الجزاء، فالذي يعف هنا يلقى العفيفات هناك، والذي يفسد هنا يحشر في جب الزناة، تأتيهم النار من تحتهم، فيُضَوضُوْن ، ويشربون من عصارة فروج الزواني وهم في الجحيم. هكذا رأى محمد صلى الله عليه وسلم في رؤياه، رجالاً ونساءً عراة في جب من نار تأتيهم من تحتهم فيُضَوضُوْن، نسأل الله العافية!

    أصبح شعار كثير من الناس في هذه القضية اليوم: صادوه، لا يسير إنسان في شارع سريع أو غير سريع، وأمامه أو خلفه أو يمينه أو شماله امرأة تسوق سيارة إلا ويحاول أن يصيدها أو يوقعها، أهكذا أصبح شعار الناس؟! لا يُفَرَّق بين الصالح والطالح، والعفيفة والنظيفة، وغير ذلك؟! نسأل الله العافية.

    وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34]: ومن ترفع هنا رفعه الله هناك، ومن تدنى هنا كان الجزاء من جنس العمل، الذنب لا يَبلى، والبر لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان.

    معنى قوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء)

    جاءت امرأة عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا رسول الله! ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال: لا تدخل الجنة عجوز، فولَّت باكية، فقال: أخبروها أن الله ينشئها إنشاءً فتعود بكراً).

    قال تعالى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً [الواقعة:35-36] : لا يبعث الله امرأة موحدة يدخلها الجنة ويلحقها بزوجها إلا وتعود بكراً كما كانت، وتظل هكذا أبد الآبدين تتجدد، وجمالها يتولد، كما يقول الشاعر:

    وذات حسن مـولَّد     فتانة تتجرد

    تأمل الناس فيها     محاسناً ليس تنفد

    الحسن في كل جـزء     منها معادٌ مردد

    فبعضه بانتهاءٍ     وبعضه يتولد

    وكلما عدت فيها          تكون بالعود أحمد

    هذا ليس في الدنيا ولكنه عند الله في الجنة، نسأل الله الجنة.

    قال تعالى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً [الواقعة:72-37] : إنشاء: ابتداء رباني خالص، بقدرته وعظمته يحولها من حال إلى حال، فإذا بتلك العجوز الشمطاء ذات الجلد المتجعد، والعين الغائرة، والأسنان الذاهبة، والشعر الشائب، تبعث وتدخل الجنة، إذا نظر زوجها إلى وجهها رأى وجهه يدور في فلك وجهها كالمرآة.

    إنه خلق الله سبحانه وتعالى، بل ويعطيها من المقدرة في تغيير الصورة ما لا تحتاج فيه إلى ما يحتاج إليه نساء الدنيا اليوم؛ تذهب لتشتري عدسة زرقاء أو صفراء أو عسلية لكي تغير عيونها، وجفون، ورموش، وجرة قلم، ووضع حواجب، ومكياج، وألوان، وروج، وآخر الابتكارات: بودرة بانكوك التايلندي التي تجعل السمراء بيضاء.

    إذا زار المؤمن ربه في جنات النعيم وعاد إلى زوجته، قالت له: إني أراكَ اليوم أحسن من قبل.

    فيقول: وأنتِ أراكِ اليوم أحسن من قبل، وبعد كل زيارة يتبدل الجمال إلى أحسن، عنده وعندها. آمنتُ بالله.

    معنى: قوله تعالى (عرباً أتراباً)

    قال تعالى: عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] : العُرب في اللغة العربية هي: صفة مدح للزوجة، فالزوجة العُرب هي التي تتودد وتتحبب وتتفنن في إرضاء زوجها، فيقال عنها: عرب، فهي من صفات نساء أهل الجنة، بل واللهِ تتودد إليه وهو لم يصل إليها، إذا آذته زوجته في الدنيا قالت زوجته في الجنة: قاتلكِ الله لا تؤذيه، إنه عما قليل مفارقك إلينا، وتشتاق إليه:

    أذلك خير أم القاصرات     تخال مباسمهن البروقا

    فصرن على حب أزواجهـن     فمشتاقة تتلقى مشوقا

    وترفل في سَرُقات الحرير     فتبصر عيناك مرأىً أنيقا

    إذا جرت الريح فوق الكـثيب     أثارت على القوم مسكاً سحيقا

    ويوم زيارتهم يركبون     من الخير والنور نجباً ونوقا

    كلوا واشربوا فلقد طالما     أقمتم بدار الغرور الحقوقا

    فمن أقام الحقوق عرف حق الله، وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق كتابه، وحق والديه، وحق جاره، وحقوق أهله والمسلمين والناس أجمعين، قيل له: هذا يوم القيامة.

    كلوا واشربوا فلقد طالما     أقمتم بدار الغرور الحقوقا

    تأخذ الحق كاملاً من الحق وهو الله.

    قال تعالى: عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] : يصف النبي صلى الله عليه وسلم المرأة العُربْ في الدنيا فماذا يقول؟ (عليكم بالودود الولود العئود على زوجها، التي إذا ما غضب عليها جاءته فوضعت يدها بيده وقالت: لا أذوق غمضاً حتى ترضى) هذه هي العُربْ في الدنيا، ما تنحرف وتقعد بمكان بعيد وتقول: ارضَ أو اضرب برأسك في الحائط، تَعَشَّ أو اضرب برأسك، احمد ربك أنا صابرة عليك، من يوم ما عرفتك ما عرفت الخير، لا، وإنما تَدَع الزوج في عزته وكرامته، وهي التي تقترب وتمد يدها تحت اللحاف، وتقول: (لا أذوق غمضاً حتى ترضى) الحياة الزوجية لا يوجد فيها مواد دستورية، هي تقول: حقي، وهو يقول: حقي، وكل شخص جالس في زاوية، لا، وإنما كما يقول الله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] ما بينكِ وبينه ليس شجاراً وحرباً وناراً، بينكِ وبينه مودة ورحمة متبادلة، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

    قال تعالى: عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] : فمن كانت عرباً لزوجها في الدنيا جعلها الله عرباً لزوجها وحبيبها في الأخرى، فالجزاء من جنس العمل، إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16].

    قال تعالى: عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] : أتراب: أي: في سنٍ واحد، أعمارهم متقاربة، لا توجد امرأة تقول: والله أنا عمري (40) سنة وأنتِ عمرك (15) سنة، وأنا أخاف أن يأخذك عليَّ، لا، العمر واحد، والجنة ما فيها غيرة، ولا فيها غل، الغيرة الموجودة بين النساء التي تجعلهن يمكرن ويغضبن ويحزنَّ، والغل الموجود في الصدور ينزعه الله عند أبواب الجنة، ويلقيه فيتكوم ويتكور كمبارك الإبل، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] .

    قال تعالى: عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] : فالأعمار متقاربة، والحياة طيبة، والعيشة هنيئة، ونعيم دائم لا يحول ولا يزول، والإنسان في الدنيا يمل زوجته، لماذا؟

    إن لم يرزقه الله القناعة، ويرزقه الله الرضا، ويرزقه الله الإيمان، ويرزقه الله حسن العهد، فيعرف حق هذه المرأة التي صبرت وحملت ووضعت وأرضعت، فيكون لها وفياً، يأخذ ما في خاطرها وما في قلبها، ويحترمها كلما كبرت، ويوقرها كلما شاخت وشابت، إذا لم يكن كذلك فمتى يكون؟!

    لكن بعض الناس يؤسفني كثيراً إذا بلغت زوجته الأولى هذه المرحلة داسها برجله الشمال، وذهب يبحث عن واحدة صغيرة يلعب بها وتلاعبه، فإذا ما حصل عليها من المسلمات، طار إلى بانكوك وتايلاند وهذه الدول وما أكثر الذين يضيعون أسرهم ويعصون الله!

    الجنة نظفها الله ونزهها الله، فجعل أعمار نسائها متقاربة، عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:37] أتراباً.

    معنى قوله: (لأصحاب اليمين)

    قال سبحانه: لأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:38] اللام هنا: لام الملكية، أي: مُلْكاً لأصحاب اليمين، لا يأتيك حزب شيوعي ويقول لك: المال والجنس مشاع، وسبب تخاصم الشعوب هو المال والجنس، فنجعل الإباحية حتى تنتهي الحروب كما يقول مزدك وماني، ولينين واستالين، ويبدأ كل مجرم وفاسق يتنقل من دار إلى دار، ومن بيت إلى بيت، ومن شقة إلى شقة، يهتك الأعراض ولا حسيب ولا رقيب، لأَصْحَابِ الْيَمِين [الواقعة:38] : يقر الله الملكية في الدنيا ويقر الملكية في الأخرى، ليس عندنا إباحية وشيوعية ، حرام! (الولد للفراش وللعاهر الحجر).

    قال تعالى: لأَصْحَابِ الْيَمِين * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ [الواقعة:38-40] : ثلة: أي جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين، نسأل الله أن يجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلها بلا استثناء ممن كان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه؛ أن يجعلهم يوم القيامة من السابقين وأصحاب اليمين، وأن لا يحرمنا ولا يحرمهم هذه الرحمة المهداة من رب العالمين.

    ومجالس الصحابة مملوءة بالتواضع والذلة والانكسار لله.

    تحدث ابن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه- يوماً، وكما تعلمون أنه من السابقين والبدريين والمجاهدين الأولين، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومفسرٌ لكتاب الله، وجامعٌ للقرآن، وساقَيْه أثقل من جبل أحد في الميزان، ابن مسعود لما تلا آيات السابقين وآيات أصحاب اليمين، قال أحد التابعين من الحاضرين: [أما أنا فلا أحب أن أكون من أصحاب اليمين، قال ابن مسعود: ماذا تحب؟! قال: أحب أن أكون من السابقين، فرد ابن مسعود وقال: هنا في المجلس رجل يتمنى على ربه أن ينجيه من النار ثم يضعه بعد ذلك حيث يشاء].

    يريد النجاة فقط، وهذا من تواضع الصحابة وانكسارهم وذلتهم، يتهمون أنفسهم ويستقلون أعمالهم، ولا يصيبهم العُجْب، ولا يستكثرون الطاعة على الله، بل شعار أحدهم: لو كانت لي مثل جميع حسنات عبادك ما دخلت جنتك إلا برحمتك يا أرحم الراحمين، الذنب كبير، والعمل قليل، ولا أثق إلا برحمتك يا أرحم الراحمين، هكذا رباهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثم ننتقل بعد ذلك -أحبابنا الكرام- إلى المجموعة الثالثة.

    الأولى: السابقون.

    الثانية: أصحاب اليمين.

    الثالثة: أصحاب الشمال، نعوذ بالله من أصحاب الشمال.

    1.   

    ما أعد الله لأصحاب الشمال

    قال تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [الواقعة:41] : تكرار هذه العبارة: أصحاب الشمال، أصحاب الشمال: للتهويل والتخويف، مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [الواقعة:41]: أي: ما هم فيه من عذاب، وما هم فيه من ضنك، وما هم فيه من أذى، وما هم فيه من ضيق، لو تعلمون ذلك أيها المخاطَبون.

    معنىقوله تعالى: (في سموم وحميم)

    قال تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ [الواقعة:41] ثـم يبدأ يفـصِّل بعد التهـويل قال تعالى: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [الواقعة:42] : نحن لا نعرف من السموم إلا هَبَّة ذلك الهواء الحار في فصل الصيف في الظهيرة والقيظ، تلتهب منه أطرافنا الناعمة، فعندما يلسع بحرارته وجناتنا وأطراف أقدامنا ووجوهنا وأيادينا نحس بالحريق، ولكن هل هذا هو سموم النار؟ لا.

    هذا السموم الذي نعرفه من الدنيا لو أصاب أهل النار لكانوا في نعيم، بل يتمنون الموت، فالموت من أسمى أمانيهم؛ لكي يرتاحوا، يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] ، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً [النبأ:30] نسأل الله العافية.

    قال: فِي سَمُومٍ [الواقعة:42] : (في) للاستيعاب والاستغراق، فالسَّموم يحتويهم وهم داخلون فيه وغرقى به، أي: يغطيهم السَّموم ولهيب جهنم وحرارتها ونفحها وإذكاؤها من جميع الجوانب، فهم فيه فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [الواقعة:42] الحميم: هو الماء المغلي الحار المتناهي في حرارته، وحرف الحاء مع حرف الميم عندما يقتربان يكادان يحرقان الحلق من الداخل، (يحموم)، و(حميم) لو كررتها خمس مرات أو عشر مرات تحس بحشرجة؛ لهذا تجد القرآن دائماً يجعلك تعيش في الجو النفسي وأنت تقرأ آيات الترغيب والترهيب، والصحابة لأنهم أقرب الناس إلى البلاغة واللغة العربية كانوا يفهمون هذا أكثر منا، ويتذوقون هذا أكثر منا، كانوا إذا مروا بآية نعيم تطلعوا إليه شوقاً، هم والجنة كأنهم فيها منعَّمون، وإذا مروا بآية عذاب استمعوا إليها بآصال قلوبهم، فكأن شهيق جهنم وزفيرها في آصال قلوبهم، هم والنار كأنهم فيها معذبون، هذه هي أحوالهم رضي الله عنهم، جيل قرآني فريد.

    قال: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة:42-43] : تأتي كلمة (ظل) هنا سخرية واستهزاء من الله بهم، أول ما تسمع كلمة (ظل) يتبادر إلى ذهنك ذلك الظل البارد الذي يعرفه الناس، يفرون من الحر إلى الظل .. ظل جدار، ظل صخرة، ظلٍ شجرة، ظل سقف، أما ظل من يحموم فنعوذ بالله منه، فالظل الذي فروا من السموم والحميم إليه كان أشد عليهم من السموم والحميم والنار.

    معنى قوله تعالى: (وظل من يحموم)

    قال تعالى: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة:43] أي: فيه إهانات بعد إهانات، فالدعاة والمخلصون الصادقون من شباب الصحوة الإسلامية الذين وضعهم الطواغيت في زنازين انفرادية في الحر، يضعه سنة وسنتين وثلاث، ويغلق عليه زنزانة انفرادية ما يرى بعينيه، بل يتحسس بيديه، عيونه في أصابعه، ومعه إناء يشرب منه ويقضي حاجته فيه، وشعره وأظافره والسمع عنده يتوقف، والجلد يصيبه تَغَيُّر، والبصر يُطْمَس لعدم وجود الضوء، ويتحول إلى مخلوقٍ آخر، ماذا سيفعل الله بهذا الطاغوت؟

    أليس من أقل نصيبه يوم القيامة أن يقف في هذا العذاب؟!

    ماذا فعل الدعاة حتى تعذبوهم هذا العذاب؟!

    عذاب في الزمهرير! وعذاب في الحر والشتاء! وأحبابنا هناك في مخيمات أنصار في النقب، في فلسطين، يذوقون الأمرَّين لحرارة الجو، وثوران الغبار، وتعفن الجسم بالعرق، وانتشار الأمراض والجرب والفطريات، ومع هذا شعارهم:

    يا حبذا الجنةُ واقترابُها     طيبةٌ وباردٌ شرابُها

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة

    إبدال الترف بالإهانة والذل

    قال تعالى: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:42-45] : ظهر الترف الآن، المترف لا يستطيع أن يقف خمس دقائق في الشمس، في الهواء الطلق، لا يستطيع، مترف ناعم، فكيف إذا دخل سيارته وأغلق الزجاج عليه في الصيف؟! ينصهر الشحم، فكيف إذا أدخل ناراً مؤصدة، في عمدٍ ممدة؟! كيف حاله؟!

    نَعَم. فالخشن غير المترف لا يتحمل، فكيف بالمترف؟!

    نحن نعرف أحوالهم وتصلنا أخبارهم، الدنيا كلها الآن أصبحت مثل القدر، الواحد يطل عليه فيرى كل الذي فيه، سهولة الاتصالات والمواصلات والأخبار والأقمار والجرائد والصحف والمقالات، جعلت أخبار الجبابرة والطواغيت كلها بضربة زر، في الأول كان يَخْفَى على الناس، الآن لا يَخْفَى.

    فذِكْر الله للترف هنا يبين ما هم فيه، وما يتنعمون فيه، وما يحرصون عليه من شهوات وملذات، لا ينامون إلا على الحرير، ولا يلبسون إلا الرقيق، ولا يأكلون إلا اللذيذ، ولا ينكحون إلا الجميل، ثم بعد ذلك ماذا؟

    هذا هو العذاب الذي ينتظره عاجلاً أو آجلاً وقد مرت عشرات القرون والله حي لا يموت، والفائز من فاز بالموت على (لا إله إلا الله).

    أين الذين تنعموا في القصور والدور؟! أين؟! أين؟!

    أين الأكاسرة؟!

    أين القياصرة؟!

    أين الملوك؟!

    أين الأمراء؟!

    أين السلاطين؟!

    أين المماليك؟!

    الله أكبر! وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:45-47].

    العذاب الأليم الذي يذوقه أصحاب الشمال

    أبني النقص والعبرْ          وبني العجز والخورْ

    أين من كان قبلكـم     من ذوي البأس والخطرْ؟!

    سائلوا عنهم الديا     ر واستبحثوا الخبرْ

    سبقونا إلى الرحيـل     وإنا على الأثرْ

    إن للموت أخذة     تسبق اللمح بالبصرْ

    فكأني أراهمُ     في ثيابٍ من المدرْ

    قد نُقِلْتُم من القصور     إلى ظلمة الحفرْ

    حيث لا تضرب القبا     بُ عليكم ولا الحجرْ

    حيث لا تخرجون فيـ     ـها للهوٍ ولا سمرْ

    رحم الله مسلماً     ذكر الله فازدجرْ

    غفر الله ذنب من     خاف فاستشعر الحذرْ

    قال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] تكون من العباد، لك من الله الرأفة والرحمة، ويوم أن تكون من هؤلاء المترفين، فهذا هو الجواب.

    قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوْ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:45-56] .

    اللهم طيب نزلنا يوم الدين.

    اللهم إنا نسألك الدرجات العلى في جنات النعيم.

    اللهم اسقنا شربةً هنيئة من حوض نبيك لا نظمأ بعدها أبداً.

    اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى لنا ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    الأسئلة

    رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة

    السؤال: بالنسبة لرؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة إن شاء الله -جعلنا الله ممن يُسعد بها إن شاء الله- كيف تكون بالنسبة لأصحاب الدرجات المتفاوتة؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم يراه الناس على حسب أعمالهم، وكلما كان العبد في مقامٍ عالٍ تَمَكَّن من الرؤية أكثر من غيره، ورؤياه صلى الله عليه وسلم ولقياه تكون في مواقع مشهودة وكثيرة في الجنة:

    منها: سوق الجمعة:-

    ففي الجنة سوق يوم الجمعة، يأخذ المؤمنون هداياهم وتحفهم من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم حتماً يأتي مثل هذا السوق.

    وكذلك: زيارة الرحمن :-

    وهي مراتب أيضاً، فالكراسي والمنابر التي يجلسون عليها تكون من نور، أو من ذهب أو من كثبان من مسك، كل على حسب درجته، وهنا في هذه الزيارة يشاهدون الأنبياء، وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    فالذي استطاع أن يرى الله وهو أعظم من رؤية محمد صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أنه يستطيع أن يرى رسوله ونبيه، فالقرآن يصدق هذا، فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] فالمعية خاصة للمؤمنين مع الأنبياء هناك، والرفقة أيضاً خاصة درجاتها تتفاوت، ومسافاتها تتباعد بين البعد والقرب، نعم، كلها على حسب أعمال المؤمنين.

    أما كيف يتم هذا؟ فهو غيب نؤمن به ولا نعرف كيفيته، حيث إن الله هو الذي يعلم كيفية هذا.

    والناس اليوم في دنياهم باستطاعتهم بضغطة زر أن يروا ما يشاءون من مشارق الأرض ومغاربها، فهذه الأقمار الصناعية استطاعت أن تنقل آلاف الناس من أماكن بعيدة سحيقة، وأنت جالس في الغرفة، تستطيع أن ترى الملاعب، والناس، والغابات، والغيوم، والمحيطات، وهذا ابتكار مخلوقٍ هزيلٍ ضعيفٍ ناقصٍ عاجزٍ وهو الإنسان، فكيف إذا دخل أناس في الموطن الذي فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟!

    نعم، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا [ق:35] فإذا شاء رؤية النبي صلى الله عليه وسلم رآه دون أن يتأثر بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، لا في الزمان، ولا في المكان، أنا مثلاً إذا أحدٌ أراد أن يراني، أطلع له وأتكلف، وقد أكون في وضع لا يسمح؛ لكن هذا في الدنيا، فالدنيا كلها منغصات، أما هناك في جنات النعيم فليس فيها منغصات، فالرائي والمرئي كلاهما في نعيم دائم لا يحول ولا يزول، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:107-108] .

    ذكر صفات للسابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال

    السؤال: ذكرتَ السابقين، وذكرتَ أصحاب اليمين، وذكرتَ أصحاب الشمال، نرجو يا شيخ أن تتكلم عن بعض الصفات في هؤلاء، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من السابقين، وأن نتجنب أن نكون من أصحاب الشمال في أفعالهم!

    الجواب: (لكل قرن سابق) هكذا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    والسابق هو: الذي سبق في كل شيء، فإن أبواب الطاعات إلى الله كثيرة، يدخل العباد منها إلى ربهم ومولاهم، فهذا يدخل من باب الصلاة، وذاك يدخل من باب الزكاة، وذاك يدخل من باب الجهاد، وذاك يدخل من باب بر الوالدين والصدقات، وصلة الرحم .. إلخ قد تكون آلاف الأبواب.

    السابق له في كل باب نصيب وسهم وطاعة، إن بحثت بين المصلين وجدته في الصفوف الأولى، وبين المجاهدين في خنادقهم، وبين العلماء في مجالسهم، وبين المتصدقين يفوقهم بذلاً وعطاءً، شعاره: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] .

    فالأولية هذه تجعله في سباق مع البشر، كلهم متجهون إلى الله، ويحرص ألا يسبقه إلى ربه أحد.

    والسابق هو: المجدد لهذا الدين، يكون في قومه أمة، كأمثال:

    الإمام أحمد.

    والإمام مالك.

    وأبي حنيفة.

    والشافعي.

    وابن تيمية.

    وابن القيم.

    والعز بن عبد السلام.

    ومحمد بن عبد الوهاب.

    وأمثالهم رحمة الله عليهم، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً.

    فهم سبقوا والسبق لهم واضح بيِّن، هدى الله على أيديهم خلقاً عظيماً، وحفظ الله بهم الدين والعقيدة.

    فمن سار على هديهم واستن بسنتهم لحق بهم وكان من السابقين.

    وأما أصحاب اليمين: درجات تتفاوت، وهم الذين يؤدون الواجبات ويتركون المحرمات، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا ويعينهم على فعل الطاعات وترك المحرمات.

    أصحاب الشمال هم: الكفار، الذين حقت عليهم النار، وركبهم العذاب، وذهبت أعمالهم هباءً منثوراً، هؤلاء صفاتهم في كتاب الله مبثوثة، وأصحاب اليمين مرة يسمون بالأبرار، ومرة بأصحاب اليمين.

    وإذا أردتم لطائف قرآنية تفصِّل بين الاثنين، خذ على سبيل المثال: سورة الإنسان، يتكلم عن الأبرار أصحاب اليمين، إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً [الإنسان:5] هذا في سورة الدهر، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً [الإنسان:6] انظر الفرق؟ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا [الإنسان:5] : كأس ممزوجة؛ ليست خالصة؛ لكن الذين وصفوا بأنهم عباد الله يشربون من الأصل، من العين، بدون مزج، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً [الإنسان:6] هنا تُحس الفرق.

    تجد مثلاً في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين:22-27] إلى هنا صفاتهم.

    تأتي صفات المقربين، هذا مزاج ممزوج لهم، مزاجه لما جاء إلى المقربين قال: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:27-28] فأصبح المقربون يشربون من ذات العين نفسها.

    أيضاً تجد في سورة الرحمن، تتفاوت الدرجات، اقرأ صفات السابقين في سورة الرحمن والمقربين، وبعد ذلك صفات أصحاب اليمين، نعم، حتى زوجاتهم الحور يَخْتَلِفْن، زوجات السابقين والمقربين في سورة الرحمن ما صفاتهن؟

    قال تعالى: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:56-58] .

    لكن لما جاءت صفات نساء أصحاب اليمين: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] .

    هناك قاصرات، وهنا مقصورات، يوجد فرق كبير بين أن تكون هي قاصرة طرفها بنفسها وباختيارها، وبين واحدة مجبَرة على أن تقصر طرفها.

    وهذه اللطائف والدقائق لا ينتبه لها إلا من يتدبر القرآن كثيراً والله أعلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.