إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الرضاعللشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأبواب الفقهية التي ينبغي الاهتمام بها باب الرضاع، حيث يترتب على ذلك تحريم النكاح وثبوت المحرمية، وقد اعتنى الفقهاء بذلك وبينوا الأحكام المختلفة المتعلقة بذلك.

    1.   

    أحكام الرضاع

    من يكره استرضاعها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الرضاع ].

    الرضاع أو الرضاع -بفتح الراء وكسرها- وهو مص الثدي.

    وأما في اصطلاح الفقهاء فهو: مص لبن قد ثاب عن حمل أو شربه أو نحو ذلك في الحولين. هذا هو تعريفه في الاصطلاح ويتضح هذا إن شاء الله من كلام المؤلف.

    يقول رحمه الله: [ يكره استرضاع الفاجرة والكافرة وسيئة الخلق والجذماء والبرصاء ].

    قالوا: لأن الرضاع يؤثر في الطباع، فقد يؤثر في هذا المرتضع، وقد جاء في أبي داود مرسلاً : (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تسترضع الحمقاء)، لكن الحديث مرسل، والمرسل قسم من أقسام الحديث الضعيف، وقد روي عن عمر كما في البيهقي أن الرضاع يشبه، فيشبه هذا المرتضع أمه بالرضاع في خلقها، ولذا فإن الوالد يختار المرضعة حسنة الخلق السليمة من العيوب.

    ما يترتب على الرضاع المحرم

    قال: [ وإذا أرضعت المرأة طفلاً بلبن حمل لاحق بالواطئ صار ذلك الطفل ولدهما ].

    إذا رضع هذا الطفل من امرأة، وتوفر في هذا الرضاع الشروط التي تجعله رضاعاً محرماً فماذا يترتب على ذلك؟

    الجواب: يكون المرتضع وأولاده أولاداً لهذه المرضعة ولمن ثاب الحمل منه وهو الفحل.

    أوضح هذا بمثال: ارتضع زيد من أسماء زوجة عمرو خمس رضعات معلومات توفرت فيها الشروط، فنقول لزيد: إن أسماء أمك وإن عمراً أبوك.

    فإن قال: وهل يتأثر أبي؟ نقول: لا يتأثر أبوك من النسب وله أن ينكح هذه المرضعة، وكذلك أمه من النسب لا تتأثر.

    فإذا قال: وإخواني هل يتأثرون؟ نقول: لا يتأثرون فلأخيك أن ينكح أمك من الرضاع، والعم والخال كلهم لا يتأثرون، والذي يتأثر إنما هو هذا المرتضع وأولاده فقط فيصبح كأحد أبناء المرضعة ويصبح كأحد أبناء زوجها، وأولاده كذلك، وعلى ذلك فأختها تكون خالته من الرضاع، وأمها تكون جدته من الرضاع، وعمتها تكون عمة له من الرضاع، يعني يكون كأحد أبنائها تماماً، وكذلك كأحد أبناء صاحب اللبن وهو الزوج.

    أما الحواشي للرضيع من الإخوة والأخوات فلا يتأثرون، لكن أبناء المرضعة يكونون إخوانه وبناتها أخواته.

    إذاً: إذا رضع هذا الطفل فإنه يدخل في هذه الأسرة فيكون مثل أحد أبنائها، ننظر إلى أحد أبناء هذه المرضعة، نقول مثلاً بكر، فنقول: أنت يا زيد أصبحت كبكر، فالذي يحرم على بكر يحرم عليك، وصلات بكر صلات لك.

    أما إخوانه هو وأخواته فلا يتأثرون، أما أولاده فيتأثرون ويكونون كأولاد بكر من الذكور والإناث.

    إذاً: إذا ارتضع الطفل فإنه يتأثر هو ويتأثر أولاده دون الحواشي والأصول، والأصول كالأب والأم والجد والجدة.

    قال هنا: (بلبن حمل) هذا قيد، فإذا كان اللبن لم ينشأ من حمل فالمشهور في المذهب أن هذا اللبن لا يحرم، فلو أن بكراً خرج في ثديها لبن فأرضعت به طفلاً فإن هذا اللبن لا يحرم، قالوا: إنما هو رطوبة، هذا هو المشهور في المذهب.

    وقال الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد : بل يحرم لأنه لبن، فقد أرضعته من لبنها فكانت أماً له، والله جل وعلا يقول: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23] فهذه قد أرضعته.

    والذي يحكم في هذا هم الأطباء، فإن قال لنا الأطباء: إن البكر قد يكون فيها لبن وإن هذا اللبن ينشزالعظم وينبت اللحم فهو نافع له يغذيه، فنقول: هذا لبن محرم؛ لأن الحكم يدور مع النشز وجوداً وعدماً، فأصبحت أماً له.

    وإن كان ذلك مجرد رطوبة فقط لا ينشز عظماً ولا ينبت لحماً فليس بلبن نافع له، فنقول: هذا ليس بشيء.

    قال رحمه الله: (بلبن حمل لاحق بالواطئ)، إذا تزوج المرأة فحملت وساب لبن من حملها فهذا الزوج يكون أباً لهذا الطفل، لأن النسب يلحقه في النكاح.

    ولو نكح بنكاح فاسد يعتقد صحته لحق به الولد وعلى ذلك فالرضاع كذلك.

    وإذا زنا رجل بامرأة فحملت وولدت وكان منها لبن فارتضع منه فإنها تكون أماً لهذا المرتضع، أما الزاني فلا يكون أباً؛ لأن الولد من جهة النسب لا ينسب إليه فأولى من ذلك الرضاع.

    ولذا قال المؤلف هنا: (لاحق بالواطئ).

    قال: [ وأولاده وإن سفلوا أولاد ولدهما، وأولاد كل منهما من الآخر أو غيره إخوته وأخواته، وقس على ذلك ]، هذا تقدم شرحه.

    فإن كان لرجل امرأتان فأرضعت إحداهما هذا الطفل ثلاث رضعات والثانية أرضعته رضعتين -وقد قلنا: إن لبن الفحل مؤثر وينسب إليه- فالآن يكون هذا أباً للرضيع، وزوجتاه لا تكونان بذلك أمين من الرضاع، لأن كل واحدة لم ترضعه خمساً، وعلى ذلك فكل واحدة منهما تكون زوجة أبيه من الرضاع، فتكون محرمة عليه، لأن الرجل أبوه من الرضاع وهذه زوجة أب، وزوجة الأب من الرضاع محرمة عند جمهور العلماء، وعلى ذلك فلا تحتجب عنه.

    والرضاع لا يوجب نفقة ولا يوجب ولاية ولا ترد به الشهادة في حق الأصول والفروع، وإنما هو تحريم في النكاح وما يترتب على ذلك من دخوله على المرأة وعدم احتجابها منه فقط، ولذا لا ينفق الأب على أولاده من الرضاع ولا ينفق الرضيع على أمه من الرضاع، وإذا فعل ذلك فإنما هو من الإحسان فقط ولا يجب ذلك.

    ولا تثبت بذلك ولاية النكاح فلا يقول: أنا وليها في النكاح لأني أبوها من الرضاع.

    إذاً الذي يترتب على ذلك هو تحريم النكاح فقط، فتكون هذه محرمة عليه لأنها أمه من الرضاع، ويترتب على ذلك دخوله عليها وجواز سفره بها وجواز خلوته بها ونظره إليها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وتحريم الرضاع في النكاح وثبوت المحرمية كالنسب ]، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وقال الله جل وعلا: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23].

    عدد الرضعات المؤثرة في التحريم

    قال: [ بشرط أن يرتضع خمس رضعات ]، لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي عليه الصلاة والسلام وهن فيما يقرأ من القرآن)، لكن الآيتين منسوختان لفظاً ونسخ حكم العشر أيضاً، وأما آية الخمس رضعات فنسخ لفظها وبقي حكمها، وكان من الناس من لم يعرف بنسخ التلاوة فكان يتلوها، ولذا قالت: (فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يتلى من القرآن).

    وهذا المذكور هو مذهب الشافعية والحنابلة، قالوا: إن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان خمساً، فإذا رضع خمس رضعات معلومات ثبت التحريم.

    وقال المالكية والأحناف: يحرم الرضاع ولو مرة، فإذا ارتضع الطفل من المرأة ولو مرة حرمت، قالوا: لإطلاقات الأدلة: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسبوَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23].

    ولما ثبت في الصحيحين: (أن عقبة بن الحارث تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فأتت امرأة وقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها قال: كيف وقد قيل؟ فنكحت زوجاً آخر).

    قالوا: فهذه إطلاقات تدل على أن الرضاع يحرم ولو مرة.

    وقال الظاهرية: بل التحريم يثبت بثلاث رضعات، لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما ثبت في صحيح مسلم : (لا تحرم المصة والمصتان)، من حديث عائشة .

    ومن حديث أم الفضل : (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان).

    قالوا: فهذا يدل على أن الرضاع يحرم بالثلاث.

    والجواب أن نقول: أما ردنا على الظاهرية فنقول: هذا مفهوم، وعندنا منطوق بأنه يحرم من الرضاع خمس رضعات كحديث عائشة : (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس) والمنطوق عند أهل الأصول يقدم على المفهوم.

    وأما ما استدل به الأحناف والمالكية فنقول: هذه نصوص مطلقة وأحاديثنا مقيدة، والواجب هو تقييد إطلاقات النصوص، ولأن الأصل هو الحل: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24].

    فإذا قلنا تحرم المصة الواحدة أو الرضعة الواحدة فإن هذا فيه تحريم غير متيقن، والله يقول: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24].

    وعلى ذلك فنقول: إن الصحيح أن الرضاع المحرم هو ما كان خمس رضعات كما في حديث عائشة رضي الله عنها، وقال هنا: [ في العامين ] لقوله جل وعلا: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233].

    وفي الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً والصواب وقفه أنه قال: (لا رضاع إلا في الحولين).

    حكم رضاع الكبير

    وقال أهل الظاهر: بل رضاع الكبير يحرم ولو كان ابن خمس عشرة سنة أو ابن عشرين سنة، واستدلوا بما ثبت في صحيح مسلم أن سهلة بنت سهل زوج أبي حذيفة قالت: (يا رسول الله إن سالماً قد بلغ مبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإني أرى في نفس أبي حذيفة شيئاً)، في رواية: (أنه ذو لحية)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أرضعيه تحرمي عليه).

    أهل العلم لهم في هذا الحديث ثلاثة مسالك: أهل الظاهر قالوا بظاهره.

    والجمهور قالوا: هذه واقعة عين خاصة بـسالم ، ولذا جاء في صحيح مسلم أن عائشة كانت تقول بذلك رضي الله عنها قال: وأبت سائر نساء النبي عليه الصلاة والسلام ذلك وقلن: إنما هي رخصة أرخصها النبي عليه الصلاة والسلام لـسالم خاصة.

    واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية أن ذلك خاص بـسالم ومن كان مثل سالم ، وعلى ذلك فالخصوصية خصوصية وصف لا خصوصية عين، فمن كان وصفه كوصف سالم فله حكم سالم ، وهذا هو الأصل، وأن الشرع لا يخصص أحداً دون أحد.

    وعلى ذلك فلو أن امرأة ربت لقيطاً فلما بلغ فإذا به يحرم عليها، فما هو الحل؟

    الجواب: الحل أن ترضعه، فهي لا تصبر عنه حيث أصبح كابنها، وهو لا يصبر عنها حيث أصبحت كأمه فقد ربته، وعلى ذلك فالصحيح أنها خصوصية وصف، هذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية .

    إذاً: الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين هذا هو الأصل، وعلى ذلك فلو ارتضع ابن ثلاث سنين أو ابن سنتين وأيام فهل يؤثر ذلك؟ لا يؤثر، لكن إذا كان كحال سالم كلقيط أو نحو ذلك فإن له هذا الحكم، ورضاعه وإن كان كبيراً يؤثر.

    ثم قال رحمه الله: [ فلو ارتضع بقية الخمس بعد العامين بلحظة لم تثبت الحرمة ] لأن الرضاع قد خرج بعضه عن الحولين.

    إذاً لابد أن يرتضع هذا الطفل خمس رضعات معلومات، فيكون هذا في الحولين، فلو أرضعته أربعاً في الحولين وواحدة بعد الحولين، لم تحرم عليه.

    ضابط الرضعة الكاملة

    قال: [ ومتى امتص الثدي ثم قطع ولو قهراً ثم امتص ثانياً فرضعة ثانية ]، الآن أريد أن أعرف ما هي الرضعة حتى نحسب خمس رضعات، قالوا: لو امتص الثدي الأيمن مثلاً ثم إن المرأة نزعت منه هذا الثدي قهراً لأنه أتعبها مثلاً ثم ألقمته الثدي الآخر، فهذه رضعة وهذه رضعة.

    ولو أنه ارتضع من ثديها ثم عطس ثم عاد قالوا: فهذه رضعة ثانية، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية ووجه في مذهب أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن عثيمين وطائفة من أهل العلم قالوا: الرضعة إنما تحسب إذا كانت كاملة، والرضعة الكاملة هي التي يترك فيها الثدي باختياره، ويدل على ذلك العرف، فأنت عندما تتعشى ربما تعطس وترفع يدك من طعام إلى طعام ومن إناء إلى إناء وكل ذلك يسمى وجبة، فكذلك هذا الطفل إذا انتقل من ثدي إلى ثدي أو عطس أو نحو ذلك فهذا كله رضعة؛ لكن لو عاد بعد ربع ساعة فهذه رضعة ثانية؛ لأن الطفل قد يرتضع بعد ربع ساعة أو بعد نصف ساعة أو بعد ساعة، فربما يجلس يوماً واحداً عند امرأة وترضعه خمس رضعات، كأن تتركه أمه وتذهب إلى المستشفى يوماً وترضعه هذه المرأة خمس رضعات، يرتضع ثم يترك باختياره ثم يعود ويرتضع ثم يترك باختياره وهكذا.

    إذاً إذا تركه للتنفس أو لعطاس أو لينتقل من ثدي إلى ثدي إما قهراً أو باختياره فالذي يظهر أن ذلك كله رضعة واحدة.

    حكم السعوط والوجور واللبن المشوب بالماء

    ثم قال: [ والسعوط في الأنف والوجور في الفم ] هذا كله رضاع.

    والوجور أن يصب في فيه صباً.

    والسعوط في أنفه، كأن يضعوا أنبوباً ويصب لبن هذه المرأة من أنفه، فهذا يسمى رضاعاً، لأن هذا ينشز العظم وينبت اللحم.

    [ أو أكل ما جبن ]، كما لو وضع كهيئة جبن فأكله فكذلك، [ أو خلط بالماء ]، كأن وضع في الكوب فأعطي هذا الطفل فلم يشرب، فوضع فيه شيء من الماء وبقي لونه وطعمه ورائحته، ولذا قال المؤلف: [ وصفاته باقية ] فإنه يحرم.

    إذاً: اللبن المشوب بالماء إذا كانت صفات اللبن باقية فإنه يحرم، ولذا قال: [ كالرضاع في الحرمة ].

    إذاً: لا يشترط أن يمص الثدي بل لو شرب أو استعط أو جبن له أو زيد عليه شيء من ماء بحيث إنه لا تزال صفاته باقية فإن ذلك كله يعد رضاعاً.

    الشك في الرضاع

    ثم قال: [ وإن شك في الرضاع أو عدد الرضعات بنى على اليقين ]، هذا الرجل يقول: أنا شك هل أرضعته فلانة أم لا؟ وأنت يا فلانة هل أرضعته؟ قالت: ما أدري، فلا يثبت الرضاع ويثبت التحريم، لأن اليقين لا يزول بالشك.

    أو شك في عدد الرضعات فقال: لا أدري هل أرضعته أربعاً أم خمساً. وأنت يا فلانة كم أرضعته؟ قالت: لا أدري، هل أرضعته أربعاً أم خمساً، فليس هذا الرضاع محرماً لأن اليقين لا يزول بالشك.

    إذاً: إذا حصل شك في عدد الرضعات أو في أصل الرضاع فلا تحريم لأن اليقين لا يزول بالشك.

    قال: [ وإن شهدت به مرضية ثبت التحريم ]، إذا شهدت به ولو امرأة واحدة وهذه المرأة مرضية فإن التحريم يثبت ولو كانت هي المرضعة، ولذا تقدم لكم في حديث عقبة بن الحارث أن المرأة قالت: (إني أرضعت عقبة والتي تزوج، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها).

    وهذا هو الصواب وهو المشهور في المذهب، ولذا قال الشعبي : كان السلف يفرقون بين الرجل والمرأة في الرضاع بشهادة المرأة الواحدة، ولأن الغالب أن الرضاع إنما تشهد به واحدة، وهي المرضعة.

    حكم من حرمت عليه بنت امرأة أو رجل

    قال: [ وإن شهدت به مرضية ثبت التحريم، قال: ومن حرمت عليه بنت امرأة كأمه وجدته وأخته ]، الآن بنت أمك حرام عليك لأنها أختك، وبنت جدتك حرام لأنها إما خالة وإما عمة، وبنت أختك حرام عليك يقول: فإذا أرضعت أمه أو جدته أو أخته أو أي امرأة أرضعت طفلة فإنها تحرم عليه لأن بنتها تحرم عليه، [ إذا أرضعت طفلة حرمتها عليه أبداً ].

    هذا رجل له امرأة وزار صاحباً له فولدت امرأته بنتاً وأهدى له هدية وقال هذا الرجل: إن أحببت أن أزوجك هذه البنت زوجتك إياها، فقال: رضيت، قال: إذاً هذه زوجتك وإذا كبرت فخذها، فأصبحت هذه الطفلة زوجة له، فعلمت الزوجة الأخرى فأرسلت أمه فأرضعتها فما حكم هذه البنت الآن؟

    أصبحت أختاً له من الرضاع، فإن أرضعتها زوجته حرمتا جميعاً، أما الصغيرة فهي ابنته من الرضاع، وأما الكبيرة فتكون أم زوجته من الرضاع.

    قال: [ ومن حرمت عليه بنت رجل كأبيه وجده وأخيه وابنه إذا أرضعت زوجته بلبنه طفلة حرمتها عليه أبداً ]، وهذا واضح أيضاً.

    الآن بنت أبيك حرام عليك لأنها أختك، فإذا أرضعت امرأة أبيك طفلة فتكون هذه الطفلة أختاً لك من الرضاع، وهذا يعود إلى المسألة التي تقدم شرحها، وأن الذي يتأثر بالرضاع هو المرتضع وأولاده دون الحواشي.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم خروج المرأة مع الأخ لها في الرضاع إذا خشيت الفتنة

    السؤال: ما حكم خروج المرأة مع الأخ لها من الرضاع إذا كانا في سن الشباب؟

    الجواب: إن خروج المرأة مع الأخ لها في الرضاع الأصل جوازه لأنه محرم لها، ولكن إذا لم يؤمن عليهما لكونه شاباً وهي شابة فهذا باب آخر.

    وقد يمنع الرجل أبناءه من الخلوة بزوجته، كأن يتزوج امرأة عمرها ست عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، ويكون له ابن شاب عمره عشرون سنة ولا يأمن عليها فلا يجعله يسافر بها وهو محرم لها، وهذه المسألة راجعة إلى خشية الفتنة، فإذا خاف الفتنة فإنه يمنع من ذلك، ولذا كثير من الناس يقول: ابني لا أطمأن أن يسافر بأخته التي في سنه لأنه في السفر قد يطمع بها وقد يحسن الشيطان لهما الفساد، فهذا أمر يرجع إلى فساد الزمان أو صلاح الزمان وفساد الناس أو نحو ذلك، أما في الأصل فهي محرم له.

    اشتراط الإشباع في الرضاع

    السؤال: هل يشترط الإشباع في الرضاع؟

    الجواب: يعني كل رضعة وجبة. الإشباع هذا أمر يختلف قد يكون مريضاً لا يشبع، يعني لا نشترط نحن أن تكون مشبعة فقد يكون مريضاً فارتضع رغبته وحاجته ثم ترك.

    حكم شرب الرجل من لبن زوجته

    السؤال: ما حكم من شرب لبن زوجته باستمرار من حيث تحريم المصاهرة والشرب، بمعنى هل يعتبر هذا اللبن مباحاً في حقه؟ وماذا إذا كان الزوج صغيراً؟

    الجواب: إذا شرب لبن امرأته فهذا لا يؤثر ما دام أنه زوج بالغ؛ لكن لو كان طفلاً صغيراً في الحولين فإنه يؤثر.

    الشك في عدد الرضعات

    السؤال: تقول: أذكر أن أختي أرضعت ابناً لي ولم أتذكر كم رضعة لكن أذكر أنها أجلسته على حجرها فترة طويلة تلاعبه وترضعه فما حكم ذلك وقد يكون أرضعته أكثر من مرة؟

    الجواب: ما دام أن هناك شكاً منك فراجعي الأخت فإن قالت: أنا لا أدري وأنت كذلك، فالأصل هو الحل.

    حكم قول المرضعة إنها أرضعت الطفل مرات كثيرة

    السؤال: تقول: وكذلك زوجة خالي أرضعته، والذي أتذكره أنها مرة واحدة، لكن هذه المرأة قالت: إنها أرضعته مرات كثيرة؟

    الجواب: إذا كانت المرأة تقول: إنها أرضعته مرات كثيرة فإنها تسأل عن عدد المرات الكثيرة، فإن قالت: إنها خمس رضعات أو ست أو سبع فيرجع إليها في هذا.

    حكم شرب الطفل حليب المرأة من كوب ونحوه

    السؤال: في هذا الزمن توجد أدوات لاستخراج حليب الثدي، فهل إذا استخرجنا هذا الحليب أو شربه طفل ابن سنة من الكوب فهل تكون رضعة؟

    الجواب: إذا كان فيه نفع الحليب تماماً، وهو أن ينبت اللحم وينشز العظم، فإن التحريم يثبت، وأما إذا كان مجرد رطوبة فلا يثبت به التحريم.

    حكم استئذان الأب في إرضاع الابن

    السؤال: هل يجب استئذان الأب في إرضاع ابن من أي امرأة من صديقاتي وأخواتي وأخوات لي ثقات؟

    الجواب: الأولى بل يقوى وجوب ذلك إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فالأظهر وجوب استئذان الأب في إرضاع ابنه، إلا أن تكون هناك حاجة داعية كأن يخشى على الطفل، كأن دخلت مثلاً مستشفى ووضعت الطفل عند امرأة فالحاجة حينئذٍ داعية، أو تأخرت مثلاً عند الطبيب وتركت الطفل مع امرأة في الخارج فأخذ يبكي فأرضعته فهذه حاجة؛ لكن مثل هذه الحاجة تندفع بدون خمس، أما إرضاعه خمس رضعات فلا ترضعيه إلا بإذن أبيه.