إسلام ويب

سلسلة من أعلام السلف الإمام الشافعيللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإمام الشافعي أحد أئمة المذاهب المتبعة، ناصر الحق وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، طلب العلم منذ نعومة أظفاره، ونبغ فيه وفاق أقرانه، كان عابداً ورعاً تقياً لا يخاف في الله لومة لائم، له المصنفات الكثيرة والنادرة، وهو أول من صنف في أصول الفقه وأحكام القرآن، أخذ عن جملة من العلماء وأخذ عنه كذلك مشاهير العلماء كأحمد بن حنبل وغيره، وأثنى عليه العلماء ثناء عطراً، فرحمنا الله وإياه رحمة الأبرار.

    1.   

    التعريف بالإمام الشافعي

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فما زلنا مع علماء السلف رضي الله عنهم، ونحن اليوم مع إمام من أئمة المذاهب المتبعة، ناصر الحق والسنة محمد بن إدريس الشافعي ، نتعرف على اسمه ونسبه ومولده ونشأته وصفته رحمه الله.

    اسمه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب .

    كنيته: أبو عبد الله ، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلتقي معه في جده عبد مناف ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم بن عبد مناف ، وإمامنا الشافعي من بني المطلب بن عبد مناف ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد).

    قال الإمام النووي : اعلم أنه رضي الله عنه كان من أنواع المحاسن بالمحل الأعلى والمقام الأسنى؛ لما جمعه الله له من أنواع المكرمات، فمن ذلك شرف النسب الطاهر، والعنصر الباهر، واجتماعه هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب، وذلك غاية الشرف ونهاية الحسب.

    ومن ذلك: شرف المولد والمنشأ؛ فإنه ولد بالأرض المقدسة ونشأ بمكة.

    مولده ونشأته:

    قال الذهبي رحمه الله: اتفق مولد الإمام رحمه الله بغزة، ومات أبوه إدريس شاباً فنشأ محمد يتيماً في حجر أمه فخافت عليه الضيعة، فتحولت إلى محتده وهو ابن عامين -يعني: انتقلت به من غزة إلى مكة وهو ابن عامين- فنشأ بمكة وأقبل على الرمي حتى فاق الأقران، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة، ثم أقبل على العربية والشعر فبرع في ذلك وتقدم، ثم حبب إليه الفقه فساد أهل زمانه.

    والإمام الشافعي يعتبر من أذكياء العالم.

    قال العليمي : أبو عبد الله الشافعي الإمام الأعظم والحبر المكرم أحد الأئمة المجتهدين الأعلام، إمام أهل السنة وركن الإسلام، لقي جده شافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وكان أبوه السائب -والد شافع- صاحب راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك؟ فقال: ما كنت أحرم المسلمين طعماً لهم في، فأراد أن يكون سبباً في الرزق للمسلمين، ففدى نفسه ثم أسلم.

    ولد الإمام الشافعي بغزة من بلاد الشام على الأصح في سنة (150هـ) وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة النعمان ، فقد ولد الإمام أبو حنيفة سنة (80هـ)، ومات سنة (150هـ)، أما الإمام الشافعي فإنه ولد سنة (150هـ)، ومات سنة (204هـ)، فعاش (54) سنة رحمه الله، وقيل: إن الشافعي ولد في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة .

    وقيل: كان مولده بعسقلان وقيل: باليمن، ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم بغداد مرتين، وخرج إلى مصر فنزلها وكان وصوله إليها في سنة (199هـ)، ومكث في مصر خمس سنين وأفتى بها، وعندما يقولون: قال الشافعي في الجديد، فيقصدون ما كتبه وهو في مصر، وهي الخمس السنين الأخيرة من عمره؛ فإنه مكث في مكة فترة وفي بغداد فترة، ومر على بلاد كثيرة، وقيل: دخل مصر سنة (201هـ) ولم يزل بها إلى حين وفاته.

    صفته رحمه الله:

    روى أبو نعيم بسنده عن إبراهيم بن برانة قال: وكان الشافعي طويلاً نبيلاً جسيماً.

    وقال الزعفراني : كان الشافعي يخضب بالحناء، خفيف العارضين. يعني: خفيف شعر اللحية في العارضين.

    وقال المزني : ما رأيت أحسن وجهاً من الشافعي، وكان ربما قبض على لحيته فلا تفضل على قبضته.

    1.   

    طلب الإمام الشافعي للعلم ونبوغه فيه

    ابتداء طلبه للعلم ونبوغه فيه:

    روى أبو نعيم بسنده عن أبي بكر بن إدريس وراق الحميدي -أي: الذي كان يحمل أوراقه التي يكتب فيها الحديث- عن الشافعي قال: كنت يتيماً في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث والمسألة، وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة.

    وروى البيهقي بسنده عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد. قال: وكان سبب أخذه في الفقه أنه كان يوماً يسير على دابة له، خلفه كاتب أبي، فتمثل الشافعي ببيت من الشعر فقرعه كاتب أبي بسوط ثم قال له: مثلك تذهب مروءته في مثل هذا، أين أنت عن الفقه؟ قال: فهزه ذلك فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزنجي وكان مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس .

    وروى البيهقي كذلك عن أبي بكر الحميدي قال: قال الشافعي : خرجت أطلب النحو والأدب فلقيني مسلم بن خالد فقال: يا فتى من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة؟ قال: وأين منزلك بها؟ قلت: بشعب الخيف، قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف قال: بخ بخ! لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك هذا في الفقه كان أحسن بك؟!

    قال الذهبي : وعن الشافعي قال: أتيت مالكاً وأنا ابن ثلاث عشرة سنة -كذا قال، والظاهر أنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة- فأتيت ابن عم لي والي المدينة فكلم مالكاً فقال: اطلب من يقرأ لك. قلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعده فأعيده حفظاً، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى فقال: أنت تحب أن تكون قاضياً، وفي بعض النسخ: يجب أن تكون قاضياً.

    وقال النووي رحمه الله: أخذ الشافعي رحمه الله في الفقه، وحصل منه على مسلم بن خالد الزنجي وغيره من أئمة مكة ما حصل، ورحل إلى المدينة قاصداً الأخذ عن أبي عبد الله مالك بن أنس ، وأكرمه مالك -رحمه الله- وعامله لنسبه وعلمه وفهمه وعقله وأدبه بما هو اللائق بها، وقرأ الموطأ على مالك حفظاً فأعجبته قراءته، فكان مالك يستزيده من القراءة لإعجابه بقراءته، ولازم مالكاً فقال له: اتق الله! فإنه سيكون لك شأن.

    وفي رواية أنه قال له: إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية.

    ثم ولى اليمن -صار والياً أو حاكماً عليها- واشتهر من حسن سيرته وحمله الناس على السنة والطرائق الجميلة أشياء كثيرة معروفة، ثم رحل إلى العراق للاشتغال بالعلم، وناظر محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة - وغيره، ونشر علم الحديث، وأقام مذهب أهله، ونصر السنة، وشاع ذكره وفضله، وتزايد تزايداً ملأ البقاع، وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون، واعترف به العلماء أجمعون، وعظمت عند الخلائق وولاة الأمور مرتبته، وظهر من فضله في مناظرات أهل العراق وغيرهم ما لم يظهر لسواه.

    عكف على الاستفادة منه الصغار والكبار والأئمة الأخيار من أهل الحديث والفقه وغيرهم، ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وتمسكوا بطريقته، وصنف في العراق كتابه القديم المسمى (كتاب الحجة)، ثم خرج إلى مصر سنة (199هـ)، وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر، وسار ذكره في البلدان، وقصده الناس في الشام واليمن والعراق.

    لذلك فإن أكثر أهل مصر شافعية.

    1.   

    ثناء العلماء على الإمام الشافعي

    ثناء العلماء عليه:

    قال الحافظ أبو نعيم : ومنهم الإمام الكامل العالم العامل، ذو الشرف المنيف، والخلق الظريف، له السخاء والكرم، وهو الضياء في الظلم ، أوضح المشكلات، وأفصح عن المعضلات، المنتشر علمه شرقاً وغرباً، المستفيض مذهبه براً وبحراً، المتبع للسنن والآثار، المقتدي بما اجتمع عليه المهاجرون والأنصار.

    اقتبس عن الأئمة الأخيار فحدث عنه الأئمة الأحبار، الحجازي المطلبي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، حاز المرتبة العالية، وفاز بالمنقبة السامية، إذ المناقب والمراتب يستحقها من له الدين والحسب، وقد ظفر الشافعي بهما جميعاً.

    شرف العلم والعمل به، وشرف الحسب قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرفه في العلم ما خصه الله من تصرفه في وجوه العلم، وتبسطه في فنون الحكم، فاستنبط خفيات المعاني، وشرح بفهم الأصول والمباني، ونال ذلك بما يخص الله تعالى به قريشاً من نبل الرأي.

    وروى الخطيب بسنده إلى إسحاق بن راهويه قال: أخذ أحمد بن حنبل بيدي وقال: تعال حتى أذهب بك إلى من لم تر عيناك مثله، فذهب به إلى الشافعي .

    فالإمام الشافعي يعتبر شيخ الإمام أحمد .

    وبسنده أيضاً إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: يا أبت أي شيء كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، انظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟

    وعن أيوب بن سويد قال: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي .

    وقال صالح بن أحمد بن حنبل : ركب الشافعي حماره فجعل أبي يمشي والشافعي راكب وهو يذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين فبعث إلى أبي في ذلك؛ فبعث إليه الإمام أحمد فقال: إنك لو كنت في الجانب الآخر من الحمار كان خيراً لك.

    وعن حميد بن زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول وهو يروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم)، وإني نظرت في سنة مائة فإذا رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عمر بن عبد العزيز -توفي سنة (101هـ)- ونظرت في المائة الثانية فإذا هو رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن إدريس ، توفي سنة (204هـ).

    وعن محمد بن الفضل البزار قال: سمعت أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل فنزلنا عند أحد الناس بمكة، وخرج أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل - باكراً وخرجت أنا معه، فلما صلينا الصبح بدأت المجالس، فجئت مجلس سفيان بن عيينة ، وكنت أبحث مجلساً مجلساً طلباً لـأبي عبد الله حتى وجدته عند شاب أعرابي وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جمة فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل . فقلت: يا أبا عبد الله ! تركت ابن عيينة وعنده الزهري يعني: محمد بن مسلم بن شهاب وعمرو بن دينار وزياد بن علاقة ومن التابعين ما الله بهم عليم؟ فقال: اسكت فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول فلا يضرك في دينك ولا في عقلك أو فقهك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله تعالى من هذا الفتى القرشي، قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.

    وعن سويد بن سعيد قال: كنا عند سفيان بن عيينة فجاء محمد بن إدريس فجلس، فروى ابن عيينة حديثاً رقيقاً فغشي على الشافعي فقيل: يا أبا محمد مات محمد بن إدريس ، فقال ابن عيينة : إن كان قد مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه.

    قال الرازي رحمه الله: إن ثناء العلماء على الإمام الشافعي أكثر من أن يحيط به الحصر، ونحن نذكر السبب في محبتهم له وثنائهم عليه، فنقول: الناس كلهم كانوا قبل زمان الشافعي فريقين: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أصحاب الرأي سؤالاً أو إشكالاً بقوا على ما في أيديهم عاجزين متحيرين.

    وأما أصحاب الرأي فكانوا أصحاب الجدل والنظر إلا أنهم كانوا فارغين من معرفة الآثار والسنن، وهي مدرسة الكوفة، وأما الشافعي فإنه كان عارفاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم محيطاً بقوانينها، عارفاً بآداب النظر والجدل وقوياً فيه، فصيح اللسان قادراً على قهر الخصوم، فأخذ في نصرة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كل من أورد عليه سؤالاً أو إشكالاً أجاب عنه بأجوبة شافية كافية، فانقطع بسببه استيلاء أهل الرأي على أصحاب الحديث، وسقط فقههم، وتخلص بسببه أصحاب الحديث من شبهات أصحاب الرأي، فلهذا السبب انطلقت الألسنة بمدحه والثناء عليه، وانقاد له علماء الدين وأكابر السلف وبه التوفيق.

    1.   

    عبادة الإمام الشافعي وزهده وورعه

    عبادته وزهده وورعه.

    قال بحر بن نصر : ما رأيت ولا سمعت أتقى لله ولا أورع من الشافعي ، ولا أحسن صوتاً منه بالقرآن.

    وعن الحسين الكرابيسي قال: بت مع الشافعي ثمانين ليلة فكان يصلي نحو ثلث الليل، وما رأيته يزيد على خمسين آية فإذا أكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ بالله منها، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين، فكأنما جمع له الرجاء والرحمة معاً.

    وعن بحر بن نصر قال: كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة من حسن صوته.

    وعن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب، يعني: الحديث، والثلث الثاني: يصلي، والثلث الثالث: ينام.

    وعن حرملة قال: قال الشافعي : ما حلفت لله صادقاً ولا كاذباً.

    وقال الحارث بن مسكين : أراد الشافعي الخروج إلى مكة فأسلم إلى قصارٍ -يعني: خياطاً- ثياباً بغدادية مرتفعة، فوقع الحريق فاحترق دكان القصار والثياب، فجاء القصار ومعه قوم، فتحمل بهم على الشافعي في تأخيره ليدفع إليه قيمة الثياب. فقال له الشافعي : قد اختلف أهل العلم في تضمين القصار -يعني: هل يضمن ثمن ما ضاع عنده- ولم أتبين أن الضمان يجب، فلست أضمنك شيئاً.

    وعن الحارث بن شريح قال: دخلت مع الشافعي على خادم للرشيد وهو في بيت قد فرش بالديباج يعني: بالحرير، فلما وضع الشافعي رجله على العتبة أبصره فرجع، ولم يدخل، فقال له الخادم: ادخل، فقال: لا يحل افتراش هذا، فقام الخادم فتبسم حتى دخل بيتاً قد فرش بالأرض، فدخل الشافعي ، ثم أقبل عليه فقال: هذا حلال وهذا حرام، وهذا أحسن من ذلك وأكثر ثمناً، فتبسم الخادم وسكت.

    وعن الربيع قال: قال عبد الله بن عبد الحكم للشافعي : إن عزمت أن تسكن البلد -يعني: مصر- فليكن لك قوت سنة، ومجلس من السلطان تتعزز به.

    فقال له الشافعي : يا أبا محمد من لم تعزه التقوى فلا عز له، ولقد ولدت بغزة، وربيت بالحجاز، وما عندنا قوت ليلة وما بتنا جياعاً.

    وقيل للشافعي : ما لك تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ قال: لأذكر أني مسافر، يعني: في الدنيا.

    وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي : يا أبا موسى ! أنست بالفقر حتى صرت لا أستوحش منه.

    وعن الربيع بن سليمان قال: قال لي الشافعي يا ربيع ! عليك بالزهد، فللزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد.

    وعن عبد الله بن محمد البلوي قال: جلسنا ذات يوم نتذاكر الزهاد والعباد والعلماء وما بلغ من زهدهم وفصاحتهم وعلمهم، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن نباته فقال: بماذا تتحاورون؟ قلنا: نتذاكر الزهاد والعباد والعلماء وما بلغ من فصاحتهم. فقال عمر بن نباته : والله ما رأيت رجلاً قط أورع ولا أخشع ولا أفصح ولا أسمح ولا أعلم ولا أكرم ولا أجمل ولا أنبل ولا أفضل من محمد بن إدريس الشافعي .

    1.   

    سخاء الشافعي وجوده

    أما سخاؤه وجوده رحمه الله: فعن الحميدي قال: قدم الشافعي رحمه الله من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار في منديل، فضرب خباءه في موضع خارجاً من مكة، فكان الناس يأتونه، فما برح حتى ذهبت كلها.

    وعن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي راكباً حماراً فمر على سوق الحذائين، فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذائين فأخذ السوط ومسحه بكمه وناوله إياه، فقال الشافعي لغلامه: ادفع الدنانير التي معك إلى هذا الفتى. قال الربيع : فلست أدري كانت تسعة دنانير أو ستة.

    وعن الربيع بن سليمان قال: تزوجت فسألني الشافعي: كم أصدقتها؟ فقلت: ثلاثين ديناراً، قال: كم أعطيتها؟ فقلت: ستة دنانير، فصعد داره وأرسل إلي بصرة فيها أربعة وعشرون ديناراً.

    كان ابن عبد الحكم مالكياً ثم رجع عن مذهبه وصار شافعياً، ولما أوصى الإمام الشافعي بحلقته إلى البويطي رجع ابن عبد الحكم إلى المذهب المالكي مرة ثانية، قال رحمه الله: كان الشافعي أسخى الناس بما يجد، وكان يمر بنا، فإن وجدني وإلا قال: قولوا لـمحمد إذا جاء يأتي المنزل فإني لا أتغدى حتى يجيء، فربما جئته، فإذا قعدت معه على الغداء قال: يا جارية أنضجي لنا فالوذجاً -يعني: فطيراً- فلا تزال المائدة بين يديه حتى يفرغ منها ويتغدى.

    وعن الربيع قال: أخذ رجل بركاب الشافعي فقال: يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعذرني عنده.

    وعن الربيع قال: كنا مع الشافعي رحمه وقد خرج من مسجد مصر، فانقطع شسع نعله -وهو رباط النعل- فأصلح له رجل شسعه ودفعه إليه، فقال: يا ربيع معك من نفقتنا شيء؟ قلت: نعم، قال: كم؟ قلت: سبعة دنانير، قال: ادفعها إليه. ولعل النعل كله لا يساوي هذا المبلغ.

    وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : جاءنا الشافعي إلى منزلنا قال: فقال لي: اركب دابتي هذه قال: فركبتها، قال: فقال لي: أقبل بها وأدبر ففعلت، فقال: إني أراك بها لبقاً فخذها فهي لك. قال: وكان من أسخى الناس ثم ذكر قصة التمر.

    وقصة التمر رواها البيهقي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: كان الشافعي رحمه الله من أسخى الناس قال: وكنت آكل مع الشافعي تمراً ملوزاً -وهو التمر الذي ينزع منه النوى ويوضع فيه اللوز، فجاء رجل فقعد وأكل وكان يجلس إليه، فلما فرغ من الأكل، قال الرجل للشافعي : ما تقول في أكل الفجأة؟ قال: فلوى الشافعي عنقه إلي وقال: هلا كان سؤاله قبل أن يأكل. لأنه لو قال له: لا يجوز كان كف عن الأكل.

    وقال الشافعي رحمه الله: السخاء والكرم يغطيان عيوب الدنيا والآخرة بعد ألا يلحقهما بدعة.

    وعن إبراهيم بن محمد قال: كنت في مجلس أحمد بن يوسف النقلي صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام فجرى ذكر الشافعي وأخلاقه وفقهه وسماحته فقالوا: ما شبهناه إلا بأبيات أنشدها حفص بن عمر الأزدي المقرعي لبعض الأعراب:

    إن زرت ساحته ترجو سماحته بلتك راحته بالجود والكرم

    أخلاقه كرم وقوله نعم يقولها بفم بحبحت فاحتكم

    ما ضر زائره يرجو أنامله إن كان ذا رحم أو غير ذا رحم

    الجود غرته والنجم غايته يقولها بفم قد لج في نعم

    وعن الربيع بن سليمان قال: دفع إلي الشافعي دراهم لأشتري له حملاً -وهو الكبش أو الخروف- وأمرني أن أشوي ذلك، قال: فنسيت واشتريت سمكتين وشويتهما فأتيته بهما، فنظر فقال: يا أبا محمد ! كلهما فقد اشتهيتهما.

    1.   

    اتباع الشافعي للسنة وذمه لأهل الأهواء

    اتباعه للسنة رحمه الله وذمه لأهل الأهواء.

    عن ميمون بن مهران قال: قال لي أحمد بن حنبل : ما لك لا تنظر في كتب الشافعي ؟ فما من أحد وضع الكتب أتبع للسنة من الشافعي .

    وعن أبي جعفر الترمذي قال: أردت أن أكتب كتب الرأي، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله! فأكتب رأي الشافعي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس برأي، إنه رد على من خالف سنتي.

    وعن أحمد بن حنبل قال: قدم علينا نعيم بن حماد وحثنا على طلب المسند -يعني: الحديث بالإسناد- فلما قدم علينا الشافعي وضعنا على المحجة البيضاء.

    قال الربيع : سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بها ودعوا ما قلته.

    قال: وقال له رجل: يا أبا عبد الله نأخذ بهذا الحديث؟

    فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ولم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب.

    وقال الحميدي : روى الشافعي يوماً حديثاً فقلت: أتأخذ به؟

    فقال: رأيتني خرجت من كنيسة أو علي زناراً -وهو الحبل الذي يربط في الوسط علامة لأهل الكتاب-، حتى إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لا أقول به.

    وقال الشافعي : إذا صح الحديث فهو مذهبي.

    وقال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.

    إلى غير ذلك من الأقوال التي ثبتت عن الإمام الشافعي .

    1.   

    فقه الإمام الشافعي

    فقهه رحمه الله: قال عبيد بن محمد بن خلف البزاز : سئل أبو ثور فقيل له: أيهما أفقه الشافعي أو محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة ؟ فقال أبو ثور : الشافعي أفقه من محمد وأبي يوسف وأبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وإبراهيم يعني: النخعي وعلقمة والأسود ، يعني: أن كلهم من مدرسة الرأي في الكوفة.

    وعن أحمد بن يحيى قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت سيد الفقهاء محمد بن إدريس الشافعي .

    وعن الربيع قال: سمعت الحميدي يقول: عن مسلم بن خالد أنه قال للشافعي : أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي، وكان ابن خمس عشرة سنة.

    وهذه بعض الأشياء التي تدل على فقهه وفهمه.

    وعن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول في رجل قال لامرأته وفي فيها تمرة: إن أكلتيها فأنت طالق، قال: طرحتيها فأنت طالق، بأن تأكل نصفها وتطرح نصفها.

    فكما يقولون: ليس الفقه بالتشدد، بل الفقه أن تأتيك الرخصة من العالم الذي يجد المخرج الموافق للشرع.

    وعن المزني قال: سئل الشافعي عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل آخر فقال: لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيساً عدا على النعامة فذبحها واستخرج جوهرته ثم ضمن لصاحب النعامة ما بين قيمتها حية ومذبوحة.

    وعن معمر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول لـمحمد بن إدريس الشافعي : يا محمد لأي علة خلق الله الذباب؟ قال: فأطرق ثم قال: مذلة للملوك يا أمير المؤمنين، قال: فضحك المأمون ، وقال: يا محمد رأيت الذباب قد سقط على خدي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ولقد سألتني وما عندي جواب، فلما رأيت الذباب قد سقط بموضع لا يناله أحد انفتق في ذهني الجواب.

    فقال: لله درك يا محمد .

    وقال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ: سألت أبا قدامة السرخسي عن الشافعي وأحمد وأبي عبيد وابن راهويه فقال: الشافعي أفقههم.

    وعن الربيع قال: كنت يوماً عند الشافعي فجاءه رجل فقال: أيها العالم! ما تقول في رجل حلف إن كان في كمي دراهم أكثر من ثلاثة فعبدي حر، وكان في كمه أربعة دراهم، فقال: لم يعتق عبده، قال: لم؟ قال: لأنه استثنى من جملة ما في كمه دراهم، والدرهم لا يكون دراهم.

    فقال: آمنت بالذي فوهك هذا العلم.

    1.   

    براعة الإمام الشافعي في التصنيف وبركة مصنفاته

    براعته في التصنيف وبركة مصنفاته:

    الشافعي رحمه الله أول من صنف في أصول الفقه وأحكام القرآن، وقد تسابق العلماء والأكابر على اقتناء مصنفاته والاستفادة منها، وأعظم كتبه كتاب (الرسالة) وهي موجودة الآن بتحقيق أحمد شاكر ، وأسلوب الرسالة في غاية السهولة واليسر والفصاحة، فهي على سهولة لفظها كثيرة المعاني عظيمة المباني، شاهدة برجاحة عقله وكمال بصيرته.

    وعن أبي ثور قال: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن والأخبار وحجة الإجماع والناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب (الرسالة).

    قال عبد الرحمن بن مهدي : ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها.

    وعن المزني قال: قرأت كتاب الرسالة للشافعي (500) مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى.

    والمفروض أن طالب العلم يقرأ كتب العلم في كل فترة من أجل أن يستفيد أكثر وأكثر.

    وعن محمد بن مسلم بن واره قال: قدمت من مصر فأتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلم عليه فقال: كتبت كتب الشافعي قلت: لا، قال: فرطت، ما علمنا المجمل من المفصل، ولا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه حتى جالسنا الشافعي قال: فحملني ذلك إلى أن رجعت إلى مصر وكتبتها ثم قدمت.

    وعن أحمد بن مسلمة النيسابوري قال: تزوج إسحاق بن راهويه بمرو بامرأة رجل بعد وفاته عنده كتب الشافعي من أجل كتب الشافعي ؛ لأن الكتب لم تكن متوفرة كما هو الآن، فوضع جامعه الكبير على كتاب الشافعي ، ووضع جامعه الصغير على جامع الثوري الصغير.

    وقال أبو بكر الصومعي : سمعت أحمد بن حنبل يقول: صاحب الحديث لا يشبع من كتب الشافعي .

    وقال الجاحظ : نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي ، كأن لسانه ينظم الدرر.

    قال العلامة أحمد شاكر : فكتبه كلها مثل رائعة من الأدب العربي النقي، في الذروة العليا من البلاغة، يكتب على سجيته وعلى فطرته ولا يتكلف ولا يتصنع، أفصح نثر تقرؤه بعد القرآن والحديث، لا يساميه قائل، ولا يدانيه كاتب.

    وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: أريت في المنام كأن آتياً أتاني فحمل كتبي وبثها في الهواء فتطايرت، فاستعبرت بعض المعبرين فقال: إن صدقت رؤياك لم يبق بلد من بلاد الإسلام إلا ودخله علمك.

    1.   

    شيوخ وتلاميذ الإمام الشافعي

    1.   

    درر من أقوال الشافعي ونتف من أشعاره

    درر من أقواله، ونتف من أشعاره:

    قال الشافعي : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وقال: زينة العلم الورع والحلم. وقال: لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغبهم فيه، وقال: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع. وقال: من غلبته الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها، وقال: من رضي بالقنوع زال عنه الخضوع.

    وقال: لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي لما شربته، ولو كنت اليوم ممن يقول الشعر لرثيت المروءة. وقال: للمروءة أربعة أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك.

    وقال: المروءة عفة الجوارح عما لا يعنيها. وقال: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.

    وقال: من صدق في أخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وغفر زلـله.

    وقال: ليس سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا غم يعدل فراقهم.

    وقال: الشفاعات زكاة المروءات. وقال: من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرت عيناه لما يراه من ثواب الله غداً.

    وقال لأخ له في الله يعظه ويخوفه: يا أخي! إن الدنيا دحض مزلة، ودار مذلة، عمرانها إلى الخراب صائر، وساكنها للقبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، والإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار، فافرغ إلى الله، وارض برزق الله تعالى، ولا تستلف من دار بقائك في دار فنائك، فإن عيشك فيء زائل، وجدار مائل، أكثر من عملك، وقصر من أملك.

    وقال: الشعر حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على سائر الكلام.

    ودخل رجل عليه وهو مستلق على ظهره فقال: إن أصحاب أبي حنيفة الفصحاء، فأنشد فقال:

    ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد

    وأشجع في الوغى من كل ليث وآل مهلب وأبي يزيد

    وله أشعار أخرى منها:

    أمت مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون

    وأحييت القنوع وكان ميتاً ففي إحيائه عرضي مصون

    وقال:

    إن الطبيب بطبه ودوائه لا يستطيع دفاع مقدور القضا

    ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبري مثله فيما مضى

    هلك المداوى والمداوي والذي جلب الدواء وباعه ومن اشترى

    1.   

    مرض الإمام الشافعي ووفاته

    مرضه رحمه الله ووفاته:

    قال الربيع بن سليمان : أقام الشافعي هاهنا أربع سنوات، فأملى (1500) ورقة، وخرج كتاب (الأم) (2000) ورقة، وكتاب (السنة) وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين، وكان عليلاً شديد العلة، يكاد ربما يخرج الدم منه وهو راكب، حتى تمتلئ سراويله ومركبه وخفه.

    كان عنده بواسير رحمه الله، والبواسير عندما تنزف دماً تكون متقدمة.

    وعن يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحداً لقي من السقم ما لقي الشافعي ، فدخلت عليه يوماً فقال لي: يا أبا موسى ! اقرأ علي ما بعد العشرين والمائة من آل عمران: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:121] إلى آخر السورة، وأخف القراءة، ولا تثقل. فقرأت عليه، فلما أردت القيام قال: لا تغفل عني، فإني مكروب.

    قال يونس عنى الشافعي بقراءتي بعد العشرين والمائة ما لقى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أو نحوه؛ ليتأسى بهم، والإنسان يتصبر بما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في غزوة أحد.

    وعن الربيع قال: دخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله تعالى وارداً، ولسوء عملي ملاقياً، ثم رمى بطرفه نحو السماء واستعبر، ثم أنشأ يقول:

    إليك إله الخلق أرفع رغبتي وإن كنت يا ذا المن والجود مجرما

    ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما

    تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما

    ما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما

    ولولاك لا يقوى بإبليس عابد فكيف وقد أغوى صفيك آدما

    فإن تعف عني تعف عن ذي إساءة ظلوم غشوم قاسي القلب مجرما

    وإن تنتقم مني فلست بآيس ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما

    فجرمي عظيم من قديم وحادث وعفوك يا ذا العفو أعلى وأجسما

    قال الربيع بن سليمان: لما كان مع المغرب ليلة مات الشافعي قال له ابن عمه ابن يعقوب : ننزل نصلي؟ قال: تجلسون تنتظرون خروج نفسي؟ قال: فنزلنا ثم صعدنا فقلنا: صلينا أصلحك الله. قال: نعم. فاستسقى وكان شتاء، فقال له ابن عمه: أمزجه بالماء المسخن فقال الشافعي : لا، بل بلب السفرجل، وتوفي مع العشاء الآخرة رحمه الله.

    قال الربيع بن سليمان: توفي الشافعي رحمه الله ورضي عنه ليلة الجمعة بعد المغرب وأنا عنده، ودفن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب، فانصرفنا من جنازته ورأينا هلال شعبان سنة (204)، وهو ابن أربع وخمسين سنة.

    وعن أبي زكريا يعني: الأعرج قال: سمعت الربيع يقول: رأيت في المنام أن آدم مات، ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عن ذلك فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض، إن الله عز وجل علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسيراً حتى مات الشافعي رحمه الله، وغربت بذلك شمس حياته، ولكن محبة هذا الإمام وبركة علمه ومصنفاته تملأ طباق الأرض، فما من صاحب محبرة إلا وللشافعي عليه منة.

    فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا وله، وأن يمن علينا وعليه بأعلى الدرجات، والله عز وجل يغفر لنا تقصيرنا في ترجمته، وأن يمتعنا في الآخرة بصحبته، ويدخلنا وإياه فسيح جنته.

    وهذا أوان ترك القلم في ترجمة هذا العلم، فالقلوب تشتاق إلى صحبته والتمتع بكمال عقله ووفور فطنته وبركة كلماته.

    وصل اللهم وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وآل بيته الطيبين، وأصحابه الغر الميامين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007969391

    عدد مرات الحفظ

    720794176