إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الشهادات [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يقضي القاضي للمدعي بمجرد دعواه، وإنما يطلب من الخصم الإقرار بالدعوى أولاً، فإن لم يقر طلب من المدعي البينة، فإذا شهدت البينة ثبت الحق للمدعي، ولذلك فأمور الشهادات وما يتعلق بها من شروط وأحكام هي مما يجب على القاضي العلم به.

    1.   

    أحكام الشهادات

    تعريف الشهادة وما تصح به

    قال: [ كتاب الشهادات ].

    الشهادات: جمع شهادة، والشهادة هي الإخبار بما علمه برؤية أو سماع، أو استفاضة وتكون بلفظ: أشهد، لا بغير هذا اللفظ.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو مذهب المالكية والأحناف ورواية عن أحمد : تصح الشهادة بكل لفظ يدل عليها، يعني: لا يُشترط أن يقول أشهد، فلو قال: رأيت فلاناً يقتل فلاناً فهي شهادة، ولو قال: سمعت فلاناً يطلّق امرأته فهي شهادة، وهذا هو الراجح.

    قال شيخ الإسلام : ولا نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب يدل على اشتراط أن تكون بلفظ أشهد.

    إذاً الحنابلة قالوا: لا بد أن تكون الشهادة بلفظ أشهد، والصحيح أنه لا يُشترط، بل إذا قال ما يدل على الشهادة كسمعت أو رأيت فهي شهادة؛ لكن إن كانت بلفظ (علمتُ) فلا؛ لأن (علمت) يجوز أن تكون بالخبر عن عدل.

    حكم تحمل الشهادة وأدائها

    قال: [ تحمّل الشهادة في حقوق الآدمين فرض كفاية؛ قال جل وعلا: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282]، يعني: إذا ما دعوا للتحمل أو دعوا للأداء، فإذا دُعيت لتحمل شهادة فتحملها فإنها من فروض الكفاية، وإذا لم يكن ثم غيرك تعينت عليك.

    [ وأداؤها فرض عين ].

    إذاً: تحملها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقي، وأما أدائها فهو فرض عين، ولذا قال الله جل وعلا: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283] يعني فسق، فإذا سئل الشهادة وجب عليه أن يؤديها، أو إذا كان المشهود له لا يدري أن عنده شهادة له ويحتاج لشهادة ولم يسأله؛ لأنه لا يعلم أن عند فلاناً شهادة له بهذا الحق فالواجب عليه أن يبادر بأدائها.

    [ ومتى تحملها وجبت كتابتها ]، لئلا ينساها، يعني يجب أن يكتب الشاهدة لئلا ينساها فيضيع الحق على صاحبه.

    حكم أخذ الأجرة على الشهادة وكتمانها

    [ ويحرم أخذ أجرة وجُعل عليها ] لا يجوز أن يأخذ على الشهادة أجراً ولا جُعلاً، وذلك لأنها من فروض الكفاية كصلاة الجنازة؛ ولأن أخذ الأجرة على ذلك يفتح باب شر وفساد من شهادة الزور.

    [ لكن إن عجز عن المشي أو تأذى به فله أخذ أُجرة مركوب ] يعني: أنها قد تحتاج إلى سفر، وقد تحتاج إلى ذهاب إلى المحكمة والمحكمة يثقل عليك أن تمشي إليها بأقدامك، فتقول: ادفع لي أُجرة السيارة التي أركبها، ولا حرج عليك في ذلك، وإذا كان تحتاج إلى طائرة فلك أن تشترط عليه أن يدفع التذكرة؛ لأن الإنسان لا يلزمه أن ينفع غيره بضرر نفسه، فيقول: هذا نفع لك لكنه يضرني! فادفع أنت أُجرة المركوب، حتى لو كان الشاهد غنياً.

    قال: [ ويحرم كتم الشهادة ] للآية، [ ولا ضمان ] يعني إذا كتم الشهادة فلا يلحقه الضمان، فلا تلازم بين التحريم وبين الضمان.

    فلان استقرض منه قرضاً وأشهد فلاناً وفلاناً ثم إن المستقرض جحد وذهب هذا إلى الشهود فأبوا أن يشهدوا، فلا نقول: إن عليهم الضمان، ففي المستقبل أرادوا التوبة وقالوا: نحن كتمنا الشهادة، فلا نقول عليكم الضمان؛ لأن الذي أكل المال هو المستقرض، ولا تلازم بين الإثم الذي لحقهما بسبب ترك الشهادة وبين الضمان.

    حكم الإشهاد على العقود وبيان ما يشهد به

    [ ويجب الإشهاد في عقد النكاح خاصة ويسن في كل عقد سواه ] فلا بد في النكاح كما تقدم في كتاب النكاح من شاهدي عدل لا يصح النكاح إلا بذلك.

    [ ويسن في كل عقد سواه ]؛ لأن الله قال: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283] ]، هذا يدل على أن الشهادة في البيوع وفي غيرها مستحبة فالأمر ليس أمر إيجاب.

    قال: [ ويحرم أن يشهد إلا بما يعلم ] قال الله جل وعلا: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86].

    وجاء في البيهقي : (أترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد أو دع)، لكن الحديث ضعيف.

    [ إما برؤية أو سماع ] يشهد إما برؤية، يكون قد رأى فيقول: أشهد أن فلاناً شرب الخمر، أو يسمع فلاناً يُطلّق امرأته فيشهد بسماعه، ومن السماع أيضاً الاستفاضة، والاستفاضة: أن يكون الخبر مشهوراً عند الناس يتناقلونه، وتكون بالموت، بالنسب، بالملك المطلق ونحو ذلك، فيصح أن يُشهد بالاستفاضة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.

    فالاستفاضة: ما يتعذر غالباً علمه بالمشاهدة أو السماع فيتناقله الناس كالملك المطلق، يعني يشهد أن هذا البيت ملك لفلان لأنه بيده، لا يشهد أنه اشتراه من فلان لأن هذا يُعلم بالسماع، أما الاستفاضة فيشهد بالملك المطلق، ويشهد بالنسب ونحو ذلك.

    وهنا عند قوله: (تحمّل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية) يعني لا في حقوق الله جل وعلا؛ لأن حقوق الله جل وعلا مبنية على الستر ومبنية على التسامح، فلو طُلب منه أن يشهد على زنا أو على شرب خمر فإنا لا نقول إنه يجب عليه ذلك وأنها فرض عين بل نقول: إن هذا لا يُستحب؛ لأن حقوق الله جل وعلا مبنية على المسامحة والستر، إلا أن يكون الرجل معروفاً بالفساد والشر فيتوجه كما قال صاحب الفروع: أن الشهادة هنا تجب، فيتوجه عدم الستر وينبني على هذا أن يُشهد عليه.

    قال: [ ومن رأى شيئاً بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة ].

    ترى أن فلاناً يزرع هذه الأرض أو يغرسها أو يسكن في هذا البيت يتصرف فيه مدة طويلة كما يتصرف المُلّاك في هذا البيت يُرممه، ويعيد بناءه، ولذا قال: [ من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله أن يشهد له بالملك ]، يقول: أشهد أنه يملكه، فإذا دُعي للشهادة شهد أنه يملكه؛ لأنه بيده مدة طويلة يتصرف فيه كما يتصرف المُلّاك.

    [ والورع أن يشهد باليد والتصرف ]، الورع أن يقول: أنا أشهد أنه تحت يده وتحت تصرفه ويقف عند هذا.

    1.   

    ذكر صور من الشهادة تختلف أحكامها

    قال: [ فصل: وإن شهدا أنه طلّق من نسائه واحدة ونسي عينها لم تُقبل ].

    قالوا: نشهد أنه طلّق امرأة من نسائه لا ندري هل هي فاطمة أم زينب؟ لم تُقبل شهادتهما؛ لأنها شهادة بغير معين.

    [ ولو شهد أحدهما أنه أقر له بألف ] قال: أشهد أن زيداً قد أقر لعمرو بألف، [ والآخر أنه أقر له بألفين ] قال الآخر: أنا أشهد أنه أقر له بألفين، فشاهد يشهد أنه أقر له بألف وشاهد آخر يشهد أنه أقر له بألفين؛ قال: [ كملت بالألف ] لاتفاقهما عليها، [ وله ] أي المشهود له، [ أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده، ويستحقه ]، يكون شاهد ويمين؛ لأن اليمين مع الشاهد يُعمل بها.

    قال: [ وإن شهدا أن عليه ألفاً ] شهد هذا وهذا أن على عمرو ألفاً لزيد، [ وقال أحدهما: قضاه بعضه ] قال أحدهما: إنه قد قضاه بعضه أربعمائة أو خمسمائة [ بطلت شهادته ]؛ لأنه نقضها حيث شهد أولاً بأن عليه، ولم يقل: بأنه أقرضه، بل قال: إن عليه ثم قال: إنه قد وفاه بعضه فيكون هذا نقضاً؛ لكن لو قال: إنه أقرضه فلا يُعد نقضاً، ولذا قال: [ وإن شهدا أنه أقرضه ألفاً، ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما ]؛ لأنه لم ينقض كلامه.

    هناك قال: أنا أشهد أن عليه ألف ريال، ثم قال: إنه قضاه بعضه، فهذا نقض، أما إذا قال: إنه أقرضه ألفاً ثم قال: إنه قد وفّاه البعض، فهذا لا يُنافي هذا.

    قال: [ ولا يحل لمن أخبره عدل باقتضاء الحق أن يشهد به ]، أي: إذا تحملت شهادة، فشهدت أن فلاناً أقرض فلاناً عشرة آلاف ريال، ثم قال لك رجل ثقة: إنه قد قضاه، فلا يحل لك أن تشهد بأنه قضاه، وأنه اقتضى الحق؛ لأن هذا لم تشهده أنت وإنما هو خبر عن عدل.

    قال: [ ولو شهد اثنان في جمع من الناس على واحد منهم أنه طلّق أو أعتق، أو شهدا على خطيب أنه قال أو فعل على المنبر في الخطبة شيئاً، ولم يشهد به أحد غيرهما؛ قُبلت شهادتهما ]؛ لكمال النصاب.

    هذا رجل طلّق امرأته في مجمع من الناس .. اجتمع أهل السوق ليصلحوا وهم مائة رجل، ثم إن اثنين من المائة عدلين شهدا أنه قد طلّق ولم يشهد البقية فيكفي هذا ولا نحتاج أن نقول: اشهدوا جميعاً.

    كذلك لو أن اثنين شهدا على خطيب أنه قال كذا وكذا على المنبر فتكفي شهادتهما، ولا نقول: لا بد أن يشهد الجميع؛ وذلك لكمال النصاب.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين تحمل الشهادة وأدائها

    السؤال: ما الفرق بين تحمل الشهادة وأدائها؟

    الجواب: التحمل أن تسمع الشهادة، يقول لك فلان: تعال اشهد أني أقرضت فلاناً! فهذا تحمل.

    والأداء يكون عند القاضي.

    حديث الرجلين اللذين ادعيا البعير

    السؤال: في حديث الرجلين اللذين ادعيا البعير؛ هل قسم النبي صلى الله عليه وسلم بالثمن؟

    الجواب: لهما أن يأخذاه جميعاً، وإن اختلفا وأرادا القسمة فإنه يباع عليهما أو يبيعانه ويقتسمان الثمن كما تقدم، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.