إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الديات [4]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جريمة القتل يترتب عليها في الشريعة أحكام كثيرة، ومن ذلك أن القتل إذا كان خطأ أو شبه عمد كانت الدية على العاقلة، وليست في مال الجاني. وأيضاً يجب به الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

    1.   

    أحكام العاقلة

    تعريف العاقلة

    الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب العاقلة ].

    العاقلة: من العقل، وهي الدية، وذلك لأنهم كانوا يعقلون الإبل عند أهل القتيل، وهو -أي: العقل- الحبل الذي تربط به رجل الناقة.

    فالعاقلة إذاً من الدية، والدية يقال لها عقل؛ لأنها تكون في الإبل، وقد كانت الإبل تعقل عند أهل القتيل.

    قال: [ وهي. أي: العاقلة: ذكور عصبة الجاني نسباً وولاءً. أي: لا رحماً ].

    هذه هي العاقلة، فالعاقلة التي تتحمل كما تقدم دية الخطأ وشبه العمد هم عصبة القاتل الذكور، والعصبة كما تقدم في الفرائض تكون في النسب وفي الولاء لا في الرحم، يعني: لا يدخل الخال، ولا ابن الخال، لأنهم رحم، أما العم وابن العم، والأخ الشقيق، والأخ لأب، فهؤلاء يدخلون، لأنهم عصبة.

    وقد جاء كما تقدم في الصحيحين في قصة الهذليتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بأن دية المرأة على العاقلة) هذه هي العاقلة.

    وقد جاء عند الخمسة إلا الترمذي : (أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى أن دية المرأة على عصبة القاتلة ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل من ورثتها).

    إذاً: العاقلة هم عصبة القاتل من الحواشي، ومن الأصول، ومن الفروع، فدخل في ذلك الأب والابن، والإخوة والأعمام، وتقدم إيضاح هذا في كتاب الفرائض، ولا يدخل في ذلك الجاني نفسه، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو المشهور في المذهب؛ وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بأن دية المرأة على العاقلة، ولا يدخل هو في العاقلة، هذا هو ظاهر الحديث.

    وكذلك الحديث الآخر الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المرأة على عصبة القاتلة) ولا يدخل الجاني نفسه على ظاهر هذا اللفظ.

    وقال بعض العلماء، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بل يدخل في ذلك الجاني، قالوا: لأنه أولى، والصحيح الأول؛ لظاهر الحديث كما تقدم؛ فإن ظاهر الحديث أنها تجب على عاقلته.

    من لا تحملهم العاقلة

    قال: [ ولا تحمل العاقلة عمداً ]، وقد صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه كما في البيهقي أنه قال: لا تحمل العاقلة عمداً، ولا اعترافاً، ولا صلحاً، ولا ما جنى المملوك -أي: ما جني على المملوك-. كما قال ذلك الأصمعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد .

    فالعاقلة لا تتحمل هذه الأشياء، بل تكون على الجاني نفسه، فإذا قتل عمداً فعلى الجاني نفسه الدية ولا تكون على عاقلته، وإذا قتل عبداً وجبت قيمته على الجاني نفسه؛ وذلك لأن العبد مال فكان له مجرى سائر الأموال، كما لو أتلف سيارة أو أتلف حيواناً، أو غير ذلك؛ فإن ذلك يكون على الجاني المتلف فكذلك العبد؛ لأن العبد مال، ولذا لا تسمى دية في حقه، وإنما هي قيمة، وتختلف باختلاف صفاته، فقد تزيد وقد تنقص باختلاف صفاته، فهو مال يباع ويشترى.

    قال: [ ولا إقراراً ]، إذا أقر على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد؛ فإن العاقلة لا تحمل ذلك، بل يتحمله هو؛ لئلا يكون ذلك طريقاً إلى الحيلة، كأن يأتي إلى القاضي ويقول: أنا أقر أني قتلت فلاناً، ويتفق هو وأهل الميت على أخذ الدية، ولا يكون هو القاتل، وعلى ذلك فإذا اعترف هو فإن العاقلة لا تحمل ذلك إلا إذا صدقته فإنها تحمل ذلك؛ لأن تصديقها يجعله كما لو ثبت القتل بالبينة، فما دام أنها تصدق فإن ذلك يكون كالبينة، ولأن الحيلة التي تخشاها كما تقدم قد زالت ولأن ما كنا نخشاه من التحايل في ذلك قد زال؛ لأنهم هم يصدقون، يعني: العصبة تصدق.

    [ ولا صلحاً ]، فلو أن رجلاً أتي به إلى القاضي وقيل له: إنك قد قتلت فلاناً خطأً فقال: أنا لم أقتله، فقيل له: احلف! فقال: أنا لا أحب أن أحلف على شيء، لكن أتحمل الدية ولا أحلف، فهل تتحمل ذلك العاقلة؟ لا تتحمله العاقلة، بل يتحمل ذلك الجاني نفسه.

    إذاً: إذا أقر أنه قتل عبداً ولم تصدقه العاقلة فإنه هو الذي يتحمل، أما إذا صدقته فإن العاقلة تتحمل.

    كذلك: إذا قتل عمداً، فإن العاقلة لا تحمل ذلك، وكذلك الصلح، وكذلك ما دون الثلث من الدية، فهذه أربعة أشياء لا تحملها العاقلة كما هو المشهور في المذهب.

    وهناك أثر عن عمر رواه ابن حزم في المحلى من طريق ابن وهب : لا تحمل العاقلة ما دون الثلث من الدية التامة، فما دون الثلث من الدية التامة لا تحمله العاقلة، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الثلث والثلث كثير) فما دون الثلث من الدية التامة لا تحمله العاقلة، فلو قطع أصبعاً خطأً ففيه عشر من الإبل، وثلث الدية التامة ثلاثة وثلاثون بعيراً وثلث؛ لأن الدية التامة مائة من الإبل، وهي دية المسلم الذكر.

    وعلى ذلك: فإذا كانت الدية دون ثلاثٍ وثلاثين وثلث من الإبل؛ فإن الجاني نفسه يتحمل ذلك.

    لو أنه قطع يد امرأةٍ مسلمة ففي ذلك نصف الدية، وديتها خمسون من الإبل، وعلى ذلك ففيه خمس وعشرون من الإبل، فهي دون ثلث الدية التامة، فيحملها الجاني نفسه كما تقدم، ولذا قال: [ ولا ما دون ثلث دية ذكرٍ مسلم ].

    قال: [ وتحمل الخطأ وشبه العمد ]، العاقلة تحمل الخطأ، وتحمل شبه العمد، وتقدم ما يدل على ذلك، إذاً: لا نستثني إلا العمد.

    قال: [ مؤجلاً في ثلاث سنين ]، أي: تؤجل الدية على العاقلة في ثلاث سنين، وتقدم ذكر هذا في درسٍ سابق.

    قال: [ وابتداؤه ]، أي: ابتداء حول القتل [ من الزهوق ]، أي: زهوق النفس، وتقدم أيضاً شرح هذا، وأنه إذا مات في أول محرم فإن ثلث الدية يجب في واحد محرم من السنة التي بعدها وهكذا؛ حتى تنتهي السنون الثلاث.

    قال: والجرح من البرء، أي: إذا كانت دية جرح فمن البرء.

    يبدأ بالأقرب فالأقرب من العاقلة

    قال: [ ويبدأ بالأقرب فالأقرب كالإرث ]، معلوم أن العصبة جهات، [ فيبدأ بالأقرب فالأقرب ]، وعلى ذلك فلا يؤخذ من الأعمام شيء مع وجود الإخوة وهكذا، فنبدأ في العاقلة بالأقرب فالأقرب، فلا نأخذ من جهة بعدى مع وجود جهة قربى، كالإرث.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف: أنه يؤخذ من الجميع، يعني: يحصر القاضي الذكور البالغين من عصبة هذا القاتل خطأً أو شبه عمد، من الأعمام وأبناء الأعمام والإخوة والأب والابن، وتقسم على الجميع، وهذا هو الراجح، وهو ظاهر الأدلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به على العاقلة، وهؤلاء من العاقلة.

    وأما القياس على الإرث فهو قياس مع الفارق؛ وذلك لأن الإرث لو أدخلنا فيه جميع العصبة لم يحصل لكل فرد منهم إلا الشيء اليسير، فيتوزع هذا المال الكثير على هذه الأعداد، ويكون كالضائع، لأنه يكون لكل واحد منهم الشيء اليسير.

    وأما العصبة؛ فإنا إذا وزعنا ذلك على الجميع كان في ذلك تخفيف عليهم، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.

    قال: [ ولا يعتبر أن يكونوا وارثين لمن يعقلون عنه، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا ]، وهذا للحديث المتقدم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل من ورثتها)، فقد يكون المال مستغرقاً بالفروض، ولا يبقى للمعصب شيء، فهذا المعصب الذي لا يأخذ شيئاً من الإرث يلزمه في باب العاقلة أن يشارك في العقل، وذلك للحديث المتقدم.

    من لا يحمل الدية من العاقلة

    قال: [ ولا عقل على فقير ]، الفقير لا يلزمه أن يدفع شيئاً من الديه؛ لأنه محتاج إلى المواساة.

    قال: [ وصبي ]، الصبي ولو كان ذا مال كثير لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس أهلاً للنصرة، ومبنى العاقلة على النصرة، وهذا لا ينصر، وهذا هو قول جمهور العلماء.

    [ ومجنون ]: كذلك المجنون لا يعقل، يعني: لا يدفع شيئاً وإن كان من أقرب الناس إلى القاتل؛ وذلك لأنه ليس من أهل النصرة.

    قال: [ وامرأة ]، كذلك المرأة ليست من أهل النصرة.

    قال: [ ولو معتقة ]، يعني: ولو كانت هذه المرأة معتقة؛ لأنها عصبة، وذلك أن المرأة تكون عصبة بالعتق، ومع ذلك فإنها لا تدفع شيئاً في هذا الباب، وذلك لأنها ليست من أهل النصرة.

    قال: [ ومن لا عاقلة له ]، إذا كانت عاقلته معدومة فما الحكم؟ [ أو له عاقلة وعجزت ]، أي: أن عاقلته كلها فقراء ليس فيهم قادر، [ فلا دية عليه هو ]، أي: الجاني، يعني: لا تكون الدية عليه، وإنما تكون في بيت المال، كما قال: [ وتكون في بيت المال ]، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: (أن النبي عليه الصلاة والسلام ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة) يعني: من بيت المال.

    إذاً: إذا كانت العاقلة معدومة أو كانت عاجزة فتكون الدية في بيت المال.

    قال: [ كدية من مات في زحمة كجمعة وطواف ]، لو أن الناس ازدحموا في جمعة أو في طوافٍ أو في حج فتفرقوا عن ميت، فإن الدية في بيت المال، حتى لا يضيع دم المسلم هدراً.

    قال: [ فإن تعذر الأخذ منه ]، يعني: من بيت المال، [ سقطت] ، أي: فلا ترجع على الجاني، ولا يطالب بها الجاني.

    والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد : أنها تجب على القاتل نفسه، وهو مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام ، وهو الراجح، وذلك لأن الأصل في ضمان المتلفات أنها تكون على المتلف، ولأن الله قال: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، هذه الدية يجب أن تصل إلى أهل الميت، وهذا أثر فعله، وقد أوجبناها أولاً على العاقلة من باب التخفيف، ثم في بيت المال كذلك من باب التخفيف عليه، أما إذا لم يكن بيت مال ولا عاقلة فلا يضيع دم هذا المسلم هدراً، بل تجب على الجاني نفسه؛ لأن الله يقول: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    إذاً نقول: هي على العاقلة، ثم على بيت المال، ثم على الجاني نفسه.

    1.   

    كفارة القتل

    قال: [ باب: كفارة القتل.

    لا كفارة في العمد عند جمهور العلماء ]، أي: لأن الله جل وعلا إنما أوجب الكفارة في الخطأ، قال تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وأما العمد فلا كفارة فيه، وإنما تجب فيه التوبة إلى الله جل وعلا.

    قال: [ وتجب فيما دونه ] يعني: الخطأ وشبه العمد، [ في مال القاتل لنفسٍ محرمة ولو جنيناً ]، ودخل في النفس المحرمة المسلم والذمي والمستأمن، فمن قتل مسلماً أو قتل ذمياً يهودياً أو نصرانياً أو قتل مستأمناً، فإن عليه الكفارة.

    وقوله: [ ولو جنيناً ]. ولو أنه ضرب بطن امرأة فأسقطت جنيناً، فعليه الكفارة؛ لأن هذا الجنين محترم، وهذا هو قول الجمهور.

    ولو كان القاتل صبياً أو مجنوناً مسلماً أو ذمياً فإن الكفارة تجب، إذاً: الكفارة تجب على كل قاتل، إذا كان هذا القاتل مسلماً أو ذمياً مكلفاً أو غير مكلف؛ لعمومات الأدلة: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً [النساء:92].

    وسواء قتله مباشرة كالسيف أو قتله متسبباً كأن يحفر بئراً أو نحو ذلك.

    قال: [ ويكفر الرقيق بالصوم ]؛ لأن الكفارة هي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، والرقيق لا مال له، وعلى ذلك فيصوم شهرين متتابعين.

    [ والكافر بالعتق ]؛ لأنه لا يصح الصوم منه، فيجب أن يعتق رقبة في ماله، يأمره القاضي بذلك.

    [ وغيرهما يكفر بعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ]؛ للآية الكريمة، قال الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء:92].

    قال: [ ولا إطعام هنا ]، ليس هناك إطعام، وعلى ذلك فنقول له أولاً: أعتق رقبة، فإن قال: إني لا أقدر على عتق الرقبة، لأنه ليس عندي مال أعتق به، فإنا نقول له: صم شهرين متتابعين، فإن قال: لا أستطيع. نقول: تبقى في ذمتك حتى تقدر عليها.

    والقول الثاني في المسألة: أنه يجب عليه إطعام ستين مسكيناً، قياساً على كفارة الجماع وعلى كفارة الظهار، وهذا أقرب، وهو رواية عن الإمام أحمد .

    وظاهر ما تقدم أن قاتل نفسه عليه الكفارة، تخرج من ماله، وهو المشهور في المذهب: أن قاتل نفسه.

    والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد ، واختاره الموفق ابن قدامة ، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو مذهب الأحناف: أنه لا تجب في ماله الكفارة. يعني: لا يخرج من تركته ما يكفر به عنه، وهذا القول هو الراجح، ويدل على ذلك أن الله قال: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، وظاهر الآية أنها تدفع إلى غير قاتل نفسه.

    ولما ثبت في الصحيحين في قصة عامر بن الأكوع رضي الله عنه فإنه رجع إليه سيفه فقتل نفسه، يعني: خطأً، ولم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج كفارة من تركته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

    قال: [ وتتعدد الكفارة بتعدد المقتول ]، الكفارة تتعدد بتعدد المقتول، وهذا واضح، فلو قتل ثلاثة كما يكون هذا في حوادث السيارات أو غيرها، فعليه كفارات بعدد القتلى.

    قال: [ ولا كفارة على من قتل من يباح قتله كزانٍ محصن ]؛ أي: لأن نفسه ليست محترمة، فليس معصوم الدم.

    قال: [ ومرتد كذلك، وحربي كذلك، وباغٍ كذلك، وقصاصاً ودفاعاً عن نفسه ]، فلو قتله قصاصاً فلا كفارة؛ لأنه قتله بحق، وكذلك من قتل أحداً دفاعاً عن نفسه، واحتاج إلى القتل، بحيث لم يندفع هذا الصائل إلا بالقتل فإنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا القتل مباح له.