إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الشهادات [2]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشهادة عند القاضي بحق من الحقوق يشترط فيها شروط لابد من توفرها في الشاهد، وقد تختلف الشروط بحسب الحق المشهود به، وبعض هذه الشروط خاضعة للعرف. وكما يشترط للشهادة شروط فإنه قد يمنع من قبولها موانع توجب على القاضي عدم قبولها كالقرابة القريبة بين الشاهد والمشهود له، والعداوة الدنيوية بين الشاهد والمشهود عليه ونحو ذلك مما بينه الفقهاء في كتبهم.

    1.   

    شروط من تقبل شهادته

    البلوغ والعقل والنطق والحفظ

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب شروط من تقبل شهادته، وهي ستة: أحدها البلوغ فلا شهادة لصغير ولو اتصف بالعدالة ].

    لأن الله جل وعلا يقول: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283] وهذا لا يتوجه في حق الصغير؛ لأنه غير مكلف، فلا يقال فيه إنه آثم قلبه.

    ولأن الله قال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282] فدل هذا على أن الصبي لا تقبل شهادته.

    [ الثاني: العقل ]، هذا هو الشرط الثاني؛ [ فلا شهادة لمعتوه ومجنون ].

    المعتوه: هو ناقص العقل، يعني: ليس عقله تاماً، بل فيه شائبة جنون.

    وأما المجنون: فهو الذي لا يعقل.

    فلا تُقبل شهادتهما؛ لأن قول هؤلاء على أنفسهم لا يُقبل، فأولى من ذلك ألا يُقبل قولهم على غيرهم.

    [ الثالث: النطق فلا شهادة لأخرس ] يعني: لا تقبل في الشهادة إشارة الأخرس؛ [ إلا إذا أداها بخطه ]، فإذا أداها بخطه قُبلت؛ لأن الخط يُقبل، فإذا عُلم أنه خط فلان قُبل، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين عنده شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده) كما في الصحيحين، فدل هذا على أن الخط يُقبل، أما إشارته فلا تُقبل.

    وقال الإمام مالك : بل تُقبل شهادة الأخرس ولو بإشارته، لأن الإشارة منه تقوم مقام النطق.. وهذا أصح.

    [ الرابع: الحفظ، فلا شهادة لمغفّل ومعروف بكثرة غلط وسهو ].

    لأنه لا تحصل الثقة بقوله، وعليه: إذا كان الرجل يُعرف بكثرة الغلط وكثرة السهو وفيه غفلة فإن شهادته لا تُقبل.

    الإسلام

    [ الخامس: الإسلام ].

    لأن الله جل وعلا قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2].

    وقال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ[البقرة:282] والكفار ليسوا من رجالنا.

    وعلى ذلك فلا تُقبل شهادة الكافر، ولذا قال: [ فلا شهادة لكافر ولو على مثله ]، فلو شهد نصراني على نصراني، أو يهودي على يهودي فكذلك لا تُقبل.. إذاً شهادة الكافر لا تُقبل ولو على مثله.

    والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب الأحناف وقول إسحاق وأبي عبيد ورواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام : أن شهادة الكفار تُقبل إن شهدوا على بعضهم، فشهادة بعضهم على بعض تُقبل، وهذا هو الراجح؛ وذلك لأن الحاجة تدعو إلى ذلك لإثبات حقوقهم لئلا تضيع الحقوق.

    وأما قوله جل وعلا: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ[الطلاق:2]، وقوله جل وعلا: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ[البقرة:282] فإنهما في خطاب المؤمنين، فإن الله جل وعلا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إلى قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ[البقرة:282] وقال: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ..[الطلاق:1] إلى أن قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ[الطلاق:2]؛ فهذا في بيان أن شهادة الكافر لا تُقبل في حق المسلم وهذا مُسلّم، أما شهادة بعضهم على بعض فإنها تُقبل لأن الحاجة داعية إلى ذلك.

    وهل يشترط اتحاد الملة أم لا؟

    على قولين: أصحهما وهو قول إسحاق وأبي عبيد : أنها تُشترط؛ لأن الملة إذا اختلفت كان ذلك محل تُهمة، بأن يُتهم اليهودي في شهادته على النصراني أو العكس، فإذا اتحدت الملة أمِنا ذلك.

    ولأن العادة أن بعضهم يشهد لبعض، فالنصارى يكتفون بشهادة بعضهم لبعض، وكذلك اليهود.

    إذاً: الصحيح أن شهادة بعضهم لبعض مع اتحاد الملة تُقبل.

    حكم شهادة الكافر للمسلم

    وتُقبل شهادة الكافر للمسلم في الوصية التي تكون في السفر مع الضرورة؛ لأن الله جل وعلا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106]؛ قالوا: فهذا يدل على أنه عند الضرورة في السفر تصح شهادة الكافر للمسلم على الوصية.

    والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يكون من أهل الكتاب.

    وعن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أنه لا يشترط أن يكون من أهل الكتاب؛ لأن الله قال: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106] فدخل في ذلك غير أهل الكتاب من الوثنيين.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً أن ذلك يصح في الحضر أيضاً عند الضرورة؛ لأن الأمر منوط بالضرورة، فلا فرق في ذلك بين حضر أو سفر، وهذا هو الصحيح.

    العدالة

    قال: [ السادس: العدالة ] هذا هو الشرط السادس: أن يكون الشاهد عدلاً.

    وتقدم الكلام على هذا في درس سابق، قال الله جل وعلا: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2].

    وتقدم أن العدالة تُشترط بحسب الإمكان.

    1.   

    ما يعتبر للعدالة في الشهادة

    صلاح الدين

    وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أن الذي يشرب الدخان مثلاً في بلد الدخان فيها فاش ومنتشر لا نقول برد شهادته كما نقول ذلك في بلد لا يُشتهر فيها شرب الدخان، وقد لا يشربه إلا من هو معروف بالفسق.. فالمعاصي تختلف من بلد إلى بلد في انتشارها.

    وعلى ذلك فكما تقدم أنه من كان معروفاً بالصدق والأمانة فإن شهادته تُقبل؛ لأن الله جل وعلا يقول: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282].

    قال: [ ويُعتبر لها شيئان: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض برواتبها ].

    أن يؤدي الفرائض برواتبها، هذا هو الصلاح في الدين.

    وقوله: (برواتبها)، هذا هو المشهور في المذهب قالوا: لأن الذي يترك الرواتب لا تسلم فرائضه، يعني قد يترك فريضة.

    والقول الثاني في المذهب وهو الراجح: أنه لا يُشترط أن يؤدي الرواتب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله الرجل عن الفرائض ثم قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص؛ قال: (أفلح إن صدق) كما جاء في الصحيحين، ولا يمكن أن نرد شهادة من قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام ذلك إنه مُفلح.

    وعلى ذلك فالصحيح أن الرواتب لا تُشترط إنما يشترط أداء الفرائض، [ واجتناب المحرم بأن لا يأتي كبيرة ولا يُدمن على صغيرة ].

    والكبيرة: هي ما فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وما ترتب عليها لعن أو غضب أو نفي إيمان.

    ما ترتب عليها حد في الدنيا كالزنا، أو وعيد في الآخرة كإسبال الثوب خيلاء، أو ترتب عليه لعن كأكل الربا، أو غضب كالذين يبنون المساجد على القبور، أو نفي الإيمان كالزنا والسرقة ففيها حد، وفيها أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عن مرتكبها، وكذلك غيرها مما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حقه بنفي الإيمان أو أنه لا يجد ريح الجنة، فهذا كله يدل على أنه كبيرة، وما دون ذلك فهو صغيرة.

    قال: [ ولا يُدمن على صغيرة ].

    يعني: لا يصر على الصغائر؛ لأنها تجتمع على العبد فتهلكه، ولأن المداومة على الصغائر يدل على نوع استهانة بما حرّم الله جل وعلا.

    استعمال المروءة

    قال: [ الثاني: استعمال المروءة ] .

    إذاً: يُعتبر للعدالة شيئان: الصلاح في الدين، والثاني: استعمال المروءة.. فلا يكون الرجل عدلاً حتى يكون صالحاً في دينه وأن يكون ذا مروءة، وقد تقدم شرح الصلاح في الدين.

    أما المروءة فقال المؤلف: [ بفعل ما يُجمّله ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه؛ لأن الذي لا مروءة له لا يؤمَن عليه الكذب ولا تؤمَن عليه الخيانة، كما جاء في الحديث: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) كما جاء في البخاري .

    فالذي لا يستحي لا مروءة له، فلا يؤمَن عليه أن يكذب في شهادته، ولا يؤمن عليه كذلك أن يخون في أمانته.

    ثم ذكر أمثلة فقال: [ فلا شهادة لمتمسخر ] وهو الذي فيه صفة استهزاء، [ ورقّاص، ومشعبذ ] الشعبذة هي خفة في اليدين، لكن ليست سحراً، وإنما هي خفة في اليدين، يعني يحضر المهرجانات ويكون عنده خفة في يديه.

    [ ولاعب بشطرنج ونحوه ]، ولأن اللعب بالشطرنج كذلك حرام.

    [ ولا لمن يمد رجليه بحضرة الناس ].

    وهذه المسائل تختلف فيها الأعراف، فبعض البلاد إذا جلس الرجل في مجالس الرجال فمد رجليه سقطت مروءته، وبعضها لا يكون كذلك، فنرجع إلى المروءة في نفس البلد.

    [ أو يكشف من بدنه ما جرت العادة بتغطيته ].

    إذا كان أهل البلد قد جرت عادتهم بتغطية الرأس فمشى في تلك البلد حاسر الرأس عُد ذلك في تلك البلد مُسقطاً لمروءته، لا في البلد الأخرى التي يُشتهر فيها حسر الرأس.

    كذلك لو خرج في البلد وعليه لباس قد كشف عن منكبيه مثلاً وربما كشف عن ساقيه، فهو يمشي في الشارع على هذه الصفة؛ فإنك لا تكاد تجد بلداً إلا وهذا عندهم مما تسقط به المروءة.

    [ ولا لمن يحكي المضحكات ]، يعني يحكي للناس النكت والمضحكات في المجالس.

    [ ولا لمن يأكل في السوق ] أي: يجلس في السوق ويأكل، وهذا كما ذكرت لكم يختلف باختلاف الأعراف.

    [ ويُغتفر اليسير كاللقمة والتفاحة ] مثلاً: قد تكون في بلدك لا تأكل أبداً في الشارع لكن عندما يأتي الإنسان إلى مكة يجد الناس يأكلون مثلاً في الشارع عند المطاعم أو نحوها فيأكل معهم، فهذا لا يُنقص مروءتهم؛ لأن هذا يختلف كما ذكرت لكم باختلاف البلدان.

    هنا كما رأيتم شرط العدالة فيه عسر، فإذا قلنا بالشروط التي ذكرها المؤلف من الصلاح في الدين والمروءة فقد لا نجد إلا اليسير ممن يصلح للشهادة، ولذا كما قال ابن القيم رحمه الله: إنه تُقبل شهادة الفاسق الأمثل فالأمثل عند الضرورة كما في هذه الأزمنة، قال: وإنما يُنكره أكثر الفقهاء بألسنتهم؛ لكن في المحاكم يقبلونه؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا، ولو رددنا شهادة من عنده فسق في هذا العصر فقد لا نجد إلا اليسير ممن تُحفظ بهم حقوق الناس في الشهادات.

    1.   

    حكم شهادة من تحمل حال النقص أو كان فيه نقص

    حكم التحمل قبل حصول شرط الشهادة والأداء بعده

    قال: [ فصل: ومتى وجد الشرط بأن بلغ الصغير وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قُبلت الشهادة بمجرد ذلك ].

    إذاً: لو تحملها صبياً وأداها بالغاً قُبلت، والمجنون لا نقبل شهادته فإذا عقل قبلنا شهادته؛ لكن تحمله لا يُقبل؛ لأنه لا عقل له فلا يُقبل تحمله، لكن الصبي يقبل تحمله.. ويؤديها بعد بلوغه.

    كذلك الكافر إذا تحمل شيئاً في كفره وأداه بعد إسلامه قُبل.

    وكذلك إذا تحمل الفاسق شهادة وأداها بعد توبته قُبلت؛ لأن الاعتبار إنما هو حال الأداء، لئلا يكذب ولا يخون.

    حكم شهادة العبد وأصحاب الحرف الدنيئة

    قال: [ ولا تشترط الحرية ] يعني لا يُشترط أن يكون الشاهد حُراً، [ فتُقبل شهادة العبد والأمة في كل ما تُقبل فيه شهادة الحر والحرة ].

    ولذا فإن أمة سوداء كما جاء في البخاري قالت: (إني قد أرضعت عقبة والتي نكح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة) أي: لأن هذه الأمة شهدت.

    ولقوله جل وعلا: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282] والعبيد من رجالنا.

    وكذلك قول الله جل وعلا: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] .

    قال: [ ولا يُشترط كون الصناعة غير دنيئة ].

    يعني: لا يُشترط في الشاهد أن تكون صناعته ليست دنيئة، فلو كان حجاماً أو حداداً أو زبالاً أو كنّاساً فإن شهادته تُقبل.. فمثل الكنّاس شهادته تُقبل لعمومات الأدلة: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] .

    حكم شهادة الأعمى

    قال: [ ولا كونه بصيراً، فتقبل شهادة الأعمى بما سمعه حيث تيقن الصوت وبما رآه قبل عماه ].

    الأعمى تُقبل شهادته بما رآه قبل عماه، وتقبل شهادته فيما سمعه يقول: أعرف صوت فلان وقد سمعته يطلّق فلانة، فتُقبل شهادته ما دام أنه متيقن أن هذا هو صوت فلان.

    1.   

    موانع الشهادة

    الأول الملك أو البعضية أو الزوجية

    قال: [ باب موانع الشهادة ].

    الموانع: جمع مانع، والمانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، مثل الحيض يمنع من الصلاة.

    فهنا يذكر موانع الشهادة.

    قال: [ وهي ستة: أحدها: كون الشاهد أو بعضه ملكاً لمن يشهد له ].

    يعني: لا تُقبل شهادة العبد لسيده، لأن العبد يتبسّط بمال سيده وسيده يُنفق عليه فإنه لا مال له، فكان كالولد مع والده.. فكما أن الولد -كما سيأتي- لا تُقبل شهادته لوالده فكذلك العبد لسيده.

    وكذلك لو كان يملك بعضه وبعضه حر، كأن يملك زيد نصفه ونصفه الآخر حر، فكذلك لا تُقبل شهادته.

    [ وكذا لو كان زوجاً له ولو في الماضي ].

    الزوج لا تُقبل شهادته لزوجه، كذلك المرأة لا تُقبل شهادتها لزوجها، فلا يصح أن يكون الشاهد أحد الزوجين، هذا مذهب الجمهور، قالوا: لأن المرأة تتبسّط في مال زوجها؛ ولأن بينهما ما يدعو إلى التهمة في الشهادة، مما هو نحو ما يكون بين الولد ووالده، فالصلة قوية بين الزوجين.

    قال هنا: (ولو في الماضي) أي: ولو كان قد أبانها أو خلعت نفسها منه، قالوا: لأنه قد يُحتال بهذا، قد يبين المرأة ثم يعود إليها بعد الشهادة فيُسد هذا الباب.

    وقال الشافعية ورواية عن أحمد : بل شهادة أحد الزوجين للآخر تصح لعموم الآيات، والذي ترجح ما ذهب إليه الجمهور، إلا إذا انتفت التهمة فإنا نقبل كما ذكر هنا، أي: لو أنه أبانها وعُلم أن هذه البينونة لا تكون لطلب الشهادة على مثل هذا الأمر وهي الآن تشهد له أو يشهد لها والأمر يسير بحيث لا يفارق الرجل امرأته بالثلاث من أجل الشهادة به، فهنا التهمة منتفية.

    قال: [ أو كان من فروعه وإن سفلوا من ولد البنين والبنات أو من أصوله وإن علوا ].

    إذا كان من فروعه أو من أصوله فلا تُقبل الشهادة، فالولد لا يشهد لوالده ولا لجده ولا لأمه ولا لجدته، وكذلك الوالد لا يشهد لولده، والأم لا تشهد لولدها الذكر ولا لبنتها.

    إذاً: الأصول والفروع لا تصح الشهادة لهم، هذا هو مذهب الجمهور، واستدلوا بقول عمر رضي الله عنه الذي رواه البيهقي بإسناد صحيح أنه قال: المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً بحد، أو مجرباً في شهادة زور، أو ظنيناً في قرابة أو ولاء، الظنين: هو المتهم، يعني أن يكون متهماً في قرابة، وأقوى القرابة التي تكون معها التهمة هي قرابة الأصول والفروع.

    وقال أهل الظاهر وهو قول شريح القاضي والمزني وابن حزم : إن شهادة الأصول تصح للفروع والعكس، قالوا: لعمومات الأدلة: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282].

    واختار ابن قيم الجوزية وهو رواية عن أحمد ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم وظاهر اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : أن شهادة الأصول والفروع تُقبل عند انتفاء التهمة.

    إذاً: لا تُقبل إلا إذا انتفت التهمة، كأن يكون الرجل مبرّزاً في العدالة، معروفاً بالصلاح فمثله لا يشهد لولده أو لحفيده مثلاً أو لجده أو جدته بشهادة زور.

    إذاً: الصحيح وهو قول الجمهور: أن شهادة الأصول والفروع لا تُقبل؛ لكن إن رأى القاضي أن التهمة منتفية في مثل هذه القضية، وأن الرجل له عدالة تمنعه عن الشهادة في مثل هذا فالأظهر أنه يقبل شهادته.

    قال: [ وتُقبل لباقي أقاربه ] كأخيه إجماعاً، فالأخ يشهد لأخيه ويشهد لعمه، يقول مثلاً: أشهد أنه أقرض فلاناً كذا، أشهد أن فلاناً قد جرحه..!

    إذاً: الأخ يشهد لأخيه، ويشهد لعمه، ويشهد لخاله.

    [ وكل من لا تُقبل له فإنها تُقبل عليه لعدم التهمة ].

    لأن الله جل وعلا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135] لو شهد الولد على والده يقول: أشهد أن فلاناً أقرض أبي، أو الوالد على ولده: أشهد أن فلاناً قد أقرض ابني، فهذه تُقبل بلا خلاف لعدم التهمة، والكلام فيما تقدم في الشهادة له لينفعه فهنا تكون التهمة.

    الثاني كونه يجر بها نفعاً لنفسه

    قال: [ الثاني: كونه يجر بها نفعاً لنفسه ].

    إذا كانت الشهادة فيها نفع للشاهد فلا تُقبل، يعني: إذا أتى شاهد عند القاضي يشهد بأمر يترتب على ذلك نفع له فلا تُقبل؛ لأنه يتهم.

    قال: [ فلا تُقبل شهادته لرقيقه ]، أي: لا تُقبل شهادته لعبده، لأن عبده مال له، [ ومكاتبه ]، كذلك.

    [ ولا لمورثه بجرح قبل اندماله ]؛ لأنه قد يسري إلى نفسه فتجب الدية، فيُتهم أنه يريد الدية.

    لو شهد أن فلاناً قد جرح مورثه، وأن هذا الجرح لم يندمل وأنه قد سرى حتى مات بسببه، فإنه يتهم أنه يريد الإرث فلا يُقبل.

    [ ولا لشريكه فيما هو شريك له ]، يعني: لو ثبت للقاضي أن هذا شريك له في هذه الشركة وهو يشهد بما يعود به النفع للشركة فلا يُقبل.

    مثلاً: أنت شريك في شركة وشهدت لشريكك بما يعود نفعه للشركة فلا تقبل؛ لكن إذا كان يعود نفعه للشريك لا للشركة فتشهد.

    مثاله: زيد وعمرو يشتركان في شركة، فشهد زيد لعمرو بأمر يعود نفعه له لا للشركة، فشهادته تُقبل لعدم التهمة، لكن إذا كان النفع يعود للشركة بأن يكون هذا القرض للشركة أو الدين للشركة، فهنا لا تُقبل الشهادة.

    قال: [ ولا لمستأجره فيما استأجره فيه ] كمن نوزع مثلاً في قماش وكان قد أعطى هذا القماش خياطاً فخاطه، الآن الخياط من مصلحته أن يكون هذا الثوب لهذا الذي دفعه له حتى لا تضيع أجرته، فإذا شهد الخياط في هذا الثوب الذي خاطه من أجل أن لا تضيع الأجرة، فهنا يكون هذا الخياط متهماً؛ لأنه يريد نفع نفسه؛ لأن هذا الثوب إذا رجع إلى هذا الرجل الذي أعطاه إياه أخذ أجرته، وإذا خرج عن يده فقد لا يأخذ أجرته.

    الثالث أن يدفع بها ضرراً عن نفسه

    قال: [ الثالث: أن يدفع بها ضرراً عن نفسه ].

    إذا كانت الشهادة فيها دفع ضرر عن النفس فلا تُقبل، أي: إذا كان يترتب عليها دفع ضرر عن نفسه فلا تُقبل؛ لأنه متهم.

    قال: [ فلا تُقبل شهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ ]، كأن شهد اثنان على رجل بأنه قتل فلاناً خطأ، وعليه فإن العاقلة هي التي يلزمها بدفع الدية، فجاءت العاقلة وجرحت الشهود، نقول: لا تُقبل شهادتهم في طعن الشهود؛ لأنهم يريدون دفع الضرر عن أنفسهم، فهم لا يريدون أن يدفعوا دية، فلا تُقبل شهادتهم.

    يعني: عندنا رجل قتل رجلاً ولم يقر بأنه قتل، وشهد اثنان زيد وعمرو أنه قد قتل خطأ، فالقاضي يطالب العصبة بالدية، فالعصبة هنا أتوا وقالوا: إنا نطعن في الشهود. فنقول: أنتم شهادتكم في طعن الشهود لا تُقبل، ائتوا بشهود آخرين من غيركم يشهدون أن هؤلاء الشهود لا يصلحون للشهادة.

    قال: [ ولا شهادة الغرماء بجرح شهود دين على مفلس ]، فإذا كان هذا الرجل مفلساً وجاء زيد وعمرو وادّعى كل واحد منهم أن عنده له خمسين ألفاً، فالقاضي في الأصل يحصي مال المفلس ويوزعه على غُرمائه بقدر حصصهم، فإذا لم يجد عنده مثلاً إلا مائة ألف ريال، وغرماؤه أربعة كل واحد يريد خمسين ألفاً، فإنه يُعطي كل واحد خمسة وعشرين ألفاً والباقي في الذمة.

    فالآن أحصى ماله ووجده مائة ألف ريال وزيد يريد خمسين ألفاً وعمرو يريد خمسين ألفاً، وبكر وعبد الله كل واحد منهم يريد كذلك خمسين ألفاً، وكانا هما اللذين طالبا بالدين حتى حُجر عليه، فإذا سلما من زيد وعمرو أخذا حقهما كاملاً.

    فالمفلس لم يقر أن لزيد وعمرو لكل واحد منهما خمسين ألفاً، فلو جاء الغرماء وقالوا: إن شهود الحق الذي لزيد وإن شهود الحق الذي لعمرو لا يصلحون للشهادة، فنحن نطعن بهم.

    نقول: نحن لا نقبل طعنكم؛ لأن هذا الطعن أنتم متهمون فيه، لأنكم تُريدون أن تدفعوا الضر عن أنفسكم.

    قال: [ ولا شهادة الضامن لمن ضمنه بقضاء الحق أو الإبراء منه ].

    الكفيل الغارم أتى يشهد أن مكفوله قد قضى الدين، فلا تُقبل الشهادة، لأنه يريد إبراء ذمته، لأن الضامن يتعلق الدين بذمته.

    قال: [ وكل من لا تُقبل شهادته له لا تُقبل شهادته بجرح شاهد عليه ]؛ لما تقدم.

    يعني: جاء رجل يشهد على والدك، ثم أتيت أنت شاهداً من الشهود الذين يطعنون في هذا الشاهد، فلا نقبل ذلك؛ لأن شهادتك لوالدك لا تُقبل فكذلك طعنك بالشاهد عليه.

    ادّعى زيد أنه أقرض أباك ألف ريال وأتى بشاهد أو بشاهدين، فأتيت تشهد أن الشاهدين اللذين شهدا على أبيك من أهل الفجور، وأنهما يشربان الخمر تريد أن يسلم أبوك من القرض، فلا تُقبل شهادتك، فكما أن شهادتك له لا تُقبل، فطعنك في الشهود الذين يشهدون عليه كذلك لا يقبل.

    الرابع العداوة لغير الله

    قال: [ الرابع العداوة لغير الله ].

    أما العداوة لله فإن الشاهد يُقبل؛ لأن عداوته لله فلا يُمكن أن يكذب ويظلم هذا الرجل وهو يعاديه لمعصيته أو لبدعته؛ لكن إذا كانت العداوة لأمر في نفسه! فلا تُقبل شهادته عليه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في أبي داود : (لا تُقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر -أي: ذي حقد- على أخيه، ولا القانع لأهل البيت).

    القانع لأهل البيت يعني الرجل يُنفق عليه أهل البيت، تجد الرجل الفقير يسكن بجوار أغنياء يُرسلون له الطعام والمئونة والكساء، فهذا أصبح كالولد لا تقبل شهادته لهم.

    وذو الغمر: هو ذو الحقد، فالذي يعاديك لا تُقبل شهادته عليك..

    قال: [ كفرحه بمساءته، وغمه لفرحه، وطلبه له الشر، فلا تُقبل شهادته على عدوه ].

    يعني: إذا جاء شاهد يشهد عليك فأثبت أن بينك وبينه عداوة غير دينية، إما عداوة بين الأسرة، أو بين القبيلتين، أو نحو ذلك، فإذا أثبت ذلك فإن شهادته لا تُقبل عليك.

    قال: [ إلا في عقد النكاح ]، أي: تُقبل في عقد النكاح، لأن عقد النكاح المقصود منه إظهار النكاح وإعلانه.

    الخامس العصبية

    قال: [ الخامس: العصبية: فلا شهادة لمن عُرف بها، كتعصّب جماعة على جماعة وإن لم تبلغ رُتبة العداوة ]، لما تقدم.

    إذا كان بينهم عصبية وإن لم تبلغ درجة العداوة فلا تُقبل للتهمة.

    السادس الشهادة المعادة بعد أن ردت لتهمة

    [ السادس: أن تُرد شهادته لفسقه ثم يتوب ويعيدها ].

    هذا رجل ذهب إلى القاضي وشهد أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا وكذا، فقال القاضي: أنت فاسق ولا تقبل شهادتك، فتاب، ثم رجع يعيد الشهادة نفسها فنقول هنا: لا نقبل؛ لأنه يُتهم أنه انتصر لنفسه وأراد أن لا تُرد شهادته فتاب من أجل ذلك، لكن إن شهد بأمر آخر قبلنا.

    أما الأمر الذي رددنا شهادته قبل لفسقه فلا نقبله الآن؛ لأنه يتهم أنه يريد أن يزيل العار الذي لحقه، يقول: القاضي رد شهادتي في هذا الأمر فلا بد أن أشهد فيه، ويتوب ويترك الفسق، ثم يذهب ويشهد بالأمر نفسه فلا نقبل.

    لكن إذا أتى القاضي يشهد بأمر آخر وقد تاب فالواجب أن يقبل شهادته.

    [ أو يشهد لمورثه بجرح قبل برئه ثم يبرأ ويعيدها ].

    شهد لمورثه بجرح قبل أن يبرأ الجرح فردت شهادته، ثم برئ الجرح فجاء يعيد الشهادة السابقة، فنحن في السابق رددناها لأنا نخشى أنه يريد أن تسري حتى يموت مورثه فيرثه، أما الآن فقد برئ؛ لكنا نخشى أنه أراد دفع العار السابق، فهي كالمسألة السابقة.

    [ أو ترد لدفع ضرر أو جلب نفع أو عداوة أو ملك أو زوجية ثم يزول ذلك ]، يعني: المانع، [ وتعاد؛ فلا تقبل ] شهادته [ في الجميع ]؛ للمعنى المتقدم؛ أنا نخشى أنه أراد أن يدفع العار عن نفسه.

    قال: [ بخلاف ما لو شهد وهو كافر، أو غير مكلّف، أو أخرس، ثم زال ذلك وأعادوها ]، أي: فهنا نقبل شهادتهم التي أعادوها؛ لأنهم لا يُتهمون بإزالة العار؛ لأن في مثل هذه المسائل لم يلحقهم عار بذلك.