إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحضانةللشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يفترق الأبوان بموت أو غيره فيحتاج الطفل إلى من يعتني به ويوفر له ما يصلحه في مختلف نواحي الحياة، وهذا ما يسمى بالحضانة، وإذا كان الفراق بين الأبوين بطلاق ونحوه فقد يتنازعانه ويرى كل منهما أنه أحق به. والشارع الحكيم قد حدد حق الحضانة ورتب أهلها ترتيباً يتناسب مع مصلحة الطفل ديناً ودنيا.

    1.   

    أحكام الحضانة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الحضانة ]

    الحضانة: من الحضن.

    والحضن في اللغة هو الصدر.

    وأما في الاصطلاح فقد ذكرها المؤلف بقوله: [ وهي حفظ الطفل غالباً عما يضره والقيام بمصالحه ]، أي: أن تحفظه عما يضره، وأن تقوم بمصالحه، كحفظه عند خروجه إلى الشارع وهو ابن ثلاث أو أربع سنين من السيارات.

    وكذلك يحفظه من خلطة أهل السوء في الشوارع.

    والقيام بمصالحه بأن يعلمه ما يحتاج إليه في دينه ودنياه.

    إذاً: فالحضانة هي القيام بما يحفظ الطفل عما يضره غالباً والقيام بمصالحه.

    ولذا قال المؤلف: [ كغسل رأسه وثيابه ودهنه وتكحيله وربطه في المهد ونحوه وتحريكه لينام ]، هذه كلها أمثلة، لأن ما يصلحه سواء كان في دينه أو كان في دنياه مثل تنظيم الأكل في إطعامه ما يقوي بدنه ويناسبه، فهذا كله داخل في الحضانة.

    تقديم الأم في الحضانة وإن طلبت الأجرة

    قال: [ والأحق به الأم ]، إذا طلق رجل امرأته فتكون الحضانة عند الأم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وأبو داود : (أنت أحق به ما لم تنكحي)، فدل على أن الأحق بالحضانة هي الأم.

    قال: [ ولو بأجرة مثلها مع وجود متبرعة ]، أي: حتى لو طلبت الأم أجرة من الأب الذي طلقها على تربية أولاده وحضانتهم فالحق لها، ولها أن تطالب الأب كما أنها إذا أرضعت فلها أن تطالب بأجرة الرضاعة، قال تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6] فدل ذلك على أن للأم أن تطالب بأجرة ولو وجدت متبرعة.

    لو قالت أخته أو أمه: أنا أربي هذا الطفل وأقوم بحضانته متبرعة، نقول: الأم أحق.

    وهذه من المسائل التي يجهلها كثير من الناس، أعني: أن للأم أن تطالب الأب بالأجرة على حضانتها لأولادها، فتطالبه بأن يعطيها أجرة بالمعروف على رعايتها لأطفالها، ولذا قال المؤلف هنا: [ ولو بأجرة مثلها ]، يعني: بالأجرة التي تأخذها مثلها بالمعروف.

    ترتيب استحقاق الحضانة بعد الأم

    قال: [ ثم أمهاتها القربى فالقربى ]، الأحق بعد الأم أمهاتها.

    قال: [ ثم الأب ثم الجد ثم أمهاته، ثم الأخت لأبويه ثم لأم ثم لأب ]، إذاً: الأخت لأم تقدم على الأخت لأب.

    قال: [ ثم الخالة لأبوين ثم لأم ثم لأب، ثم العمات كذلك ]، فالخالة تقدم على العمة، [ ثم خالات أمه ثم خالات أبيه ثم عمات أبيه، ثم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب ].

    حاصل ما تقدم أن جهة الأمومة مقدمة عند الحنابلة على جهة الأبوة، وعلى ذلك فتقدم أم الأم على أم الأب، وتقدم الخالة على العمة.

    فهم يقدمون جهة الأمومة على جهة الأبوة استدلالاً بالحديث المتقدم: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، قالوا: فقدم الأم على الأب، فدل على أن جهة الأمومة مقدمة على جهة الأبوة.

    القول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن أحمد واختاره ابن قيم الجوزية قالوا: بل جهة الأبوة مقدمة على جهة الأمومة، وذلك لأن جهة الأبوة يلحقها العار إذا حصل منه ما يخل بالشرف، ولأن النسب إليهم فهم أحرص على هذه البنت التي تنتسب إليهم وأحرص على هذا الولد الذي ينتسب إليهم.

    والعمة أحرص من الخالة في الأصل لأن هذا ينسب إلى أخيها، وأم الأب كذلك، قالوا: فجهة الأبوة مقدمة على جهة الأمومة.

    قالوا: وأما حديث: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، فلا يدل على أن جهة الأمومة مقدمة على جهة الأبوة بإطلاق، وإنما فيه أن الأم تقدم على الأب فقط، وليس فيه أن كل من كان من جهة الأم يقدم على من يساويه من جهة الأب، وهذا هو الصواب.

    فالراجح أن جهة الأبوة تقدم إلا أن الأم تقدم على الأب.

    وقد أطال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في ذكر اضطراب أهل القول الأول، وعلى ذلك فنقول: جهة الأبوة مقدمة على جهة الأمومة.

    1.   

    ما يمنع الحضانة

    الرق

    قال هنا: [ ولا حضانة لمن فيه رق ]، لأنه مشغول بحق سيده، ولذا فإن الأم إذا انشغلت بحق زوجها فلا حضانة لها إلا ما سيأتي استثناؤه كما تقدم.

    فالرقيق وهو العبد أو الأمة لا حضانة له.

    وهل الحضانة حق له أو حق عليه؟ قولان في مذهب أحمد ومالك ، والصحيح وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار ابن القيم أن الحضانة حق له وليست حقاً عليه، ويدل على ذلك الحديث: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، فدل على أن الحضانة حق لها، وعلى ذلك فللأم أن تقول: أنا لا أريد الحضانة، ولكن بشرط أن لا يستمر هذا التنازل حتى يضيع الولد.

    إذاً نقول: الحق لها لكن بشرط أن لا يستمر هذا التنازل حتى يضيع الولد، لكن ما دام أن الأب يريد الحضانة فلها أن تترك الحضانة له، فإن كان لا يريد الحضانة فهي التي تحضنه.

    وعلى ذلك فلو أن الأم تركت حضانة الطفل وكذلك الأب لكن أب الأب -وهو يصلح للحضانة- قد احتضن هذا الطفل، فلا بأس بذلك، لكن لو كان بحيث يضيع فلا؛ لأن المقصود من الحضانة هي حفظه من الضياع، ودفع الهلكة عنه لدينه ودنياه.

    الفسق والكفر

    قال: [ ولا لفاسق ]، الفاسق لا حضانة له، وذلك لأن المقصود من الحضانة تربيته وإصلاحه، والفاسق لا يقوم بذلك هو في نفسه، فإذا كان لم يصلح نفسه ولم يقومها فإن حضانته لأولاده كذلك، لذا فإن الحضانة لا تكون للفاسق، هذا هو قول جمهور العلماء.

    واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو كذلك اختيار ابن قيم الجوزية أن الوالد الفاسق له الحضانة، وذلك لأن الوالد له شفقة على أولاده وإن كان فاسقاً، ولذا تجد الآباء الذين ابتلوا مثلاً بالمسكرات أو ابتلوا بالوقوع في الفواحش أو شرب الدخان يشتد نهيهم لأبنائهم عن هذا، ولا يرضون لأبنائهم أن يقعوا في مثل ما وقعوا فيه؛ لأن لهم شفقة على أبنائهم لكنهم مع جلسائهم يحرصون على نقيض ذلك، فالفاسق يحب أن يوقع من يجالسه في ذلك، لكن أبناءه يبعدهم عن هذا.

    لكن هناك بعض أنواع الفسق مثل الذي يشرب الخمر في بيته ويجتمع عنده الناس، فهذا قطعاً لا يصلح للحضانة، وعلى ذلك فالذي يقرر هذا هو القاضي.

    فالصحيح أن القاضي ينظر إلى هذا، فنقول له: إن الأصل أن الفاسق لا حضانة له، لكن إن رأى القاضي أن هذا الأب يصلح لأنه يرى أن له شفقة على أبنائه وهو حريص على تربيتهم، كبعض الفساق حيث يتابع أبناءه في حلق التحفيظ ويتابعهم في المسجد أكثر من متابعة بعض أهل الخير، وعلى ذلك فنقول: الفاسق لا حضانة له، لكن إن رأى القاضي إبقاء الحضانة للأم أو كذلك للأب وإن كانوا فساقاً لأن المصلحة تقتضي ذلك، فلا بأس بذلك، لاسيما إذا كان الفسق موجوداً عند الطرفين.

    والمقصود من الحضانة هو أن ننظر إلى الموضع المناسب لتربية هذا الطفل، فقد تكون الأم فيها خير، وقد يكون الأب عنده فسق لكنه يحفظ الابن من أمور كثيرة من الشر، بينما الأم قد لا تستطيع أن تمنع الشر عن الولد لما فيها من العاطفة، وقد يكون الأمر بضد ذلك، فيرى القاضي أن الأم فيها خير وحريصة وقوية، فهذه أمور يقررها القاضي، بالنظر إلى حال هذا وحال هذا.

    وقد يرى القاضي أن هذا الابن فيه شقاء وفيه رغبة في أمور كثيرة من الشر، ويرى أن وجوده عند أبيه يحفظه أكثر من أمه؛ فهذه أمور كما تقدم يرجحها القاضي بالنظر إلى هذا، لكن الأصل عندنا أن الفاسق ليس له حضانة.

    قال: [ ولا لكافر على مسلم ]، كذلك لا حضانة لكافر على مسلم؛ لأن الله جل وعلا قال: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141].

    زواج الأم بأجنبي

    قال: [ ولا لمتزوجة بأجنبي ]، يعني: بأجنبي من المحضون، فالمرأة إذا نكحت أجنبياً ليس من قرابة الولد تسقط حضانتها، فإن نكحت قريباً له كأن تنكح ابن عم هذا الطفل لم تسقط حضانتها لأن ابن العم حريص على تربية هذا الطفل.

    ولذا قال المؤلف هنا: (ولا لمتزوجة بأجنبي)، فإن كان غير قريب للطفل أو كان من جهة أخواله فإنه يعد أجنبياً، فالمراد بقوله هنا: (بأجنبي) يعني: ليس من قرابته الذي ينسب هو وإياه إلى أب واحد، كابن العم، أو كما لو تزوجت عمه، فإذا تزوجت عمه لم تسقط الحضانة، فإن تزوجت ذا رحم كما لو تزوجت ابن خاله أو ابن خالته فإنها تسقط.

    وقال صاحب الفروع: ويتوجه أنها لا تسقط، وما هو ببعيد.

    إذاً: المشهور في المذهب أن المرأة إذا تزوجت من هو من ذوي رحمه وليس من عصبته فإن الحضانة تسقط، ووجه صاحب الفروع أنها لا تسقط، فإن تزوجت من ليس بذي رحم ولا بذي تعصيب، فإنها تسقط.

    إذاً: الحضانة تسقط إذا نكحت المرأة أجنبياً، ليس من ذوي رحمه على الصحيح وليس من ذوي قرابته وهم العصبة، الدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخالة بمنزلة الأم)، والخالة في قصة هذا الحديث هي أسماء بنت عميس ، فإن بنت حمزة لما استشهد رضي الله عنه اختلف فيها علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة ، فـعلي بن أبي طالب ابن عمها وجعفر ابن عمها وزيد بن حارثة أخ لـحمزة من الرضاع، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بها لـجعفر بن أبي طالب لأن تحته أسماء وأسماء خالة لبنت حمزة وقال: (الخالة بمنزلة الأم).

    فهنا هذه الخالة وهي أسماء كانت متزوجة، وهذا الذي قد تزوجته ليس بأجنبي بل هو ابن عم لبنت حمزة .

    وعلى ذلك فنقول: إن حضانة المرأة لا تسقط إلا إذا تزوجت أجنبياً، يعني: ليس من ذوي عصبته كأبناء العم، فإن تزوجت من أبناء الخال فقولان: المذهب أنها تسقط، والقول الثاني: أنها لا تسقط، ووجهه صاحب الفروع.

    الحكم إذا رضي الزوج الأجنبي بالحضانة

    وفي قوله: (ولا لمتزوجة بأجنبي)، إذا رضي الأجنبي، فقال للمرأة: أنا راض بتربية أولادك وليس عندي مانع أن تقومي بذلك، فهل تسقط حضانتها؟

    المشهور في المذهب أنها تسقط لحديث: (أنت أحق به ما لم تنكحي).

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو اختيار ابن قيم الجوزية : إنه إذا رضي الزوج ولو كان أجنبياً فأسقط حقه وأذن لها فلا حرج، وهذا أقرب لأن الحق لهذا الأجنبي فإذا أسقطه فإن الحضانة تبقى عنده.

    قال ابن سعدي رحمه الله: وهذا هو قياس المذهب في سائر الحقوق، فإذاً: هو حق له رضي بإسقاطه، أي: رضي أن تقوم هذه الأم بحضانة أولادها.

    وهذه المسائل كما تقدم لكم يرجع فيها إلى رأي القاضي، فقد يرى القاضي أن هذا الزوج ممن يصلح للتربية ويعين المرأة على تربية أولادها وفيه خير، فيبقي الأولاد عنده لأن هذا أنفع لهم.

    وقد يرى بخلاف ذلك فينقل الحضانة.

    1.   

    الأحق بالحضانة إذا أراد أحد الأبوين السفر

    قال هنا: [ وإن أراد أحد الأبوين السفر ويرجع فالمقيم أحق بالحضانة ].

    لو أرادت الأم أن تسافر سياحة مدة أسبوع أو أسبوعين أو شهر وكانت الحضانة عندها، فنقول: أثناء السفر يكون الأولاد عند أبيهم، لأن هذا أصلح للأبناء.

    قال: [ وإن كان لسكنى وهي مسافة قصر فالأب أحق ]، لو قالت الأم: أنا أريد أسافر إلى بلدي، والأب يريد أن يجلس في البلد، فالمشهور في المذهب أن الحضانة تكون للأب، ولو أراد الأب أن يسافر ليسكن في تلك البلد فالحضانة كذلك تكون تبعاً له.

    إذاً: إذا أراد أحدهما أن يسافر سفراً يستقر فيه، وكان هذا السفر مسافة قصر -يعني: ثمانين كيلاً فأكثر- فإذاً: سيكون الأم في بلد والأب في بلد، فتكون الحضانة للأب، قالوا: لأن الأب هو الذي يحفظ نسبه وهو الذي يربيه.

    وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أن الحضانة تبقى للأم وإن سافر الأب للسكنى أو سافرت هي للسكنى، وذلك لعموم حديث: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، وهذا أصح لعموم هذا الحديث، إلا أن يرى القاضي أن مصلحة الابن في سفره مع أبيه للسكنى أو في بقائه مع أبيه حيث تسافر الأم للسكنى. وهذا يختلف، فقد تكون الأم من بلد فيه فسق ولا يستطيع الوالد أن يربي أولاده في تلك البلد، فنحكم بأن تكون الحضانة في البلد التي فيها محافظة على الابن سواء كانت بلد الأم أو بلد الأب لأن المقصود هو صلاحه.

    قال: [ ودونها ] أي: دون مسافة القصر، [ فالأم أحق ].

    1.   

    حضانة الصبي إذا بلغ سبع سنين

    قال: [ وإذا بلغ الصبي سبع سنين ]، هذا في الصبي لا في البنت، [ عاقلا خير بين أبويه ]، لما ثبت في الترمذي وغيره: (أن امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن زوجي يريد أن يأخذ ابني بعد أن نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه).

    هذا فيه أن الغلام يخير، والتخيير هنا للتشهي عند أهل العلم، يعني: لو قال بعد أسبوع: أريد أن أكون عند أبي، وبعد فترة قال: لا، أريد أن أرجع إلى أمي؛ فإنه يخير بالتشهي.

    قال: [ فإن اختار أباه كان عنده ليلا ونهارا ]، يعني: إذا اختار الأب كان عنده ليلاً ونهاراً.

    قال: [ ولا يمنع من زيارة أمه ولا هي من زيارته ]؛ لأن هذا قطيعة رحم، فلا يمنع من زيارة أمه ولا تمنع الأم من زيارته.

    [ وإن اختار أمه كان عندها ليلاً وعند أبيه نهاراً ليعلمه ويؤدبه ]؛ لأن وقت النهار هو وقت تربية الابن، فإن كان الأب صاحب مزرعة أو صاحب دكان أو نحو ذلك جلس عند أبيه وعلمه ورباه.

    1.   

    حضانة الأنثى إذا بلغت سبع سنين

    قال: [ وإذا بلغت الأنثى سبعاً كانت عند أبيها وجوباً إلى أن تتزوج ].

    انتهينا من الغلام وقلنا عن الغلام: إنه يخير، أما البنت فقالوا: والبنت إذا تم لها سبع سنين كانت في حضانة أبيها، قالوا: لأن الأب يغار على عرضه ويحرص على تربيتها ويبعد بينها وبين الشر وطرقه، وكذلك أيضاً لتخطب منه، لأن البنت إنما تخطب من أبيها.

    والقول الثاني في المسألة وهو قول الجمهور: بل تكون عند الأم؛ لأن الأم هي أصلح لتربيتها وتعليمها شئون النساء وأصلح لها في أمور كثيرة فتعلمها الطبخ والخياطة، وتعلمها حقوق الزوج وبعض الأمور الخفية عند النساء؛ فالأم أصلح لها.

    وهذا هو الراجح لعموم حديث: (أنت أحق به ما لم تنكحي)، وهذا حديث عام، واختاره أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.

    وكما تقدم أن القاضي لو رأى أن الأب أولى فهذه مسألة ترجع إلى نظر القاضي، فينظر إلى أهل المرأة التي تعيش عندهم أو إلى بيتها أو مجتمعها وكذلك إلى مجتمع الأب، فينظر ما هو الأصلح.

    فقد يكون الأب متزوجاً وتكون هذه الضرة لأمها تؤذيها وتسيء إليها وقد تفسدها وتسيء معاملتها، هذا ينظر فيه إلى حال هذا وحال هذا.

    إذاً: القاعدة عندنا في هذا الباب أن المقصود صلاح الولد وتربيته، فعندنا مسائل قد تقدم ترجيحها، ولكن عندما يرى القاضي العمل بخلاف ذلك للمصلحة فإن المقصود هو مصلحة الطفل.

    قال: [ ويمنعها ومن يقوم مقامه من الانفراد ] يعني: أن الأب يمنع البنت من الانفراد، وكذلك من يقوم مقام الأب يمنعها من الانفراد خشية عليها، يعني: فلا تترك في البيت وحدها خشية عليها.

    قال: [ ولا تمنع الأم من زيارتها ولا هي من زيارة أمها إن لم يخف الفساد ]، أما إذا خاف عليها الفساد فإنه يمنعها من زيارة أمها، كما إذا كان البيت الذي فيه الأم بيتاً سيئاً وفيه فحش فله أن يمنعها؛ لكن تأتي الأم لتزورها.

    1.   

    حضانة المجنون

    قال: [ والمجنون ولو أنثى عند أمه مطلقاً ]، لأن الأم أعرف بما يصلحه، فالمجنون يحتاج إلى عناية وإلى متابعة ذكراً كان أو أنثى والأم أحرص عليه من غيرها.

    قال: [ ولا يترك المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه ]، فالمحضون لا يترك بيد من لا يصونه ولا يصلحه وإن كان أباه أو كانت أمه لما تقدم ترجيحه.

    وبهذا ننتهي من هذا المنهج، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    نفقة الطفل المحضون إذا اختار أمه

    السؤال: هل تسقط النفقة إذا اختار أمه؟

    الجواب: الغلام إذا خير لا تسقط النفقة بل تجب، لأن النفقة باب آخر، لكن الأب لو كانت له الحضانة كأن تزوجت المرأة أجنبياً فكانت الحضانة للأب، فقالت المرأة: تنازل لي عن الحضانة والنفقة علي، فتراضيا على ذلك؛ فلا بأس.

    الصوم ليلة الثلاثين من شعبان

    السؤال: في صفحة كذا فهمت أننا نصوم ليلة الثلاثين من شعبان فهل هذا صحيح؟

    الجواب: في مسألة ليلة الثلاثين من شعبان إذا كان هناك في الليل غيم أو سحاب أو غبار فهل يصبح الناس صائمين؟

    على أقوال: فالمشهور في المذهب أنهم يصبحون صائمين وجوباً احتياطاً.

    والقول الثاني وهو الراجح: أنه ينهى عن ذلك، وهذا هو يوم الشك.

    معنى قول المؤلف في مفطرات الصوم (جومع إن طاوع)

    السؤال: يقول المؤلف في المفطرات: (جومع إن طاوع) لماذا عبر بجومع؟

    الجواب: لأنهم يرون أن الفطر بالجماع في الدبر أو في القبل، فالذي يجامع قد يكون ذكراً في اللواط نسأل الله العافية، أو في الزنا، أو أن يجامع امرأته في قبل أو في دبر.

    معنى: (لأنه لم يأمر امرأة المواقع بكفارة)

    السؤال: ما معنى (لأنه لم يأمر امرأة المواقع بكفارة)؟

    الجواب: الإسلام لم يأمر امرأة من جامع امرأته في رمضان في حديث أبي هريرة بالكفارة، وإنما أمر الرجل، فمن أهل العلم من قال: إن ذلك يعني أن على الاثنين كفارة واحدة، ومن أهل العلم وهو الصحيح من قال: بل عليها كفارة وعليه كفارة، وإنما سكت النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا يعلم بالقياس، فالنساء شقائق الرجال، ولأن المرأة قد تكون معذورة بأن تكون مكرهة أو تكون طاهراً من حيضها في ذلك اليوم.

    حكم حضانة الطفل إذا أراد السفر مع أبيه أو أمه

    السؤال: تقول: إن أراد أحد الأبوين السفر وأراد الابن السفر مع المسافر فما الحكم، هل يسافر مع المسافر أم يقيم مع المقيم؟

    الجواب: هذا لا يرجع إلى اختياره إلا أن يكون غلاماً فوق سبع، وإلا فإن القاضي يأمر ببقائه مع من هو في البلد، إلا إذا تراضيا على ذلك.

    لو كانت المرأة ستسافر مع أهلها شهراً وتأخذ أولادها معها والأب راض بذلك فلا بأس، لكن إن قال: أثناء الشهر يبقى أولادي عندي لأنك ستسافرين للنزهة وأريد أبنائي أن يبقوا عندي، فله ذلك.

    حكم من وطئ مطلقته المبانة في العدة

    السؤال: قال المؤلف في العدة: (إن وطئها عمداً من أبانها كالأجنبي وبشبهة استأنفت العدة من أولها)، فما الفرق بين العدتين وما معنى (استأنفت)؟

    الجواب: (استأنفت) يعني بدأت من جديد، يقال: استأنف الشيء يعني بدأه من جديد.

    وقوله: (إذا كان قد وطئها عمداً من أبانها) الذي أبانها قد وطئها عمداً فيقولون: هنا تكون عدة واحدة، وإن كان هذا الشخص قد طلقها ثلاثاً ثم وطئها بشبهة فالوطء بشبهة جعله كالأجنبي فتكون لها عدتان كما تقدم شرحه.

    عدة المرأة النفساء

    السؤال: إذا طلقت المرأة في أول يوم من نفاسها فكم تكون عدتها؟

    الجواب: تكون عدتها ثلاث حيض، إذا طهرت من النفاس فإنها تحسب ثلاث حيض، ولا يجوز طلاق النفساء كطلاق الحائض، فإذا انتهت من النفاس تحسب ثلاث حيض ولا تحسب النفاس.

    أولوية الأم في الحضانة مع الفسق

    السؤال: لقد قلنا: إن الأم أحق بالحضانة للطفل وذلك لحديث (أنت أحق به ما لم تنكحي) فهل الأم أولى سواء كانت صالحة أو فاسقة والأب فاسق؟

    الجواب: إذا كانت هي صالحة فهذا واضح، وإن كانت فاسقة والأب فاسق فقد استويا، فهي أحق على القول بأن الوالد تصح حضانته وإن كان فاسقاً؛ لكن الفسق يختلف فإذا رأى القاضي أن فسق الأم أشد يخشى منه ضياع الولد وأن فسق الأب أخف؛ فهذا أمر يقرره القاضي.

    أجرة الرضاع للأم

    السؤال: هل الأم فرض عليها أن تأخذ أجرة الرضاع سواء طلقها زوجها أم لم يطلقها؟

    الجواب: من العلماء من يرى أن الأم لها أن تأخذ أجرة الرضاع مطلقاً حتى لو كانت في ذمته، والصحيح أنها إن كانت في ذمته فإنها لا تأخذ أجرة، لأن الله يقول: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [البقرة:233] وهذا خبر بمعنى الأمر، يعني: أرضعن أيتها الوالدات أولادكن، وأما إذا لم تكن تحته وقد طلقها وأبانها فإن لها أن تطالب بالأجرة.

    حكم من جامع زوجته في رمضان وهو مسافر

    السؤال: ما حكم من جامع زوجته في نهار رمضان وهما على سفر ولم ينويا الإفطار؟

    الجواب: هذا يكون فطراً، فلا حرج عليهما، هذا رجل نوى الصيام في السفر ثم جامع امرأته وهو مسافر فلا حرج عليه في ذلك لأنه مسافر، وعلى ذلك فيكون قد أفطر بالجماع، وهو مثل الفطر بالأكل والشرب.

    عدة الحامل

    السؤال: هل تنقضي عدة الحامل بوضع الحمل ولو بعد الطلاق بأيام؟

    الجواب: أي نعم، تقدم أن المرأة إذا طلقت طلاقاً بائناً أو طلاقاً رجعياً فعدتها إذا وضعت حملها، حتى لو ما بقي لوضعها إلا ليلة واحدة.

    اختيار الابن بين الأبوين لا يعد عقوقاً

    السؤال: هل الاختيار بين الأبوين يدخل الابن أو الابنة في العقوق؟

    الجواب: لو اختار أمه على أبيه فلا يدخل هذا في العقوق، وليس للأب أن يظلمه لأنه اختار أمه، بل يتعامل معه على أنه طفل.

    أما أن يختار الابن الأم وعند ذلك يقول له الأب: إني غير راض عنك، فهذا غلط وهو من الجهل، فإذا اختار أمه قال له الأب: هذا عقوق وغضب، وربما بعضهم يتبرأ منه وبعضهم يحرمه النفقة، وهذا كله من الظلم.

    حكم من حلف بالطلاق لا يطأ امرأته قبل أربعة أشهر ثم وطئها

    السؤال: إذا حلف الرجل بالطلاق أن لا يطأ زوجته قبل أربعة أشهر فوطئها قبل هذه الأشهر الأربعة، فهل يقع الطلاق دون إيلاء وما هو الواجب عليه؟

    الجواب: إذا كانت نيته منع نفسه فقط ولا يريد الطلاق فقال: والله لا أطؤك قبل أربعة أشهر فإن وطئتك قبل أربعة أشهر فأنت طالق، فهذا عليه كفارة يمين فقط إذا وطئها، وأما إذا كان يريد عذراً للطلاق يقول: أنت تجملت أمامي فإن وطئتك الليلة فأنت طالق ثم بعد ذلك وطئها فهذا يقع طلاقه.

    حكم من حلف بالطلاق كاذباً

    السؤال: قوله: (رجل حلف بالطلاق وأراد الكذب وقع الطلاق حكماً ودين عند الله)، فهل يقع الطلاق عند الله؟

    الجواب: إذا كان الله يعلم أنه كاذب فإن الطلاق لا يقع، وهذا معنى أنه يدين، فإذا قال: أنا حلفت عليك بالطلاق وأراد الكذب، فهو يعلم أنه كاذب وأنه لم يحلف، فلا يقع طلاقه فيما بينه وبين الله، وأما عند القاضي فتقدم أنه يحكم بذلك لأن القاضي يحكم بالظاهر، وأما الله جل وعلا فيحكم بالسرائر لأنه يعلم الباطن، وإذا كان الباطن مؤثراً كما في هذه المسألة فإن الله جل وعلا يحكم به.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.