إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الجنايات [2]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا حدث القتل عمداً عدواناً فقد وجب القصاص من الجاني، ولكن لا بد من مراعاة شروط وجوب القصاص، وشروط استيفائه، وآداب ذلك، وما يستحقه من يخالف ذلك أو يفتات على الإمام في إقامة الحد.

    1.   

    شروط وجوب القصاص في النفس

    الشرط الأول تكليف القاتل

    الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: شروط القصاص في النفس.

    وهي أربعة:

    أحدها: تكليف القاتل.

    هذه الشروط هي شروط وجوب القود، فلا بد أن تتوفر هذه الشروط ليجب القصاص ].

    قال المؤلف رحمه الله: [ أحدها تكليف القاتل، فلا قصاص على صغير ومجنونٍ، بل الكفارة في مالهما والدية على عاقلتهما .

    الثاني: عصمة المقتول، فلا كفارة ولا دية على قاتل حربي أو مرتد أو زانٍ محصن ولو أنه مثله ].

    الأول: تكليف القاتل بأن يكون القاتل مكلفاً، فقد جاء في سنن البيهقي وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) وتقدم في الدرس السابق أن أهل العلم قد اتفقوا على أن عمد الصبي والمجنون خطأ، وعلى ذلك فإذا كان القاتل صبياً لم يبلغ، سواء كان مميزاً وهو من تم له سبع سنين، أو كان دون التمييز فلا يقتل.

    ومثل ذلك أيضاً: من ذهب عقله بأمر مباح كمخدر لعلاج.

    وأما إذا كان قد سكر فقتل فلا خلاف بين أهل العلم في أنه يقتص منه، فالقود يثبت على السكران بلا خلاف بين أهل العلم.

    إذاً: لا بد من تكليف القاتل، فإذا كان القاتل غير مكلف لم يقتص منه، ولذا قال الفقهاء عمد الصبي والمجنون خطأ.

    قال: [ بل الكفارة في مالهما ]، إذا قتل صبي أو مجنون، أو من ذهب عقله بغير سكر؛ فإن الكفارة في ماله، فعليه أن يحرر رقبة، ويكون هذا في ماله، لا في مال عاقلته.

    قال: [ والدية على عاقلتهما ]: ويأتي شرح العاقلة إن شاء الله تعالى.

    فهذا هو الشرط الأول من شروط وجوب القود.

    الشرط الثاني عصمة المقتول

    [ وأما الشرط الثاني: فهو عصمة المقتول ]، أي أن المجني عليه المعتدى عليه بالقتل لا بد أن يكون معصوم الدم، لا مهدراً؛ فإذا كان مهدر الدم فإنه لا يقتص في هذه الحال من قاتله.

    وقد ذكر المؤلف لهذا أمثلة فقال: [ فلا كفارة ولا دية على قاتل حربي ].

    دخل حربي إلى بلدنا بلا أمان من الحاكم، فإذا قتله أحد لم يقتل به؛ لأن هذا الحربي الذي يحاربنا دمه هدر، وهذا واضح.

    قال: [ ومرتد ].

    فإذا قتل المرتد قبل توبته فإن قاتله لا يقتل به، فلو أن رجلاً سب الله، أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام فقتله رجل لم يقتل به، لكن ليسلم دمه لا بد أن يأتي ببينة تثبت أن هذا الرجل قد ارتد عن الدين.

    ومع ذلك لو أتى بالبينة فإن الحاكم يعزره، وذلك لأنه افتأت عليه، لأن إقامة الحدود للإمام، وليس لآحاد الناس أن يقيموا الحدود، ولا أن يقتلوا المرتدين، وعلى ذلك فإنه يعزر بما يراه الحاكم لكنه لا يقتل؛ وذلك لأن المقتول ليس بمعصوم الدم.

    كذلك: لو قتل زانياً محصناً، ولذا قال المؤلف: [ أو زانٍ محصن ]:

    هذا رجل أتى إلى زانٍ محصنٍ فقتله، ثم أتى ببينة تشهد له أن هذا زانٍ محصن، يعني: أتى بشهود أربعة شهدوا أنهم رأوا أن الميل في المكحلة، فلما أُتي بالقاتل إلى القاضي قال: أنا قتلت هذا الزاني المحصن، وعندي بينة، فلا يقتل به، ولكن يعزره الإمام بما يراه، أي: يعاقبه بحبس أو جلد ليرتدع عن هذا الفعل؛ لأن هذا افتيات على حق الإمام، فالإمام أو نائبه هم الذين يقيمون الحدود.

    لكن لو قتله بعد توبته، مثل رجل قتل آخر وقال: إنه قد زنا وهو محصن، وأتى ببينة تشهد على ذلك، لكن هذا الزنا قد حصل قبل سنة مثلاً، وهذا المقتول قد ظهرت توبته، وعرفت استقامته، والله جل وعلا يقول: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:34]، وهذا قد تاب قبل أن يقدر عليه، وعلى ذلك فهذا يكون قد قتل معصوم الدم؛ لأن هذا الزاني قد ظهرت توبته.

    قال: [ ولو أنه مثله ] فلو أن امرأة زنى بها رجل ولما رأت البينة تشهد قتلت هذا الزاني، والبينة شهدت بأنه زان، فلا تقتل به، ولكن إن كانت محصنة وشهدت عليها البينة رجمت، وإن لم تكن محصنة فإنها تجلد حد الزنا، ويأتي إن شاء الله تعالى.

    الشرط الثالث المكافأة

    قال المؤلف رحمه الله: [ الثالث: المكافأة؛ بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإسلام أو الحرية أو الملك، فلا يقتل المسلم ولو عبداً بالكافر ولو حراً، ولا الحر ولو ذمياً بالعبد ولو مسلماً، ولا المكاتب بعبده ولو كان ذا رحم محرمٍ له، ويقتل الحر المسلم ولو ذكراً بالحر المسلم ولو أنثى، والرقيق كذلك، وبمن هو أعلى منه، والذمي كذلك ].

    هذا هو الشرط الثالث لوجوب القصاص، وهو المكافأة، وعرف المكافأة بقوله: بألا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإسلام، أو الحرية أو الملك.

    إذاً: لا بد أن يكون المقتول مكافئاً للقاتل، فلو كان دونه فيما ذكره المؤلف، يعني: في الإسلام، أو في الحرية، أو في الملك؛ فإنه لا يقتل به.

    إذا كان دونه في الإسلام بأن كان المقتول ذمياً؛ فإنه لا يقتل به هذا المسلم؛ لأنه لا يكافئه، وقد جاء في البخاري في صحيفة علي رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يقتل مسلم بكافر).

    وذهب الأحناف إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، واستدلوا بما روى الدارقطني أن النبي عليه الصلاة والسلام أقاد مسلماً بذمي، وقال: (أنا أحق من وفى بذمته)؛ لكن الحديث مرسل ضعيف، وعلى ذلك فالراجح ما ذهب إليه الجمهور، وأن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي.

    وقول المؤلف هنا: [ حال الجناية ]، معناه أن العبرة بحال الجناية، فلو أن ذمياً قتل ذمياً فإنا نقتله به؛ لأنه يكافئه، ولكن لو أن هذا الذمي القاتل أسلم قبل أن يقتص منه، فهل نقول: لا نقتله؛ لأنه حال الاستيفاء مسلم، أو نقول: نقتله؛ لأنه حال الجناية كافر؟

    الجواب: ننظر إلى حال الجناية، فهو حال الجناية كافر ذمي قتل كافراً ذمياً، وعلى ذلك فيقتل به وإن أسلم بعد ذلك، وذلك لأن العبرة بحال الجناية؛ لأن العقوبة قد وجبت لوجود سببها وهو القتل، فكان العبرة بحال الجناية.

    حكم قتل الحر بالعبد

    وكذلك ألا يكون دونه بالحرية، وعلى ذلك فلا يقتل الحر بالعبد، فلو أن حراً قتل عبداً مملوكاً فإنه لا يقتل به، وفي ذلك الدية كما سيأتي إن شاء الله، لكنه لا يقتل به، واستدلوا بما جاء في مسند أحمد أنه من السنة -أي: من سنة النبي عليه الصلاة والسلام-: (أن الحر لا يقتل بالعبد)، فمن السنة أن لا يقتل الحر بالعبد، والحديث فيه جابر الجعفي وهو ضعيف الحديث.

    والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الأحناف أن الحر يقتل بالعبد، قالوا: لما جاء في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم)، وهذا مؤمن.

    وفي سنن الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه) رواه الترمذي وحسنه، وهو كما قال.

    ومما استدل به أهل القول الأول قول الله جل وعلا: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178].

    والجواب على الاستدلال بهذه الآية الكريمة أن نقول: إن هذه الآية نزلت في قول بعض العرب ترفعاً وكبراً: العبد منا نقتل به الحر من غيرنا، والأنثى منا نقتل بها الذكر من غيرنا، فنزلت: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178].

    ويدل على هذا أن أهل العلم قد أجمعوا على أن الذكر يقتل بالأنثى، والله يقول هنا: وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، ولا قائل بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، فكذلك الحر بالعبد، وتقدم حديث الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه).

    حكم قتل المكاتب بعبده

    قال: [ والملك ]:

    ما المراد بالملك؟

    الملك: هو أن يقتل المكاتب عبده، فالمكاتب عبد، وقتل عبداً، والأصل أن العبد يقتل بالعبد، لكنه هنا يفضله بالملك فلا يقتل به، وإلا فإن المكاتب عبد مثله، ولذا جاء في الحديث: (المكاتب قن وإن بقي عليه درهم).

    والمراد بالمكاتب هو الذي حصل بينه وبين سيده عقد يدفع هذا العبد بموجبه لسيده أقساطاً سنوية، فإذا اكتملت هذه الأقساط أصبح هذا العبد حراً. يعني: يأتي العبد إلى سيده ويقول: أنا أريد أن أشتري نفسي منك، بأن أدفع لك أقساطاً سنوية أو شهرية، فإذا دفع هذه الأقساط كلها أصبح حراً. هذا هو المكاتب.

    والمكاتب يملك لأنه لا يمكنه أن يحرر نفسه ويدفع هذه الأقساط إلا إذا كان يصح بيعه وشراؤه ويملك، فإذا عجز أصبح هو وما ملك ملكاً لسيده.

    فالمكاتب إذا ملك عبداً أصبح يبيع ويشتري بالعبيد وهو عبد، ثم إنه قتل عبداً له، فهو لا يفضله في الحرية؛ لأنه عبد مثله، بالملك.

    والقول الثاني وهو قول داود : أنه يقتل به، للحديث المتقدم: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه)، ولذا فالراجح أنه يقتل به.

    وعلى ذلك فكل المؤمنين تتكافأ دماؤهم، كما قال صلى الله عليه وسلم، فيقتل الحر بالعبد، ويقتل المكاتب بعبده، كما أن الذكر يقتل بالأنثى، وقد جاء في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يقتل الذكر بالأنثى).

    حكم قتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة

    إذاً: الشرط الثالث هو المكافأة، والمكافأة تكون أولاً بالإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر، وعلى ذلك فلا يقتل المسلم بالذمي، وهذا تقدم دليله، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر).

    فإن كان قد قتله غيلة، يعني: على غفلة وعلى حين غرة من حيث يأمن هذا الذمي، فهل يقتل به أم لا؟ فليس هذا من القتل الذي يحصل مثلاً بمشاجرة أو نحوها، بل يأتي إليه في طريق ومعه نقود فيقتله ويأخذ نقوده، وكالذين يفجرون البيوت التي يسكنها أهل الذمة ونحو ذلك، فهذه حرابة، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة:33] فإذا قتلوا قتلوا، وهؤلاء قد قتلوا، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وهو مذهب المالكية، وهو أن المسلم يقتل بالذمي إن قتله على حين غرة وعلى غفلة، وهذا هو قتل الخديعة، فإذا قتله خديعة وغيلة فإنه يقتل به خلافاً للمشهور في المذهب.

    قال هنا: [ فلا يقتل المسلم ولو عبداً بالكافر ولو حراً ]:

    لو أن عبداً مسلماً قتل كافراً لم يقتل به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقتل مسلم بكافر) وهذا العبد مسلم، فلا يقتل بالكافر ولو كان هذا الكافر سيداً من سادات قومه.

    قال: [ ولا الحر ولو ذمياً بالعبد ]:

    يقول: الحر لا يقتل بالعبد، ولو كان هذا الحر القاتل ذمياً، والعبد المقتول مسلماً، وتقدم أن الراجح خلاف ذلك، وأن الحر يقتل بالعبد.

    قال: [ ولو كان العبد مسلماً ]:

    يعني: لو أن رجلاً من أهل الذمة قتل عبداً مسلماً، فإنه لا يقتل به، وهذا ضعيف، وقد تقدم أن الراجح أن الحر يقتل بالعبد مطلقاً، كيف والحر هنا دون العبد؟ فإنه أعظم منه؛ لأنه أرفع منه بالإسلام، والإسلام أرفع من الحرية.

    قال: [ ولا يقتل المكاتب بعبده ]، تقدم شرح هذا.

    [ ولو كان ذا رحمٍ محرمٍ له ]:

    يعني: لو قتل المكاتب عبده الذي هو عمه مثلاً، أو الذي هو خاله، فإنه لا يقتل به، والصحيح كما تقدم أنه يقتل به؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قتل عبده قتلناه).

    قال: [ ويقتل الحر المسلم ولو ذكراً بالحر المسلم ولو أنثى ]، تقدم شرح هذا، [ والرقيق كذلك ].

    قال: [ وبمن هو أعلى منه ]:

    وهذا واضح، والذمي كذلك يقتل بمن هو أعلى منه، يعني: يقتل الكافر بالمسلم، ويقتل العبد بالحر، وتقتل الأنثى بالذكر؛ لأنه أعلى منه، فإذا كان يقتل بمن يكافئه فأولى من ذلك أن يقتل بمن هو أعلى منه، وهذا كله تقدم شرحه وإيضاحه.

    الشرط الرابع ألا يكون القاتل والداً للمقتول

    قال المؤلف رحمه الله: [ الرابع: أن يكون المقتول ليس بولدٍ للقاتل، فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت بالولد، ولا بولد الولد وإن سفل ].

    يذكر المؤلف هنا الشرط الرابع لوجوب القصاص في النفس، وهو: [ أن يكون المقتول ليس بولد للقاتل ]، وذلك لما جاء في سنن البيهقي ، والمنتقى لـابن الجارود ، وهو أيضاً في الترمذي من حديث عمر ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يقاد والد بولده) والحديث هنا رواه البيهقي وابن الجارود بإسناد جيد، أما حديث عمر في الترمذي فإن فيه اضطراباً.

    والحديث مشهور عند أهل العلم، متلقى بالقبول، وفيه أن الوالد لا يقتل بولده.

    والوالد يعني الأم والأب فلا يقتلون بولدهم؛ لأن الوالد سبب وجود الولد، فلا يكون الولد سبباً لعدمه، وعلى ذلك فلا يقتل الوالد بالولد.

    قال هنا: [ فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت بالولد، ولا بولد الولد وإن سفل ]. يعني: الجد لا يقتل كذلك بولد ابنه، ولا بولد ابنته؛ لأنه والد.

    يورث القصاص على قدر الميراث

    قال المصنف رحمه الله: [ ويورث القصاص على قدر الميراث، فمتى ورث القاتل أو ولده شيئاً من القصاص فلا قصاص ].

    القصاص يورث على قدر الميراث، وذلك لأن الذين لهم حق في القصاص هم الورثة، فننظر من هم ورثة المقتول، فورثته هم أولياء الدم، فإذا عفا أحدهم عن القاتل أسقط الحق في القصاص وعتق القاتل فلم يقتص منه، وهذا هو قول جمهور العلماء.

    وقد جاء في سنن أبي داود وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قتل له قتيل فأهله بين خيارتين) قوله: (فأهله) يعني: ورثته؛ لأن الأهل هم الورثة.

    وفي مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أن عمر رضي الله عنه أتي برجل قد قتل آخر، فعفت زوجة المقتول، وكانت أختاً للقاتل، فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر قد عتق القتيل، وهذا الأثر إسناده صحيح، وبه قال الجمهور.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العصبة فقط هم الذين لهم حق القصاص، وهم الذين يرثون الدم؛ لأن العار يلحقهم، والصحيح خلافه، وهو قول الجمهور كما تقدم، وأثر عمر رضي الله عنه لا يعلم له مخالف فكان حجة.

    إذاً: الورثة هم الذين يرثون الدم.

    قال هنا: [ ويورث القصاص على قدر الميراث، فمتى ورث القاتل أو ولده شيئاً من القصاص فلا قصاص ]:

    القاتل قد يدخل في الورثة، مثال هذا: رجل قتل أخا زوجته، فكانت هذه الزوجة من ورثة دم أخيها القتيل، ثم إن الزوجة ماتت فيرثها زوجها، فأصبح القاتل من ورثة الدم. وإذا كان لها ولد كأن يكون مثلاً قد طلقها؛ لكن لها ولد منه، فأصبح ولدها من ورثتها، وهي من ورثة الدم فلا قصاص؛ لأن القصاص لا يتبعض، يعني: لا يمكن أن نقتص من بعضه، ولذا سيأتي إن شاء الله أنه إذا عفا أحد الورثة سقط القصاص، فلو كان ورثة الدم عشرة، فأسقط واحد من هؤلاء العشرة القصاص؛ فإن الدم يعصم، ولا يقتل هذا القاتل؛ لأن القصاص لا يتبعض، فإذا عفا بعضهم سقط حق بقيتهم في القصاص.

    1.   

    شروط استيفاء القصاص

    معنى استيفاء القصاص

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: شروط استيفاء القصاص، وهي ثلاثة: ].

    استيفاء القصاص هو فعل مجني عليه أو وليه بالجاني مثل فعله أو شبهه.

    المجني عليه عندما تقطع يده أو ولي الدم عندما يقتل موليه فإن الدم له، لأنه ولي الدم، فإذا اقتص فهذا يسمى استيفاء، مثال ذلك: رجل قتل له ولد فاختار القصاص هو وبقية الورثة، فاقتصوا من القاتل بالسيف مثلاً، فهذا الفعل يسمى استيفاء.

    كذلك من قطعت يده فاختار القود بأن تقطع يد من جنى عليه، فهذا يسمى بالاستيفاء.

    إذاً: هو فعل مجني عليه أو وليه بالجاني مثل فعله أو شبهه، فالفعل بالجاني من المجني عليه أو من ولي الدم مثلما فعل، أو شبهه، يسمى استيفاء.

    الشرط الأول تكليف المستحق

    قال المصنف رحمه الله: [ أحدها: تكليف المستحق؛ فإن كان صغيراً أو مجنوناً حبس الجاني إلى تكليفه، فإن احتاج لنفقة فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية ].

    يقول: [ أحدها: تكليف المستحق ]، أي: الذي يستحق القصاص، فلا بد أن يكون المستحق الذي يريد أن يستوفي القصاص مكلفاً، فلو أن رجلاً قتل وله أولاد، وكان أولاده غير مكلفين، فما الحكم؟

    ننتظر حتى يبلغ الصبي منهم، وإذا كان فيهم مجنون فننتظر حتى يعقل هذا المجنون، فيحبس هذا الجاني ولا يكفل؛ لأن الكفالة هنا لا يمكن الاستيفاء بها، لأنه لا يمكن أن يقتص من الكفيل.

    وعلى ذلك فيحبس القاتل حتى يبلغ الصبي وحتى يعقل المجنون؛ وذلك لأن الاستيفاء حق لهم، ويراد من الاستيفاء التشفي. يعني: أن يزول ما في الصدر من الغل.

    لو كان بعضهم صبياً وبعضهم بالغاً فسيأتي الحكم إن شاء الله، لكن ذكر المصنف هنا: أنه احتاج لنفقة فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية، يعني أنه إذا كان المجنون محتاجاً إلى النفقة فلوليه أن يعفو لينفق عليه من هذه الدية.

    الشرط الثاني اتفاق المستحقين على الاستيفاء

    قال المصنف رحمه الله: [ الثاني: اتفاق المستحقين على استيفائه؛ فلا ينفرد به بعضهم. وينتظر قدوم الغائب، وتكليف غير المكلف ].

    الشرط الثاني لاستيفاء القصاص: اتفاق المستحقين:

    فلو أن بعضهم اختار القصاص، وبعضهم اختار الدية، فلا قصاص، لأن القصاص لا يتبعض، فلا يمكن أن نقتص من بعضه بناءً على اختيار بعض الورثة، ولذا لا بد من الاتفاق.

    ولا ينفرد أحدهم بالقصاص؛ لأنه إذا انفرد فقد استوفى حق غيره؛ لأن القصاص ليس حقه فقط، بل له ولغيره.

    قوله: [ وينتظر قدوم الغائب وتكليف غير المكلف ].

    أي: ينتظر قدوم الغائب من المستحقين وإن بعدت غيبته، فلو كان أحد ورثة الدم غائباً فننتظر حتى يأتي؛ لأن له حقاً، فلا نضيع عليه حقه.

    قوله: [ وتكليف غير المكلف ]: أي: ينتظر تكليف غير المكلف، فلو قتل رجل وله أبناء بعضهم بالغون وبعضهم غير بالغين، فينتظر حتى يبلغ غير المكلف.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والأحناف، ورواية عن الإمام أحمد : أنا نكتفي بالكبار العاقلين، فإذا كان الورثة فيهم كبار عاقلون فإنا نكتفي بهم، وذلك لأن الله جل وعلا قال: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء:33]، والولي هو المكلف، ولا يصلح أن يكون غير المكلف ولياً، وعلى ذلك فأولياء الدم هم المكلفون يعني: البالغون العاقلون، وهذا هو الراجح.

    فالراجح: أنه إن كان بعضهم مكلفاً، وبعضهم غير مكلف فاختار المكلفون باتفاقهم أنه يقتص منه؛ فإنه يقتص منه.

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن مات من المستحقين فوارثه كهو ].

    تقدم أن للدم ورثة، فإذا مات أحد هؤلاء الورثة قام ورثته مقامه، مثلاً حصرنا ورثة هذا المجني عليه، ثم إنه قبل أن يقتص من الجاني مات أحد هؤلاء الورثة، فندخل ورثة هذا الميت في أولياء الدم.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن عفا بعضهم ولو زوج أو زوجة أو أقر بعفو شريكه سقط القصاص ].

    إن عفا بعضهم ولو زوجاً أو زوجة فإن القصاص يسقط كما تقدم في أثر عمر رضي الله عنه؛ وذلك لأن القصاص لا يتبعض، يعني: لا يمكن أن نوافق بعضهم في القصاص، وأن نوافق بعضهم في تركه.

    وقوله: [ أو أقر بعفوٍ شريكه سقط القصاص ].

    أي: لو قال أحد ورثة الدم: أنا لم أعف، لكنه أقر بأن شريكه في الدم قد عفا، كأن قال: أنا أقر أن أخي فلاناً -وهو من ورثة الدم- قد عفا، لأنه أتاه فلان وفلان من وجهاء الناس وطلبوا منه العفو فعفا، لكن أنا لا أعفو، فهذا الإقرار يؤخذ به؛ لأن هذا كالإقرار على النفس.

    الشرط الثالث أن يؤمن تعدي القصاص إلى الغير

    قال المصنف رحمه الله: [ الثالث: أن يؤمن في استيفائه تعديه إلى الغير، فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع ].

    قال تعالى: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33]، فلا بد في الاستيفاء أن يؤمن الحيف والظلم، لئلا يسرف، ولذا قال: [ فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع ].

    ويأتي الكلام أيضاً على الأمن من الحيف في الأطراف، وهنا لا يسرف في القتل بأن يصل ذلك إلى غير القاتل فيتضرر بذلك غير قاتله.

    قال: [ فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، ثم إن وجد من يرضعه قتلت، وإلا فلا حتى ترضعه حولين ].

    يعني: لو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقيه اللبأ، قالوا: لأن الوليد لا يستغني عن هذا اللبأ، ثم إن وجدت مرضعة، أو كان هناك طريق لإرضاعه قتلت، وإلا فإنها تترك حتى ترضعه الحولين، وكذلك في الحدود.

    إذاً: هذا هو الشرط الثالث، وهو أن يؤمن باستيفائه من أن يتعدى القتل أن يتعدى الضرر إلى غير الجاني.

    1.   

    آداب استيفاء القصاص

    ألا يستوفيه بلا حضرة السلطان أو نائبه

    قال المصنف رحمه الله: [ فصل: ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة السلطان أو نائبه ويقع الموقع ].

    أي: يحرم أن يستوفى القصاص بغير حضور السلطان أو من ينيب السلطان؛ وذلك خشية الحيف فيه، فقد يقطع أطرافه مثلاً، أو يفقأ عينه، أو يفعل به ما لا يجوز.

    فلا بد من حضور السلطان وإذا استوفى أحد من الناس حقه من غير حضور السلطان أو نائبه فإنه يعزر، وأمراء المناطق مثلاً ينوبون فهم من نواب السلطان، والقضاة كذلك من نواب السلطان، فلا بد أن يكون هناك نائب للسلطان، يعني: أن تحضر جهة رسمية معتمدة من السلطان.

    هذا إذا أراد أن يستوفي بنفسه هو، يقول: أنا أقتل قاتل أخي، أنا آخذ السيف وأقتله، وكذلك إذا أتى بوكيل له، فلا بد أن يحضر السلطان.

    ويستحب أن يقيم السلطان من يستوفي القصاص ويدفع له رزقاً من بيت المال، أي: يكون له راتب من بيت المال، فهذا الذي يقتل الجناة المعتدين على النفوس، أو يقطع الأطراف ينبغي أن يكون موظفاً من قبل السلطان، وهذا من المصالح العامة.

    لكن إن أحب ولي الدم أن يقتص هو بنفسه فله ذلك، وإن وضع وكيلاً فله ذلك، لكن لا بد أن يكون هذا بحضرة السلطان أو من ينيبه السلطان.

    قال: [ ويقع الموقع ]:

    يعني: أن القصاص يقع الموقع، لكن للإمام أن يعزره إذا استوفى بغير حضرته.

    ألا يقتل الجاني بغير السيف ولا يقطع بغير السكين

    قال المصنف رحمه الله: [ ويحرم قتل الجاني بغير السيف وقطع طرفه بغير السكين لئلا يحيف ].

    يحرم قتل الجاني بغير السيف، هذا هو المشهور في المذهب، وفيه حديث ابن ماجة : (أنه لا حد إلا بالسيف)، أو (لا قتل إلا بالسيف)، لكن الحديث لا يصح.

    واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية وهو مذهب المالكية والشافعية: أن القصاص يجوز أن يكون بمثل الجناية، قال شيخ الإسلام : وهو الأشبه بالكتاب والسنة والعدل.

    أما الكتاب فقوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126].

    وأما السنة فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يرض رأس اليهودي الذي رض رأس جارية بين حجرين، والحديث في الصحيحين.

    وأما العدل فظاهر.

    لكن يستثنى من ذلك إذا كانت طريقة القتل أو طريقة الجناية لا تجوز شرعاً، كأن يحرقه بالنار، فلا يعذب بالنار إلا الله جل وعلا، أو كانت بفاحشة كزنا أو لواط، أو نحو ذلك، وأما إذا لم يكن ذلك مخالفاً للشرع، فإن الاستيفاء يجوز أن يكون بمثله، فإذا رمي وليهم من شاهق فلهم أن يرموا هذا القاتل من شاهق، وإذا رماه إلى البحر فلهم أن يرموه إلى البحر ونحو ذلك، هذا هو العدل.

    ويحرم قطع طرفه -أي: الجاني- بغير السكين؛ لئلا يحيف؛ لأنه قد تحصل زيادة وظلم وجور.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن بطش ولي المقتول بالجاني فظن أنه قتله فلم يكن وداواه أهله حتى برئ؛ فإن شاء الولي دفع دية فعله وقتله وإلا تركه ].

    يقول: [ إن بطش ولي المقتول بالجاني فظن أنه قتله فلم يكن -يعني: قتله- وداواه أهله حتى برئ ]، أي: أراد أن يستوفي بنفسه، فضربه بالسيف أو بطش به بغير ذلك، وظن أنه قد مات، فلما تفرق الناس أخذه أهله وداووه، وبرئ من هذه الجناية التي أريد به الاستيفاء، فما الحكم؟

    قال هنا: فإن شاء ولي الدم الذي استوفى بهذه الطريقة دفع دية فعله، فنقول له: أنت تريد الآن أن تقتله، فأنت بالخيار: إما أن تدفع دية فعلك حين بطشت به ولم تقتله، فمثلاً كان قد ترتب على ذلك قطع طرف له، أو نحو ذلك، فأنت مخير بين أن تدفع دية فعلك وتقتل، وبين أن تتركه ولا تتعرض له.

    وذكر صاحب الفروع أن عمر وعلياً ويعلى بن أمية قد قضوا بذلك فيما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    إذاً: إن شاء اقتص بعد أن يدفع دية فعله، وإن شاء تركه، فهو بالخيار بين الأمرين.

    وهنا مسألة: إذا قتل أحد أولياء الدم الجاني قبل أن يتفقوا على القصاص، فمثلاً: قتل زيد وله أربعة أبناء، وقبل أن يتفقوا على القصاص قتل أحدهم قاتل أبيه، والآخرون لم يقولوا بعد بالقصاص فهل يقتل به؟ الجواب: لا يقتل به، وذلك لأن دم هذا القاتل لم تثبت عصمته حتى يتفقوا أو يأخذ بعضهم بالدية، فإذا قال بعضهم بالدية عصم دمه، وعلى ذلك: فلو أن بعضهم اختار الدية، وقال: أريد الدية، ثم إن بعضهم قتله بعد اختيار بعضهم الدية؛ فإنه يكون قد قتل معصوم الدم، فيكون أولياء الجاني الأول مخيرين بين القصاص والدية.

    وكذلك أيضاً: لبقية الورثة أن يطالبوه بالدية؛ لأنه فوتها عليهم، فيقولون: نحن كنا مخيرين بين الدية والدم، ثم إنك قد قتلته، ونحن على حقنا فنريد الدية، فلهم أن يأخذوا الدية باستثناء نصيبه هو.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.