إسلام ويب

سلسلة من أعلام السلف الإمام وكيع بن الجراحللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وكيع بن الجراح علم من أعلام أتباع التابعين في الحفظ والعلم والعبادة والزهد، كان متبعاً للسنة معتقداً لما عليه أهلها، أثنى عليه علماء عصره، وشهدوا له بالعلم والحفظ والديانة، وبلغ شأن الكبار، فرحمنا الله وإياه رحمة الأبرار.

    1.   

    مقتطفات من حياة وكيع بن الجراح

    شيوخه وتلامذته

    أما شيوخه: فقد روى عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد ، وأيمن بن نابل ، وعكرمة بن عمار ، وهشام بن عروة ، والأعمش ، وتوبة أبي صدقة ، وجرير بن حازم ، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند ، ومعروف بن خربوذ ، وابن عون وغيرهم.

    وأما تلامذته: فقد روى عنه أبناؤه: سفيان ، ومليح ، وعبيد ومستمليه محمد بن أبان البلخي ، وروى عنه شيخه سفيان الثوري ، وأحياناً يروي الشيخ بعض الأحاديث عن بعض تلامذته من أجل أن يرفع شأن تلميذه، كما روى الإمام البخاري حديثاً عن الترمذي ، والترمذي من تلامذة البخاري ، وكان الترمذي يفرح بذلك ويقول: هذا رواه عني محمد بن إسماعيل .

    وروى عنه أيضاً عبد الرحمن بن مهدي وهو في نفس الطبقة، وأحمد ، وعلي -يعني: ابن المديني - ويحيى -يعني: ابن معين - وإسحاق بن راهويه ، وابن أبي شيبة ، وأبو حنيفة ، والحميدي ، والقعنبي ، والأشج ، وعلي بن خشرم ، ومسدد وغيرهم.

    اسمه ومولده

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فما زلنا -بحمد الله- سعداء في صحبة أعلام السلف رضي الله عنهم، فنحن هنا مع إمام من أئمة الكوفة، راوية سفيان الثوري ، وهو وكيع بن الجراح رحمه الله.

    اسمه: وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، من قيس عيلان.

    مولده: ولد سنة 129هـ.

    وقال أحمد بن حنبل ، وخليفة ، وهارون بن حاتم : ولد سنة 128هـ .

    وروي عنه أنه قال: ولدت بـ(أبه) قرية من قرى أصفهان.

    صفته

    قال الشاذكوني : قال لنا أبو نعيم يوماً: ما دام هذا التنين حياً لا يفلح أحد معه.

    قال الذهبي : كان وكيع أسمر ضخماً سميناً. وقال أبو داود : كان أعور.

    قال سعيد بن منصور : قدم وكيع مكة وكان سميناً، فقال له الفضيل بن عياض : ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟! قال: هذا من فرحي بالإسلام.

    وعن أبي جعفر الجمال قال: أتينا وكيعاً فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به فزعنا من النور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه، فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟! فتعجبنا من ذلك النور.

    ثناء العلماء عليه

    قال محمد بن سعد : كان ثقة مأموناً عالماً رفيعاً كثير الحديث، حجة.

    وقال: كان ضبط وكيع ضبط صدر وليس ضبط كتاب -يعني: كان يحفظ الأحاديث التي يحدث بها- وكان ربما استند إلى سارية وحدث بسبعمائة حديث.

    عن يحيى بن يمان قال: نظر سفيان إلى عيني وكيع فقال: أترون هذا الرؤاسي لا يموت حتى يكون له شأن. وقيل: كان وكيع أحفظ من سفيان .

    قال يحيى بن يمان : مات سفيان الثوري فجلس وكيع بن الجراح في موضعه.

    وعن القعنبي قال: كنا عند حماد بن زيد، وكان عنده وكيع ، فلما قام قالوا: هذا راوية سفيان ، فقال: -هذا إن شئتم- أرجح من سفيان ، وكما قلنا: إن سفيان كان أحفظ لحديث الأعمش من الأعمش .

    وعن أحمد بن أبي الحوري قال: سمعت مروان يقول: ما وصف لي أحد إلا رأيته دون الصفة، إلا وكيع فإنه فوق ما وصف لي.

    وعن يحيى بن معين قال: والله ما رأيت أحداً يحدث لله غير وكيع ، وما رأيت رجلاً أحفظ من وكيع ، ووكيع في زمانه كـالأوزاعي في زمانه.

    وعن جرير الرازي قال: قدم ابن المبارك فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ! من خلفت في العراق؟ قال: وكيع . قلت: ثم من؟ قال: ثم وكيع .

    وقال محمد بن عامر المصيصي : سألت أحمد : وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد ؟

    والمقارنة تكون بين اثنين من طبقة واحدة، وكان يحيى بن سعيد القطان في طبقة وكيع ، وهو المقصود هنا، أما يحيى بن سعيد الأنصاري فهو من طبقة الأعمش والزهري ، أي: من صغار التابعين.

    قال: سألت أحمد : وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد ؟ قال: وكيع . فقلت: كيف فضلته على يحيى ويحيى ومكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت؟! قال: وكيع كان صديقاً لـحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، وإن يحيى كان صديقاً لـمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره يحيى .

    وعن عبد الرزاق قال: رأيت الثوري ، وابن عيينة ، ومعمراً ، ومالكاً ورأيت ورأيت، فما رأت عيناي مثل وكيع .

    فقد قارنه عبد الرزاق برجال من الطبقة التي فوقه وهم أئمة من كبار أتباع التابعين.

    فهذه القمم الشامخة يجهلها كثير من طلاب العلم فضلاً عن عوام الناس، وقد قلنا: إن من فوائد دراسة هذه التراجم أن نتعرف على هؤلاء الأعلام حتى نتقرب إلى الله عز وجل بحبهم.

    قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان وكيع حافظاً حافظاً ما رأيت مثله. والإمام أحمد في الطبقة التي تلي طبقة وكيع .

    وقال بشر بن موسى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع. قال الذهبي: يقول هذا أحمد مع تحريه وورعه، وقد شاهد الكبار مثل هشيم ، وابن عيينة ، ويحيى القطان ، وأبي يوسف القاضي وأمثالهم.

    وقال الترمذي : سمعت أحمد بن الحسن يقول: سئل أحمد بن حنبل عن وكيع وابن مهدي ، فقال: وكيع أكبر في القلب، وعبد الرحمن إمام. وهذا من أدب الإمام أحمد ، فإنه لو قال مثلاً: وكيع أفضل لأوهم هذا أن عبد الرحمن بن مهدي دونه أو ليس بشيء، فزكاه أيضاً بقوله: وعبد الرحمن إمام.

    وعن جرير قال: جاءني ابن المبارك فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ! من رجل الكوفة اليوم؟ فسكت عني، ثم قال: رجل المصرين وكيع ، والمصران: الكوفة والبصرة.

    وقال عباس الدوري: ذكرت أحمد بن حنبل بحديث من حديث شعبة ، فقال لي: من حدثك بهذا؟ قلت: شبابة بن سوار ، قال: لكن حدثني من لم تر عيناك مثله: وكيع بن الجراح .

    وقال علي بن عثمان النفيلي : قلت لـأحمد : إن أبا قتادة يتكلم في وكيع بن الجراح ، وعيسى بن يونس ، وابن المبارك ، فقال: من كذب أهل الصدق فهو الكذاب. يعني: الذي يتكلم في أهل الصدق يدل كلامه فيهم على كذبه، كما أن من يطعن في علماء السنة يدل فعله على بدعته.

    وقال أحمد العجلي : وكيع كوفي ثقة عابد صالح أديب من حفاظ الحديث، وكان مفتياً.

    عبادته رحمه الله

    عن يحيى بن أكثم قال: صحبت وكيعاً في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة، وقد علق الذهبي على ذلك، فالإمام الذهبي مؤرخ حافظ، وهو يعلق على الأخبار، إما أن يزكيها وإما أن يبين ما فيها من مخالفات للسنة أحياناً، فقال: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة، فقد صح نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر.

    وبعض العلماء قال: إن النهي عن صوم الدهر يدخل فيه صيام الأيام كلها مع العيدين وأيام التشريق، فنهي عن صوم الدهر من أجل ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فهذا يدل على أن أفضل الصيام أن يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً.

    يقول: وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام. وبعض العلماء خصص في رمضان أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام، وروي أن الإمام الشافعي كان يختم في رمضان ستين ختمة. قال: والدين يسر ومتابعة السنة أولى.

    وعن يحيى بن أيوب قال: حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه: أن وكيعاً كان لا ينام حتى يقرأ جزأه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم من آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.

    وعن أحمد بن سنان قال: رأيت وكيعاً إذا قامت الصلاة ليس يتحرك منه شيء، لا يزول ولا يميل عن رجل دون الأخرى.

    وعن سفيان بن وكيع قال: كان أبي يجلس لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار من الفجر ثم ينصرف فيقيل، ثم يصلي الظهر ويقصد الطريق منها إلى المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم -الناضح: الجمل- فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرائض إلى حدود العصر. وهذا نوع من التواضع ونوع من التقرب إلى الله، قال: ثم يرجع إلى مسجده فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل منزله فيقدم له الإفطار؛ لأنه كان يصوم الدهر، وكان يفطر على عشرة أرطال من الطعام -أي: أربعة كيلو من الأطعمة تقريباً- ثم تقدم إليه قربة فيها نحو عشرة أرطال من نبيذ، فيشرب منها ما طاب له على طعامه، ثم يجعلها بين يديه، ثم يقوم فيصلي ورده من الليل، كلما صلى شيئاً شرب منها حتى ينفذها، ثم ينام.

    حفظه رحمه الله

    عن إبراهيم بن الشماس قال: لو تمنيت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد ابن الفضيل ورقته، وعبادة وكيع وحفظه، وخشوع عيسى بن يونس ، وصبر حسين الجعفي لم يتزوج ولم يدخل في شيء من أمر الدنيا.

    وعن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي وذكر وكيعاً فقال: ما رأيت أحداً أوعى للعلم منه ولا أحفظ.

    وعن بشر بن موسى قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت رجلاً قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع.

    وعن علي بن خشرم قال: ما رأيت بيد وكيع كتاباً قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ فقال: إن علمتك الدواء استعملته؟ قلت: إي والله. قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ.

    وعن يحيى بن معين قال: ما رأيت أحفظ من وكيع .

    وقال أبو حاتم الرازي : وكيع أحفظ من ابن المبارك، وقال إسحاق بن راهويه: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع أصلي، قام وكيع فاستند وحدث بسبعمائة حديث حفظاً.

    وعن أبي السائب سلم بن جنادة قال: جالست وكيع بن الجراح سبع سنين، فما رأيته بزق وما رأيته مس -والله- حصاة بيده، وما رأيته جلس مجلسه فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.

    وعن محمد بن أبي الصباح قال: كان وكيع بن الجراح إذا أراد أن يحدث احتبى، فإذا احتبى سأله أصحابه الحديث، فإذا نزع الحبوة لم يسألوه، وكان إذا حدث استقبل القبلة.

    وروي عن وكيع : أن رجلاً أغلظ له، فدخل بيتاً فعثر وجهه، ثم خرج إلى الرجل فقال: زد وكيعاً بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه، أي: لولا هذا الذنب ما سلط الرجل عليه.

    وعن سعيد بن عفير قال: أخبرني رجل من أهل هذا الشأن ثقة من أهل المروءة والأدب قال: جاء رجل إلى وكيع بن الجراح فقال له: إني أمت إليك بحرمة، قال: ما حرمتك؟ قال: كنت تكتب من محبرتي في مجلس الأعمش ، قال: فوثب وكيع فدخل منزله، فأخرج له صرة فيها دنانير -عملة ذهبية- فقال: اعذرني، فإني ما أملك غير هذا، فأعطى كل ما عنده من المال.

    محنته رحمه الله

    أما محنة وكيع فكانت محنة عجيبة فيها نوع من الدرس أو الأدب.

    قال الذهبي : وهي غريبة تورط فيها ولم يرد إلا خيراً، ولكن فاتته سكتة. يقصد الذهبي بالسكتة حديث: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)، فالمقصود: ألا يحدث بهذا الحديث وإن كان سمعه، والحديث في مقدمة صحيح الإمام، قال الذهبي: فليتق عبد ربه، ولا يخافن إلا ذنبه.

    قال علي بن خشرم : حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي : أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فأكب عليه فقبله، وقال: بأبي وأمي ما أطيب حياتك وميتتك، ثم قال البهي : وكان ترك يوماً وليلة حتى ربا بطنه -يعني: انتفخ بطنه- وانثنت خنصراه، كأنه تغير بالموت. وهذا الحديث منكر ليس بصحيح، أي: فيه راو ضعيف سيئ الحفظ.

    قال ابن خشرم : فلما حدث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلب وكيع ، ونصبوا خشبة لصلبه، فجاء سفيان بن عيينة إمام مكة فقال لهم: الله الله! هذا فقيه أهل العراق وابن فقيههم، وهذا حديث معروف. ولم يقل: هذا حديث صحيح. بل قال: معروف، ولم يقصد بالمعرفة الصحة.

    قال سفيان : ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع ، قال علي بن خشرم : سمعت الحديث من وكيع بعدما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته، وأخبرت أن وكيعاً أصبح فقال: إن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر قالوا: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الله أن يريهم آية الموت. فكان هذا تأويل وكيع لهذا الحديث، أن بعض الصحابة من هول المصيبة لم يصدقوا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات، حتى قال عمر : إني لأرجو أن يأتي فيقطع أيدي وأرجل رجال يزعمون أن محمداً قد مات.

    قال الذهبي : هذه زلة عالم، فما لـوكيع ولهذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد، وكادت نفسه أن تذهب غلطاً، والقائمون عليه معذورون بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود غضاً ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك، ولكن إذا تأملته فلا بأس إن شاء الله بذلك؛ فإن الحي قد يربو جوفه وتسترخي مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض، وأشد الناس بلاء الأنبياء، وإنما المحظور أن تجوز عليه تغير سائر موتى الآدميين وأكل الأرض أجسادهم يعني: لا تأكل الأرض أجساد الأنبياء، وإذا كان الشهداء كذلك فالأنبياء من باب الأولى ألا تتغير أجسادهم.

    قال: وإنما المحظور أن تجوز عليه تغير سائر موتى الآدميين وأكل الأرض أجسادهم، والنبي صلى الله عليه وسلم مفارق لسائر أمته في ذلك، فلا يبلى ولا تأكل الأرض جسده ولا يتغير ريحه، بل هو الآن -وما زال- أطيب من المسك، وهو حي في لحده حياة أكبر من حياة سائر النبيين، وحياتهم -بلا ريب- أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169].

    عقيدته رحمه الله تعالى

    قال أبو حاتم الرازي : حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا وكيع بحديث الكرسي، قال: فاقشعر رجل عند وكيع فغضب وقال: أدركنا الأعمش والثوري يحدثون بهذه الأحاديث لا ينكرونها.

    وعن يحيى بن يحيى التميمي قال: سمعت وكيعاً يقول: من شك أن القرآن كلام الله -يعني: غير مخلوق- فهو كافر.

    وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي : سمعت وكيعاً يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا، ولا لم كذا.

    فآيات وأحاديث الصفات كان منهج السلف فيها إمرارها كما جاءت، وقد أجمع على ذلك أئمة التابعين، استناداً إلى إجماع الصحابة رضي الله عنهم.

    درر من أقواله

    عن إبراهيم بن شماس قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها لم يكن وقرها.

    وقال وكيع : من تهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك منه.

    وعن الفضل بن محمد البيهقي قال: سمعت وكيعاً يقول وقد جاءه رجل يناظره في شيء من أمر المعاش أو الورع، فقال له وكيع : من أين تأكل؟ قال: ميراثاً ورثته عن أبي، قال: من أين هو لأبيك؟ قال: ورثه عن أبيه، قال: من أين هو كان لجدك؟ قال: لا أدري، فقال له وكيع : لو أن رجلاً نذر لا يأكل إلا حلالاً، ولا يلبس إلا حلالاً، ولا يمشي إلا في حلال لقلنا له: اخلع ثيابك وارم بنفسك في الفرات، ولكن لا تجد إلا السعة.

    ثم قال وكيع : لو أن رجلاً بلغ في ترك الدنيا مثل سلمان وأبي ذر وأبي الدرداء ما قلنا له: إنك زاهد؛ لأن الزهد لا يكون إلا على ترك الحلال المحض، والحلال المحض لا نعرفه اليوم، فالدنيا عندنا حلال وحرام وشبهات، فالحلال حساب والشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، وخذ منها ما يقيمك، فإن كانت حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كانت حراماً كنت قد أخذت منها ما يقيمك؛ لأنه لا يحل من الميتة إلا قدر ما يقيمك، وإن كانت شبهات كان فيها عتاب يسير.

    وعن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت وكيعاً يقول: إنما العاقل من عقل عن الله أمره، وليس من عقل أمر دنياه.

    وعن عبد الله بن خبيق قال وكيع : هذه بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق. يقصد بضاعة العلم، والله أعلم.

    وعن علي بن خشرم قال: سمعت وكيعاً يقول: لا يكمل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه.

    فالرجل قد يستحي حين يجلس إلى أخ يكون أقل منه سناً أو شهرة أو علماً، وهذا ليس من الإخلاص ولا من كمال الرجل، فلا يكمل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه.

    وفاته رحمه الله

    قال علي بن عفان : مرض وكيع فدخلنا عليه فقال: إن سفيان أتاني فبشرني بجواره فأنا مبادر إليه.

    وقال أبو هشام الرفاعي : مات وكيع سنة 197هـ يوم عاشوراء، فدفن بفيد، يعني: راجعاً من الحج.

    قال أحمد بن حنبل : حج وكيع سنة 197هـ ومات بفيد، قال الذهبي : عاش 68 سنة سوى شهر أو شهرين.

    فرحمه الله رحمة واسعة وأدخله جنة عالية قطوفها دانية.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3008003492

    عدد مرات الحفظ

    720951654