إسلام ويب

ماذا نريد من المرأة؟للشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الهجمة الغربية الشرسة على المرأة المسلمة تتطلب منا جهداً عظيماً في التوجيه والتربية والسلوك، حتى نقي فتياتنا وبالتالي أمتنا من الانحراف والانجرار وراء الدعوات الهدامة.

    1.   

    حضور المرأة في تاريخ الإسلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فعنوان حديثنا في هذا اللقاء: ماذا نريد من المرأة؟

    هُنئ أحدهم بالبنت فقال: أهلاً وسهلاً بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون.

    فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال

    وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال

    والله تعالى يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادرع اغتباطاً، واستأنس نشاطاً، فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئاً لك هنيئاً بما أوتيت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت.

    إن المرأة المسلمة لها دور -ولا شك- تحتاجه الأمة في كل عصر ووقت، وفي هذا العصر -عصر هذه الصحوة المباركة- نحن أحوج ما نكون إلى دور المرأة، ذلك أن أمام الصحوة تحديات كبيرة، وأهدافاً طموحة، وتطلعات عالية، لا يمكن أن تتم بجهد الرجال وحدهم، ولا يمكن أبداً أن نستغني عن دور المرأة وجهدها.

    ثم إن الصحوة الإسلامية تواجه تحدياً شرساً من أعدائها وكيداً وتآمراً، لهذا فهي أحوج ما تكون إلى أن تستنفر قواها، وأن تستثمر طاقاتها أجمع، والمرأة المسلمة جزء -ولاشك- من طاقة هذه الأمة، فنحن أحوج ما نكون إليه.

    وإنما الآخر كالأول، لقد قرأتِ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ورأيت أنه على مدى صفحات تاريخ سيرته صلى الله عليه وسلم لا تخطئك المرأة أبداً، فهناك في الفترة المكية، مرحلة الاستضعاف والتعذيب والإيذاء والمضايقة، مرحلة بداية الدعوة، قرأنا للمرأة دوراً بارزاً.

    ويبدو أمامك اسم خديجة رضي الله عنها التي صحبت النبي صلى الله عليه وسلم زوجة وفية، وكانت معه كخير ما تكون المرأة مع الرجال، حتى بشرها الله سبحانه وتعالى ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، فهي لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، وحازت قصب السبق في اتباعه، ولذلك استحقت هذا الوعد وهذه البشارة منه سبحانه وتعالى، يحملها جبريل، ويبلغها محمد صلى الله عليه وسلم.

    وتقرئين أيضاً سيرة سمية رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام، وأسماء ذات النطاقين، وغيرهن من النساء المؤمنات اللاتي كان لهن دور بارز في تلك المرحلة الحرجة من مراحل الدعوة، وهي مرحلة الدعوة المكية.

    وأما في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فإنك ترين أيضاً نماذج من ذلك، ترين أم سليم بنت ملحان وأم سلمة وصفية وعائشة وحفصة ، وسائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وترين أم عمارة نسيبة بنت كعب وسائر المؤمنات من الصحابيات.

    إن هذا يعطينا شعوراً وقناعة بأننا نحتاج إلى دور المرأة، والآخر كالأول، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما دام للمرأة دور هناك فلها دور أيضاً هنا.

    1.   

    المرأة أم

    صفية بنت عبد المطلب وأسماء بنت أبي بكر

    وحديثنا في هذا اللقاء -معشر الأخوات الكريمات- يدور حول محاور ثلاثة:

    أولها: المرأة أم:

    إنك على مدى التاريخ القريب والبعيد لابد أن تري أسماء لامعة كتبت في صفحات بيضاء ناصعة في تاريخ أمتها، وتلك الأسماء -القائدة والمجاهدة والعالمة والمصلحة- أياً كان موقعها لابد أنه كان وراء كل منهما امرأة صالحة أعدت هؤلاء حتى صاروا إلى ما صاروا إليه، وهذا الأمر ليس حكراً على المسلمين، بل حتى سائر الأمم -الصادقون منهم- يعترفون بدور المرأة في ذلك.

    حين هنئ لنكولن أحد الزعماء الأمريكان قال: لا تهنئوني وهنئوا أمي؛ فهي التي رفعتني إلى مقامي هذا.

    ولسنا بحاجة إلى أن نستعرض سيرة هذا الرجل وأشباهه؛ فأمامنا صفحات واسعة قد لا نستطيع أن نأتي على جزء يسير منها في هذا اللقاء، أمامنا صفحات واسعة من تاريخ أمتنا، من أولئك النساء اللاتي كان لهن دور في إعداد الرجال على مدى تاريخ هذه الأمة الطويل.

    فها هي صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها تقبل حين استشهد حمزة رضي الله عنه؛ لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فيقول صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير : (دونك أمك فامنعها)، وأكبر همه صلى الله عليه وسلم ألا يجد بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت: دونك لا أم لك. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها بذلك، فقال: (خل سبيلها)، فأتت إلى صفوف الناس، حتى أتت إلى أخيها، فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، وقالت لابنها: قل لرسول الله: ما أرضانا بما كان في سبيل الله، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله!

    وحين كان لـعبد الله بن الزبير ما كان دخل على أمه، فقال: يا أمه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من نهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟

    فقالت: الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية، فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: إني كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار، ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟! القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير ! والله لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل!

    فقال: يا أماه! أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت: يا بني! إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله.

    وحين قتل رضي الله عنه دخل ابن عمر المسجد فأبصره مطروحاً قبل أن يصلب، فقيل له: هذه أسماء فمال إليها وعزاها، وقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله عز وجل، فقالت له أسماء رضي الله عنها: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

    واسمعي إلى ما قالته للحجاج حين قتل ابن الزبير ، دخل عليها فقال لها: يا أمه! إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لك من حاجة؟ قالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكني أحدثك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج في ثقيف كذاب ومبير)، فأما الكذاب فقد رأيناه -تعني المختار - وأما المبير فأنت. فقال لها: مبير المنافقين.

    وفي رواية عن يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث، وهو مصلوب، فجاءت أمه عجوز طويلة عمياء، فقالت للحجاج : أما آن للراكب أن ينزل؟ فقال: المنافق؟! قالت: والله ما كان منافقاً، كان صواماً قواماً براً، قال: انصرفي يا عجوز فقد خرفت! قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (في ثقيف كذاب ومبير) الحديث.

    إن تلك الروح العالية التي كانت لدى أسماء رضي الله عنها هي التي صنعت الاستبسال والشجاعة في ابن الزبير رضي الله عنه.

    ويحتاج المصلحون الذين يدفعون أرواحهم وحياتهم وما لديهم ثمناً لدعوتهم وعقيدتهم، وترخص عندهم الأمور في سبيل الله سبحانه وتعالى، يحتاجون إلى مثل هذه الأم التي تدفعهم إلى ميدان البطولة، تدفعهم إلى ميدان الاستشهاد، تدفعهم إلى ميدان تحمل ضريبة كلمة الحق، وضريبة الموقف الحق حين يشعر صاحبه أنه إنما عمل لله، وأنه إنما قام لله، فنحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه الأم.

    بعيداً عن تلك الأم التي تخدر، والتي تخاف على ابنها من مصائب الدنيا، وها هي هند بنت عتبة رضي الله عنها أم معاوية بن أبي سفيان كان يفتخر بها إذا افتخر فيقول: أنا ابن أمي هند .

    أم عمارة وأم عاصم

    وأيضاً من النساء اللاتي سطر لهن التاريخ صفحة سامقة عالية في ميدان الأمومة لأولئك الرجال الصادقين أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية رضي الله عنها، هي أم عبد الله بن زيد الأنصاري الذي وصف حديث وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وروي أنه قتل مسيلمة ، وأم حبيب بن زيد الذي قابل مسيلمة في القصة المشهورة حين قطع مسيلمة -عليه من الله ما يستحق- أعضاءه قطعة قطعة، وهو يرفض أن يجيبه إلى ما يدعو.

    ولها مواقف مشهورة مشهودة في التاريخ ليس هذا وقت الحديث عنها، إنما نحن نحكي عن أم عمارة نسيبة رضي الله عنها جانب الأمومة، وكيف خرجت أولئك الأبناء.

    وأم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي أم عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وكان لها دور في تربيته وإصلاحه.

    وأمير المؤمنين في الأندلس عبد الرحمن الناصر حكم خمسين سنة وستة أشهر، ووطئت أقدام جيوشه بلاد فرنسا وأسبانيا وإيطاليا، الذي أزعج أوروبا، قتل أبوه وعمره واحد وعشرون يوماً فانفردت أمه بتربيته، فكان هذا الرجل من نتاجها.

    نماذج من أمهات العلماء

    وفي ميدان العلم والفقه نرى أيضاً أن الأمهات كان لهن دور بارز في إعداد الرجال، سفيان الثوري الإمام الفقيه المحدث الذي قال فيه الأوزاعي : لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان .

    سفيان رحمه الله كان ثمرة أم صالحة، روى الإمام أحمد بسنده عن وكيع قال: قالت أم سفيان لـسفيان : يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. أي: تكفيه نفقته وشئون حياته حتى يتفرغ للعلم.

    وقالت له توصيه: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك.

    والإمام الفقيه الثبت إمام أهل الشام وفقيههم أبو عمرو الأوزاعي الذي قال فيه بقية : إنا لنمتحن الناس بـالأوزاعي ، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة.

    كان يتيماً فقيراً في حجر أمه، فنقلته من بلد إلى بلد، حتى تعلم وبلغ مرتبة الإمامة والفقه.

    والإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن قصته مع أبيه مشهورة رواها ابن خلكان ، وذلك أن أباه فروخ فارق أمه وهي حامل به، وترك عندها ثلاثين ألف ديناراً، وأوصاها بحملها خيراً، ففارقها إلى ميدان الجهاد، وغاب هناك سنوات طويلة، فعاد بعد أكثر من ثلاثين سنة، عاد ليطرق بيته فخرج إليه ابنه ربيعة ، فقال له: كيف تهجم على بيتي وأهلي؟! فقال له: كيف أنت تدخل بيتي؟ فعلت أصواتهما، وارتفعت خصومتهما، حتى جاء الإمام مالك واللجج والخصومة بينهما، فقال: أنا صاحب هذا البيت أنا فروخ ، فسمعت أم ربيعة صوته وسمعت كلامه فعرفت أنه زوجها، فنادته وقالت: هذا ولدك فتعانقا.

    ثم سألها عن المال الذي أودعها إياه، فقالت: إني دفنته واختبأته، ونام ثم لما استيقظ قالت له: اذهب واشهد صلاة الفجر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب ورأى رجلاً قد اجتمع حوله أفواج من الناس يستمعون إليه فسأل وهو مطرق رأسه خجلاً منه، فإذا هو ابنه ربيعة ، فعاد إلى زوجه فوصف لها ما وصف، فقالت: أيسرك هذا أم الدنانير؟ قال: والله! هذا أحب إلي، فأخبرته أنها أنفقتها في تعليمه.

    لقد كان وراء الإمام ربيعة رحمه الله تلك الأم التي ربته وتعاهدته حتى بلغ ما بلغ.

    والإمام مالك أيضاً الذي درس على ربيعة قال لأمه: أذهب فأكتب العلم. فقالت: تعال فالبس ثياب العلم، قال: فألبستني وعممتني، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن، وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.

    والإمام الشافعي الإمام الفقيه المجدد، مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وتنقلت به من غزة مهبطه إلى مكة مستقر أخواله، وكانت من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة.

    وحصلت لها قصة مشهورة عند أحد قضاة مكة، ذلك أنها شهدت هي وأم بشر فأجاز شهادتهما فذكرته بقول الله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282].

    والمهدي الخليفة العباسي الذي كان يلقب بقصاب الزنادقة وعدو الزنادقة أجمع المؤرخون أنه نتاج تربية أمه الخيزران التي أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي .

    ولله در القائل:

    وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في الفلاة

    وهل يرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثدي الناقصات

    موضي بنت أبي وهطان

    ومن النماذج القريبة زوجة الأمير محمد بن سعود رحمه الله موضي بنت أبي وهطان كان لها دور كبير في إقناعه بمناصرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد أتاها أخوا الإمام محمد بن سعود وطلبا منها أن تقوم بهذا الدور في إقناعه أن يتبنى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته، فما زالت به حتى أقنعته بذلك، وأمرته أن يذهب إليه ويقابله، وتم ما تم حتى كتب الله النصر والتمكين لدعوة هذا الإمام المجدد بتوفيق الله سبحانه وتعالى بعد أن ناصره هذا الإمام الصادق، وهي أم الإمام عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود رحمه الله الذي بلغ الغاية في العدل والعلم والورع، ولقب بمهدي زمانه.

    وهي نماذج طويلة -أختي الفاضلة- من الأمهات اللاتي صنعن القادة وأصحاب المواقف، واللاتي صنعن الفقهاء والعلماء، واللاتي صنعن المصلحين، لقد كان وراء كل واحد من أولئك أم صالحة، تعاهدته بالرعاية والتربية والإحسان حتى أبلغته ما بلغ.

    أتظنين أن تلك الأم التي تربي ابنها على أن يخاف حتى من ظله، التي تربي ابنها على أن يخاف من أي هاجس، وتخلق القلق والجزع والخوف والجبن لديه، أترين هذه قادرة أن تنتج ابناً يقول كلمة الحق حين يحتاج إلى ذلك؟

    أترينها تنتج ابناً يحمل السلاح والجهاد في سبيل الله حين تفتقر الأمة إلى أمثاله؟

    أم ترينها تنتج مصلحاً يدع الدنيا ويطلقها وراء ظهره؛ ليحمل على عاتقه أمانة الدعوة والإصلاح؟

    أم ترين أن تلك المرأة التي تربي ابنها على حب الدنيا والتعلق بها وبمتاعها الزائل، أو تربي ابنها على أن يلبي داعي شهواته ورغباته، فلا ترى أن يكدر نومه، ولا أن يقلق راحته، ولا أن يهب عليه الهواء، أترين هذه الأم قادرة أن تنتج طالباً للعلم حاملاً لرسالته، متحملاً المشقة واللأواء والنصب في سبيل تحصيل العلم الذي ينفعه الله سبحانه وتعالى ويهديه به، ومن ثم يحمله بعد ذلك إلى أمته؟

    إن أولئك الذين يتحدث عنهم التاريخ من القادة والمصلحين والحكماء والعلماء والدعاة، إن أولئك وغيرهم إما أن تكون وراء كل واحد منهم أم صالحة تعاهدته بالرعاية والتنشئة، أو أن يكون يتيماً، أو يكون قد خلف وصايا أمه المخذلة وراء ظهره، أما أولئك الذين يرضعون الجبن ويتربون في كنف المذلة والعار فلا يرتجى منهم أن يصلوا إلى هذه المنازل ولا أن يبلغوها.

    والأمة -أخواتي الفاضلات- أحوج ما تكون في هذه المرحلة إلى هؤلاء المصلحين والعلماء والدعاة والقائلين بالحق والقادة والمجاهدين، هي أحوج ما تكون إلى هذا الصنف الفريد من الناس، ولاشك أن كل واحد من هؤلاء لابد أن تكون له أم، فهلا أخذت على عاتقك أن تدعي ابنك ليكون من هؤلاء؟

    هلا أخذت على عاتقك وأنت تداعبين ابنك وهو صغير أن يبلغ مبلغ الرجال، وأن تعديه لذلك، وتربيه على هذه المهمة، وأن تنشئيه من صغره وهو يحمل قضية الإسلام، وقضية الدين، وقضية هذه الأمة، ألا يعيش لنفسه، إنما يعيش لدين الله سبحانه وتعالى، أن يشعر بأن الدنيا لا قيمة لها، ولا تعدل جناح بعوضة، وأنت حين تقومين بهذا الجهد فإنك تقدمين خيراً عظيماً لهذه الأمة، وتؤدين دوراً لن يؤديه إلا أنت، فهل أنت فاعلة ذلك؟

    1.   

    المرأة زوجة

    أختي الفاضلة! هذا دور المرأة الأم، والحديث عن ذلك يطول، فنتجاوزه إلى دور المرأة زوجة، إن أولئك الذين كانت لهم أمهات في الصغر تعاهدتهم وعنيت بهم وربتهم، كان لهم بعد ذلك زوجات يعيشون معهن ليلهم ونهارهم، وكما أن للأم دوراً في تربية ولدها، وفي دفعه إلى ميادين العزة والكرامة، فالزوجة كذلك لها دور في إعانة زوجها ودفعه، أو في تثبيطه والقعود به.

    ولهذا حذر الله سبحانه وتعالى عباده فقال: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14] ذلك أن المرء قد تقعد به زوجه، أو يقعد به أولاده عن ميادين العزة والفداء والتضحية، فيحذر الله سبحانه وتعالى عباده من أن يجبنوا، ومن أن يسيروا وراء أهواء أهليهم.

    إن أولئك كان لهن أزواج، وماذا ترين حال زوجات أولئك؟! إن زوجات أولئك لو كن كحال بعض زوجات زماننا، تخذله، وتزعجه، وتقلق ليله، فهو في نهاره مشغول بهم التعلم والتعليم، والدعوة والصبر على لأوائها، ويعود بعد ذلك إلى منزله ليحمل هماً آخر، ويعيش قلقاً آخر، فتزعجه في تأخره عنها، وفقدها له، وتضييعه لمصالحها، فلو كان حال الواحدة منهن مع زوجها بهذا المنطق وهذه اللغة لكان له شأن آخر، وحديث آخر، أما إذا أخذت هذه الزوجة على عاتقها أن تقف مع زوجها معينة له، ومؤيدة له، ومثبتة له، وأن تسد فراغه إذا غاب عن بيتها، وأن تسدد ما تراه عليه من خير، وأن تأخذ بيده إلى ما قد ترى أنه تجاوز أو قصر فيه؛ فلها أسوة حسنة في خديجة رضي الله عنها حينما كان لها القدح المعلى في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، والوقوف معه حتى بشرت ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

    حين أتاها صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده بعد الوحي قالت له مطمئنة مثبتة: والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم ذهبت إلى ورقة وكان قد تنصر، فحدثته بما صار من محمد صلى الله عليه وسلم، حتى طمأنها أن هذا هو الناموس الذي جاء على عيسى وموسى، وأنه يرجو أن يكون زوجها نبي هذه الأمة، وفعلاً تم ذلك، وطمأنها ورقة بأن زوجها محمد صلى الله عليه وسلم هو نبي هذه الأمة.

    من خير ما يتخذ الإنسان في دنياه كيما يستقيم دينه

    قلب شكور ولسان ذاكر وزوجة صالحة تعينه

    1.   

    المرأة الداعية

    الهجمة التغريبية على المرأة المسلمة

    الصفحة الثالثة من تاريخ المرأة: المرأة الداعية:

    المرأة أم للدعاة والمصلحين، والمرأة زوجة للدعاة والمصلحين، والمرأة أيضاً داعية هي في موقعها ومع بني جنسها، ولاشك أن هذا الدور يتأكد ويتزايد في هذه المرحلة التي نعيشها، وليست الأدوار الأولى من هذا الدور ولا أولى منه.

    إن الكثير من فتيات المسلمين في مراحل التعليم، واللاتي يعانين ما يعانين من نتاج الحملة الشرسة التي تشن على المرأة المسلمة في عفافها، وفي دينها، وفي حيائها، وفي أمور حياتها، إن الكثير من هؤلاء الفتيات لابد أنهن يقابلن كل صباح من تدرسهن، ومن تربيهن في المدرسة، ولن تعدم مدارس المسلمين وجامعاتهم من مدرسة صالحة وفية، ومن امرأة داعية مخلصة صادقة ناصحة، لن تعدم هذه المدارس -بإذن الله وحمده وتوفيقه- من هذا الصنف من الأخوات الفاضلات.

    ولو قام هؤلاء الأخوات بدورهن وواجبهن؛ لأبلغن هذه الكلمة، وأسمعن هذا الصوت كل فتاة في بلاد المسلمين في سن التعليم ومرحلة التعليم، وكانت مدارس المسلمين وجامعاتهم ميداناً للتربية والتنشئة والإصلاح والتطوير.

    فهل تدرك الأخت الفاضلة وهي تتحمل أمانة التدريس وعبء التربية أن دورها يتجاوز بكثير تلك الأسطر التي تقرؤها في الكتاب المدرسي، ثم تعيد بعد ذلك إلقاءها على فتياتنا وعلى بناتنا؟ أظن أننا ننتظر من أخواتنا دوراً أكبر من ذلك، وجهداً أعظم من هذا، ولا يسوغ بحال أن يقف دور المرأة على أن تلقن التلميذات، وأن تلقن الطالبات معلومات جافة، وعلى أن تستظهر هذه المعلومات التي تقرؤها في الكتاب، ثم تعيد بعد ذلك تسميعها وإلقاءها جافة على الطالبات، وهي تعلم أنهن يعانين ما يعانين، وهي تعلم أنهن يواجهن ما يواجهن.

    إن الفتاة المسلمة في عرض العالم الإسلامي وطوله قد أصبحت ضحية المجلة الهابطة، وضحية الفلم الساقط، وضحية تلك المؤامرة الشنيعة التي تشن على المرأة المسلمة؛ لتلحق بنساء الغرب، وتسير وفق طريقهن؛ لتأخذ طريق الهاوية والدمار والهلاك.

    وفي بلادنا يرد إليها أكثر من خمسين مجلة تهتم بالمرأة والأسرة، وهي مجلات كلها تنحى المنحى الغربي الساقط، وقد لا يمنعها من الإسفاف والوقاحة إلا رغبتها في مزيد من الانتشار وإسماع صوتها، هذه المجلات والصحف التي تتاجر بالغرائز، ويثرى أصحابها على حساب الفضيلة والعفة ممن يقرؤها ويقتنيها؟ تلك الأفلام من ينظر إليها ويستمع ما فيها؟ وتلك الأصوات النشاز التي تتحدث إلى المرأة عن قضيتها، تتحدث باسمها دون وكالة شرعية، تتحدث نيابة عنها، وهي لا تملك أدنى مؤهل يؤهلها لذلك، تلك الأصوات من يسمعها إلا الفتاة المسلمة هنا وهناك.

    وحين تعيش الفتاة في هذا المجتمع، وهي تقرأ هذه الأحداث، وتسمع هذه الأصوات، وترى تلك المشاهد، وتعيش في المقابل حين تعيش هذا الجو، فهي تبحث عمن يوجهها، عمن يأخذ بيدها، عمن ينقذها من هذا الطريق المظلم الذي تقاد إليه.

    فممن تريدين أن تسمع الصوت الناصح؟ وممن تريدين أن تتلقى التوجيه؟ إن لم تكن منك أنت التي تعلمينها، أنت التي تلقين عليها الدرس صباح مساء، إن المدرسة والمربية حين تريد أن تصل إلى أداء دور فعال في التربية والتنشئة والإصلاح والتقويم، إنها بحاجة إلى أن ترتقي أكثر في أسلوب الخطاب، ولغة التوجيه والحديث.

    الخطاب الذي ينبغي أن يوجه للفتاة

    وإننا -معشر الأخوات الفاضلات- ينبغي أن نتجاوز تلك اللغة، والتي لم تعد تعرف المرأة فيها إلا الحديث عن بعض القضايا التي تخص الفتاة، أو الحديث عن المخالفات التي تقع فيها النساء، فهي حين تتبع حديثاً يخصها تنتظر أن تسمع حديثاً عن الحجاب، والتحذير من السفور، وعن قوامة الرجل، وعن اختلاطها بالأجانب، وعن اللبس المحرم، والسماع المحرم، والكلام المحرم، إلى غير ذلك.

    وهو حديث لابد أن تسمعه، ولابد أن نقوله، ولا يجوز أبداً أن نقلل من شأنه وقيمته، لكن أليس هناك منطق آخر ينبغي أن نتحدث فيه مع المرأة؟ أليست الفتاة بحاجة إلى أسلوب آخر وصوت آخر يحدثها؟

    لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى النساء؛ ليعظهن ويعلمهن، فكان مما قال لهن: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار، قالت امرأة: واثنين، قال: واثنين).

    إن النبي صلى الله عليه وسلم هنا فتح لهن باباً في الرجاء، وحدثهن عن دور وأمر ينبغي أن يحتسبنه وتحتاج إليه المرأة، وفي موطن آخر أمرهن صلى الله عليه وسلم بالصدقة، وأخبر أنهن أكثر أهل النار -عافانا الله وإياكن جميعاً من عذاب النار- وأمرهن أن يتصدقن ولو من حليهن.

    والمقصود أنه لا ينبغي أن نقتصر على هذا اللون من الخطاب، ولا ينبغي ألا يعرف الناس من قضية المرأة إلا لزوم الحجاب، والمنع من النقاب، والمنع من اللباس الفاضح، والاختلاط بالرجال، والحديث عن الأخطاء التي تقع فيها المرأة.

    أقول وأؤكد: لاشك أن هذا ينبغي أن نقوله، وينبغي أن نكرره ونخاطب المرأة به، لكن أيضاً ينبغي أن نتحدث حديثاً آخر، إن تلك الفتاة التي نعاني منها الآن وهي تتهاون بأمر الله سبحانه وتعالى، فتتهاون في الحجاب، ويزعجنا هذا المنظر، ويؤلمنا هذا الموقف، إن الكثير منهن تعلم تمام العلم، وتوقن تمام اليقين أن هذا السلوك مخالفة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

    فلو خاطبناها بلغة أخرى، وسعينا إلى أن نغرس الإيمان عند فتياتنا، وأن نعنى بهذه القضايا ونركز عليها، أن تعنى المدرسة والمربية والموجهة بتربية الإيمان في نفوس الفتيات، وتذكيرهن بالله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر؛ حتى تصبح الفتاة فتاة تخشى الله سبحانه وتعالى، وتخافه عز وجل، وتؤثر مرضاة الله سبحانه وتعالى على ما سواه، حينها يتعلق قلبها بالله سبحانه وتعالى، وتدرك تماماً العبودية والخضوع لله عز وجل، وترى أن الحجاب والعفاف أنه لباس عز وشرف؛ لأنه استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، وعبودية له عز وجل.

    ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

    فتفتخر الفتاة وتعتز بأن ترتدي هذا الحجاب، بأن تمتنع من هذا اللباس، بأن تمتنع من هذا السلوك، وتتجنب ذاك الموقف، وأن تقف هذا الموقف، وتلبس هذا اللباس، إنها تعتز بمثل هذه المواقف، وترى أنها تمثل عبودية لله سبحانه وتعالى، وأن هذا يزيدها رفعة وشرفاً وفخراً.

    إن المرأة تتعلق بالمظاهر، وتفتن بالزينة، وتسعى إليها، أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، فحين تربى الفتاة أن لباس التقوى خير، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    حين ترى أن زينة الإيمان هي أعلى زينة وأتم زينة، فنغرس هذا المعنى في نفسها، ونربيه لديها بالكلمة المؤثرة، والقدوة، وسائر وسائل التربية وأساليبها، حين نغرس هذه المعاني في نفوس فتياتنا وبناتنا؛ فإننا حينئذٍ نتجاوز هذه العقبات، وتنطلق هذه الفتاة لتلتزم أمر الله سبحانه وتعالى، راغبة راضية متوجهة إليه لا أن تتجه له، وهي ترى أنه أمر تؤطر عليه أطراً، وتدفع إليه دفعاً.

    أقول: لو تحدثنا مع فتياتنا وبناتنا بهذه الصورة، وسعينا إلى التركيز على هذه الجوانب؛ على تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، وتوحيد الله عز وجل، وتعظيمه سبحانه وتعالى، حتى لا يصبح في قلوبهن محبة فوق محبة الله سبحانه وتعالى، ولا يخفن غير الله عز وجل، ولا يتجهن لسواه سبحانه وتعالى، فإننا حينئذٍ نختصر على أنفسنا مراحل كثيرة من الطريق، ربما كانت تستوجب علينا قائمة طويلة من المناقشات والمجادلات؛ لإقناع هذه الفتاة بأن تترك هذا السلوك، أو تسلك هذا المسلك وتسير في هذا الطريق أو ذاك.

    حاجة الشباب والفتيات إلى الحديث الدعوي ممن يعرف واقعهم

    جانب آخر له أهميته أخواتي الفاضلات: وهو أن فتياتنا وشبابنا يعيشون في هذا العصر أزمات هي جزء من نتاج هذه الهجمة الموجهة على هذه الأمة، ويعيشون واقعاً مؤلماً، فهم جميعاً شيباً وشباناً رجالاً ونساءً يحتاجون إلى من يحدثهم عن واقعهم، خاصة في مرحلة الشباب.

    فالفتاة بحاجة إلى أن تسمع من تلك المعلمة التي ترى أنها تعرف واقعها، وتدرك مشكلاتها، وتعي حقيقة معاناتها، أن تحدثها بلغة واقعية، وبلغة العارفة المدركة لواقعها، وتطرح عليها الحلول العملية، ليست تلك الحلول المثالية والمغرقة في الخيال، ولا تلك الحلول التي تراها تتناسب معها هي، أي: المتحدثة، إنما تخاطب الفتاة التي تستمع إليها بما ترى أنها تعاني منه، وتتحدث معها بكل صراحة ووضوح عن مشكلاتها ومعاناتها، ثم أيضاً تطرح لها الحلول العملية التي ترى أنها تطيق أن تسلكها.

    والفتاة حين تسمع مثل هذه اللغة، وتنصت إلى مثل هذا الخطاب، فإنها حينئذٍ تدرك أنها تستمع لصوت يجمع بين النصح والشفقة والعلم والوعي والمعرفة بالواقع، فهذا أدعى للاستجابة، وأدعى لأن تؤتي هذه الجهود بإذن الله عز وجل ثمرتها وبركتها.

    أخواتي الفاضلات! في قطاع التعليم أو غيره -مدرسة كنت أو مديرة أو موجهة- وفي أي ميدان كنت نحتاج إلى جهد ودور عظيم منك لا يمكن أن يؤديه غيرك، إن الرجل قد يكتب كتاباً، وقد يتحدث حديثاً يسجل، لكنه لا يستطيع أن يوصل هذه الكلمة المكتوبة، أو يسمع تلك الكلمة المسجلة إلى كل فتاة، لا يستطيع أن يسمع تلك الفتاة المعرضة الغافلة البعيدة.

    إن تلك الفتاة لا بد أن تكون تلميذة لمدرسة صالحة متدينة، لا بد أن تكون أختاً أو بنتاً لأم صالحة، أو قريبة لها، أو جارة لها، لا بد أن تعيش في واقعها القريب والبعيد، وأن ترى زميلةً لها أو أستاذةً أو أماً أو قريبةً أو جارة، أياً كان موقعها منها، لا بد أن ترى من أولئك النساء الخيرات الداعيات إلى الله سبحانه وتعالى.

    وحين تقوم المرأة بتحمل أمانتها ودورها ومسئوليتها، فإنها تبلغ كلمة لا يستطيع الرجال أن يبلغوها، وتخاطب من لا يستطيع الرجال أن يخاطبوه، وتشافه أولئك اللاتي لا يمكن أن يسمعن ولا يعين إلا منهن، فهل تدركين -أختي الفاضلة- عظم الأمانة والمسئولية التي حملك الله إياها؟!

    إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه).

    والله سبحانه وتعالى قد وصف الأمة بأنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأخبر أن هذا هو معيار ومناط خيريتها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    وخطاب الشرع يعم الرجال والنساء، فنحن أمة أمارة بالمعروف ناهية عن المنكر، أمة قائلة بالحق، أمة داعية إلى الله سبحانه وتعالى.

    الله الله -أخواتي الفاضلات- في تحمل هذه الأمانة، والقيام بدورها، وإبلاغ الكلمة لزميلتك إن كنت طالبة ودارسة، وإبلاغ الكلمة لتلميذاتك إن كنت مدرسة، وإبلاغ الكلمة لقريباتك، ولكل من تلقين، ولا تيأسي ولا تضجري من أن تبلغي كلمة، أو تبذلي جهداً، أو تأمري بخير، أو تنهي عن منكر، فنحن أحوج ما نكون إلى دورك، وإلى أن يتكاتف المسلمون جميعاً، وأن يحملوا الأمانة جميعاً، ويدركوا أنها أمانة لا تخص طائفة دون طائفة، ولا فئة دون فئة.

    أسأل الله سبحانه وتعالى لأخواتي الفاضلات الستر والعفاف والحياء، وأن يرزقهن الله الأزوج الصالحين الناصحين، والذرية الصالحة، إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب.

    وأكتفي بهذا الحديث؛ لأجيب على أسئلة الأخوات الفاضلات.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة في طريقة التحصيل العلمي والكتب المناسبة في ذلك

    السؤال: ما هي الكتب التي تنصح بها كل من تود زيادة الحصيلة العلمية والدينية لديها، وتود طلب العلم بها، وهل تستطيع أن تخصص يوماً للنساء تقوم بتعليمهن أمور دينهن من فقه وعقيدة؟

    الجواب: نجيب على الشق الثاني من السؤال فأقول: لست أنا من أهل هذه البلد، وإنما أنا زائر وراحل هذه الليلة.

    أما بالنسبة للشق الأول فالكتب لاشك أنها كثيرة بحمد الله في كل فن وفي كل علم، وعلى كل مستوى من المستويات، ولا أظن أن مشكلتنا تكمن في عدم معرفة الكتاب المناسب للقراءة، فمثلاً لو سألت الأخت السائلة أو غيرها أن تذكر لي بعض الكتب المناسبة في الحديث، وفي التفسير والفقه لعدت لي قائمة من ذلك، ولو وجهت لها السؤال بعد ذلك هل قرأت شيئاً من هذه الكتب؟ ربما تكون الإجابة غير مشجعة.

    فأقول: إن المشكلة لا تكمن في عدم معرفة الكتاب المناسب بقدر ما هي كامنة في وجود إرادة وعزيمة على القراءة والتحصيل.

    أما تحديد كتب معينة للمرأة فهذا يختلف على حسب سن المرأة، ومستوى تحصيلها وتعليمها، وعلى المرأة أن تستشير من هو قريب منها من أجل أن يعرف مستواها، فمثلاً الكتب التي تناسب الطالبة ليست من الكتب التي تناسب المدرسة، وكذلك التي تناسب المرأة التي قطعت مرحلة في التعلم ليست كالتي تناسب المرأة التي هي دون ذلك.

    وعموماً الكتب التي تناسب الرجال هي أيضاً مناسبة للنساء، قد كتب أهل العلم كتباً في منهج التعلم والتفقه وطرقه ووسائله وآدابه ومنهجيته، ينبغي للفتاة طالبة العلم أن يكون لها نصيب من قراءة مثل هذه الكتب.

    طريقة ترقيق القلوب

    السؤال: كيف يمكن لنا أن نرقق قلوبنا، ونبعد عنها شبح الفتور؟

    الجواب: الله سبحانه وتعالى شرع لنا أن نستعين به في كل أمورنا، فنحن نقرأ في سورة الفاتحة كل يوم مرات عدة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ونحن نستعين بالله سبحانه وتعالى في أمور ديننا وفي أمور دنيانا، فكما أننا نستعين بالله سبحانه وتعالى على قضاء حوائجنا في دار الدنيا، فكذلك نحن نستعين بالله سبحانه وتعالى على أمور ديننا، كما كان صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه)، فهو يستعين بالله سبحانه وتعالى على أن يعينه على اتباع الحق وعلى اجتناب الباطل.

    فلاشك أنه لا أرق للقلوب، ولا أنجع لعلاجها من ذكر الله سبحانه وتعالى، وتلاوة كتابه، والتوجه له عز وجل، وعبادته، والإقبال على الله سبحانه وتعالى بالذكر والدعاء والتلاوة والعبادة، وسائر هذه الأبواب مدعاة لعلاج القلوب ورقتها.

    والله سبحانه وتعالى خلقنا ويعلم ما نحن فيه، ويعلم ما نعاني سبحانه وتعالى، ولم يتركنا سدى، بل أنزل علينا هذا الكتاب العظيم الذي ما من خير إلا ودلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه.

    حكم الاستخارة في الأمور الواجبة

    السؤال: هل تكون الاستخارة في الأمور الواجبة كالحج والعمرة وغيرها؟

    الجواب: لا، هذه الأمور الواجبة يجب على الإنسان أن يعملها ولا تتوقف على الاستخارة، والاستخارة أن يتردد الإنسان في أمر لا يدري أهو خير له أم غير ذلك، فيستخير الله.

    حكم حج المرأة مع الرفقة الصالحة دون محرم

    السؤال: ما حكم حج المرأة مع رفقة صالحة بدون محرم؟

    الجواب: لا يجوز أن تسافر المرأة بدون محرم، سواء كانت مع رفقة صالحة أو ليسوا كذلك.

    التحقق من الحب في الله

    السؤال: كثيراً ما نسمع أن فلانة تحب أختاً لها في الله، وقد يدخل فيه شيء للدنيا، كيف يتحقق الإنسان أن حبه حقيقة لله؟

    الجواب: هذا المعنى أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، وفرق بين قوله: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وبين قوله: أن يحب المرء في الله؛ لأن قوله: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله نفي لكل أسباب ووسائل المحبة غير هذه المحبة.

    وقالوا: إن من علامات المحبة الخالصة لله أنها إذا زادت طاعة لله سبحانه وتعالى زادت محبة لها، وإذا رأت منها تقصيراً وضعفاً قلت محبتها لها.

    حكم المسح على الجوارب

    السؤال: حكم المسح على الجوارب سواء على طهارة أو غير طهارة؟

    الجواب: يشترط في المسح على الجورب أن تلبسها المرأة أو يلبسها الرجل على طهارة، فإن لبستها على غير طهارة لا يجوز لها أن تمسح عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).

    عمل اليوم والليلة

    السؤال: إن في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم منهجاً ودستوراً لنا، نريد منك أن تذكر لنا أعظم وأفضل ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أعمال صالحة وأخلاق في يومه الواحد من الصباح إلى المساء؟

    الجواب: أعظم وأفضل الأعمال هي الأعمال الواجبة، وأعظمها الصلاة، المحافظة على الصلاة في وقتها، وأداؤها كما ينبغي من أعظم الأعمال، ثم من الأعمال التي شرعت لنا في اليوم والليلة أن نبتدئ اليوم بذكر وقراءة أوراد وأدعية الصباح، وهي معروفة وقد دون أهل العلم كتباً صغيرة وكبيرة مطولة ومختصرة في هذه الأذكار، ثم أيضاً السنن الرواتب التي هي اثنتا عشرة ركعة أو عشر ركعات، قد أخبر صلى الله عليه وسلم (أن من صلى لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة)، والوتر، وسائر الأعمال بعد ذلك من تلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، والصدقة، إلى غير ذلك.

    حكم ارتداء المرأة للباس القصير

    السؤال: حكم ارتداء المرأة لبس قصير؟

    الجواب: لا يجوز للمرأة أن تلبس القصير الفاتن أمام الرجال الأجانب، لكن إنما يجوز لها ذلك أمام زوجها فقط.

    حكم كشف المرأة وجهها في بلاد الغربة

    السؤال: ما حكم سفر المرأة إلى بلاد أجنبية ولا تغطي وجهها، مع العلم أن معها محرماً، وترتدي الطويل الساتر؟

    الجواب: أحكام الله عز وجل لا تختص بهذه البلاد دون غيرها، فالذي أمرها بالحجاب في هذه البلاد أمرها سبحانه وتعالى بالحجاب في غير هذه البلاد.

    حكم مس الحائض المصحف

    السؤال: ما حكم مس الحائض للمصحف؟

    الجواب: لا يجوز للحائض أن تمس المصحف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتاب عمرو بن حزم : (لا يمس القرآن إلا طاهر).

    حكم الصلاة في الحافلة

    السؤال: نذهب إلى المدرسة في وقت مبكر حتى يؤذن الفجر ونحن في الطريق، ونصلي صلاة الصبح ونحن في الحافلة، فهل نقضي هذه الصلاة أم لا؟

    الجواب: لا يجوز أن تصلي في الحافلة؛ لأن المرأة يجب أن تصلي وهي واقفة، وتستقبل القبلة، ولا يجوز أن يصلى على الراحلة إلا النافلة في السفر، فتنتظر حتى تصل إلى المدرسة إذا كانت تصل قبل خروج الوقت وتصلي، وإذا كانت لا تصل إلا بعد خروج الوقت ينبغي أن يرتب النساء لهن حلاً في الأمر، إما أن تذهب مع أذان الفجر أصلاً وتصلي، أو يتوقفن لأداء الصلاة، لكن لا يجوز ولا يعتبر هذا عذراً لهن أن يصلين في مثل هذه الحالة.

    طلاق الحامل

    السؤال: هل يقع طلاق المرأة الحامل؟

    الجواب: نعم يقع طلاق المرأة الحامل، وتنتهي عدتها بوضع الحمل.

    حكم قطع الطواف لصلاة النافلة

    السؤال: ما حكم قطع الطواف لصلاة نافلة بين الحجر والكعبة، وذلك عند رؤية المكان خالي، وهل يعاد الطواف الذي لم يكمل؟

    الجواب: المرأة أولاً المفروض أن تبتعد عن هذه الأماكن للرجال، وتصلي في مكان بعيد وفي الأماكن الخاصة بالنساء، لكن عموماً الطواف لو أراد أن يقطعه المرء جاز له، وإن كان ينبغي له أن لا يقطعه إلا لحاجة، لكن المرأة ينبغي أن تبتعد عن هذه الأماكن، وتصلي في الأماكن المخصصة للنساء.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم جميعاً بما سمعنا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب.

    هذا والله أعلم.