إسلام ويب

سلسلة من أعلام السلف الإمام مالكللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وارث العلوم النبوية، قصده طلبة العلم من الآفاق وازدحموا عليه، كان عزيزاً في نفسه موقراً لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، محتاطاً في الرواية ومتحرياً في نقد الرجال، ورعاً في الفتوى ناصراً للسنة، وقد أثنى عليه العلماء ثناءً جميلاً رحمه الله تعالى.

    1.   

    بين يدي ترجمة الإمام مالك رحمه الله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    ما زلنا نسعد بحمد الله تعالى مع سلسلة التراجم التربوية، وإمامنا وقدوتنا فيها هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله، وارث العلوم النبوية والسنن المصطفوية في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال الإمام الذهبي : قد كان هذا الإمام من الكبراء والسادة العلماء، ذا حشمة وتجمل وعبيد ودار فاخرة، ونعمة ظاهرة، ورفعة في الدنيا والآخرة، كان يقبل الهدايا، ويأكل طيباً، ويعمل صالحاً، وما أحسن قول ابن المبارك فيه:

    صموت إذا ما الصمت زين أهله وفتاق أبكار الكلام المختم

    وعى ما وعى القرآن من كل حكمة وسيطت له الآداب باللحم والدم

    وقال أبو مصعب : كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام، وكنا نكون عنده فلا يكلم ذا ذا، ولا يلتفت ذا إلى ذا، والناس قائلون برءوسهم هكذا.

    وكانت السلاطين تهابه وهم قابلون منه ومستمعون، وكان يقول: لا ونعم، ولا يقال له: من أين قلت هذا؟

    وقال بعضهم:

    يدع الجواب ولا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان

    نور الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان

    والدارس لترجمة الإمام يقف على شيء من أسباب هذه الهيبة وهذا القبول، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في غضون الترجمة، فمن ذلك: أنه كان كثير التعظيم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد أن يحدث اغتسل وتطيب وسرح لحيته وجلس على منصة، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، ومن أعز دين الله أعزه الله عز وجل، ومن نصر دين الله نصره الله عز وجل، قال تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40].

    ومن ذلك: قوة حجته في نصر السنة وشدته على أهل الأهواء والبدعة.

    ومن ذلك: احتياطه في الرواية نصرة للشريعة، فلا يروي إلا عن ثقة، ولا يروي إلا عمن عرف بالرواية وأنه من أهل الحديث، وهو الذي قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به.

    قال ابن أبي حاتم : كان مالك رحمه الله أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك.

    وأصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر ، وأصح الكتب المصنفة في زمانه موطأ مالك كما أشار الشافعي رحمه الله، وذلك قبل تصنيف الصحيحين، وهو لم يجرد الصحيح كما فعل البخاري ومسلم ، وأسانيده أنقى الأسانيد، وإن كان قد خلط الأسانيد المسندة ببعض البلاغات عن النبي صلى الله عليه وسلم كما يأتي إشارة إلى ذلك، والله عز وجل يغفر لنا وله، ويدخلنا وإياه جنة عالية، قطوفها دانية.

    1.   

    التعريف بالإمام مالك وذكر صفته

    اسمه ومولده وصفته:

    اسمه: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ذو أصبح الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني ، إمام دار الهجرة، وعداده في بني تيم بن مرة من قريش، حلفاء عثمان بن عبيد الله التيمي أخي طلحة بن عبيد الله .

    مولده: قال الذهبي : مولد الإمام مالك على الأصح في سنة (93هـ) في السنة التي توفي فيها أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشأ في صيانة ورفاهية وتجمل.

    صفته: عن مطرف بن عبد الله قال: كان مالك بن أنس طويلاً عظيم الهامة أصلع أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الشقر.

    وعن عيسى بن عمر المدني قال: ما رأيت بياضاً قط ولا حمرة أحسن من وجه مالك ، ولا أشد بياض ثوب من مالك .

    وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أهيب من مالك ، ولا أتم عقلاً ولا أشد تقوى.

    1.   

    طلب الإمام مالك للعلم وثناء العلماء عليه

    ابتداء طلبه للعلم وثناء العلماء عليه:

    قال الذهبي : وطلب مالك العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حيي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد إلى أن مات.

    وعن عبد الله بن المبارك قال: ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس ، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة. يعني: سريرة صالحة من حب الله عز وجل ومن الإخلاص.

    وقال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء.

    وقد لمع نجم الإمام مالك في زمن كثرت فيه النجوم.

    قال الشافعي : إذا ذكر العلماء فـمالك النجم.

    وعن ابن عيينة قال: مالك عالم الحجاز وهو حجة زمانه.

    وقال الذهبي : كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه زيد بن ثابت وعائشة ثم ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم عبيد الله بن عمر ثم مالك .

    وقال كذلك: لم يكن بالمدينة عالم بعد التابعين يشبه مالكاً في العلم والفقه والجلادة والحفظ.

    فقد كان فيها بعض العلماء مثل: سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وعكرمة ونافع ومن في طبقتهم، ثم زيد بن أسلم وابن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن سعيد وصفوان بن سليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن في طبقتهم، فلما تفانوا اشتهر ذكر مالك بها، وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن الماجشون وفليح بن سليمان والدراوردي وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق.

    وقال ابن مهدي : أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد .

    وقال: ما رأيت أحداً أعقل من مالك .

    قال الواقدي : كان مالك يجلس في منزله على ضجاع ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتي.

    وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان مهيباً نبيلاً ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم فقرأ عليه، وكان له كاتب يقال له: حبيب قد نسخ كتبه ويقرأ للجماعة، فإذا أخطأ فتح عليه مالك وكان ذلك قليلاً.

    وعن بقية قال: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية منك يا مالك .

    1.   

    عزة نفس الإمام مالك وتوقيره لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

    عزة نفسه وتوقيره لحديث النبي صلى الله عليه وسلم:

    عن ابن أبي أويس قال: كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة، ثم حدث فقيل له في ذلك، قال: أحب أن أعظم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً.

    وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو مستعجل قال: أحب أن أفهم ما يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعن معن بن عيسى قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه زجره، قال: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2]، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعن عمر بن المحبر الرعيني قال: قدم المهدي إلى المدينة فبعث إلى مالك فأتاه، فقال لولديه هارون وموسى : اسمعا منه، فبعثا إليه فلم يجبهما، فأعلما المهدي فكلمه فقال: يا أمير المؤمنين! العلم يؤتى أهله، فقال: صدق مالك صيرا إليه.

    فظن الناس أن الإمام مالك سيذهب إليهما؛ لأنهما أبناء الخليفة، فتوقير الإمام مالك للعلم منعه، وقد كان لهما مؤدب وهو المربي، فقال له مؤدبهما: اقرأ علينا، قال: إن أهل المدينة يقرءون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم، فإن أخطئوا أفتاهم، فرجعوا إلى المهدي فبعث إلى مالك فكلمه فقال: سمعت ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال، وهم يا أمير المؤمنين: سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ونافع وعبد الرحمن بن هرمز ، ومن بعدهم: أبو الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد وابن شهاب، كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرءون.

    فقال الخليفة: في هؤلاء قدوة، صيروا إليه فاقرءوا عليه. ففعلوا.

    وعن ابن القاسم قال: قيل لـمالك : لم لم تأخذ عن عمرو بن دينار ؟ قال: أتيته فوجدته يأخذون عنه قياماً فأجللت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذه قائماً.

    1.   

    احتياط الإمام مالك في الرواية وتحريه في نقد الرجال

    احتياطه في الرواية وتحريه في نقد الرجال:

    عن منصور بن سلمة الخزاعي قال: كنت عند مالك فقال له رجل: يا أبا عبد الله ! أقمت على بابك سبعين يوماً وقد كتبت ستين حديثاً، فقال: ستون حديثاً! وكأنه يستكثره. أي: أن الرجل كان يقلل العدد، والإمام مالك يستكثره، فقال له الرجل: إننا ربما كتبنا بالكوفة في المجلس ستين حديثاً، قال: وكيف بالعراق دار الضرب، يضرب بالليل وينفق بالنهار.

    وعن محمد بن إسحاق الثقفي السراج قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك عن نافع عن ابن عمر .

    وعن سفيان بن عيينة قال: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم.

    قال الذهبي : وقد كان مالك إماماً في نقد الرجال حافظاً مجوداً متقناً.

    قال بشر بن عمر الزهراني : سألت مالكاً عن رجل فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي.

    فهذا يشير إلى أن الإمام مالك كان لا يروي إلا عن ثقة.

    قال الذهبي : فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عمن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أن يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه وهو عنده ثقة أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ، فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره، إلا أنه بكل حال كثير التحري في نقد الرجال.

    وعن عثمان بن كنانة عن مالك قال: ربما جلس إلينا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثاً واحداً، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث.

    وعن ابن عيينة قال: ما نحن عند مالك إنما كنا نتبع آثار مالك ، وننظر الشيخ إن كان كتب عنه مالك كتبنا عنه.

    و ابن عيينة إمام مكة وشيخ الإمام الشافعي والإمام أحمد .

    وعنه قال: كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولم يحدث إلا عن ثقة، وما أرى المدينة إلا ستخرج بعد موته، يعني: من العلم.

    قال الشافعي : قال محمد بن الحسن : أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسراً، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث.

    فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلأ منزله، وإذا حدث عن غيره من الكوفيين لم يجئه إلا اليسير.

    فـمحمد بن الحسن لما رجع من الكوفة كان يروي الموطأ؛ لأنه من أحد رواة الموطأ، فكانت الدار تمتلئ بالتلاميذ، فإذا حدث عن غيره خلت الدار، أو ما سمعه إلا اليسير.

    وعن محمد بن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه -نحن نقولها بنية الدعاء وليس بنية الخبر؛ لأنها خاصة بالصحابة رضوان الله عليهم- يقول: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به.

    وعنه عن الشافعي قال: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله.

    وعن حبيب بن زريق قال: قلت لـمالك بن أنس : لم لم تكتب عن صالح مولى التوأمة وحزام بن عثمان وعمر مولى غفلة ، قال: أدركت سبعين تابعياً في هذا المسجد، ما أخذت العلم إلا عن الثقات المأمونين.

    1.   

    تورع الإمام مالك عن الفتوى

    تورعه عن الفتوى:

    عن مالك قال: جنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله.

    ومعنى جنة العالم: لا أدري: أي: كلمة (لا أدري) تحمي العالم، فلا يتجرأ على ما ليس عنده به علم.

    وعن الهيثم بن جميل قال: سمعت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فأجاب في اثنين وثلاثين منها بـ: (لا أدري).

    وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة فما أجابني منها إلا في خمس مسائل.

    وعن مالك أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً يرجعون إليه.

    1.   

    نصرة الإمام مالك للسنة وشدته على أهل البدع

    نصرته للسنة وشدته على أهل البدع:

    عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكاً يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.

    وعن يحيى بن خلف الطرسوسي وكان من ثقات المسلمين قال: كنت عند مالك فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك : زنديق اقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله ! إنما أحكي كلاماً سمعته، قال: إنما سمعته منك، وعظم هذا القول.

    فأعلام السنن كانت مرفوعة ومشهورة في زمن كبار التابعين، زمن الإمام مالك والسفيانين.

    وحدث أبو ثور عن الشافعي قال: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.

    وقال القاضي عياض : قال أبو طالب المكي : كان مالك رحمه الله أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشد نقداً للعراقيين.

    ثم قال القاضي عياض : قال سفيان بن عيينة : سأل رجل مالكاً فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فسكت مالك حتى علاه الرحضاء -يعني: العرق- ثم قال: الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه.

    فناداه الرجل: يا أبا عبد الله ! والله لقد سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.

    1.   

    محنة الإمام مالك رحمه الله

    محنته رحمه الله:

    قال محمد بن جرير : كان مالك قد ضرب بالسياط واختلف في سبب ذلك، حدثني العباس بن الوليد ، قال: حدثنا ابن ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: (ليس على مستكره طلاق)، وهو أن طلاق المكره ليس بشيء؛ لأنه يقاس على ذلك أن بيعة المكره ليست بشيء، فلو أكره إنسان على مبايعة إمام معين فإن هذه البيعة تكون غير شرعية.

    يقول: ثم دس إليه من يسأله على رءوس الناس فضربه بالسياط.

    وعن فضل بن زياد القطان قال: سألت أحمد بن حنبل من ضرب مالك بن أنس ؟ قال: ضربه بعض الولاة لا أدري من هو، إنما ضربه في طلاق المكره، كان لا يجيزه فضربه لذلك.

    وعن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن راشد قال: سمعت أبا داود يقول: ضرب جعفر بن سليمان مالك بن أنس في طلاق المكره.

    وحكى له بعض أصحاب ابن وهب أن مالك بن أنس لما ضرب حلق وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك، فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي وأنا أقول: طلاق المكره ليس بشيء، قال: فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك، فقال: أدركوه، أنزلوه.

    وروى ابن سعد عن الواقدي قال: لما دعي مالك وشور وسمع منه وقبل قوله حسد وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف بطلاق المكره أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر فدعا بـمالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو.

    قال الذهبي رحمه الله: هذه ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال هي بما كسبت أيدينا، ويعفو عن كثير، (ومن يرد الله به خيراً يصب منه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل قضاء المؤمن خير له) وقال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31]، وأنزل تعالى في واقعة أحد قوله: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].

    وقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.

    1.   

    درر من أقوال الإمام مالك رحمه الله

    درر من أقواله رحمه الله:

    عن ابن وهب أنه سمع مالكاً يقول: إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه.

    وعن حرملة عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً وقال له رجل: طلب العلم فريضة؟ قال: طلب العلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله تعالى.

    وقال: لا يكون إماماً من حدث بكل ما سمع.

    وقال: إن حقاً على طالب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى قبله.

    1.   

    وفاة الإمام مالك رحمه الله

    وفاته رحمه الله:

    قال القعنبي : سمعتهم يقولون: عمر مالك (89) سنة، ومات سنة (179هـ).

    وقال إسماعيل بن أبي أويس : مرض مالك فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت. قالوا: تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد.

    وتوفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول سنة (179هـ)، فصلى عليه الأمير عبد الله بن محمد بن إبراهيم ، وغسله ابن أبي زنبر وابن كنانة وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان عليهما الماء، ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، وأن يصلى عليه في موضع الجنائز، فصلى عليه الأمير المذكور.

    قال: وكان نائباً لأبيه محمد على المدينة، ثم مشى أمام جنازته وحمل نعشه، وبلغ كفنه خمسة دنانير.

    ويقال: إنه في الليلة التي مات فيها رأى رجل من الأنصار قائلاً ينشد:

    لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه غداة ثوى الهادي لدى ملحد القبر

    إمام الهدى ما زال للعلم صائناً عليه سلام الله في آخر الدهر

    وقال ابن القاسم : مات مالك عن مائة عمامة فضلاً عن سواها.

    وقال ابن أبي أويس : بيع ما في منزل خالي من بسط ومنصات ومخاد وغير ذلك بما ينيف على خمسمائة دينار.

    رحمه الله عز وجل رحمة واسعة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007997462

    عدد مرات الحفظ

    720931092