إسلام ويب

دليل الطالب كتاب القضاء [1]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحاجة إلى القضاء وفصل الخصومات من الأمور الضرورية للمجتمع، والفقهاء يفردون أبواباً من كتب الفقه يبينون فيها مهمات القضاء وآدابه والصفات المشترطة في القاضي وآدابه، وما يجب عليه تجاه الخصمين، ومتى يكره له القضاء بين المتنازعين ومتى يحرم.

    1.   

    تولية القضاء

    تعريف القضاء وحكمه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب القضاء ].

    القضاء في اللغة: الفصل والحكم.

    وفي الاصطلاح: هو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات.

    قوله: (تبيين الحكم الشرعي)، هذا القيد يجمع مع القاضي المفتي فإن المفتي كذلك يبين الحكم الشرعي.

    (والإلزام به)، هذا يختص بالقاضي، فإن المفتي يبين الحكم الشرعي لكنه لا يلزم به، قد يفتي بأن امرأته تطلق بالثلاث وتبين منه لكنه لا يلزم بذلك، فقد يذهب هذا المستفتي إلى غيره فيفتيه بغير ذلك.

    وعلى ذلك فالقاضي يُلزم، وأما المفتي فإنه يبيّن فقط.

    قال: [ وهو فرض كفاية ].

    هذا من فروض الكفاية، فيجب على الأمة أن يكون فيها قضاة يحكمون بالشرع في أمصارها وأقاليمها، ويكونون على جهة الكفاية.

    فإن كان في البلد عالم لا يصلح سواه للقضاء فإنه يتعين عليه ذلك.

    إذاً: القضاء من فروض الكفاية؛ لكن إن كان لا يوجد في البلد سواه يصلح للقضاء فإنه يتعين عليه.

    لكن بالنسبة للفرد الذي تتوفر فيه صفات القاضي ويوجد غيره يتولى القضاء، هل يستحب له أن يتولى القضاء أو لا يستحب له؟

    قولان لأهل العلم:

    القول الأول: أنه لا يستحب؛ قالوا: لما جاء عند الأربعة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين).

    وروى الخمسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق وقضى للناس على جهل فهو في النار) .

    والقول الثاني: أنه يستحب له أن يتولى القضاء، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد تولى القضاء، وأن الخلفاء الأربعة كذلك قد تولوا القضاء.

    قالوا: وإنما يُحمل ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: (من تولى القضاء فقد ذُبح بغير سكين) على ما يُخشى على القاضي من طلب الرياسة والمال وما يحوطه مما يُخشى عليه من المفاسد، فإن قوي على نفسه فهو مستحب، وهذا هو الراجح.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والواجب في ولاية القضاء اتخاذها ديناً وقربة، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال فيها.

    وجوب تنصيب القضاة على الإمام

    قال: [ وهو فرض كفاية فيجب على الإمام أن ينصب بكل إقليم قاضياً، وأن يختار لذلك أفضل من يجد علماً وورعاً ]؛ لأن الإمام هو الناظر للمسلمين، فيجب أن يختار لذلك أفضل من يجد علماً وورعاً.

    [ ويأمره بالتقوى وتحري العدل ]، فقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (إنما أقضي له بنحو ما أسمع) وهو في الصحيحين.

    قال: [ وتصح ولاية القضاء والإمارة منجزة ]، كوليتك الآن، [ ومعلقة ]، يقول: وليتك قضاء الإقليم بعد فلان، فهذه معلقة كالإمرة، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أميركم زيد فإن قُتل فـجعفر) كما في الصحيحين.

    [ وشرط لصحة التولية كونها من إمام أو نائبه فيه ].

    أي: فالذي يولي القضاة هو الإمام، يعني بالإمام ولي الأمر، أو من ينوب عنه في أمر القضاء وهو رئيس القضاء الأعلى الذي يتولى تعيين القضاة، فهذا ينوب عن الإمام.

    قال: [ وأن يُعيّن له ما يوليه فيه الحكم من عمل ] يعني الذي يجمع بلاداً كثيرة كمصر مثلاً أو العراق أو الحجاز فيقول: أنت القاضي في هذا العمل، [ وبلد ]، كمكة والمدينة، يعني يعين له المكان الذي يتولى فيه القضاء، قد يكون هذا المكان تدخل فيه قرى وتدخل فيه مدن كثيرة، وقد يكون دون ذلك.

    ألفاظ تولية القضاء

    قال: [ وألفاظ التولية الصريحة سبعة: وليتك الحكم، أو قلدتك هو، وفوضت، أو ردِّدت، أو رددت، أو جعلت إليك الحكم ] يعني فوضّت إليك الحكم بالقضاء، [ أو استخلفتك، أو استنبتك في الحكم، والكناية نحو: اعتمدت، أو عوّلت عليك، أو وكلتك، أو أسندت إليك ]، وهذه الكناية [ لا تنعقد بها إلا بقرينه ] يعني: لا تنعقد بها الولاية إلا بقرينة [ نحو: فاحكم ]، يعني أن يقول: اعتمدت عليك فاحكم، أو عوّلت عليك فاحكم، [ أو فتولى ما عوّلت عليك فيه ].

    هذه الألفاظ التي ذكرها المؤلف وغيرها من الألفاظ التي تدل على الولاية إما أن تكون صريحة وإما أن تكون كناية، فإن كانت كناية فلا بد فيها من قرينة، وإن لم تكن كناية كانت صريحة فلا تحتاج إلى قرينة.

    قال: [ فصل ].

    هذا الفصل فيما تفيده ولاية الحكم، يعني ما هي الأعمال التي يقوم بها القاضي، وما الذي يدخل في ولايته؟

    قال: [ وتفيد ولاية الحكم العامة فصل الخصومات، وأخذ الحق، ودفعه للمستحق، والنظر في مال اليتيم، والمجنون والسفيه، والغائب، والحجر لسفه وفلس، والنظر في الأوقاف لتجري على شروطها، وتزويج من لا ولي لها ].

    إذاً: هذا ما تفيده ولاية القضاء.. عندما يولى القاضي يكون هو الذي ينظر في الأوقاف، وهو الذي يزوج من لا ولي لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها)، كذلك النظر في أموال اليتامى وأموال المجانين والسفهاء.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذا ليس له حد في الشرع وإنما يرجع فيه إلى الألفاظ والعرف.

    فالعرف يختلف من بلد إلى بلد، ففي بعض البلاد تكون الأوقاف خارجة عن ولاية القاضي، ويكون هناك على الأوقاف من ينوب عن القاضي.

    كذلك فيما يتعلق أيضاً بالنظر على أموال اليتامى في بعض البلاد هناك جهة مختصة خارجة عن القضاء تنظر في تنمية أموالهم وحفظها، مما يدل على أنه ليس لهذا حد شرعي، إنما يُرجع فيه إلى العرف وإلى الألفاظ، أعني إلى عُرف البلد والألفاظ التي تلفّظ بها من ولّاه، سواء كان ولي الأمر أو القائم بأمر القضاء نائباً عن ولي الأمر.

    قال: [ ولا يستفيد الاحتساب على الباعة، ولا إلزامهم بالشرع ].

    يعني: لا يفيد ذلك أن يتولى هو متابعة القائمين على أمر الباعة في السوق في البيع وفي الشراء ونحو ذلك، فهذا لا تفيده ولاية الحكم، وهذا كما تقدم يرجع فيه إلى العُرف وإلى الألفاظ، ففي بعض البلاد قد يكون أمر الحسبة كذلك إلى القاضي، وكذلك متابعة أهل السوق.

    إذاً: ليس لهذا حد شرعي كما قال شيخ الإسلام وإنما يُرجع فيه إلى العُرف وإلى الألفاظ.

    قال: [ ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله ].

    وهذا واضح؛ لأنه إنما ولّي القضاء في هذا العمل أو في هذه البلدة، فلا يحكم في موضع آخر، وإن حكم في موضع آخر فإن حكمه لا ينفذ إلا أن ينفذه القاضي في تلك البلد كما يأتي شرحه إن شاء الله.

    1.   

    حكم المحكم بين خصمين

    وقوله هنا: (ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله) هو كما تقدم؛ لكن إن تراضى أي الخصمان على رجل يصلح للقضاء فإن حكمه يصح ويلزم الخصمان العمل به، وإذا رُفع الأمر إلى القاضي وجب على القاضي أن ينفّذه؛ لأن الله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وهذا هو قول أكثر الفقهاء.

    وقد جاء في سنن أبي داود في حديث أبي شريح وكان يكنى بـأبي الحكم فسأله النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك؟ فقال: (إن قومي إذا اختلفوا أتوا إليّ فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أحسن هذا).

    إذاً: مذهب أكثر العلماء أن الخصمين إذا أتيا إلى رجل من أهل العلم الذين تتوفر فيهم شروط القاضي وقالوا: نحن نرضى بحكمك، وتعاقدا على ذلك، فحكم بينهما فيجب عليهما الأخذ بحكمه.

    وإنما يجوز لهما الرجوع قبل شروعه في الحكم، فإذا شرع في الحكم وجب عليهما أن يأخذا بحكمه، وإذا رفع قضاءه إلى قاضي البلد وجب على قاضي البلد أن ينفّذه.

    مثلاً: هناك قبيلة في بلد أو دولة لا تحكم بالشرع، فيختارون عالماً يصلح للقضاء ويترافعون إليه ويحكم بينهم، فهنا يجب على قاضي البلد أن ينفذ هذا الحكم؛ لأنهما تراضيا عليه، والله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

    1.   

    شروط القاضي

    التكليف والذكورة والحرية والعدالة

    قال: [ فصل: ويُشترط في القاضي عشر خصال ]. هذه شروط القاضي:

    [ كونه بالغاً عاقلاً ] يعني أن يكون مكلفاً؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره فلم يصح أن يكون والياً على غيره.

    إذاً: الصبي لا يصلح للقضاء، والمجنون لا يصلح للقضاء.

    قال: [ ذكراً ]، لا امرأة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري ، ولا شك أن القضاء أمر فلا يصح أن تولّى المرأة القضاء.

    وأجازه الأحناف في الأموال دون الحدود ونحوها.

    والذي يترجح هو القول الأول لظاهر الحديث، ولأن المرأة تدخل عليها العاطفة، وتغلبها الرحمة، ويدخلها النسيان فليست كالرجل في ذلك.

    [ حراً ] لا عبداً؛ لأن العبد مشغول بحق سيده.

    [ مسلماً ] اتفاقاً فلا يصلح أن يكون كافراً؛ لأن الله جل وعلا يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] .

    [ عدلاً ]، فلا يجوز أن يولى الفاسق؛ لأن الله جل وعلا يقول: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] وهذا عهد فلا يناله الظالم، لكن إن عُدم العدل أو كانت البلد تحتاج إلى قضاة كثر ولا يقدرون على أن يكون هؤلاء القضاة جميعاً عدولاً، فهنا كما هو ظاهر مذهب أحمد فيما قاله شيخ الإسلام : يُختار الأمثل فالأمثل؛ لأن الشروط تُعتبر بحسب الإمكان، فيُختار -كما قال شيخ الإسلام - أنفع الفاسقين وأقلهم شراً، أي: نأخذ الأعدل والأقوم والأنفع والأقل شراً من الفاسقين.

    السمع والبصر والكلام

    قال: [ سميعاً ] ليسمع كلام الخصمين، [ بصيراً ] ليعرف المدّعي والمُدّعى عليه، والشاهد، والمُقِر والمُقَر له، [ متكلماً ] لينطق بالحكم.

    والصحيح أن هذه الشروط الثلاثة: أن يكون سميعاً، بصيراً، متكلماً .. من باب الكمال وليست شروط صحة، قال صاحب الإنصاف في الشرطين الأولين: وقيل لا يُشترطان.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قضاء الأعمى: وقياس المذهب أنه يصح كشهادته؛ لأنه لا يعوزه إلا عين الخصم، وهذا لا يُحتاج إليه.

    فالصحيح أن الأعمى يصح قضاءه، وكذلك غير السميع؛ لأنه يُكتب له ويقرأ المتكلم، وهناك قول عند الشافعية أنه يصح أن يكون القاضي أخرس، وعلى ذلك فيكتب قضاءه، وعلى ذلك فهي شروط كمال لا شروط صحة، وهذا هو الصحيح.

    شرط الاجتهاد في القاضي

    [ مجتهداً ]، وهذا بالإجماع كما حكاه ابن حزم رحمه الله، لكن الأحناف ذهبوا إلى صحة قضاء المقلّد؛ قالوا: لأن المقصود في القضاء هو فصل النزاع.

    والصحيح أن المقصود في القضاء فصل النزاع بالحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، وعلى ذلك فليس المقصود هو فصل النزاع فقط كما يكون في الصلح بين المتخاصمين، وإنما المقصود أن يُفصل النزاع بالحق، وعلى ذلك فالصواب أنه لا بد أن يكون مجتهداً؛ لأن الله جل وعلا قال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49].

    وقال: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105].

    وقال عليه الصلاة والسلام في القاضي الذي في الجنة قال: (عرف الحق فقضى به)، أي: عرف الحق بالدليل.

    وقال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب)؛ إذاً لا بد أن يكون مجتهداً؛ هذا هو الصحيح.

    قال: [ ولو في مذهب إمامه للضرورة ] يعني ولو كان مجتهداً في مذهب إمامه للضرورة، يعني: إذا عدمنا المجتهد المطلق فإنا نأخذ بمجتهد في مذهب إمامه للضرورة كما تقدم؛ لأن الشروط تُعتبر بحسب الإمكان، فإذا لم نجد مجتهداً فنأخذ مجتهداً في مذهب إمامه؛ لأنا مضطرون إلى ذلك.

    وكما تقدم فيما هو ظاهر في مذهب أحمد أنه يولى الأمثل فالأمثل؛ لكن قال الحنابلة: إنه يحكم بمذهب إمامه ولو خالف الحق فيما يعتقد، قال الشيخ محمد بن إبراهيم : والصحيح القول الآخر، وأنه لا يحكم بما خالف الحق أبداً؛ لأنه قد يُخالف المذهب في مسائل فالواجب عليه أن لا يخالف الحق الذي يعتقده.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : وهذا ضعيف للغاية، قال: والأدلة تدل على خلافه.

    إذاً: الصحيح أنه يحكم بالمذهب لكن إذا تبيّن له أن الحق بخلاف ذلك فالواجب عليه أن يحكم بالحق الذي تبيّن له؛ لأن الله جل وعلا يقول: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105] وقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49] .

    قال شيخ الإسلام : وإذا أُلزم القاضي بأن يقضي بمذهب معين فهذا شرط باطل؛ لأن الله يقول: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]؛ لكن قال رحمه الله: وإن لم يمكنه أن يقضي بغيره فينبغي له أن يقضي به وقوعاً بأدنى المفسدتين.

    يعني: إذا أُلزم القاضي بأن يحكم بمذهب معيّن فالواجب أن يحكم بالحق، لكن إذا لم يمكنه ذلك، لأنه إذا حكم بالحق عُزل وولي من لا يصلح، فينبغي له أن يحكم بهذا المذهب؛ لأن هذا من باب الوقوع بأدنى المفسدتين.

    1.   

    نفوذ حكم المحكم

    قال المؤلف: [ فلو حكّم اثنان فأكثر بينهما شخصاً صالحاً للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ به حكم من ولاه الإمام أو نائبه ]، تقدم شرح هذه المسألة.

    قال: [ ويرفع الخلاف فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق ] إذاً: هذا القاضي الذي لم يُعين لكن ترافع إليه اثنان ورضيا بحكمه وحكم بينهما فإن حكمه ينفذ لا يحل لأحد أن ينقضه، هذا إذا أصاب الحق، أما إذا رُفع إلى القاضي وتبيّن أنه خالف نصاً فإن حكمه يُنقض.

    1.   

    آداب القاضي

    ما يسن من الصفات في القاضي

    قال: [ فصل ] هذا الفصل في الآداب التي ينبغي أن يكون عليها القاضي.

    قال: [ يُسن كون الحاكم قوياً بلا عُنف ] لئلا يطمع فيه الظالم، [ ليناً بلا ضعف ] لئلا يهابه الخصم.

    صاحب الحق يهاب القاضي إذا كان قوياً لا لين فيه.

    قال: [ حليماً ] لئلا يغضب، [ متأنياً ] يعني: فيه أناة [ متفطّناً ] يعني متيقظاً لا يُستغفل، [ عفيفاً ] لئلا يطمع، [ بصيراً بأحكام الحكام قبله ] أي: يطّلع على أحكام القضاة قبله ليستفيد من قضاءهم.

    ما يجب على القاضي من التسوية بين الخصمين

    قال: [ ويجب عليه العدل بين الخصمين في لحظه ] يعني في نظره، فلا يُحسن النظر إلى هذا ويسيء النظر إلى الخصم الآخر؛ لأن هذا يكسر قلبه ويجعله لا يدلي بحجته كأخيه.

    [ ولفظه ]، كذلك في رد السلام وفي السؤال يعدل بين الخصمين.

    [ ومجلسه ] كذلك، فلا يُدني هذا من مجلسه ويُبعد الآخر، بل يستويان في مجلسه [ والدخول عليه ] بحيث يدخلان جميعاً لا يُقدّم أحدهما على الآخر، فلا يقول: يدخل فلان قبل فلان، بل إما أن يُدخلهما جميعاً وإما أن يسكت ومن تقدّم منهما دخل قبل؛ لكن هو لا يُقدّم أحدهما في الدخول عليه.

    قال: [ إلا المسلم مع الكافر فيُقدّم دخولاً ويُرفع جلوساً ]؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

    ما يحرم على القاضي من الرشوة والحكم عند الغضب ونحوه

    قال: [ ويحرم عليه أخذ الرشوة ]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي كما في الترمذي ، وقال: (هدايا العمال غلول) كما في مسند الإمام أحمد .

    إذاً: لا يقبل حتى الهدية إلا أن يكون الذي أهداه بينهما تهاد سابق وليس له عنده حكومة.

    [ ولا يسار أحد الخصمين ] يعني يكلّمه سراً دون الآخر، [ أو يضيفه، أو يقوم له دون الآخر ]؛ لأن هذا كما تقدم يكسر قلبه ويضعف حجته.

    [ ويحرم عليه الحكم وهو غضبان كثيراً ]؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان) متفق عليه.

    قال المؤلف هنا: (كثيراً) يعني الغضب الكثير الذي يُشغل فكره ويجعله لا يتصور المسألة تصوراً تاماً، ويجعل نظره أيضاً في الأدلة قاصراً، أما الغضب اليسير فلا يمنع، ولذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غضبان لما قال الرجل: (أن كان ابن عمتك) وذلك في خلاف الأنصاري مع الزبير كما في الصحيحين، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير ؛ لأن الغضب اليسير الذي لا يُشغل الفكر ولا يمنع من التصور التام والنظر التام لا يمنع من القضاء.

    قال: [ أو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج ].

    هذا كله من باب القياس على الغضب.

    قال: [ فإن خالف وحكم ] أي: وهو غضبان غضباً شديداً ونحوه؛ [ صح إن أصاب الحق ]، وإن لم يصب الحق وجب عليه أن ينقضه، ولا يقول: أنا حكمت وانتهى! بل يجب عليه أن ينقض حكمه، ولا يصح بقاء هذا الحكم حيث حكم وهو في غضب شديد.

    قال: [ ويحرم عليه أن يحكم بالجهل، أو وهو متردد، فإن خالف وحكم لم يصح ولو أصاب ].

    أي: فليس له أن يحكم أصلاً ما دام أنه لا يعرف الحق، أو عنده تردد لا يدري هل هذا هو الحق أو غيره؟ فإن حكم فيجب عليه أن ينقض هذا الحكم، وهذا حكم باطل ولو أصاب الحق؛ لأن طريقه خطأ فكان باطلاً ولو أصاب الحق.

    قال: [ ويوصي الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم ].

    الذين يقفون عند الباب من العسكر وغيرهم يأمرهم بالرفق بالخصوم، [ وقلة الطمع ]؛ لئلا يضروا بالناس، [ ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة ].

    [ ويباح له أن يتخذ كاتباً يكتب الوقائع ] يكون عنده كاتب يكتب الوقائع والأقضية، [ ويشترط كونه مسلماً مكلفاً عدلاً ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران:118] فيكون مسلماً ويكون مكلفاً عدلاً، [ ويسن كونه حافظاً عالماً ] ليعينه على أمره.

    1.   

    طريق الحكم وصفته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب طريق الحكم وصفته.

    إذا حضر إلى الحاكم خصمان فله أن يسكت حتى يبتدئا ].

    دخل عليه خصمان وهو لا يدري هل هذا المدّعي أم هذا؟ فله أن يسكت حتى يبتدئا، [ وله أن يقول: أيكما المدّعي، فإذا ادّعى أحدهما اشترط كون الدعوة معلومة ] يعني بشيء معلوم، وأن تكون محررة واضحة بيّنة، يقول مثلاً: أنا أدّعي عليه أني أقرضته مثلاً عشرة آلاف ريال أو أعطيته كذا صاعاً من البر، فلا بد أن تكون موضحة، ولا يقول: أقرضته شيئاً، أو أعطيته طعاماً.. بل يحرر دعواه تكون واضحة بيّنة.

    قال: [ وكونها منفكة عمّا يكذّبها ]، فلو قال: أدعي على هذا أنه اقترض مني قبل عشرين سنة كذا والمدعى عليه ابن خمس عشرة سنة! فهذه دعوى قد ارتبط بها ما يُكذّبها، لأن هذا ابن خمس عشرة سنة فكيف تدّعي أنك قد أقرضته قبل عشرين سنة؟

    إذاً: إذا كانت هذه الدعوة معلوم كذبها فلا يُنظر إليها.

    قال: [ ثم إن كانت بدين اشترط كونه حالّاً ].

    إن كانت الدعوى بدين اشترط القاضي كونه حالاً، فلا تصح بمؤجل، أي: ما دام الدين لم يحل فلا ترفع الدعوى حتى يحل؛ لأنك لا تملك المطالبة به قبل ذلك، لكن إن كان يطلب إثباته بورقة يقول: دعواي أن يكتب لي وثيقة بالدين ويقربه فلا مانع من نظر هذه الدعوى، [ وإن كانت بعين اشتُرط حضورها لمجلس الحكم لتُعين بالإشارة ] فيقال: هذه العين، هذه الساعة، هذا الحلي.

    [ فإن كانت غائبة عن البلد ]، أي: إذا كانت هذه العين ليست في البلد، [ وصفها كصفات السلم ]، يعني: أن يكون الوصف منضبطاً.

    [ فإذا أتم المُدّعي دعواه، فإن أقر خصمه بما ادعاه، أو اعترف بسبب الحق ثم ادعى البراءة لم يُلتفت لقوله، بل يحلف المُدّعي على نفي ما ادعاه ].

    إذا قال: أنا أقرضته عشرة آلاف، ثم إنه أقر المدعي عليه وقال: إني قد أعطيته، فادّعى البراءة لم يُلتفت لقوله، بل يحلف المُدّعي على نفي ما ادّعاه. يعني: لو ادّعى البراءة فيحلف المُدّعي على نفي ما ادّعى خصمه، [ ويلزمه بالحق إلا أن يُقيم بيّنة ببراءته ] أي: يأتي ببينة على أنه قد أعطاه حقه.

    قال: [ وإن أنكر الخصم ابتداء ] أي: أنكر القرض فقال: إنه لم يُقرضني، [ بأن قال لمُدّعٍ قرضاً أو ثمناً: ما أقرضني، أو ما باعني، أو لا يستحق عليّ شيئاً مما ادعاه، أو لا حق له عليّ صح الجواب ]؛ لأنه الآن نفى الحق من أصله، أما هناك فقد أقر أنه أقرضه ثم ادّعى أنه قد قضى هذا الدين، فهنا نقول: لا بد من بيّنة على أنه قضى.

    قال: [ فيقول الحاكم للمُدّعي: هل لك بيّنة؟ فإن قال نعم، قال له: إن شئت فأحضرها، فإذا أحضرها وشهدت سمعها وحرُم ترديدها ]؛ لأنه إذا رددها فإن هذا يؤدي إلى كتمان الحق، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.