إسلام ويب

دليل الطالب كتاب البيع [7]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرض عقد إرفاق يصح في كل ما يصح بيعه، ويثبت حالاً ولو أجله، ولا يجوز أن يجر للمقرض نفعاً، وفيه أحكام وتفصيلات أخرى لابد للمسلم من معرفتها. والرهن من العقود الشرعية يتم به توثيق الدين، وهذا العقد تترتب عليه آثار وأحكام متعلقة بالراهن والمرتهن والرهن، لا يجوز لمسلم تعاطي هذا العقد حتى يعرف هذه الأحكام.

    1.   

    أحكام القرض

    تعريف القرض وما يصح به عقد القرض وما يلزم به

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب القرض ].

    القرض هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.

    وهو مندوب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً مرتين إلا كان كصدقتها مرة)، رواه ابن ماجه وغيره.

    يعني: إذا أقرضت عشرة آلاف ريال فكما لو تصدقت بنصفها، وإذا أقرضت هذا المبلغ مرة أخرى فكأنك تصدقت به كله، وهذا فيه فضل القرض.

    قال: [ يصح بكل عين يصح بيعها ].

    بعض الناس يظن أن القرض في الدراهم والريالات فقط، فذكر أن كل ما يصح بيعه يصح قرضه، فلو أنه أقرضك صاعاً من تمر فإنك ترد له صاعاً من تمر.

    ويكون بين الجيران أن تستقرض المرأة كيلواً من الأرز أو تستقرض كذا من الخضروات التي نقصت في بيتها وتردها من الغد، فهذا قرض.

    [ إلا بني آدم ]، يعني العبد والأمة فلا يجوز إقراضهما، قالوا: لأن ذلك لم ينقل.

    [ ويشترط علم قدره ووصفه ].

    القرض لابد أن يعلم قدره وأن يعلم وصفه لرفع الجهالة، فلابد أن يعلم أنه أقرضه مثلاً مائة صاع من البر، أو مائة ريال قطري، وأن يعلم وصفه أيضاً كأن يعلم أنه أقرضه مائة صاع من الأرز الجيد أو من الأرز الرديء.

    قال: [ وكون مقرض يصح تبرعه ].

    أي: أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه، فالصبي لا يقرض والمجنون لا يقرض ولا يصح قرضه، والسفيه لا يصح قرضه، لأنه لابد أن يكون القرض ممن يصح تبرعه وهو جائز التصرف، وجائز التصرف هو المكلف الرشيد.

    لو أن صبياً ورث من أبيه فاقترض منه أحد من الناس، فهل نقول: إن هذا القرض يصح؟ لا، ونقول: رد إلى هذا الصبي حقه، لأنه لابد أن يكون القرض من جائز التصرف.

    قال: [ ويتم العقد بالقبول ]، فإذا قبل المستقرض تم العقد.

    أقرضتك عشرة آلاف ريال فقلت: إني قبلت، تم العقد، لكن هل يلزم؟

    قال: [ ويملك ويلزم بالقبض ]، فلو أنك قلت: يا فلان، أقرضتك عشرة آلاف ريال، فقال: قبلت! ولم تقبضه إياها، فلك أن ترجع عن وعدك.

    إذاً: القرض لا يلزم إلا بالقبض.

    قلت: يا فلان، أقرضتك عشرة آلاف ريال ردها إلي بعد سنة، سأذهب إلى الصندوق وآتيك بها، ثم إنه بدا له أن يرجع؛ فله ذلك، لأنه لا يلزم إلا بالقبض.

    حكم التأجيل في القرض

    قال: [ ويثبت له البدل حالاً ]، يعني: ولو أجله.

    إذاً القرض لا يتأجل بتأجيله، اقترضت من رجل عشرة آلاف ريال إلى رمضان من السنة القادمة، وبعد أسبوع قال: أعطني حقي أو بعد شهر قال: أعطني حقي، فإن له ذلك لا يتأجل بتأجيله.

    والقول الثاني في المسألة وهو الراجح وهو مذهب مالك واختيار ابن القيم الجوزية وشيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً أنه يتأجل بتأجيله، لأن الله جل وعلا يقول: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (المسلمون على شروطهم).

    فالصحيح أنه يتأجل بتأجيله، فإذا وضعت له سنة ليأتيك بحقك فليس لك أن تطالبه قبل ذلك، كأن تطالبه بعد شهر أو شهرين، بل حتى تمضي السنة، لأنك شرطت ذلك على نفسك، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (المسلمون على شروطهم).

    هذا في القرض لكن البيع يتأجل قطعاً، اشتريت سيارة بثلاثين ألفاً إلى سنة، فهذا بيع وليس له أن يطالبك قبل حلول الأجل لأنه تاجر باعها لك بزيادة في ثمنها، أما المقرض فهو محسن، أعطاك المائة بمائة ولم يستفد منك شيئاً؛ لكن الصحيح كما تقدم أن القرض كذلك يتأجل بتأجيله.

    كيفية قضاء القرض

    قال: [ فإن كان متقوماً فقيمته وقت القرض، وإن كان مثلياً فمثله ما لم يكن معيباً ].

    القرض إن كان من المثليات يرد مثلياً، المثلي هو الذي له مثل، مثل عشرة آصع من الأرز لها مثل، فهذا يرد لك المثل.

    اقترضت هذه المرأة أو هذا الرجل من جاره عشرة آصع من الأرز إلى شهر، فإذا مضى شهر رد له عشرة آصع من الأرز، لأنه مثلي.

    وإن كان ليس بمثلي قال: يا فلان إن عندنا وليمة ونحتاج إلى القدور، نريد أن نقترض منك قدوراً -قرضاً استعارة- فقال: نريد قرضاً لأننا قد نتلفها أو قد تفسد، فالقدر متقدم وليس بمثلي، فنقول: كم ثمن القدر يوم القرض، قالوا: إن ثمنه يوم القرض خمسمائة ريال مثلاً، فيرد ذلك إذا حل الأجل.

    لأن القدور ليست من المثليات وإنما هي من المقومات.

    قوله: (ما لم يكن معيباً). يعني ما لم يكن فيه عيب، أي: فلا ترد له الأرز وقد ابتل لأن البلل عيب.

    قال: [ أو فلوساً ونحوها فيحرمها السلطان فله القيمة ].

    إذا اقترضت فلوساً ثم إن هذه الفلوس حرمها السلطان بأن منع التعامل بها، أو لنفرض أن بلداً انتهت وأصبحت هذه العملة لا قيمة لها، فنقول: رد له القيمة يوم القرض.

    اقترض منه مثلاً ألف درهم أو ألف جنيه أو ألف دولار، ثم إن هذه الدولة انتهت فانتهت هذه العملة، نقول: كم كانت قيمتها مثلاً من الذهب في وقت القرض، قال: إن قيمة هذا النقد مثلاً عشرة جرامات من الذهب، فنقول: أعطه عشرة جرامات من الذهب.

    حكم شرط الرهن والكفيل في القرض وحكم قرض الماء

    قال: [ ويجوز شرط رهن وضمين فيه ].

    إذا قال: أنا لا أقرضك إلا أن تأتيني برهن يوثق حقي، فلا مانع، أو قال: لا أقرضك إلا بكفيل، فلا مانع.

    قال: [ ويجوز قرض الماء كيلاً ].

    الماء قد يقرض؛ لأن الماء إذا حيز بالقوارير ونحوها جاز بيعه، إنما يمنع بيعه ما دام في البئر، أما إذا حيز فيجوز بيعه، ويجوز قرضه، فإذا استقرضت جالوناً من الماء، فإنه إذا جاء الموعد ملأته من الذين يبيعون الماء ورددته له.

    فالماء يكال بالآصع، واليوم يقاس باللتر.

    [ والخبز والخمير عدداً ].

    اقترضت منه كيساً من الخبز فيه عشر خبزات مثلاً، فترد له من الغد مثل ذلك.

    [ ورده عدداً بلا قصد زيادة ]؛ لأنه قد يكون هذا أكبر من هذا، فهذا غير مقصود.

    حكم الزيادة على القرض عند القضاء

    [ وكل قرض جر نفعاً فحرام، كأن يسكنه داره، أو يعيره دابته، أو يقضيه خيراً منه ]، يعني: بشرط كأن يقول: أنا أريد أن أقترض منك مائة ألف ريال، وأدعك تسكن داري مجاناً، فهذا قرض جر نفعاً.

    أو أستقرض منك مائة ألف ريال وأترك سيارتي معك، كأن يقول شخص: أنا أريد السفر مدة شهرين، فأريد أن تقرضني عشرة آلاف أحتاجها في السفر وخذ سيارتي تركبها مدة هذين الشهرين، فهذا قرض جر نفعاً.

    أو يقضيه خيراً منه كأن يقول: أعطني شاة هزيلة وأقضيك شاة سمينة، فهذا لا يجوز.

    وقد جاء في البخاري عن عبد الله بن سلام معلقاً أنه قال: إنك بأرض الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل دين فأهدى لك حمل تبن أو حمل قت أو حمل شعير فلا تأخذ منه شيئاً فإنه ربا.

    ويروى: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، وهو لا يصح حديثاً لكن أهل العلم قد أجمعوا عليه، وأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.

    قال: [ فإن فعل ذلك بلا شرط أو قضى خيراً منه بلا مواطأة جاز ].

    إن فعل ذلك بلا شرط أو قضى خيراً منه بلا مواطأة جاز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في الصحيحين: (خيركم أحسنكم قضاءً).

    اقترضت من رجل مائة ألف على أن تردها مائة ألف، فلما حل الأجل قلت: يا فلان، أنا اقترضت منك مائة ألف ريال، فهذا حقك وهذه زيادة مني؛ برضا بلا شرط، فيجوز هذا ولا حرج في ذلك.

    حكم رد القرض في غير بلده

    قال: [ ومتى بذل المقترض ما عليه بغير بلد القرض ولا مؤنة لحمله لزم ربه قبوله مع أمن البلد والطريق ].

    أقرضت رجلاً شيئاً في الدوحة ووجدته في مكة فأعطاك القرض الذي استقرضه منك، هل يلزمك القبول؟ نقول: إن كان لا مؤنة في حمله مثل دراهم حيث لا يلحقك ضرر أن تأخذها في مكة، فيلزمك القبول أيها المقرض.

    وإن كان يترتب على ذلك مؤنة فلا يلزمك القبول.

    فمثلاً: اقترض منك عشرة أكياس من الأرز وردها لك في مكة، تقول: أنا هذا يحتاج إلى مؤنة حمل، فإذا أخذتها بالطيارة أخذوا مني أجرة، والسيارة ليس فيها مكان ويشق علي حملها، إذاً لا أقبلها منك إلا في البلدة التي أخذتها مني فيها وهي الدوحة.

    1.   

    أحكام الرهن

    تعريف الرهن

    قال: [ باب الرهن ].

    الرهن: هو توثيق دين بعين.

    هذا التاجر استقرضت منه عشرة آلاف ريال، فقال: أنا لا مانع عندي من أن أقرضك، لكني أطلب أن تضع عندي رهناً يوثق حقي، حتى إذا لم تأتني بالحق بعته بإذنك وأخذت حقي وتركت لك الباقي.

    فإذا اقترضت منه عشرة آلاف ريال ووضعت عنده حلياً من الذهب فقلت: هذا الحلي رهن عندك، أو هذه داري رهن عندك، أو هذه أرضي رهن عندك؛ فهذا يسمى بالرهن، قال الله جل وعلا: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].

    شروط صحة الرهن

    قال: [ يصح بشروط خمسة ]، أي: الرهن يصح بشروط خمسة.

    [ كونه منجزاً ]، هذا هو الشرط الأول، وهو ألا يعلق الرهن، فلا تقول: أقرضني وأرهنك إذا جاء رمضان، أو أرهنك بعد ثلاثة أشهر، لأن الرهن لابد أن يكون منجزاً لا معلقاً، هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: [ وكونه مع الحق أو بعده ]، أي لا يكون قبله، فلا تقول: يا فلان خذ هذا الحلي رهناً وفكر لعلك تقرضني! ثم بعد أسبوع يقول: خذ هذا قرضاً، مع كونه قد قبض الرهن قبل القرض، قالوا: هذا لا يصح.

    أو قلت: يا فلان، إن هذه الدار رهن عندك على أن تقرضني، قال: إن شاء الله سأقرضك -كوعد- ثم بعد أسبوع أقرضك والرهن سابق، قالوا: لا يكون هذا، لأن الرهن يكون مع الحق أو بعده.

    مثاله مع الحق أن يقول: خذ هذا القرض وأعطني رهناً معه.

    ومثاله بعده: أن تستقرض منه مائة ألف ريال ثم بعد أسبوع تقول: يا فلان، أنا استقرضت منك مائة ألف ريال فخذ هذا رهناً عندك حتى تطمئن وترتاح.

    أو هو يقول: يا فلان أنا أقرضتك قبل شهر فلماذا لا تضع رهناً عندي؟ فتقول: خذ هذا رهناً عندك، إذاً يصح معه ويصح بعده لا قبله، هذا الشرط الثاني.

    الشرط الثالث: [ وكونه ممن يصح بيعه ]، لابد أن يكون الذي رهن جائز التصرف، وهو المكلف الرسمي.

    الشرط الرابع: [ وكونه ملكه أو مأذوناً له في رهنه ]، يعني: أن يكون ملكاً له، أو أن يؤذن له في الرهن، فلا ترهن شيئاً لا تملكه، ولم يؤذن لك في رهنه.

    ومثال ما أذن لك: أن تأخذ حلي امرأتك بإذنها لتجعله رهناً، أو تأخذ سيارة أخيك بإذنه لتجعلها رهناً.

    الشرط الخامس: [ وكونه معلوماً جنسه وقدره وصفته ]، لابد من أن يعلم هذا الرهن، فلو أتى بكيس وقال: هذا الذي داخل هذا الكيس رهن عندك ولا تفك الكيس، والحال أنه لا يدرى ما في هذا الكيس، هل هو تراب أم ذهب، فهذا لا يصح، لأنه لابد أن يكون معلوماً.

    ما صح بيعه صح رهنه وما لا يصح بيعه فلا يصح رهنه غالباً

    قال: [ وكل ما صح بيعه صح رهنه إلا المصحف ].

    كل ما يصح بيعه يصح رهنه، لأن المقصود من الرهن استيفاء الحق، إذاً: لابد أن يصح بيعه، إلا المصحف لأن المصحف في المذهب لا يجوز بيعه.

    قال: [ وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه ]، أي: كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، [ إلا الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه ].

    الثمرة قبل بدو صلاحها لا يجوز بيعها لكن يجوز رهنها، قالوا: لأنه إنما حرم بيع الثمر قبل بدو الصلاح خشية العاهة والتلف بالآفات، أما هنا فهو رهن وليس ببيع، وكذلك الزرع قبل أن يشتد.

    قال: [ والقن دون رحمه المحرم ].

    لا يجوز -في الأصل- أن تبيع عبداً وتفرق بينه وبين رحمه المحرم، كأن تبيع الأم دون ولدها أو تبيع الوالد دون ولده، أو الأخ دون أخيه، لأنه لا يجوز أن تفرق بين ذوي رحم محرم، وهم من لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرم تناكحهما.

    لكن العبد وابن عمه يجوز التفريق بينهما؛ لأنه لو كان هذا ذكراً والآخر أنثى جاز النكاح بينهما، فذكر المؤلف هنا أن القن يجوز أن ترهنه دون رحمه، لأن الرهن ليس ببيع، أي: لم يتم البيع بعد، وإنما هو رهن، ولكن إذا جاء البيع فلابد أن تبيعهما جميعاً أو أن تدفع الثمن.

    قال: [ ولا يصح رهن مال اليتيم للفاسق ]، لأن الفاسق قد يتصرف فيه بإهلاكه أو بجحوده.

    1.   

    ما يلزم به الرهن وحكم كسب الرهن ونماؤه وتلفه وغلاقه

    قال: [ فصل: وللراهن الرجوع في الرهن ما لم يقبضه المرتهن، فإن قبضه لزم ].

    إذاً: الرهن لا يلزم إلا بالقبض، لقوله جل وعلا: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].

    قالوا: [ ولم يصح تصرفه فيه بلا إذن المرتهن ].

    ليس للراهن أن يبيع الرهن، وليس له أن يتصرف فيه إلا بإذن المرتهن.

    يعني: التاجر الذي أخذ الرهن عنده يسمى بالمرتهن، فلو تصرف الراهن في الرهن لفوت حق المرتهن.

    مثلاً: الرجل الذي وضع حلياً رهناً عند تاجر ليس له أن يبيع هذا الحلي، لأنه إذا باعه فقد فوت حق المرتهن، [ إلا بالعتق ] قالوا: لأن الشارع متشوف للعتق، فله أن يعتق عبده المرهون، لكن لابد أن توضع قيمة هذا العبد رهناً مكانه، ولذا قال: [ وعليه قيمته مكانه تكون رهناً ].

    أحكام كسب الرهن ونماؤه وضمانه وتلف بعضه

    قال: [ وكسب الرهن ونماؤه رهن ]، الرهن إذا كان له نتاج مثل الأغنام فإن هذا النتاج يكون رهناً تبعاً لأصله، والنتاج هو ما ولد من هذه الأغنام.

    كذلك إذا كسب العبد المرهون فكسبه يكون رهناً تبعاً له.

    يعني: هذا رجل قال: يا فلان أنا أقترض منك عشرة آلاف ريال وهذا عبدي رهن عندك، والعبد يتكسب كل يوم، فالمال الذي يتكسبه العبد يجمع عند المرتهن، ولا يأخذه المرتهن ملكاً له، وإنما يجمعه كرهن عنده لأن الكسب تبع لهذا العبد، والعبد رهن فكان كسبه تبعاً له.

    قال: [ وهو ]، أي الرهن [ أمانة بيد المرتهن لا يضمنه إلا بالتفريط ].

    المرتهن إذا تلف الرهن عنده لا يضمن، لأن يده يد أمانة، إلا أن يفرط، كأن أعطيته حلياً رهناً فوضعه في درج الدكان ثم خرج وترك الدكان مفتوحاً فجاء سارق وسرق هذا الحلي، فإنه يضمن لأنه فرط.

    [ ويقبل قوله بيمينه في تلفه وأنه لم يفرط ]، لأنه أمين.

    فإذا قال: إنه قد تلف مني بلا تفريط فنقول له: احلف أن هذا قد تلف منك بلا تفريط، فإن حلف أنه تلف بلا تفريط لم يضمن.

    إذاً: لابد من يمينه، ولا يكفي أن يقول: أنا لم أفرط.

    قال: [ وإن تلف بعض الرهن فباقيه رهن بجميع الحق ].

    أخذت عشرة آلاف ريال وتركت عنده مائة رأس من الغنم رهناً، فمات نصفها، فالباقي يكون هو الرهن، ولا ينفك منه شيء حتى يقضي الدين كله باتفاق العلماء.

    وضعت عنده مائة رأس من الغنم واقترضت منه عشرة آلاف ريال، فسددت تسعة آلاف ريال، أو ستة آلاف ريال، فلا تقول: رد إلي من الرهن بقدر ذلك، بل يبقى الرهن كله رهناً حتى لا يبقى عليك درهم، فلو بقي ريال واحد فالرهن باق.

    إذاً: يبقى الرهن باتفاق العلماء حتى يوفي الدين كاملاً، فإذا وفي بالدين تماماً انفك الرهن.

    حكم اشتراط الغلق في الرهن وما يتعلق بذلك

    قال: [ وإذا حل أجل الدين وكان الراهن قد شرط للمرتهن أنه إن لم يأته بحقه عند الحلول وإلا فالرهن له لم يصح الشرط ].

    هذا رجل اقترض ألف ريال، ووضع عند التاجر هاتفاً جوالاً يساوي مثلاً ألف ريال، قال: خذ هذا الجوال عندك، وإذا حل الأجل ولم آتك بألف ريال فالجوال لك، فيقول هنا: إن هذا الشرط لا يصح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)، رواه الدارقطني .

    إذاً: ماذا يستفيد المرتهن من الرهن؟ يستفيد أنه إذا حل الأجل فإنا ننظر: فإن كان الراهن قد أذن له بالبيع باع وأخذ حقه وترك الباقي لصاحبه.

    وإن كان لم يأذن له بالبيع يخبره ليأتي ويبيع، فيقول المرتهن: أيها الراهن هذه أغنامك تعال فبعها وأعطني حقي وخذ الباقي لك.

    فإن أبى الراهن شكاه المرتهن إلى القاضي فيقول له القاضي: بع وأعط الرجل حقه، فإن قال: هذه أغنامي ولن أبيعها ولن أوفيه حقه الآن لأنه ليس عندي شيء، فإن القاضي يحبسه ويعزره على البيع. فإذا أبى بعد الحبس والتعزير فإن القاضي يبيع ويعطي المرتهن حقه والباقي يعطيه للراهن.

    ولذا قال: [ بل يلزمه الوفاء، أو يأذن للمرتهن في بيع الرهن، أو يبيعه هو بنفسه ليوفيه حقه، فإن أبى حبس أو عزر ]، يعني أدب، أي: أدبه القاضي، [ فإن أصر باعه الحاكم ]، يعني يبيعه القاضي ويعطيه حقه.

    حكم الانتفاع بالرهن مقابل النفقة والإنفاق عليه بلا إذن

    قال: [ فصل: وللمرتهن ركوب الرهن وحلبه بقدر نفقته بلا إذن الراهن ولو حاضراً ].

    إذا رهنت وقلت: يا فلان هذه ناقتي رهن عندك أو هذه بقرتي رهن عندك، فله أن يركب هذه الناقة وله أن يشرب لبنها، وله كذلك أن يشرب من لبن البقرة بشرط أن ينفق عليها، أي يعلفها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً)، يعني مقابل النفقة، (ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة).

    قال: [ وله الانتفاع به مجاناً بإذن الراهن ]، لو كان الراهن يقول: أنا سآتي بالنفقة، هذه دابتي وأنا أحضر علفها، وقد أذنت لك بأن تشرب لبنها، فلا بأس بذلك، إلا أن يكون الدين قرضاً؛ لأنه إذا كان قرضاً فيكون قرضاً جر نفعاً، لكن هذا لو كان في بيع، كأن باعه سيارة إلى سنة فإنه يجوز أن ينتفع بها مجاناً.

    قال: [ لكن يصير مضموناً عليه بالانتفاع ]، هناك قلنا إن المرتهن لا يضمن؛ لكن هنا لما أصبح ينتفع به فإنه يضمن لأنه ينتفع.

    قال: [ ومؤنة الرهن وأجرة مخزنه وأجرة رده من إباقه على مالكه ].

    أجرة رده من إباقه: يعني من هروبه، فالعبد إذا هرب فأجرة الرد على المالك.

    والمالك هو الذي يتحمل النفقة، ويتحمل أجرة المخزن إذا كان الرهن يحتاج إلى حفظ في مخازن، لأن هذا ملكه فيجب أن ينفق عليه، ولا تكون النفقة على المرتهن، إلا إذا كان المرتهن ينفق ليركب أو ليشرب كما تقدم.

    قال: [ وإن أنفق المرتهن على الرهن بلا إذن الراهن مع قدرته على استئذانه فمتبرع ].

    هذا المرتهن وضعت عنده مائة رأس من الغنم رهناً، فصار يشتري لها أعلافاً ويشتري لها ما تحتاج إليه، نقول: هذا الرجل يعد متبرعاً ليس له الحق في الرجوع إلا أن يستأذن الراهن، أو يكون الراهن بعيداً لا يقدر على استئذانه، كأنه انقطعت أخباره وقد ترك عنده هذه الأغنام فنقول: أنفق عليها ولك أن تنوي الرجوع.

    إذاً: المرتهن التاجر إذا أنفق على الرهن من حيوان ونحوه، فله أن يطالب بحقه من النفقة، إلا إذا لم يستأذن الراهن مع قدرته على الاستئذان فليس له أن يطالب.

    1.   

    حكم البينة على من ادعى رد العين مع إنكار المالك

    قال: [ فصل، من قبض العين لحظ نفسه كمرتهن وأجير ومستأجر ومشتر وبائع وغاصب وملتقط ومقترض ومضارب، وادعى الرد للمالك فأنكره لم يقبل قوله إلا ببينة ].

    لأن هذه العين قد قبضها لحظ نفسه، فالمستأجر إذا استأجر منك سيارة، فهو قد قبضها لحظ نفسه، فإذا ادعى الرد وأنكرت فقلت: إنك لم ترد إلي، فإنه يُطالَبُ بالبينة؛ لأن الأصل عدم الرد، إذاً: لابد من بينة.

    قال: [ وكذا مودع ووكيل ووصى ودلال بجعل إذا ادعى الرد ].

    مثال المودع: إذا وضعت أمانة عند رجل، وقال: أنا أحفظ أمانتك بشرط أن تدفع لي ألف ريال.

    أو وكيل: كأن وكلت رجلاً بمبلغ مقابل وكالته أن يحمل هذا الدين ويسدده فلاناً فلم يجده وادعى أنه رده لك.

    وكذلك الوصي والدلال، وهو الذي يعرض السلع للبيع، فإذا كان ذلك مقابل جعل وادعى أنه رد إليك حقك، فنطالبه بالبينة ولا تكفي يمينه؛ لأن هذا الشيء كان عنده لحظ نفسه، وهو أنه يستفيد جعلاً.

    قال: [ وبلا جعل يقبل قوله بيمينه ]، إذا كان الدلال يحرج مجاناً ووضعت عنده شيء يحرج عليه وقلت له: بعه وأعطني حقي، فلما أتيت قال: أنا رددته لك، فترافعتما إلى القاضي، فإن القاضي يطالبه باليمين فقط، لأنه لا يأخذ جعلاً على دلالته، أما إذا كان يأخذ جعلاً فإنه يطالبه بالبينة.

    وبهذا ننتهي من هذا المنهج ونختم هذه الدروس، سائلين الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين الدين والقرض

    السؤال: ما الفرق بين الدين والقرض؟

    الجواب: في القرض يدفع لك ما يستفيد شيئاً، مائة ألف ريال بمائة ألف ريال، أما الدين فيبيع لك سيارة تساوي أربعين ألف بخمسين ألفاً إلى سنة، فهذا بيع.

    أنت الآن تحتاج إلى هذا الكتاب، والكتاب يساوي عشرة ريالات، فيبيعه لك هذا الرجل بخمسة عشر ريالاً إلى سنة، هذا بيع.

    أما في القرض فلا يستفيد المقرض، لأن المقرض محسن، يعطيك عشرة آلاف ريال ويأخذ منك عشرة آلاف ريال.

    حكم المطالبة بالقرض قبل الأجل

    السؤال: ذكرت أن القرض إلى أجل يصح، فهل معناه أنه لا تجوز المطالبة قبل الأجل؟

    الجواب: يجوز أن يطالبه قبل الأجل، نحن لا نقول إنه لا يجوز، لكن نقول: المقترض لا يلزم بالسداد.

    حكم القروض مع الفائدة لبناء البيوت

    السؤال: هل ما يؤخذ من قروض من البنوك بغرض بناء البيوت لأجل السكن فقط لا للتجارة، وذلك مع اشتراط زيادة لأجل التقسيط؛ هل يعد ربا؟

    الجواب: نعم، إن كان قرضاً فهو ربا، يعطيك البنك مائة ألف ويأخذ مائة وعشرة حتى لو كان لبناء بيت هذا يعد ربا.

    حكم شراء السيارات من البنوك الإسلامية بالتأجيل

    السؤال: ما حكم شراء سيارة من بنك إسلامي؟

    الجواب: الآن شراء السيارات من البنوك الإسلامية إذا كان على طريق المرابحة والبنك يملك السيارة فلا بأس.

    حكم الانتفاع بالرهن في البيع والقرض

    السؤال: هل يجوز للمرتهن أن يتصرف بالشيء المرهون؛ كأن يترهن سيارة، فهل يجوز قيادة السيارة، ولا يكون قرضاً جر نفعاً؟

    الجواب: يجوز أن يقود السيارة إذا أذنت له مجاناً.

    وأما: هل هذا من القرض الذي يجر نفعاً فنقول: إذا كان الذي بينك وبينه قرض فلا يجوز ذلك، وإذا كان الذي بينك وبينه ثمن مبيع فيجوز، كما لو اشتريت منه بيتاً يساوي خمسمائة ألف إلى سنة بستمائة ألف، فهذا جائز.