إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الطلاق [4]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يختلف عدد الطلقات في حق الحر عنه في حق العبد، كما يختلف عدد الطلاق باعتبارات أخرى كاللفظ والعطف والتأكيد والاستثناء والتقييد بزمن ماض أو مستقبل، وكذلك تعليق الطلاق بشرط محض أو بقصد الحث أو المنع.

    1.   

    ما يختلف به عدد الطلاق

    اختلاف عدد الطلاق باعتبار الحرية والعبودية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما يختلف به عدد الطلاق ].

    وهذا الباب فيه أن عدد الطلاق يختلف باعتبار حرية الرجل أو عبوديته، فإذا كان حراً فله ثلاث طلقات، وإن كان عبداً فله طلقتان، وهذا بإجماع العلماء.

    وقد صح عن عمر رضي الله عنه كما في الدارقطني أنه قال: ينكح العبد اثنتين ويطلق اثنتين، وتعتد الأمة بحيضتين، ولا يعلم له مخالف، وجاء ذلك مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام كما في الترمذي ولا يصح، لكن فيه قول عمر وقول غيره من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف.

    قال المؤلف: [ يملك الحر والمبعض ثلاث طلقات ].

    المبعض هو الذي بعضه حر وبعضه عبد، فبعضه ما زال مملوكاً، حيث لم يعتق كله وإنما أعتق بعضه، فإذا كان قد أعتق بعضه وبقي بعضه فإنه يملك ثلاثاً كالحر؛ لأن الطلاق لا يتبعض، أي: ليس هناك طلقة ونصف بل إما أن تكون هناك طلقتان أو ثلاث، [ والعبد طلقتين ].

    مسائل يقع الطلاق فيها بائناً

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويقع الطلاق بائناً في أربع مسائل ].

    يقع الطلاق بائناً إما بينونة كبرى بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وإما بينونة صغرى، والبينونة الصغرى لابد فيها من عقد، وذلك لأن الطلاق قد يكون رجعياً وقد يكون بائناً.

    فإذا طلق زيد امرأته طلقة واحدة وهي لا تزال في عدتها، فهذا الطلاق رجعي، أي أن له أن يراجعها بلا عقد ولا مهر ولا رضا.

    والطلاق البائن هي أن لا تحل له المرأة إلا بعقد أو بشرط أشد، وهو أنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فإذا طلقها واحدة وفرغت من عدتها أو طلقها اثنتين وفرغت من عدتها، فلا تحل له حتى يعقد عليها عقداً جديداً برضاها وغير ذلك من الشروط والأركان.

    وإن كان قد طلقها ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فقال هنا: (ويقع الطلاق بائناً في أربع مسائل): ثم ذكرها فقال: [ إذا كان على عوض ]، وهذا هو الخلع كما تقدم، فإذا كان على عوض فإن فيه البينونة، وهي هنا بينونة صغرى، وعلى ذلك فإذا خلع المرأة فله أن يعقد عليها برضاها مع تحقيق بقية الشروط المطلوبة للنكاح.

    قال: [ أو قبل الدخول ].

    هذا رجل عقد على امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، فهل تبين منه بطلقة واحدة؟

    الجواب: تبين منه لأنها لا عدة لها، والبينونة هنا بينونة صغرى، فلا تحل له إلا بعقد جديد.

    قال: [ أو في نكاح فاسد ].

    إذا كان النكاح فاسداً فهو النكاح المختلف فيه كالنكاح بلا ولي، فإذا طلق من نكح امرأة بلا ولي فإنها تبين منه، فلابد من عقد.

    وهذا القول ينبني على صحة الطلاق، والذي يترجح أن طلاق المرأة التي نكحت بنكاح فاسد كالنكاح بلا ولي فيه تفصيل، إن كان يعتقد صحته كالحنفي فهو طلاق معتبر فتحسب طلقة واحدة وإن كان لا يعتقد صحته ويرى أنه فاسد كبقية المذاهب فنقول: لا تحتسب طلقة لأن هذا نكاح فاسد، والطلاق إنما ينبني على نكاح صحيح.

    وهذا القول رواية عن أحمد وقول أبي الخطاب واختيار شيخ الإسلام .

    إذاً من نكح امرأة بلا ولي وهو يعتقد فساد ذلك، وأنه لا يحل إلا بولي فنقول له: إن الطلاق ليس بمعتبر لكن يفرق بينك وبينها، وتعقد عليها عقداً جديداً بولي، وأما إن كان يعتقد الصحة كالحنفي فإن النكاح صحيح والطلاق المترتب عليه صحيح.

    قال: [ أو بالثلاث ].

    إذا طلقها بالثلاث فتبين منه بينونة كبرى، وتقدم شرح هذا في درس سابق.

    الألفاظ التي يقع بها الطلاق ثلاثاً

    قال: [ ويقع ثلاثاً إذا قال: أنت طالق بلا رجعة، أو البتة أو بائناً ].

    هذا هو طلاق الثلاث، ولكن تقدم أن الراجح أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة إنما يقع واحدة.

    قال: [ وإن قال: أنت الطلاق، أو أنت طالق، وقع واحدة ]. لأن هذا لا يفيد عدداً.

    قال: [ وإن نوى ثلاثا وقع ما نواه ]. لأن اللفظ يحتمل ذلك.

    فإذا قال: أنت الطلاق ونوى الثلاث فاللفظ هنا يحتمل ذلك فيقع ثلاثاً، وهذا كله على القول بأن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع ثلاثاً، والراجح أنه واحدة.

    قال: [ ويقع ثلاثاً إذا قال: أنت طالق كل الطلاق أو أكثره أو جميعه أو عدد الحصى ونحوه، أو قال لها: يا مائة طالق ].

    هذا كله يقع ثلاثاً، وكل ما يذكره المؤلف هنا ينبني على القول بأن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً؛ لكن الراجح أنه واحدة.

    قال: [ وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق أو أغلظه أو أطوله أو ملء الدنيا أو مثل الجبل أو على سائر المذاهب؛ وقع واحدة ]، لأن هذا لا يرجع إلى العدد وإنما يرجع إلى الكيف، وعلى ذلك فيكون واحدة. قال المؤلف: [ ما لم ينو أكثر ].

    وكل ما ذكره المؤلف هنا إنما ينبني على القول بأن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً، لكن على القول الآخر: لا يفرق بين هذه المسائل وكلها واحدة.

    تبعيض الطلاق

    قال: [ فصل ] أي في تبعيض الطلاق؛ لأن الناس منهم من عنده عبث في الطلاق، فما يذكره الفقهاء هذا ينبني على وقوع ذلك عند الناس.

    يقول هنا: [ والطلاق لا يتبعض بل جزء الطلقة كهي ].

    الطلاق لا يتبعض، فلا يوجد نصف طلقة ولا ربع طلقة، وعلى ذلك فلو طلق جزء طلقة فهي طلقة.

    لو قال: طلقتك ربع طلقة، نقول: هذه طلقة، لأن الطلاق لا يتبعض في الشرع، كما أن المرأة لا تتبعض حلاً وحرمة، وعلى ذلك فلو طلقها نصف طلقة طلقت طلقة كاملة، وهذا باتفاق العلماء.

    قال: [ وإن طلق بعض زوجته طلقت كلها ]. بأن قال لها: نصفك طالق، أو ربعك طالق، أو خمسك طالق، فتطلق كلها لأن المرأة لا تتبعض.

    [ وإن طلق جزءاً منها لا ينفصل: كيدها وأذنها وأنفها طلقت ]؛ وذلك لأن هذا الجزء لا ينفصل مع سلامتها، بل ينفصل بعطب.

    وعلى ذلك فلو قال: يدك طالق، رجلك طالق، وجهك طالق؛ طلقت كلها، لأن هذه الأعضاء لا تنفصل من المرأة مع سلامتها وإنما تنفصل بعطل، ولا يمكن أن تتبعض هذه المرأة كما تقدم حلاً وحرمة.

    قال: [ وإن طلق جزءاً ينفصل: كشعرها وظفرها وسنها لم تطلق ].

    إذا قال: سنك طالق، أسنانك طالقة، أو قال لها: شعرك طالق، فإن المرأة لا تطلق، لأن هذه الأشياء تنفصل مع السلامة.

    اختلاف الطلاق بالعطف والتأكيد

    قال: [ فصل ] أي: في ألفاظ الطلاق.

    قال: [ وإذا قال: أنت طالق لا بل أنت طالق؛ فواحدة ]؛ لأن المثبت هنا هو المنفي بعينه، فهي واحدة.

    [ وإن قال: أنت طالق طالق طالق؛ فواحدة ما لم ينو أكثر ]، لعدم ما يقتضي المغايرة، بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو أنت طالق وطالق وطالق.

    هنا يقول: أنت طالق طالق طالق، فهذه واحدة.

    لكن لو نوى في قوله: أنت طالق طالق طالق تعديده، كأن نوى في قلبه أنها ثلاث فإنها تكون ثلاثاً لأن اللفظ يحتمل ذلك، وهذا عند من يوقع الثلاث.

    قال: [ وأنت طالق أنت طالق: وقع اثنتان ]، لأن اللفظ هنا يقتضي ذلك.

    قال: [ إلا أن ينوي تأكيداً متصلاً أو إفهاماً ].

    هذا رجل قال لامرأته: أنت طالق أنت طالق، وقال: أنا نويت إفهامها أني طلقتك، أو نويت التأكيد، وكان اللفظ الثاني قد اتصل باللفظ الأول، لأن التأكيد لابد أن يتصل، فيصح.

    لكن لو قال لها اليوم: أنت طالق، ثم بعد أسبوع قال لها: أنت طالق وقال: نويت التأكيد، فهذا لا يقبل، ولذا قال: (إلا أن ينوي تأكيداً متصلاً أو إفهاماً).

    قال: [ وأنت طالق فطالق أو: ثم طالق فثنتان في المدخول بها ].

    لو قال: أنت طالق ثم طالق، أو قال: أنت طالق فطالق، وقع اثنتان في المدخول بها، لكن إن لم تكن مدخولاً بها تقع واحدة لأنه لما قال: أنت طالق بانت فقوله: ثم أنت طالق وردت بعد البينونة.

    قال: [ وأنت طالق وطالق وطالق؛ فثلاث معاً ولو غير مدخول بها ]، لأن الواو تفيد الجمع، ولا تفيد الترتيب.

    فإذا قال: أنت طالق وطالق وطالق، فهو كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً، لأنه جمع.

    ولذا إذا كانت غير مدخول بها تقع ثلاثاً فتبين منه بينونة كبرى، لأنه أتى بلفظ فيه جمع، وهذا كله ينبني -كما تقدم- على القول بوقوع الطلاق بكلمة واحدة أو بكلمات ثلاثاً، وتقدم كلام أهل العلم واختلافهم في هذه المسألة.

    الاستثناء في الطلاق

    قال: [ فصل ] أي: في الاستثناء في الطلاق. [ ويصح الاستثناء في النصف فأقل من مطلقات وطلقات ].

    أهل الأصول في أصح القولين وهو الذي أخذ به الحنابلة، قالوا: إنه يصح استثناء النصف فأقل، ولا يصح استثناء الأكثر ولا استثناء الكل.

    فلو قال رجل: لفلان علي مائة ألف إلا مائة ألف، لم يصح هذا الاستثناء، فتلزمه مائة ألف، ولو قال: لفلان علي مائة ألف إلا تسعين ألفاً لم يصح ولزمه مائة ألف.

    فإن قال لفلان: علي مائة ألف إلا خمسين ألفاً صح، ومائة ألف إلا أربعين صح.

    إذاً: يصح استثناء الأقل ويصح استثناء النصف، وأما استثناء الأكثر واستثناء الكل فلا يصح، ولذا قال المؤلف هنا: (ويصح الاستثناء في النصف فأقل من مطلقات وطلقات). ثم قال: [ فلو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة طلقت ثنتين ].

    وهذا كلها بناء على وقوع الطلاق الثلاث ثلاثاً.

    قال: [ وأنت طالق أربعاً إلا اثنتين، يقع ثنتان ] أي: يقع من الطلاق اثنتان، لأن الاستثناء هنا بالنصف.

    قال: [ وشرط في الاستثناء اتصال معتاد لفظاً ].

    لابد أن يتصل، فلو قال: أنت طالق اثنتين إلا واحدة، فهذا متصل في العادة.

    لكن لو قال: أنت طالق اثنتين وسكت أو تكلم بكلام وقيل له: يا فلان! لماذا تطلق زوجتك اثنتين وقد طلقتها واحدة قبل ذلك فتبين منك؟ فقال: إلا واحدة، فهل يصح؟

    الجواب: لا يصح هذا الاستثناء.

    إذاً: لابد أن يتصل في العادة لفظاً بأن يأتي متوالياً، يقول: أنت طالق اثنتين إلا واحدة.

    قال: [ أو حكماً كانقطاعه بعطاس ونحوه ]، يقول: أنت طالق اثنتين فيعطس أو يسعل ثم يقول: إلا واحدة، فيصح لأنه متصل حكماً.

    إذاً: لابد أن يتصل اتصالاً معتاداً إما لفظاً وإما حكماً.

    وهناك شرط أيضاً لابد منه، وهو أنه لابد أن يكون قد نوى الاستثناء قبل كمال المستثنى منه.

    فهذا رجل قال: يا فلانة أنت طالق اثنتين ولم ينو إلا اثنتين فبدا له الاستثناء وقال: مباشرة إلا واحدة، فإنه يقع اثنتان، ولو أنه نوى في قلبه قبل أن يكمل النطق بالمستثنى منه أنه يستثني فإنه يصح الاستثناء، وذلك لأن الاستثناء يصرف الكلام عن مقتضاه، فإن مقتضى قوله: (أنت طالق اثنتين) أنها تطلق اثنتين، فالاستثناء يصرفه من اثنتين إلى واحدة، فلابد أن ينوي قبل كمال المستثنى منه، أي لابد أن يكون في قلبه نية الاستثناء.

    لكن لو نوى الاستثناء بعدما فرغ فإنها تقع طلقتان.

    اختلاف عدد الطلاق بتقييده بالزمن

    ثم قال: [ فصل في طلاق الزمن. إذا قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أتزوجك ونوى وقوعه إذاً وقع وإلا فلا ].

    إذا قال: يا فلانة أنت طالق أمس لا يقع، وذلك لأن المكلف إنما ينشئ في الحاضر وفي المستقبل ولا ينشئ كلاماً في الماضي.

    ولو قال لها: أنت طالق قبل شهر وهو يريد إنشاء، فنقول: أنت إنما تنشئ كلاماً في الحاضر وفي المستقبل، وأما أن تنشئ كلاماً في الماضي فلا.

    لكن إن نوى أنه يخبر أنه قد طلقها أمس، وقال: أنا أردت أني قد طلقتها أمس أو طلقتها قبل شهر فنقول: يقع، لأن هذا خبر.

    وإذا كان ينشئ ويريد إيقاعه الآن، يعني: إني أوقعه الآن استناداً إلى وقوعه أمس فإنه يقع.

    ولذا قال المؤلف: (ونوى وقوعه إذاً)، يعني الآن (وقع) لأنه يوقعه الآن استناداً إلى وقوعه أمس.

    قال: (وإلا) يعني: وإلا ينوي وقوعه (فلا)، لأن العبد ليس له كلام ينشئه في الماضي. ومثل هذا الكلام أيضاً عبث.

    إذاً: إذا كان ينشئ فنقول: لا يصح الطلاق في السابق، لأن الطلاق في السابق ليس إليك أيها المكلف إنشاؤه، وإن كان يريد استمرار ذلك إلى الحاضر يعني يقول: أنت طالق اليوم استناداً إلى طلاقك أمس فهذا يقع.

    وإذا كان يريد أن يخبر فننظر إلى خبره: فإن كان خبراً صادقاً طلقت، وإن كان خبراً كاذباً لم تطلق.

    قوله: (أو قبل أن أتزوجك).

    الطلاق قبل النكاح لا يصح، ولذا قال الله جل وعلا: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الأحزاب:49] فالطلاق إنما يكون بعد النكاح.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك)، رواه الترمذي وغيره.

    لو أن رجلاً قال: إن نكحت فلانة فهي طالق، فلا يقع شيء، أو قال: يا فلانة أنت طالق قبل أن أتزوجك، فإنه لا يقع.

    قال: [ وأنت طالق اليوم إذا جاء غد فلغو ]، لأن غداً لا يجيء اليوم، أي: كيف تكون طالقاً اليوم إذا جاء غد، والغد لا يجيء اليوم، ولذا قال المؤلف، هذا لغو، وهذا كما تقدم عبث.

    قال: [ وأنت طالق غداً أو يوم كذا وقع بأولهما ].

    قال: يا فلانة أنت تريدين الطلاق؟ قالت: نعم، قال: أنت طالق غداً، فإنها تطلق بأوله، فإذا قال المؤذن: الله أكبر لصلاة الصبح طلقت، لأن هذا مقتضى كلامه.

    قوله: (أو يوم كذا) كأن قال: أنت تريدين الطلاق وأنا سأسافر في يوم كذا فأنت طالق في يوم كذا -لليوم الذي يسافر فيه- فتطلق في أول جزء منه.

    يعني: إذا قال المؤذن الله أكبر لصلاة الفجر طلقت.

    قال: [ ولا يقبل حكماً إن قال: أردت آخرهما ]، قال: طلقتك يا فلانة غداً، فلما جاء الغد أتى إليها يجامعها مثلاً وكان الطلاق بائناً، فقالت: أنت طلقتني وقلت: أنت طالق غداً، قال: أردت في آخر النهار، فلا يقبل منه حكماً -يعني في القضاء- لكن فيما بينه وبين الله جل وعلا إن كان قد نوى ذلك قُبِل، لأن اللفظ يحتمل ذلك.

    قال: [ وأنت طالق في غد ]، أي: أتى بفي التي تفيد الظرفية، [ أو في رجب، يقع بأولهما ]، فقوله: أنت طالق في رجب يقع في أول رجب، وأنت طالق في غد يقع في أول اليوم.

    قال: [ فإن قال: أردت آخرهما قبل حكماً ]، أي: هنا يقبل حكماً.

    إذا قال: أنت طالق غداً لم يقبل منه حكماً إن قال: أردت آخر النهار، ولكن إن قال: أنت طالق في غد قبل حكماً، والفرق أن الكلام هنا يحتمل، ويحتمل أن يكون في أوله وفي آخره وفي وسطه، فلما كان الأمر كذلك قبل منه هذا القول حكماً.

    قال: [ وأنت طالق كل يوم؛ فواحدة ]، لأنها إذا طلقت اليوم فهي طالق غد وبعد غد إلا أن يراجعها.

    قال: [ وأنت طالق في كل يوم، فتطلق في كل يوم واحدة ]، فهناك فرق بينها وبين العبارة السابقة، ففي كل يوم طلقة.

    قال: [ وأنت طالق إذا مضى شهر: فتطلق بمضي ثلاثين يوماً ]. لأن الشهر ثلاثون يوماً، أو تسع وعشرون يوماً، لكن عندما يطلق في وسط الشهر -ومثل ذلك أيضاً الذي يصوم شهرين متتابعين ويبدأ من وسط الشهر، فهذا يصوم ستين يوماً- ومثل ذلك هنا؛ لأن الشهر قد يكون ثلاثين يوماً فيؤمر بذلك من باب الاحتياط.

    [ وإذا مضى الشهر فبمضيه ].

    هم الآن في نصف رجب قال: أنت طالق إذا مضى الشهر، فتطلق إذا مضى هذا الشهر الذي هم فيه، فإذا خرج رجب طلقت.

    [ وكذلك إذا مضت سنة أو السنة ].

    أي: كذلك إذا قال: أنت طالق مضى سنة، فنحسب سنة كاملة، أو قال: إذا مضت السنة فإذا خرجت هذه السنة التي هم فيها.

    1.   

    تعليق الطلاق

    انقسام تعليق الطلاق إلى شرط محض ويمين الطلاق

    قال رحمه الله: [ باب تعليق الطلاق ].

    هذا الباب من المسائل المهمة، وتتعلق بمسألة يكثر وقوعها على ألسنة الناس، وهي مسألة تعليق الطلاق بالشروط، يقول مثلاً: إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق، إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق، فما حكم ذلك؟

    والجواب: أن تعليق الطلاق بالشروط على قسمين:

    القسم الأول: تعليق الطلاق بشرط محض.

    القسم الثاني: تعليق الطلاق بشرط يجري مجرى اليمين، وهو الذي يسمى بالحلف بالطلاق.

    القسم الأول أن يعلق الطلاق بشرط محض يقصد منه إيقاع الطلاق عند حصوله، مثال هذا:

    قال: يا فلانة إن دخل رمضان فأنت طالق، هنا علق الطلاق بشرط محض، لا تعلق له باليمين هنا، أي: ليس فيه معنى الحث ولا معنى الحض ولا معنى المنع ولا التأكيد، فإذا دخل رمضان طلقت.

    هذا رجل آخر يريد أن يطلق ويبحث عن عذر، فقال: يا فلانة إن دخلت إلى دار أبيك فأنت طالق، يريد أن تدخل إلى دار أبيها فتطلق، فهذا شرط محض، لأنه يريد إيقاع الطلاق، فإذا حصل هذا الشرط طلقت، وهذا لا خلاف بين أهل العلم أن الطلاق يقع؛ ولذا جاء عن ابن عمر رضي الله عنه كما في البخاري في رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق البتة، قال: إذا دخلت الدار فقد بانت.

    القسم الثاني: وهو محل الخلاف بين العلماء، وهو ما يسمى بالحلف بالطلاق، ويسميه بعض الناس بيمين الطلاق، هو أن يعلق الطلاق بشرط وهو لا يقصد إيقاع الطلاق عند حصول هذا الشرط، وإنما يقصد الحث لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما أو المنع لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما، فهو يقصد الحث أو المنع. مثال هذا:

    قال: يا فلانة، إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت طالق، يريد منعها من الذهاب، ولا يقصد أن الطلاق يقع.

    وقد يريد منع نفسه، كبعض الناس يقول: إن أنا فعلت كذا وكذا فامرأتي طالق.

    وقد يكون لبعض الناس، فيقول: يا فلان إن لم تدخل وتتعشى عندنا الليلة وتبيت فامرأتي طالق، وهذا يحصل عند بعض أهل البادية.

    أو يقصد الحث: يا فلانة إن لم تطبخي عشاء لضيوفي الليلة فأنت طالق، يريد حثها، إن أنا لم أفعل كذا فامرأتي طالق، يريد حث نفسه.

    وهناك فرق بين هذه وبين المسألة السابقة، وجمهور العلماء قالوا: يقع فيها الطلاق، فإذا ذهبت المرأة للسوق طلقت وإذا خالف هو فإنه كذلك تطلق امرأته.

    والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول طائفة من السلف وطائفة من الخلف، قالوا: هي يمين فيها كفارة.

    واستدلوا أولاً بأنه لا خلاف بين الفقهاء بأن هذه يمين، فالفقهاء بالاتفاق يسمون هذه المسألة بالحلف بالطلاق، ويسمونها بيمين الطلاق، قال شيخ الإسلام : فلا خلاف بين أهل العلم من الفقهاء أن هذه يمين، فدخلت في عموم قوله تعالى في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1] إلى قوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2].

    قال أيضاً: ولأن العبرة بالمقاصد وبالمعاني، فهذه يمين قصد منها الحث أو المنع كما يقصد باليمين التي هي حلف بالله الحث أو المنع، فلا فرق بين الصورتين، والعبرة إنما هي بالمعاني والمقاصد لا بالمباني.

    قال أيضاً: وقد جاء في سنن البيهقي عن أبي رافع أن مولاته قالت: هي يوماً يهودية ويوماً نصرانية وعبيدي أحرار كلهم ومالي كله صدقة في سبيل الله وأمشي على قدمي إلى بيت الله إن لم تطلق امرأتك.

    قال: فسألت ابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة فقالوا: هي يمين تكفرها، وهذا يدل على ما تقدم، لأنه ما دام أن ما ذكرته من الصدقة ومن النذر اعتبر يميناً فأولى من ذلك الطلاق الذي لا يحبه الله، فالصدقة التي يحبها الله لم يلزمها الصحابة بإخراجها، والعتق الذي يتشوف إليه الشارع لم يلزمها الصحابة به فالطلاق الذي هو بغيض إلى الرحمن أولى.

    وعلى ذلك فالصحيح أن ذلك فيه كفارة يمين، وعلى ذلك فيطعم عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

    بعض الناس يقول: هل الحلف بالطلاق شرك؟

    نقول: هذا لا يدخل في هذا الباب، فهو لا يعظم الطلاق وإنما جرى مجرى اليمين كالنذر الذي له حكم اليمين؛ لأن الحلف إنما يكون بالمعظم لكنه يجري مجرى اليمين فلا يدخل ذلك في الشرك.

    تعليق الطلاق على وجود مستحيل أو عدمه وكذلك غير المستحيل

    قال: [ إذا علق الطلاق على وجود فعل مستحيل كإن صعدت السماء فأنت طالق، لم تطلق ].

    قالت: طلقني. فقال: أنت طالق إن قبلت النجوم، فهذا لا يمكن، وعلى ذلك فلا تطلق، لأن هذا أمر مستحيل يعلم عدم حصوله.

    قال: [ وإن علقه على عدم وجوده كإن لم تصعدي فأنت طالق، طلقت في الحال ].

    قال: إذا لم تقبلي النجوم فأنت طالق. تطلق؛ لأنه يعلم أنها لا تقدر على ذلك.

    [ وإن علقه على غير المستحيل لم تطلق إلا باليأس مما علق عليه الطلاق ].

    إذا علقه على أمر ليس بمستحيل، كما لو قال: أنت طالق إن لم أشتر من زيد بيته، لم تطلق إلا باليأس، فلو مات زيد قبل أن يشتري بيته طلقت، لأنه علم اليأس.

    قال: [ ما لم يكن هناك نية أو قرينة تدل على الفور أو يقيد بزمن، فيعمل بذلك ].

    إذا كان في نيته اليوم، أي: أنت طالق إن لم أشتر من زيد بيته، وهو يعني اليوم أو هذا الأسبوع أو هذا الشهر، فمضى ذلك ولم يشتر، فإنها تطلق.

    لكن هذا إذا كان يريد حث نفسه فقط على الشراء أو لتأكيد الشراء فإنها يمين يكفرها.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم زواج الصبي المميز

    السؤال: يقول هذا السائل: ذكرتم أن طلاق المميز دون سن التكليف يقع إذا كان يعقل؟ فهل يوجد زواج لمميز دون سن التكليف؟

    الجواب: نعم يوجد، فيصح أن يتزوج وهو صبي مميز، ولا بأس في ذلك ولا حرج، فيعقد له أبوه.

    حكم جمع طلقتين بلفظ

    السؤال: هل يستوي حكم جمع الطلاق بلفظ سواء الثلاث أو الثنتان؟

    الجواب: نعم، بل حتى من أتى بالثنتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له إن رجلاً قد طلق امرأته ثلاثاً في مجلس، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)، حتى قال رجل: (يا رسول الله ألا أقتله)، لما رأوا من غضب النبي عليه الصلاة والسلام.

    الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، كان الذي يأتي يقول: إني طلقت ثلاثاً، يقول: اقرب مني، وكان الشيخ أعمى، فإذا قرب ضربه، وغضب على هذا؛ لأن هذا فيه لعب بكتاب الله جل وعلا.

    متى يبدأ اليوم الشرعي

    السؤال: المساء يبدأ من الظهر واليوم يبدأ من نصف الليل، والمؤلف خالف هذا عندما ذكر أحكام الطلاق؟

    الجواب: الشرع واللغة أن اليوم يبدأ من جهة النهار من أذان الفجر، ويبدأ اليوم كاملاً من أذان المغرب، فنحن الليلة قد مضى لنا يوم الثلاثاء، ولذا نحن نقول: نحن في ليلة الأربعاء، ولذا إذا أذن المغرب في يوم الثلاثين من شعبان نقول: دخل رمضان، ولو اعتمر رجل في تلك الليلة فهي عمرة في رمضان.

    حكم من علق طلاق امرأته على فعل شيء ثم أذن لها فيه

    السؤال: تقول هذه السائلة: زوجي حلف يميناً إن ذهبت إلى التحفيظ أو المحاضرة فهي طالق، تقول: إنها جلست يومين وفي اليوم الثالث استأذنت منه فسمح لها بالذهاب، فهل يقع الطلاق أم لا؟

    الجواب: كونه يأذن هذا لا يؤثر، إلا إذا قال: إن ذهبت إلى السوق بغير إذني فأنت طالق، فإن استأذنت فلا شيء، لكن إذا قال: إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق وسكت ثم قال: أذنت لك، فالإذن هنا لا أثر له، ولذا فهذه المرأة تسأله عن نيته، فإن كانت نيته المنع فقط -وهذا الذي يظهر من حاله- فهذا فيه كفارة يمين.

    حكم الطلاق الثلاث

    السؤال: أريد تفصيلاً في مسألة الطلاق الثلاث، هل تقع واحدة عن ثلاث؟ وما رأي شيخ الإسلام في ذلك؟

    الجواب: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن عثيمين وطائفة من أهل العلم، يرون أن الطلاق لا يقع إلا واحدة، إلا إذا كان بعد رجعة أو عقد جديد، بمعنى: قال: يا فلانة أنت طالق ثم راجعها، ثم قال: أنت طالق ثم راجعها، ثم قال: أنت طالق، فهذه ثلاث. أو قال: أنت طالق وتركها حتى تخرج من العدة، ثم عقد ثم قال: أنت طالق، ثم تركها حتى تخرج من العدة، ثم عقد ثم قال: أنت طالق، إذاً: لابد أن يتخلل ذلك إما رجعة وإما عقد حتى تحسب ثلاثاً، أما طلاق الثلاث في مجلس واحد بلفظ فهو واحدة، وهذا هو مذهب شيخ الإسلام الذي تسأل عنه السائلة، وهو أيضاً اختيار ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي واختيار الشيخ محمد بن عثيمين .

    والجمهور يقول: لو قال: أنت طالق ثلاثاً فهي ثلاث، وإذا قال: أنت طالق طالق طالق فإنها تقع ثلاثاً إذا نوى التعدد سواء كان في مجلس أو في مجالس متعددة، قال: يا فلانة أنت طالق ومن الغد قال: أنت طالق، وبعد غد قال: أنت طالق، فتقع ثلاثاً هذا قول الجمهور، وعليه المذاهب الأربعة.

    الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يأخذ بقول الجمهور في بعض المسائل وبقول شيخ الإسلام في بعض المسائل، فيقول: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثاً بكلمة واحدة، فهي طلقة واحدة، أما إذا قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق فهي ثلاث، أي أن الشيخ عبد العزيز لا يشترط الرجعة، فيقول: لو قال: أنت طالق وقبل أن يراجعها قال: أنت طالق وقبل أن يراجعها أنت طالق، فيرى أنه يتعدد الطلاق.

    هذه أقوال أهل العلم في هذه المسألة.

    حكم تعليق الطلاق بشرط ثم التراجع عنه بعد ذلك

    السؤال: إذا علق الطلاق على شرط محض كأن يقول الرجل لزوجته: إذا ذهبت إلى بيت أبيك فأنت طالق، ونوى الطلاق فإنها تطلق إذا ذهبت، فإن لم تذهب المرأة وبعدها بمدة سامحها الزوج وتركها تذهب إلى بيت أبيها، وتخلى عن يمينه، فهل يجوز ذلك أم لا؟

    الجواب: لا تزال هذه اليمين، لأن الرجل إذا علق الأمر على شيء مستقبل ليس له أن يسقطه، فإذا قال: يا فلانة إن جاء رمضان فأنت طالق، فهذا شرط محض، أو قال: إن دخلت دار أبيك فأنت طالق، يريد أن تذهب ليطلقها، فليس له أن يقول: رجعت، فقد ثبت الأمر، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا.

    حكم نكاح التحليل

    السؤال: ما حكم نكاح المحلل في الشرع؟

    الجواب: المحلل لا يجوز له هذا الفعل وإن نكح الرجل المرأة بنية تحليلها فإنها لا تحل، فنكاح المحلل باطل ووجوده كعدمه، لكن إن كان قصده التمتع بالمرأة وهو يقول: أنا أرغب بالنكاح وقد أبقيها وقد لا أبقيها، فتمتع بها ثم طلقها فهذا أمر جائز، أما إذا كان يريد فقط أن يحلها لا رغبة في النكاح فإنها لا تحل كما تقدم شرحه في الدورة السابقة.

    حكم قول الرجل علي الطلاق أن تأكلوا

    السؤال: ذكر الطلاق في الحث كقوله: علي الطلاق أن تأكلوا؟

    الجواب: إذا كان يريد الحث فقط فهذه فيها كفارة يمين، ولا يقع الطلاق.

    حكم الحلف بالطلاق بقصد الحث أو المنع

    السؤال: ذكر الطلاق في وجود الحث على منكر، كقوله: امرأتي طالق إن شربت الخمر، وكقوله: امرأتي طالق إن شربت الدخان، وكقوله: امرأتي طالق إن ذهبت لبيت أبيها؟

    الجواب: إذا كان يريد الحث فقط فهذا فيه كفارة يمين كما تقدم إيضاحه.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.