إسلام ويب

رسالة إلى شابللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشباب التائه من أبناء المسلمين كثيرون، فهم غارقون في بحار الفتن والشهوات، وهم على كل حال لا تزال فيهم جوانب كثيرة من الخير، فهم بحاجة منا إلى نصح ومساعدة حتى نأخذ بأيديهم إلى طريق الخير والصلاح.

    1.   

    دواعي الرسالة

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فنحمد الله سبحانه وتعالى على أن جمعنا وإياكم في هذا المكان، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوقفنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجمعنا في مستقر رحمته، ودار كرامته، ويجعلنا وإياكم من المتحابين بجلاله يوم يناديهم سبحانه وتعالى: (أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي؟!).

    أيها الإخوة! حديثنا هذه الليلة (رسالة إلى شاب)، وهي رسالة من نوع معين إلى أولئك الشباب الذين ولدوا من آباء مسلمين، وأمهات مسلمات، وعاشوا في هذا المجتمع المسلم، وهم يحملون الفطرة الإيمانية، ويحملون بذور الخير في قلوبهم، بل ويحافظون على كثير من أحكام الله وشعائره، ولكنهم يمارسون ألواناً من الانحراف عن دين الله سبحانه وتعالى، وألواناً من الضياع، تتفاوت هذه الألوان وهذه الصور؛ لكننا نجزم أن غالبهم وعامتهم ينتظرون اليوم الذي يسيرون فيه في طريق المستقيمين، والذي يسلكون فيه درب الاستقامة والسعادة.

    ولذا كان لزاماً علينا أن نعتني بإخواننا هؤلاء، وأن نقدم لهم الكلمة الصادقة؛ لعلها أن تجد آذاناً صاغية، ولعل الله سبحانه وتعالى أن يفتح أبواب قلوب بعض المعرضين من كلمة قد لا يلقي لها صاحبها بالاً.

    أيها الإخوة! هؤلاء الشباب مع ما يقعون فيه من الانحراف والضياع الذي قد يصل ببعضهم إلى ترك الصلاة وترك الواجبات، فعامتهم ينتظر ويتمنى اليوم الذي يسلك فيه الطريق المستقيم.

    ولكن هناك عقبات وعوائق وموانع، ولذا فقد قمت بإجراء بحث حول هذا الموضوع، وأعددت استمارة وزعت على بعض هؤلاء الشباب في مدينة الرياض، ثم بعد ذلك خرجت لنا نتائج أعلنا بعضاً منها في المحاضرة السابقة، والتي كانت بعنوان: عوائق الاستقامة، وكان في النية أن أتحدث في تلك المحاضرة عن هذه العوائق ومناقشتها، وأن تكون موجهة إلى هؤلاء الذين تحجزهم هذه العوائق؛ ولكن ضاق الوقت فأحببنا أن نرسل لهم هذه الرسالة الخاصة.

    أيها الإخوة! قد تطول صفحات هذه الرسالة، ولكن المعذرة فلعلها تكون صادرة من قلب يحترق ويتألم على ما يرى من ضياع الكثير من الشباب الذين تؤمل فيهم الأمة آمالها، والذين تعدهم الأمة لغدها المشرق، قد تطول صفحات هذه الرسالة فتبلغ عشرين صفحة، وهي:

    لماذا هذه الرسالة؟

    من محاسنكم.

    هل رأيت الأخيار؟

    هل هؤلاء خير منك؟

    هلا قرأت التاريخ.

    ألا تعرف أحداً منهم؟

    أسمعت عن هؤلاء؟

    تأمل في واقع أمتك.

    ألا تريد المشاركة في الإنجاز؟

    قبل أن تذبل الزهرة.

    ماذا يريدون منك؟

    حتى لا تدفع ضريبة الغفلة.

    اعلن البراءة اليوم قبل الغد.

    وإليك البديل.

    أيهما تختار؟

    كن سابع سبعة.

    استعد للامتحان.

    لا تنتظر الموعد الموهوم.

    فقد تكون النهاية.

    لا تقطع الحبل الموصول.

    لا تيأس، واتخذ القرار الحاسم.

    فهو العائق الوحيد.

    1.   

    لماذا هذه الرسالة

    الصفحة الأولى: لماذا هذه الرسالة؟

    أيها الشباب! لماذا نوجه لكم هذه الرسالة؟ ونتوجه لكم بهذا الحديث الخاص؟

    إن هذا ما يدفعنا إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وإنه مهما بدر منكم من التقصير والإعراض والغفلة، فإنكم مع ذلك كله تبقون إخواناً لنا، فلكم إخوة الإسلام، وولاء الإسلام، وحق الإسلام، فمن حقكم علينا أن نحب لكم ما نحب لأنفسنا، وأعظم ما نحب لأنفسنا ونتمنى لأنفسنا هو سلوك طريق الهداية.

    وهذه الهداية التي وفق الله لها الصالحين، ونسأله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم ممن وفق لها، هذه الهداية والله ما حصلها من حصلها بكد أمه ولا كد أبيه، ولا بجهده وطاقته، إنما هو توفيق من الله سبحانه وتعالى، ومنة ونعمة من الله عز وجل القائل سبحانه وتعالى: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم).

    ومن حق هذه النعمة وواجب شكرها أن نحرص على أن ننقل هذه النعمة إلى الآخرين، وأن نقول للناس الذين لم يسلكوا الطريق: هانحن قد سلكنا هذا الطريق، فهلموا وبادروا معنا وسيروا؛ علكم تجدوا ما وجدنا فيه من السعادة والطمأنينة، ولذة عبادة الله سبحانه وتعالى، والتي نرجو أن تكون بعد ذلك طريقاً إلى السعادة الأبدية والسرمدية، ولذة النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى.

    أخي الشاب! إذا لم نرسل لك هذه الرسالة، فممن تنتظرها؟! أتنتظرها من شركائك في الفساد؟ أتنتظرها من قرناء السوء الذين أنت بنفسك قلت لنا فيما كتبته لنا وحدثتنا به: إن هؤلاء هم العائق الأول عن سلوك طريق الاستقامة، فهل تنتظر من هؤلاء أن يرسلوا لك هذه الرسالة؟ أم تنتظر هذه الرسالة من أولئك المفسدين الذين يتربصون بك الدوائر، والذين صدروا لك الأفلام الساقطة، والصور الخليعة، وتفننوا في صدك عن سبيل الله عز وجل؟ أتنتظر منهم بعد ذلك أن يرسلوا لك هذه الرسالة، ويوجهوا لك هذه النصيحة؟

    أم تنتظرها من أعدائك من الكفار وغيرهم؟

    أجزم أنك لن تسمع هذه الرسالة إلا من قلب يملؤه شعوران: شعور بالعطف والشفقة والمحبة لك، وشعور بالخوف والقلق أن تصير إلى النهاية الخطيرة.. إلى الهلاك الذي لا نجاة بعده.

    1.   

    من محاسنكم

    وأما الصفحة الثانية فهي بعنوان: من محاسنكم:

    إن هؤلاء الشباب مع ما عندهم من الإعراض والغفلة، ومع ما عندهم من الفساد الذي لا نقلل من خطورته، إلا أن الدراسة أثبتت لنا أن هناك جوانب خيرة، وهناك جوانب مضيئة في سيرة هؤلاء، فإليكم تلك الجوانب التي قد يكون قالها وأجاب عنها بعضكم ممن يستمع إلى حديثنا الآن، فمن ذلك:

    التفكير بالالتزام

    أن أكثر هؤلاء قد فكروا بالالتزام، فـ (93%) من طلاب المرحلة الثانوية، و(92%) من طلاب المرحلة المتوسطة قد فكروا في الالتزام، و(32%) منهم فكروا تفكيراً جاداً في سلوك هذا الطريق، و(74%) من طلاب المرحلة المتوسطة، و(71%) قد فكروا بذلك أكثر من ثلاث مرات.

    إذاً: فالغالبية من هؤلاء لا يدركون خطأ الطريق فقط، ولا يدركون خطورة الأمر فقط، بل إنهم يفكرون تفكيراً قد يكون جاداً، وقد يكون دون ذلك، المهم أن لديهم الرغبة، وأن لديهم الدافع في توديع حياة الغفلة والإعراض، والسير في ركاب الصالحين.

    أيضاً: أكثر هؤلاء يشعر بأن الالتزام هو طريق السعادة، فـ (79%) من طلاب المرحلة الثانوية، و(81%) من طلاب المرحلة المتوسطة أجابوا بأنهم يشعرون بأن الالتزام طريق السعادة.

    أما (21%) و(18%) فأجابوا بلا أدري، أما الذين أجابوا بـ(لا) فهم (1%) من كلا المرحلتين.

    إذاً: فأكثر هؤلاء أيضاً يدرك تمام الإدراك أن الالتزام هو طريق السعادة.

    فإذا كنت -يا أخي- قد أدركت أن هذا الطريق هو الذي يحقق لك السعادة، فما الذي يمنعك من سلوكه، والمصير إليه.

    الاستماع للنصيحة

    أيضاً: من الجوانب المضيئة عند هؤلاء أن أكثرهم يستمع للنصيحة ويستجيب لها:

    فقريب من (70%) من هؤلاء استفادوا استفادة إيجابية من النصيحة التي وجهت لهم، فمنهم من استقام مدة محددة، ومنهم من تأثر، المهم أن النصيحة والكلمة الصادقة لها أثر على هؤلاء.

    لا أريد أن أطيل في هذه النتائج، فلدي الكثير من ذلك، ولكني أرى أن الصفحات بعضها يدفع بعضاً؛ حتى لا يضيق الوقت عنها.

    1.   

    هل رأيت الأخيار

    الصفحة الثالثة: هل رأيت الشباب الأخيار؟

    لابد أنك قد رأيت ذاك الشاب المستقيم السائر على طاعة الله سبحانه وتعالى، رأيته يوماً من الأيام يمد يده ليعطي لك شريطاً، أو يعطيك كتيباً، أو يتحرك لسانه بلغة تدرك منها الإشفاق والنصح ليوجه لك نصيحة صادقة وخالصة.

    إنه أيضاً قبل أن تمتد يده بهذا الشريط وهذا الكتاب قد امتدت إلى جيبه لتخرج تلك النقود يدفعها ليشتري لك هذه الهدية يدفعها لك وهو يدعو لك بدعاء صالح، ودعاء صادق أن يهديك الله سبحانه وتعالى.

    أرأيت هؤلاء؟ ما الذي يدفعهم إلى ذلك؟ ما الذي يدعوهم لهذا؟ ما الذي يدعوه إلى أن يكثر لك النصيحة؟ بل الذي دعاك لحضور هذه المحاضرة، وحضور هذا المجلس، والذي يدعوك من وقت لآخر إلى أن تحضر مجالس العلم، ولقاءات الخير، ما الذي يدفعه لذلك؟

    أرأيت أولئك الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، الذين تتفطر قلوبهم حزناً وألماً على واقعك وواقع إخوانك، الذين يسهرون ليلهم، ويصرفون أقواتهم في بذل الجهد لإنقاذك من هذه الغفلة، ماذا يريد كل أولئك؟

    أليس هذا -يا أخي- وحده كافياً أن يشعرك فعلاً بأنك تسير على طريق نهايته أليمة؟ أليس هذا كافياً بأن يهزك هزاً ليوجهك إلى أن تسلك الصراط المستقيم؟

    كل هذه الجهود -أخي الكريم- وكل ما تراه إنما هو من أجلك، من أجل إنقاذك من الخطر الداهم، ومن أن تتعرض لسخط الله وعذابه سبحانه وتعالى، من أجل أن ينقلوك إلى سعادة الحياة الدنيا التي قلت أنت بنفسك وبقلمك: أنك تدرك أن الالتزام وأن الاستقامة هي طريق السعادة.

    فلا تظن -أخي الكريم- أن ما أنت عليه من التمتع بالشهوات المحرمة هي غاية الحياة الدنيا، وهي النعيم، ولكن النعيم هو ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى في قوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    إن هؤلاء الشباب الأخيار، وأولئك الدعاة، وغيرهم الكثير الكثير الذين يسهرون ويؤرقهم همك، كل هؤلاء يسعون إلى أن ينقلوك إلى هذه السعادة وهذا النعيم، وإن هذا النعيم -أخي الكريم- هو الطريق والخطوة الأولى بعد ذلك للسعادة الأبدية، والسعادة السرمدية، يوم يؤتى بالموت على هيئة كبش، فيقال لأهل الجنة: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، الموت. ويقال لأهل النار: أتعرون هذا؟ فيقولون: نعم، الموت. فيذبح حينئذٍ بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، حينئذٍ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    ولتعلم -أخي الكريم- أن السعادة، ولذة الإيمان، وجنة الدنيا التي يجدها المطيع لله سبحانه وتعالى في هذه الحياة هي الخطوة الأولى في طريق السعادة الأبدية السرمدية، وهي البوابة التي لابد أن يلجها من شاء أن يسلك وأن يصير إلى طريق السعادة الأبدية، التي لا شقاء ولا خسارة بعدها.

    1.   

    هل هؤلاء خير منك

    الصفحة الرابعة: هل هؤلاء خير منك؟

    عندما ندعوك إلى أن تسلك طريق الالتزام تعتذر بأنك لا تستطيع ذلك، وأنك مقتنع تمام القناعة بخطأ الطريق الذي أنت عليه، وأنك تتمنى أن تسير في ركب الصالحين، وتدرك هذا الأمر؛ لكنك تعتذر أنك لا تطيق، فأمامك الفتن، وأمامك الشهوات، وأمامك العوائق.

    فهل رأيت هؤلاء الشباب الذين يفيضون عفة وطهارة؟ ألم ينتصروا على شهواتهم؟ أرأيت هؤلاء الشباب يتسابقون على مجالس العلم ولقاءات الخير، في حين كنت تسابق على مدرجات الكرة وملاعب الكرة؟

    أرأيت هؤلاء الشباب يقضون ليلهم ركعاً سجداً حين ينزل الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟

    أرأيت هؤلاء الشباب الذين يقضون ليلهم بكاءً وتضرعاً وخضوعاً بين يدي الله سبحانه وتعالى، في حين تقضي ليلك أنت بما لا يخفى عليك؟

    أرأيت هؤلاء الشباب الذين يعيشون هذه الحالة؟ أهم ملائكة؟ أهم معصومون؟ أليس لهم شهوات؟ أليس أمامهم فتن؟ بل قد تكون أبواب الفتن مشرعة أمامهم أكثر منك، وما يدريك عن حالهم؟! قد يكونون أكثر شهوة منك، وقد تكون أنت أقوى منهم شخصية، وأقدر منهم على الثبات، فلماذا انتصر هؤلاء وانهزمت أنت؟

    لماذا استطاع هؤلاء أن يسلكوا طريق العفة وخضت أنت في بحر الرذيلة؟ أليسوا بشراً مثلك؟ أليسوا يعيشون الفتن كما تعيشها؟ ألست تواجههم الشهوات؟ فلماذا استطاعوا أن يشقوا الطريق وأنت لم تستطع ذلك؟

    1.   

    هلا قرأت التاريخ

    الصفحة الخامسة: هلا قرأت التاريخ:

    أسماء أظنك لا تجهلها، وأظنك وإن تعلقت بالرياضة والفن والساقطين والغناء، فأظن بل أجزم أن هؤلاء أحب إلى قلبك من أولئك الساقطين، لعلك قد سمعت عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب ومعاذ ومعوذ ابني عفراء ، وغيرهم من شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    إنهم أيضاً بشر مثلك، لكنهم انتصروا على أنفسهم أولاً قبل أن ينتصروا على أعدائهم، فسطروا للأمة تلك الصفحات البيضاء الناصعة؟ أرأيت أسامة بن زيد رضي الله عنه يقود جيشاً يواجه به أعتى قوة دولية في ذاك الوقت وعمره دون عمرك، عمره لم يتجاوز العشرين عاماً؟

    أظن أنك تسمع عن بلاد السند والهند، وما وراء النهر، أتدري من الذي نقل الإسلام إلى أولئك؟ أتدري من الذي حطم الوثنية التي كانت جاثمة هناك؟ إنهم شباب بعضهم في سنك، أو دونك، أو أكبر منك، المهم أنهم يعيشون المرحلة التي تعيشها.

    لعلك -يا أخي- قد سمعت بشاب كان دون العشرين من عمره، عاش في بيئة تغص بالشرك والوثنية ليس فيها من يقول: ربي الله إلا راهب واحد مستخفٍ في رأس جبل، وحين دخل هذا الدين قلب هذا الشاب؛ جاء ليقوم بهذا الدين، ويواجه به الناس، ويقدم نفسه رخيصة لله سبحانه وتعالى؛ حتى يمن الله عز وجل عليه بعد ذلك بأن تهتدي على يديه قرية كاملة ثم يذهبون شهداء، قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:4-7].

    إنه شاب مثلك، لم يصحب نبياً، إنه عاش واقعاً أجزم أنه أسوأ من الواقع الذي تعيشه، عاش في بيئة ليست مليئة بالشهوات فقط، بل تغص بالشرك والعبودية لغير الله، ومع ذلك قام وحده دون معين ودون ناصح؛ ليعلن كلمة الحق، ليعلن أن لا إله إلا الله، ولا رب إلا الله، ثم بعد ذلك منّ الله عز وجل عليه بالشهادة في سبيله، ومنّ الله عليه بأن تدخل الأفواج من الناس في دين الله على يديه، قائلين: آمنا بالله رب الغلام.

    فما الفرق بينك وبينه؟ أليس شاباً مثلك؟ أليست هذه النماذج كافية بأن تجعلك تودع حالة الغفلة والإعراض إلى غير رجعة، وأن تطلقها ثلاثاً؟

    1.   

    ألا تعرف أحداً منهم

    الصفحة السادسة: ألا تعرف أحداً منهم؟

    كثير هم الشباب الذين منّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالهداية وسلوك الطريق المستقيم بعد أن انغمسوا إلى رءوسهم في الشهوات، وأوحال الفتن والضلال، وأظن أنك ولابد تعرف بعضاً منهم، قد يكون أحدهم شقيقك، وقد يكون جارك، وقد يكون زميلك في فصلك، وقد يكون صديقك الذي كان يعينك على المعصية، بل كان يشرع أمامك الأبواب، وكان معيناً لك، وقد يكون أسوأ منك يوم أن كان على الضلال، فما الذي جعله ينتصر على نفسه وتخفق أنت؟!

    إنه مثلك ذاق الشهوات المحرمة، وقد غاص في أوحال الفتن، وها أنت تراه وقد سلك طريق الاستقامة وطريق السعادة، وهو يقول لك بلسان حالة قبل أن يقول لك بلسان مقاله: ها أنا الآن وجدت طريق السعادة، وودعت طريق الشقاوة والضلال إلى غير رجعة.

    أليس في هذه النماذج عبرة لك ومقنعاً بأنك مهما بلغت من الفساد قادر على أن تكون خيراً منه، وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟

    1.   

    أسمعت عن هؤلاء

    الصفحة السابعة: أسمعت عن هؤلاء؟

    إنهم فئة من شباب الأمة منّ الله سبحانه وتعالى عليهم بمحبة دينه، والتضحية من أجله، فسافروا وسافرت، وخاطروا وخاطرت، ولكن إلى أين وبم خاطروا؟! لقد سافروا إلى بلاد العجم وقاتلوا في سبيل الله؛ حتى ذهبوا شهداء في سبيل الله عز وجل، ينهانا الله سبحانه وتعالى أن نقول إنهم أموات، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154]، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171].

    أرأيت أولئك الشهداء الأبرار الذين قد تكون تعرف واحداً منهم، بل قد يكون أحدهم شريكاً لك في الضلالة والانحراف، ثم منّ الله سبحانه وتعالى عليه، فلم يجد أغلى من نفسه فجاد بها في سبيل الله سبحانه وتعالى، وسافر للجهاد في سبيل الله يوم أن سافرت أنت لتحقق الشهوات واللذات المحرمة، وشتان بين الأمرين، خاطر بنفسه في سبيل الله وهو يستلذ تلك الخطورة، وأكثر ما يواجهه الموت، وهذا ما يتمناه ويريده، بل هذا ما ارتكب المشاق من أجله.

    ولكنك أنت خاطرت لارتكاب الجريمة والفاحشة، وللوقوع فريسة الأمراض الجنسية والإدمان على المخدرات التي تقضي على حياتك.

    إن هذه هي المخاطر التي ارتكبتها، وهذا هو الطريق الذي وضعت قدمك في أوله، ومن وضع قدمه في أول الطريق، فلابد أن يصل إلى آخره، ما لم يمن الله عليه بالرجعة والأوبة إليه سبحانه وتعالى.

    أخي الكريم! هل تتصور أنه من المستحيل أن تكون مثل أولئك؟ ومن هم أولئك؟

    ليسوا صحابة ولا تابعين، ولم يعيشوا في عصر السلف، بل عاشوا في العصر الذي عشت فيه، عاشوا في عصر الفتن والشهوات، وتعرضوا لما تعرضت له، وبعضهم قد مارس مثلما مارست، بل قد يكون أسوأ من الحال التي أنت عليها، وبعد ذلك منّ الله عليهم بالهداية؛ حتى قضوا نحبهم في سبيل الله، وهم يقولون للأجيال من بعدهم: هانحن نضيء الطريق لكم بدمائنا وبأرواحنا، فسيروا فإن الجنة تنتظر الشهداء.

    1.   

    تأمل في واقع أمتك

    الصفحة الثامنة: تأمل في واقع أمتك:

    استمع الآن لنشرة الأخبار، لابد أن يواجهك ما يقال عن إخوانك المسلمين في يوغسلافيا، القتلى بالآلاف، والمشردون بالملايين، والمساجد تهدم وتدمر على المصلين، إخوانك المسلمون هناك يذبحون، وتراق دماؤهم، بل ترتكب معهم أبشع الجرائم، وأبشع انتهاك لحقوق الإنسان إذا عبرنا بالمصطلح المعاصر، ها هم يعيشون آلاماً يتمنون أن تشاركهم فيها.

    ومن قبلهم تعرض إخوانك المسلمون في بورما لما تعرضوا له، ومن قبلهم أريقت دماء عشرين ألفاً من المسلمين في حلبجة، ومن قبلهم أريقت دماء ربع مليون من أهل السنة في الأرض التي بارك الله حولها على يد الباطنيين الذين يحقدون على أهل السنة، ويتمنون اليوم الذي يعيدون فيه أمجاد العبيديين والقرامطة.

    أما الذين يئنون في السجون تحت وطآت السياط، فإنك لا تسمع أناتهم، وكيف لك أن تسمع أناتهم وأنت منشغل بسماع أمر آخر، أما صرخات أخواتك اللاتي تنتهك أعراضهن في كل مكان، بل وفي بلاد المسلمين وللأسف، فلن تسمع هذه الصرخات؛ لأنك تسمع صرخات من نوع آخر.

    أخي الكريم! أيليق بك وأنت ترى المسلمين يقادون لمجازرهم كما تقاد الشياه، وترى أنهار الدماء تجري من إخوانك المسلمين، أيليق بك بعد ذلك أن يكون غاية همك شهوة محرمة، ونزوة عاجلة، ولهواً ولعباً، ومزاحمة على مدرجات الكرة، وإخوانك يستصرخون ويستغيثون؛ ماذا يقولون عنك لو رأوا حالك؟! ماذا يقولون عنك وأنت على أقل الأحوال لم تتابع أخبارهم؛ لأنك شغلت بمتابعة أخبار الرياضيين والساقطين، ولم يؤلمك ما يحصل لأخواتك المؤمنات من انتهاك للأعراض وإهانة؛ لأنك مشغول بمتابعة نساء من لون آخر ومتابعة أخرى.

    ماذا تقول عنك أختك التي ينتهك عرضها وتصرخ وتستغيث؟ كيف لو تراك وأنت تطارد النساء في الأسواق وعند المدارس؟ أرجو أن تعذرني على هذه الصراحة، ولكنه الواقع الأليم!

    أليس إدراكك لهذا الواقع، وإدراكك لهذا التآمر الذي يمارس ضد أمتك، وضد إخوانك، بل ضدك أنت، وقد تقول يوماً من الأيام: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وإن كان اليوم ليس يومك، فقد يكون غداً هو يومك، وقد يأتي عليك اليوم الذي تستصرخ فيه كما يستصرخ إخوانك، فلا تجد من يغيثك، لماذا؟ لأنك سمعت أناتهم، وسمعت صرخاتهم، ورأيت واقعهم، وأنت في وادٍ آخر، والجزاء من جنس العمل؟

    1.   

    ألا تريد المشاركة في الإنجاز؟

    الصفحة التاسعة: ألا تريد المشاركة في الإنجاز؟

    مع هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة أخي الشاب، والذي يدمي حديثه القلوب، والذي يسيل الدموع فتح بعض صفحاته، فعن ماذا نتحدث، عن التآمر الدولي على المسلمين، وعن تكالب الأعداء وتداعي الأمم، أم عن الفساد والانحلال السائد في مجتمعات المسلمين وواقعهم؟

    مع ذلك كله -أخي الكريم- ومع هذه الصفحة الكالحة بدأنا نرى الفجر الصادق تلوح أنواره في الأفق، وبدأنا نرى الصفحة البيضاء تنصع، وبدأنا نرى الصحوة الإسلامية المباركة، ولقد سارت -أخي الكريم- هذه الصحوة وحققت إنجازات رائعة، لعل هذه المظاهر التي تراها، وهذا الشباب الغض المقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى إنما هو جزء من النجاح الذي حققته هذه الصحوة المباركة، وهذه المظاهر للنشاط الإسلامي التي تملأ العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وهذا الشعور الذي أصبح يوجد عند المسلمين صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، جاهلهم ومتعلمهم، إنما هو جزء وثمرة من ثمرات هذه الصحوة المباركة.

    أخي الكريم! لقد دخل إخوانك أحفاد عقبة ، وتلاميذ ابن باديس الحياة السياسية والبرلمانية؛ فأسمعوا العالم كله أن الشعب المسلم يسير وراءهم، ويريد تطبيق الإسلام، ويريد الحكم للإسلام، فلم تعد القضية مطالب فئة من الدعاة، ولا مطالب جماعة من الجماعات، إنما عبر المسلمون جميعاً الفاسق منهم والمعرض قبل التقي والصالح أنهم لا يريدون إلا الإسلام.

    أرأيت الصفحة البيضاء والإنجاز الرائع الذي حققه إخوانك هناك في أفغانستان عندما مرغوا أنوف الروس الذين كانوا في ذاك الوقت أعتى قوة دولية، والذين كان يحسب الغرب لهم ألف حساب؟

    أرأيت إخوانك هناك بالبنادق، والسلاح اليدوي، وبالجهود المتواضعة، ومع الجوع والفقر والبرد، لكنهم استطاعوا أن يرغموا أنوف الروس، وأن يخرجوهم صاغرين من أفغانستان، ثم توجوا هذا النصر بإسقاط الحكم الشيوعي، وإقامة حكم الله، وإقامة دولة الإسلام، أرأيت هذا النصر وهذا الإنجاز؟

    لن أسترسل معك -أخي الكريم- في الحديث عن إنجازات الصحوة ونتائجها، ولكنها إنجازات أجزم أنك تشاركني أنها رائعة، ولا تظن أنها هي الوحيدة، بل هي البداية، وهي الطليعة.

    إننا نعتبر النصر الذي تحقق في أفغانستان طليعة الانتصارات الرائعة التي لابد أن تتحقق لهذه الأمة، ولن يدع الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر.

    بعد ذلك أقول لك: ألا تتمنى -أخي الكريم- أن تشارك في هذه الإنجازات؟ ألا تتمنى أن تخط اسمك بين الذين يسطرون هذه الصفحات؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟

    مرة أخرى أقول: إن الذين حققوا هذه الإنجازات هم بشر مثلك، يعيشون في الوقت الذي تعيش فيه، ويتعرضون للشهوات التي تتعرض لها، ويتعرضون للعوائق التي تتعرض لها، ومع ذلك استطاعوا أن يخطوا هذه الصفحات، ويحققوا هذه الإنجازات.

    ألم تحدثك نفسك يوماً من الأيام أن تشارك في تحقيق هذه الإنجازات، وأن تضرب بسهم مع أولئك المتسابقين في رفع راية لا إله إلا الله؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟

    مرة أخرى أقول: ليست هذه الإنجازات الوحيدة، بل هي الطليعة، وهي البوابة، وهي البداية للمد الكاسح الذي لابد أن يحقق أهدافه بمشيئة الله وتوفيقه، (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار)، فهو وعد صادق من النبي صلى الله عليه وسلم.

    أخي الكريم! أيهما أحب لك: أن تحقق إنجازاً كروياً، وإنجازاً رياضياً، فتسطر اسمك بين ألمع أصحاب الكرة، أو تحقق إنجازاً فنياً، فتصير فناناً صاعداً، يسمع لك الجميع، أو ممثلاً، أو غير ذلك من الأماني الساقطة التي يسعى إليها الكثير، أو أن تكون مشاركاً في تحقيق هذا النصر، فتقر عينك بما حققته في الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى؟

    أخي الكريم! مرة أخرى أقول: مهما بلغ بك الإعراض، ومهما بلغت من الغفلة والانغماس في أوحال الفتن والشهوات، فلا تتصور أبداً أن هذا الأمر مستحيل، إنك قادر على أن تتوب إلى الله، وتحقق أكثر مما حقق إخوانك، فقد فتحوا لك الطريق، وأضاءوا أمامك السبيل.

    أرأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كانوا حفاة رعاة، وكانوا يأكلون الخنافس، ويأتون الفواحش، وكان أحدهم يقتل ابنته خشية أن يلحقه العار، ويقتل وليده خشية أن يطعم معه، وبعد ذلك منّ الله عليهم بهذا الدين، فماذا صنعوا؟ لقد بنوا لهذه الأمة مجداً لا يخفى عليكم، فخرجوا من تلك الجزيرة فقراء معدمين؛ حتى استطاعوا أن يدكوا عروش أقوى قوتين في العالم، فدكوا عروش كسرى وقيصر.

    أولئك الصحابة: عمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وأبو سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن الوليد ، وغيرهم، ألم يكونوا يوماً من الأيام معرضين؟ بل ألم يكونوا عبدة للأوثان؟ بل قد كانوا فوق ذلك كله في يوم من الأيام يحملون السلاح ويخاطرون بأنفسهم؟ ليئدوا هذا الدين وهذه الدعوة، وليواجهوا تلك الدعوة المباركة.

    من الذي كان يواجه النبي صلى الله عليه وسلم في بدر وفي أحد؟ ومن الذي كان يسخر منه؟ أليس كان من هؤلاء عكرمة ؟ أليس كان منهم خالد بن الوليد ؟ أليس منهم عمرو بن العاص ؟ أليس منهم الكثير الذين منّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالتوبة الصادقة، وبعد هذه التوبة سطروا صفحات بيضاء ناصعة لهذه الأمة؟

    إذاً: أظنك -أخي الكريم- قد اقتنعت ووافقتني بعد ذلك كله أنك قادر على أن تعود إلى الله ثم أن تسطر صفحات هذه الإنجازات، وعلى أن تسير في ركب الصحوة، لا أن تتوب فقط، ولا أن تودع الفساد فقط، بل أن تكون جندياً من جنود الله عز وجل، وما ذلك على الله ببعيد.

    وأجزم أنك تدرك أن هذا خير لك ألف مرة من أن تكون لاعباً ماهراً، أو مطرباً يسمع لك الجميع، أو غير ذلك من الأماني الساقطة.

    1.   

    قبل أن تذبل الزهرة

    الصفحة العاشرة: قبل أن تذبل الزهرة:

    ها أنت شاب تتدفق حيوية ونشاطاً وقوة وفتوة، ولكن هل تتخيل -أخي الكريم- أن هذه الزهرة اليانعة التي تتمتع بها الآن ستبقى معك أبد الآبدين؟ أرأيت ذاك الشيخ الطاعن في السن وقد شاب شعره، واحدودب ظهره، وأصبح يمشي على ثلاث، بعد أن كان يمشي على اثنتين، وأصبح لا يخطو إلا خطوات وئيدة، ثقل سمعه وبصره، أرأيت ذاك الشيخ؟ إنك لابد لك من أحد مصيرين: إما أن تصير إلى ما صار إليه، أو أن تهلك وتموت وأنت في شبابك، وبعد ذلك تتحسر على هذه الزهرة اليانعة، وعلى هذه الأيام التي أضعتها في غير طاعة الله سبحانه وتعالى.

    فهل تتخيل -يا أخي الكريم- أن هذا الشباب سيستمر معك، وهذه الفتوة ستبقى معك؟ بل قد تكون النتيجة قبل ذلك كله مرضاً مزمناً يجعلك تعيش في عداد المعوقين، حينئذٍ تقول: ليتني فعلت قبل ذلك.

    اسمع ما يقول عبد الله بن عمرو رضي الله عنه حينما شدد على نفسه في عبادة الله سبحانه وتعالى، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بالقسط والاعتدال، فماذا قال عبد الله رضي الله عنه الذي كان يصوم كل يوم، ويختم القرآن كل يوم، ويقوم الليل كله قال: يا رسول الله! دعني أستمتع بقوتي وشبابي.

    نعم، لقد نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة، لكنه لم ينهه عن الاستمتاع بالقوة والشباب، وكيف كان يستمتع بقوته وشبابه؟ لقد كان يستمتع بها في طاعة الله عز وجل.

    ألم تنظر إلى أولئك الشباب الذين حينما يردهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المعركة وهم لم يبلغوا الحلم بعد، ينصرفون وهم يبكون؛ لأنه حيل بينهم وبين أن تراق دماؤهم في سبيل الله عز وجل، فقارن -أخي الكريم- بين أمنيتك وأمنية أولئك، وبين تطلعاتك وتطلعات أولئك.

    1.   

    ماذا يريد منك أولئك

    الصفحة الحادية عشرة: ماذا يريد منك أولئك؟

    هذا العصر يمتاز بأنه عصر التقنية، وعصر التقدم العلمي والتطور، ولقد استغل الأعداء هذا التقدم وهذا التطور، فوفروا هذه الطاقة والتقنية ووظفوها في التفنن في استخراج الصور الخالعة والفاتنة، وفي استخراج وتصنيع أجهزة الفيديو التي تعرض لك الأفلام الساقطة التي أنت أعلم مني بما يدور فيها.

    من الذي وراء ذلك؟ ومن الذي يساهم في إدخال هذه المصائب إلى بلادنا؟ ومن الذي يقودك بصورة أو بأخرى إليها؟ ومن الذي يقودك إلى المخدرات؟ ومن الذي يسعى إلى ترويجها؟

    أجزم أنك تعرف أنهم أعداؤك، إنهم وإن ساعدوك في تحقيق شهوة من شهواتك، فهل تظن -أخي الكريم- أنهم يريدون بك خيراً.

    إنهم يريدون القضاء على آخر ما تملكه من مقومات العفة والحياء والديانة والطهارة، فهل تستجيب لهم، وتكون لهم بوقاً بعد ذلك؟

    1.   

    حتى لا تدفع ضريبة الغفلة

    الصفحة الثانية عشرة: حتى لا تدفع ضريبة الغفلة:

    تسمع عن شيء اسمه الأمراض الجنسية، وهي أمراض قد تصيب كل من يمارس ممارسة محرمة، فتخيل معي موقف الشاب الذي يقف بين يدي الطبيب، فتخرج نتيجة التحليل بعد ذلك، فيقول له الطبيب: أنت مصاب بمرض جنسي!

    تخيل معي الحالة النفسية، والجحيم النفسي الذي لا يطاق، والذي سيعاني منه هذا الشاب، قبل الألم الجسدي الذي لا يستطيع أن يتحمله بعد ذلك!

    وحين يودع غرفة خاصة فيعوده الناس، من يا ترى سيعوده؟! ومن سيسأل عن حاله؟! قد يعوده بعض شركائه في المعصية، وإن كانوا أول من يتخلى عنه، ولكن تخيل معي أي لعنة وسب وشتم سيسمعونه منه حينما يأتون إليه يعودونه؛ لأنهم هم الذين أوقعوه في هذا الوحل.

    فهل يليق بك أن تشتري لذة وشهوة عاجلة، وتعرض نفسك لهذه العقوبة الشنيعة: (وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها؛ إلا ابتلاهم الله عز وجل بالطواعين، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم).

    وتخيل معي بعد ذلك حاله عندما يموت، كيف سيكون مجلس عزائه؟! أي كلمة ثناء ستقال عنه؟! أي شيء من محاسنه سيذكر؟! عافانا الله وإياك من سوء الخاتمة.

    إنها -أخي الكريم- ليست هي العقوبة الوحيدة، وليست هي العقوبة الكبرى، بل هي عقوبة عاجلة، وما بعد ذلك عند الله عز وجل أشد وأطغى.

    فهل يليق بك أن تمتع نفسك بلذة عاجلة سرعان ما تزول، مقابل أن تتعرض لهذا الجحيم، وهذا الألم الذي لا يطاق؟

    مصيبة أخرى وكارثة أخرى: قد تقع يوماً من الأيام بصورة أو بأخرى في قبضة رجل الأمن، أو رجل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتودع السجن، وحينئذٍ ماذا سيقول الناس عنك؟! ومن سيثق فيك؟ ومن سيثني عليك؟ وحين تخرج من السجن بعد ذلك كيف سينظر الناس إليك؟

    تخرج من السجن فقدت وظيفتك، وفقدت دراستك، وفقدت سمعتك، وفقدت كل ما تملك أمام الناس، فأصبح الناس ينظرون إليك بنظرة خاصة، بل حتى الذي ينظر إليك بنظرة الإشفاق ستتخيل أنه ينظر إليك بنظرة المقت؛ لتلك النفسية والجحيم الذي تعيشه.

    وبعد ذلك تبحث عن الزواج، ثم تتقدم لعائلة عفيفة كريمة، فيسأل عنك، فيقال: قد دخل السجن، فتخيل من ذا الذي سيوافق على أن يضع ابنته عندك؟! حينئذٍ تضطر إلى أن تتزوج إحدى اثنتين: إما فتاة لم تجد من يتقدم لها، ووجد والدها أن أهون الشرين أن تكون أنت زوجها، أو أن تجد فتاة شاركتك الحياة، وكانت قد دخلت السجن قبلك، أي حياة تعيشها بعد ذلك مع هذه الفتاة؟

    أخي الكريم! والله إني لا أتمنى لك هذا المصير، ولكن أقول: إن طريق المعصية وطريق الفساد بوابة لهذا المصير الذي قد تصير إليه.

    1.   

    أعلن البراءة اليوم قبل الغد

    الصفحة الثالثة عشرة: أعلن البراءة اليوم قبل الغد:

    عندما وجهت السؤال لبعض الشباب: ما الذي يمنعك عن الاستقامة؟ وما الذي يحول بينك وبينها؟ فأجابوا جميعاً بالحرف الواحد: إنه صديق السوء، وزميلي وجليسي، ويشير إلى صاحبه الذي يجلس بجواره، وأيضاً الكثير من الشباب الذين أجابوا في الأوراق التي أرسلت إليهم أفادوا أن جليس السوء وزميل السوء من أكبر العوائق عن سلوك طريق الاستقامة والهداية.

    وتقول بعد ذلك: لا أستطيع أن أتخلى عنه، يجب أن تعلم أنه لابد من الفراق، ولابد من البراءة منه شئت أم أبيت، الآن أو غداً، فقد تتبرأ منه يوم القيامة وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].

    فتبرأ منه الآن قبل أن تقول يوم القيامة يوم لا ينفع الندم: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28].

    تبرأ قبل أن يقول قرينك: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ق:27].

    وقبل أن يقال: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:36-38].

    فلابد أن تعلن البراءة، ولابد أن تقول هذه الكلمة، فإن لم تقلها الآن فستقولها غداً، فأيهما تختار؟ وأي الأمرين أهون عليك؟ أن تقولها الآن فتسلك طريق السعادة، وتحمد الله على الهداية، أو أن تقولها يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم تعض على أصابع الندم، يوم أن تتمنى الرجوع وهيهات هيهات ذلك!

    1.   

    وإليك البديل

    الصفحة الرابعة عشرة: وإليك البديل:

    حينما نطلب منك أن تتخلى عن جلساء السوء، فإننا لا ندعوك إلى أن تعيش وحيداً، ولا ندعوك إلى أن تعيش حبيس حوائط أربعة، ولا ندعوك إلى أن تكون كأختك، بل ندعوك إلى بديل آخر، إلى رفقة يقول الله عز وجل عنهم يوم القيامة: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    قارن -أخي- بين الحالتين، بين من يقول: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28]، ويقول: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ق:27]، ويقول: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:38]، وبين أولئك الذين قال الله عنهم: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]، نعم، إنهم الصحبة الصالحة، والرفقة الصالحة.

    ليس هذا فقط، فهناك نعيم آخر، يقول الله عز وجل يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؛ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي).

    ليس هذا فقط، بل هناك نعيم آخر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المتحابون بجلال الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء).

    أما بعد دخول الجنة فيزول كل ما في القلوب، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    أما أولئك فيقولون: رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف:38]، أولئك يدعون على قرنائهم، ويلعنونهم، ويتبرءون منهم، أما هؤلاء فقد نزع الله ما كان في قلوبهم من غل.

    إنه بديل فعلاً خير لك من هذا الجحيم الذي تعيشه، والذي عبرت أنت عنه بأنه رفيق السوء وزميل السوء.

    1.   

    أيهما تختار

    الصفحة الخامسة عشرة: لقد أفاد الكثير من الشباب أن الذي يعوقهم عن سلوك طريق الاستقامة هو الشهوة المحرمة، واسمع ما قاله أحد الشباب، يقول:

    هناك كلمة أخيرة أحب أن ألقيها، وهي مشكلة حياتي وعمري، ألا وهي شهوة الجنس، فأنا أعتبرها كأنها أشد من إدمان الهروين والعياذ بالله، فماذا أفعل عندما أرى بنتاً في الشارع مثلاً، أو امرأة تشتد الشهوة على الرغم من أنني لا أسمع الأغاني، ولا أشاهد التلفزيون إلا في الأخبار فقط، ولا أشاهد المجلات، فكيف بمن يشاهد ما هو أسوأ من ذلك؟!

    يقول: ولكن هذه المشكلة لم أجد لها حلاً، وهي المشكلة الوحيدة التي تؤثر على قلبي، وعلى دراستي، وعلى مستقبلي، فماذا أفعل.

    ليست هذه الكلمة الوحيدة، إنها مجرد نموذج واحد اخترته مما كتبه وسطره الكثير من أولئك الشباب.

    أي البدائل تختار أن تمتع نفسك بالشهوة واللذة العاجلة، والتي تكون نتيجتها مرضاً جنسياً، أو سجناً مظلماً، أو نهاية مؤلمة، أو عقوبة عاجلة من الله عز وجل، أو أن تختار ما يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة : (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، ثم يقول بعد ذلك: (ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً، ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).

    ويقول في الحديث الآخر، وهو في الصحيحين: (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب).

    فأيهما خير لك الشهوة العاجلة، أم ذاك النعيم المقيم الذي يصفه لك النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    هناك تحقق ما تريد، ولكن مع الرضا والطمأنينة، ومع السعادة واللذة التي لا تزول ولا تحول، أما هذه الدنيا فوالله لو اجتمعت لك كل الشهوات واللذات، فإنها سرعان ما تزول بغمسة واحدة في العذاب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار فيغمس غمسة في العذاب، فيقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك خير قط؟ فيقول : لا، يا رب).

    فأي البديلين خير لك؟

    واسمع ما يقول ابن القيم رحمه الله في وصف تلك التي تنتظرك حينما تنتصر على نفسك وعلى شهواتك، والجزاء من جنس العمل، يقول:

    ولله كم من خيرة لو تبسمت أضاء لها نور من الفجر أعظم

    فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت ويا لذة الأسماع حين تكلم

    ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ويا خجلة البحرين حين تبسم

    فإن كنت ذا قلب عليل بحبها فلم يبق إلا وصلها لك مرهم

    يراها إذا أبدت له حسن وجهها يلذ بها قبل الوصال وينعم

    تفكه منها العين عند اجتلائها فواكه شتى طلعها ليس يعدم

    وللورد ما قد ألبسته خدودها وللخمر ما قد ضمه الريق والفم

    تقسم منها الحسن في جمع واحد فيا عجبا من واحد يتقسم

    تذكر بالرحمن من هو ناظر بجملتها أن السلو محرم

    لها فرق شتى من الحسن أجمعت فينطق بالتسبيح لا يتلعثم

    إذا قابلت جيش الهموم بوجهها تولى على أعقابه الجيش يهزم

    ولما جرى ماء الشباب بغصنها تيقن حقاً أنه ليس يهزم

    فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدم

    وكن مبغضاً للخائنات لحبها فتحظى بها من دونهن وتنعم

    وكن أيماً ممن سواها فإنها لمثلك في جنات عدن تأيم

    وصم يومك الأدنى لعلك في غد تفوز بعيد الفطر والناس صوم

    1.   

    كن سابع السبعة

    الصفحة السادسة عشرة: كن سابع السبعة:

    يقول صلى الله عليه وسلم: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق، حتى تصير منهم قدر ميل، فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً).

    وفي الحديث الآخر: (يعرقون فيذهب عرقهم في الأرض سبعون ذراعاً).

    فانظر هذا الهول، وهذه الشدة، وهذا الكرب، وانظر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -ومن هؤلاء السبعة- شاب نشأ في طاعة الله عز وجل).

    هاهي الفرصة أمامك قبل أن يذهب وقت الشباب، فانشأ في طاعة الله، وأقبل على الله، ومهما مضى منك من الصبوة والغفلة، فإنك حين تعود وتقبل على الله عز وجل، وأنت لا زلت في مرحلة الشباب، فأنت أهل لأن تنال هذا النعيم، وما الذي يحول بينك وبين هذا النعيم؟ ولم لا تكون سابع هؤلاء السبعة؟ لم لا تكون صاحب همة عالية، وتتطلع إلى أن تكون من أولئك السبعة؟

    أخي الكريم! أليس خيراً لك أن تتطلع إلى هذا النعيم، وأن تسخر زهرة شبابك في طاعة الله عز وجل؟ والله إنه خير لك من كل ما يسعى إليه الكثير من الشهوات واللذات العاجلة.

    1.   

    استعد للامتحان

    الصفحة السابعة عشرة: استعد للامتحان:

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه).

    سيسأل كل إنسان عن عمره، ولكنه أيضاً يسأل سؤالاً آخر عن هذه المرحلة من حياته، وعن هذه الفترة من عمره، ألا وهي مرحلة الشباب، فستسأل -يا أخي الكريم- عن هذا الشباب فيما أفنيته، فما أنت قائل؟ أأفنيته في السفر، أو في التعلق بالشهوات، أو باللهو واللعب؟ فأنت خصيم نفسك، فأعد الإجابة للسؤال، وخير لك أن تراجع نفسك الآن قبل أن تواجه بهذا السؤال، فحينئذٍ قد تجد ما لا طاقة لك على تحمله.

    1.   

    لا تنتظر الموعد الموهوم

    الصفحة الثامنة عشرة: لا تنتظر الموعد الموهوم فقد تكون النهاية:

    ذكر الكثير من الشباب الذين قابلناهم شخصياً، أو الذين أجابوا على الاستمارة أنه ينتظر أن يأتيه حادث مثلاً، أو يموت له قريب، أو يأتيه أي شيء؛ حتى يدعوه إلى التوبة، فيتخيل أنه مع رغبته في الاستقامة لابد أن يأتيه هذا الموعد الموهوم، ينتظر هذا الوهم أن يتحقق، نعم قد يتحقق، ولكن قد تموت قبل أن يتحقق لك هذا الأمر، وقد يكون هذا الشخص الذي تتمنى أن تتعظ به هو أنت، ويتعظ بك غيرك، وقد يكون هذا الحادث الذي تنتظر أن يصيبك فيهزك هزاً ويوقظك من غفلتك هو النهاية لك.

    فلم تخادع نفسك؟ ولم التسويف؟

    1.   

    لا تقطع الحبل الموصول

    الصفحة التاسعة عشرة: لا تقطع الحبل الموصول:

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    ويقول الله سبحانه وتعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62].

    ويقول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه: (ما على وجه الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها).

    ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا).

    فإن الله سبحانه وتعالى يسمع دعاءك حينما تتوجه له بقلب صادق، وحينما تقطع الحبل والثقة من غير الله عز وجل، وتتوجه إلى الله، فتسأله التوبة والهداية والثبات، فثق -يا أخي الكريم- أن الله سبحانه وتعالى سيجيب دعاءك، وسيسمع دعاءك، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل:62].

    1.   

    عبارات كتبها بعض هؤلاء الشباب

    قبل أن أصل إلى الصفحة الأخيرة اقرأ بعض العبارات التي كتبها بعض هؤلاء الشباب:

    كان من الأسئلة الموجهة لهم: كلمة تقولها لكل من: الدعاة، الأساتذة، الآباء، الشباب الملتزمين، الشباب غير الملتزمين. وكان السؤال الأخير: كلمة أخيرة تود أن تقولها.

    وفي الواقع أنه قد وردت علي كلمات عديدة تستحق أن تقرأ، ولكن الوقت يضيق، وعلى الأقل من حق هؤلاء الذين كتبوا هذه الكلمات أن نقرأ نماذج منها، وليعلم هؤلاء أن عباراتهم وصلت، وأن ما أبدوه قد وصل إلينا.

    من عباراتهم للدعاة:

    يقول أحدهم: أكثروا المحاضرات خاصة في المدرسة.

    والآخر يقول: الدعاة قليلون هذه الأيام.

    وأما رسائلهم للأساتذة:

    فيقول أحدهم: تهيئة ظروف الالتزام، وإعطاء الفكرة الصحيحة عنه.

    والآخر يقول: إن الأمانة التي في عنقك كبيرة، وأنت مسئول عنها.

    وأما رسائلهم للشاب الملتزم:

    فمنهم من يقول: أن يحمد الله على الهداية.

    والآخر يقول: تقديم النصيحة لغير الملتزمين مرة ومرة.

    والآخر يقول: أن ينظر أمامه، ولا يبالي بمن يسخر به، فهو أفضل منهم.

    والآخر يقول: أتمنى أن أكون مثلهم.

    والآخر يقول: هم قدوتنا نحو الصلاح.

    وآخر يقول: عدم التفكير في الرجوع إلى ما كانوا عليه.

    وأخيراً: يقول أحدهم: كم أسر عند رؤيتكم يا أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي .

    إن هذه عبارات الشباب الذين يعيشون حالة الغفلة والإعراض، ولا شك أنها تعطي دلالة على ما قلناه في الصفحة الثانية: أن هؤلاء لديهم جوانب كثيرة من الخير.

    أما وصيتهم لرفاق الدرب غير الملتزمين، فهي وصايا كثيرة منها:

    الالتحاق بركب الملتزمين، والتأمل هل هم على طريق مستقيم أم لا؟ وسوف يجد أنه على غير الطريق المستقيم، والالتزام والبحث عن أسباب الهداية، والتفكير في وماذا بعد، والجنة تنتظر المسلمين، وأقول لكم: إنكم لستم سعداء، فالسعادة في الدين، والابتعاد عني، وأخذ العبرة ممن سبقوا، واستحقار هذه الدنيا.

    ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد

    هذا بعض ما قاله هؤلاء لرفاق دربهم وزملائهم.

    أما الكلمة الأخيرة: فهناك كلمات كثيرة تعبر عما في نفوس هؤلاء الشباب، ولنقرأ بعضها:

    أحدهم يقول: كنت أتمنى منذ الصغر أن أكون شيخاً وخطيباً، فكيف يكون ذلك؟

    والآخر يقول: لو سمحت -يا أخي- أن تدعو لي بالهداية، وجزاكم الله خيراً.

    والآخر يقول: أحيي فيك الروح الطيبة لإخوانك المسلمين.

    والآخر يقول: أرجو الإفادة منه -يعني البحث- والإكثار من هذه الوسائل؛ لأن الإنسان يقول ما بداخله دون خوف من أحد، ويصبح قادراً على إبداء رأيه في أي ساعة وأي مكان.

    والآخر يقول: إن السعادة الحقيقية حقاً في الالتزام.

    والآخر يقول: هل من مزيد؟

    وآخر يقول: وإن شاء الله مهما بعد الزمن فسوف أعود إلى الله، وأعمل الأعمال الصالحة إن شاء الله تعالى.

    والآخر يقول: كلمتي الأخيرة أقولها للدعاة والشباب أن يتقوا الله فينا، فيجب العمل والمبادرة إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

    وآخر يقول: أتمنى أن تدعو لي بظهر الغيب، وأن أكون ملتزماً، وأدخل الجنة.

    وآخر يقول: لا يسعني إلا أن أشكركم على حسن تلطفكم معنا، ووالله إني أحب الإيمان والالتزام، ويشهد الله على ما أقول؛ لأنه لا أحد يدري عما تكن الأنفس، يحفظكم الله ذخراً لنا.

    والآخر يقول: أود أن أشكر الأستاذ على هذا الاستبيان، وإن شاء الله في الاستبيان الثاني يكون ردي على سؤالك هل أنت ملتزم أم غير ذلك؟ أقولها بكل سرور: إنني ملتزم بما أمرني الله، وجزاكم الله خيراً.

    والآخر يقول: لا أقول إلا جزاكم الله خيراً، والله ولي التوفيق، هذا ما قلته عن نفسي، وهو الحقيقة، ويشهد على ذلك رب العزة والجلال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    والآخر يقول: أنا قلبي يتقطع من داخلي، وأريد أن أرجع إلى الله، ولكن أحس بشيء في داخلي يحاول إبعادي وتكريهي في ذلك، وكلما أحاول البعد عن العادات الخبيثة، وأنا أريد أن أرجع، ولكن ما العمل؟ والله يعلم ما في قلبي، أنا أحب الله ورسوله والطاعة، ولكن ما العمل؟

    أعتذر للإطالة، ولكن هذا بعض حق إخواننا علينا أن نقرأ ما قالوه، وما عبروا به، بعبارات يغلب على ظننا جميعاً أنها عبارات صادقة، صادرة من قلوب صادقة، وهذا يؤكد لنا ما قلناه أن الكثير من هؤلاء يتطلع لسلوك طريق الاستقامة والالتزام.

    1.   

    لا تيأس واتخذ القرار الحاسم

    وأخيراً: نفتح الصفحة الأخيرة: لا تيأس واتخذ القرار الحاسم، فهو العائق الوحيد:

    الكثير من هؤلاء الشباب يقول: قد فعلت وفعلت، وارتكبت الفواحش، وفعلت المعاصي، وارتكبت من الكبائر والموبقات ما أظن أنه لن يبقى بعد ذلك أمل لي في التوبة والإقلاع، فإلى هؤلاء نسوق قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ [الزمر:53-54].

    وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:68-71].

    واعلم -أخي الكريم- (أن الله سبحانه وتعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل).

    واعلم (أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟).

    واعلم -أخي الكريم- أن الله سبحانه وتعالى يقول لك: (ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني؛ غفرت لك ما كان منك ولا أبالي).

    الأمر -أخي الكريم- لا يقف فقط عند قبول التوبة، بل إن الله سبحانه وتعالى وهو الغني عن عباده يفرح بتوبة عبده فرحاً أشد من فرح من أضل دابته في أرض فلاة ثم وجدها.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم يصور لنا ذلك المثل: (رجل كان في صحراء مع دابته عليها طعامه وشرابه، فأضلها في أرض فلاة، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ وجدها عند رأسه، فالله عز وجل يفرح بتوبة عبده أشد من فرح هذا الرجل بدابته).

    فاتخذ القرار الحاسم، وقرر أن تودع الغفلة والضلال إلى غير رجعة، وقرر من هذه الساعة التي تندم فيها على ماضيك، قرر قراراً حاسماً، وتخل عن كل دواعي المعصية، وعن قرناء السوء، وعن ذرائع المعصية، وعن كل ما يدعوك إليها.

    واعلم -أخي الكريم- أنك عندما تتوب إلى الله توبة صادقة، وتقبل على الله عز وجل، فإن الله سيستجيب لك، وستجد صعوبة في أول الطريق، لكنها الضريبة للسعادة، وستجد عقبات نعم، لكنها البوابة لأن تذوق بعد ذلك لذة الإيمان، وطعم الإيمان.

    أختم بعد ذلك هذه الصفحات بهذه الوصية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون قد صدرت من قلب صادق، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا وإياكم استماع القول واتباع أحسنه.

    بعد ذلك لعلي أن أجيب باختصار على هذه الأسئلة التي وردت.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة بتعجيل التوبة

    السؤال: يوجد بعض الشباب من يضع في مخيلته أن التوبة لا تكون إلا بعد فاحشة يقوم بها الإنسان، أو بعد حادثة شنيعة تحدث له، أرجو منكم تصحيح هذا الشعور عند بعض الشباب؟

    الجواب: أما ما يتعلق بالحادثة فقد أجبت عليها فيما مضى، وأما قضية أن يتخيل أنه سيفعل فاحشة ثم يتوب بعد ذلك، أو يفعل معصية، فقد تكون هذه المعصية سبباً في سوء خاتمته، وقد يموت وهو على هذه المعصية، وقد تكون هذه المعصية سبباً في أن تكون عائقاً بينه وبين التوبة، فلا يليق أبداً بالذي يؤمل في التوبة أن يسوف أو يؤخر.

    لا بد للتوبة من فعل الأمر واجتناب النهي

    السؤال: قد يقف عقبة أمامي في الالتزام صعوبة تطبيق الأوامر واجتناب النواهي، فهل من وسيلة أو حل؟

    الجواب: ليس هناك وسيلة غير ذلك، يقول الله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (حجبت الجنة بالمكاره).

    لابد من صعوبات، ولابد من عقبات، خاصة في أول الطريق، ولكن هذه الضريبة، أتريد السعادة في الدنيا والفوز بالآخرة هكذا؟! ما قيمة أولياء الله إذاً، وما قيمة المتقين إذا لم يكن هناك صعوبات ومشاق.

    التخلص من قرناء السوء

    السؤال: كيف يتخلص الشاب من الأصحاب السيئين، مع العلم أنه لا يجد غيرهم، فمن الصعب أن يجلس بدون أصحاب؟

    الجواب: أما كونه لا يجد غيرهم فهذه مغالطة، وإن لم يجد غيرهم فالوحدة خير له من جليس السوء، أما كيف يتخلص منهم؟ فعندما يعلم أنه لابد أن يتبرأ منهم، وإن لم يتبرأ منهم الآن، فسيتبرأ منهم يوم القيامة، فليخسر أهون الطريقين عليه.

    الحل لاضطهاد الوالدين بسبب الالتزام

    السؤال: إنني أعاني من اضطهاد في البيت بسبب التزامي من جهة الوالد والوالدة، فما هو الحل في وجهة نظرك جزيت خيراً؟

    الجواب: الحل ليس إلا المجاهدة، والصبر، والتحمل، ليس غير ذلك أبداً، وكما قلت: أتريد طريق الجنة بسهولة، لا يمكن، ليس إلا المجاهدة، وقد تعرض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأشد مما تعرضت إليه، فجاهد، وتوجه إلى الله بالدعاء الخالص واصبر، واعلم أن الفرج مع الصبر، وأن مع العسر يسراً.

    كسر الحواجز الحائلة دون مصاحبة الأخيار

    السؤال: أنا شاب ملتزم إن شاء الله، ولكن أجد في نفسي شيئاً من مخالطة الشباب الملتزم، مع علمي ما لفائدة الشباب الصالح، فما السبيل إلى كسر تلك الحواجز، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: لابد أن تتحمل، وخير لك أن تجالس الأصدقاء الأخيار، ولو وجدت منهم ما تجد، ولو أصابك ما أصابك، فهم خير لك من أن تجالس الآخرين، وتندم وتتبرأ منهم يوم القيامة، والبشر لابد أن يكونوا كذلك، ولا تتخيل أنك عندما تجالس الأخيار والصالحين ستعيش في جنة، وستعيش في نعيم، فلابد أن يحصل ما يكدر، أليس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد حصل بينهم ما حصل؟ أليس الله يقول: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الحجر:47]؟

    فهذا الوضع الذي تتطلع إليه لن يكون إلا في الجنة، فلن ينتهي الغل، ولن تنتهي الأمور كلها إلا في الجنة، لابد من وجود شيء في النفوس، وأنا لا أدعو الإنسان إلى أن يحمل على إخوانه، لكن أقول: لابد أن يحصل ما يحصل، أما السعاة الأبدية فهي في الجنة.

    مجاهدة النفس على ترك الحرام

    السؤال: أنا شاب في الثامنة عشرة من عمري، أستعمل بعض المحرمات مثل الدخان، وأشياء أخرى مثل العادة السرية، وقد سقطت في اللواط وتبت إلى الله، وتركت الدخان، ولكن العادة السرية لم أستطع تركها، فأرجو نصحي بتركها، والله أعلم، وجزاكم الله خيراً، أرجو قراءتها لأنني في حيرة من أمري؟

    الجواب: هذا الأمر يشتكي منه الكثير من الشباب، ولا حل له إلا المجاهدة، أنت تعلم -يا أخي- أن هذا أمر محرم، ولا يجوز لك، وتعلم أن هذه لذة عاجلة تجدها الآن ثم تزول، ويعقبها بعد ذلك ما يعقبها من الأمراض التي قد تنشأ عنها، من الآلام، ومن الهم النفسي، ومن حسرة فقد اللذة إن كنت لازلت مصراً عليها، أو من التألم لفعل المعصية إن كان في قلبك خير، فلماذا تشتري كل تلك الآلام مقابل تحصيل هذه اللذة العاجلة؟ كم تبقى معك هذه اللذة؟ ثواني ولحظات عاجلة، ولكن انظر البديل عندما تجاهد نفسك، وتنتصر على نفسك، صحيح أنك ستجد صعوبة وآلاماً في البداية، ولكن بعد ذلك تشعر بلذة الإيمان، ولذة الانتصار على النفس، وما هو أعظم من ذلك ثواب الله عز وجل.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لطاعته، وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه، وأن يمنّ على إخواننا الشباب بالهداية والتوفيق.

    هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.