إسلام ويب

دليل الطالب كتاب البيع [4]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • البيع عقد شرعي يترتب عليه انتقال الملك في السلعة إلى المشتري وانتقال الملك في الثمن إلى البائع، وهذا التملك يحصل بمجرد العقد، ولكن من لوازم البيع القبض وهو يتم في كل شيء بحسبه على تفصيل يذكره الفقهاء في ذلك.

    1.   

    حكم الملك والتصرف في المبيع قبل القبض

    الأصل حصول الملك وجواز التصرف بمجرد عقد البيع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: ويملك المشتري المبيع مطلقاً بمجرد العقد ] بهذا مضت السنة كما قال ابن عمر رضي الله عنه في البخاري .

    اشترى زيد داراً من عمرو بمائة ألف ريال، نقول: إن زيداً قد ملكها بمجرد العقد، سواء قبض أم لم يقبض.

    قال: [ ويصح تصرفه فيه قبل قبضه ]؛ لأنه ملكه، فبقينا على الأصل في ذلك، فله أن يبيعه قبل أن يقبضه لأنه ملك له.

    إذاً: من اشترى شيئاً وتم العقد نقول: إنك قد ملكت، وعلى ذلك فيصح أن تتصرف في هذا الذي اشتريته قبل أن تقبضه لأنه ملكك.

    وإن تلف فهو من ضمانك، ونماؤه المتصل والمنفصل لك.

    اشترى رجل سيارة وقبل أن يقبضها من صاحب المعرض ويسلمه المفاتيح ويأذن له بأخذها، حصل تلف من غير أن يكون المتلف آدمياً، فنقول: إن الضمان عليك أنت أيها المشتري.

    ما يستثنى من حصول الملك والضمان بمجرد العقد في البيع

    قال: [ وإن تلف فمن ضمانه ] إلا هذه الأنواع التي ذكرها المؤلف بقوله: [ إلا المبيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو ذرع فمن ضمان بائعه حتى يقبضه مشتريه ].

    ما بيع بكيل: يعني بالصاع أو بوزن: يعني بالكيلو الجرامات أو بالأرطال.

    أو بعد: مثل البيض يعد عداً.

    أو ذرع: مثل القماش يذرع أو يمتر.

    فهذه الأنواع الأربعة لها حكم آخر، ويضاف إلى هذه الأنواع الأربعة ما بيع بوصف أو برؤية متقدمة، فتكون الأنواع ستة.

    اتصلت بصاحب المعرض وقلت: أنا أريد سيارة وصفها كذا وكذا، فقال: عندي لك سيارة وصفها كذا كذا، وقيمتها ثلاثون ألفاً، فاشتريت بناءً على الوصف، فهذا له حكم هذه الأنواع الأربعة: المكيل والموزون والمذروع والمعدود.

    وهذا إن تلف قبل القبض فالضمان على البائع.

    إذاً: المكيلات والموزونات والمذروعات والمعدودات وما بيع بوصف وما بيع برؤية متقدمة، إن تلف قبل القبض فمن ضمان البائع، وما سوى ذلك فمن ضمان المشتري.

    وما بيع برؤية متقدمة مثاله: ركبت مع رجل في سيارته وسافرت معه وبعد شهر اتصلت به وقلت: أريد أن أشتري السيارة التي سافرنا بها أتبيعها؟ فقال: نعم. أبيعها، تعال فانظر إليها، قلت: أنا قد رأيتها سابقاً رؤية متقدمة، فهل تغيرت؟ قال: لم تتغير، فهذه كذلك إذا تلفت قبل القبض فإنها تكون من ضمان البائع.

    قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)، متفق عليه، قال ابن عباس : أحسب كل شيء كالطعام، قالوا: هذا يدل على حكم الطعام المكيل وفي حكمه ما تقدم ذكره، فهذا لا يباع حتى يقبض، وإذا كان لا يباع حتى يقبض فهذا يدل هذا على أنه ليس في ضمانه؛ لأنه لو كان في ضمانه لجاز أن يبيعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ولا ربح ما لم يضمن).

    أعيد هذه المسألة باختصار:

    قال الحنابلة: المبيعات على نوعين: نوع لا يباع حتى يقبض، ونوع يباع قبل القبض.

    الذي لا يباع حتى يقبض هي الأنواع الستة: المكيلات، والموزونات، والمذروعات، والمعدودات، وما بيع بصفة أو رؤية متقدمة.

    وما سوى ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه.

    الضمان يختلف، فالأنواع الستة إذا تلفت قبل القبض فمن ضمان البائع، وبقية المبيعات إذا تلفت قبل القبض فهي من ضمان المشتري.

    وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل كل شيء لا يجوز بيعه حتى يقبض.

    واستدلوا بما جاء في صحيح ابن حبان ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه)، وهذا أصح.

    حكم تصرف المشتري في أحد الأنواع الستة قبل قبضه

    ثم قال: [ ولا يصح تصرفه فيه ببيع ]، وهذا كما تقدم للحديث: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)، لكن المؤلف هنا لم يجعل الحكم مختصاً بالبيع بل قال: [ أو هبة أو رهن قبل قبضه ].

    وعلى ذلك فلو أنك اشتريت طعاماً وبعته قبل أن تقبضه قلنا: إن هذا لا يصح، ولو وهبته قبل أن تقبضه قالوا: لا يصح كالبيع، ولو جعلته رهناً قبل أن تقبضه، فكذلك.

    اشتريت من رجل عشرة أطنان من البر ولم تقبضها بعد، ثم ذهبت إلى فلان واقترضت منه دراهم وقلت: أرهنك البر الذي اشتريته من فلان، قالوا: لا يصح.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحكم مختص بالبيع فقط، فلا يجوز البيع قبل القبض، أما الهبة والرهن وغير ذلك من التصرفات كالإجارة؛ فإن ذلك جائز، وهذا هو الصحيح، لأن النهي إنما جاء في البيع دون غيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه).

    وما هي الحكمة من النهي عن بيع الشيء قبل قبضه؟

    الحكمة أن البائع الأول قد يمنع من التسليم وقد يجحد أو يحتال في إبطال البيع إذا رآك ربحت، فمثلاً: اشتريت من رجل تمراً ولم تقبضه منه، فاشتريت الكيلو بعشرة، فبعت الكيلو بخمسة عشر ريالاً، وذهبت بالذي اشترى منك إلى التاجر، فعلم أنك بعت بخمسة عشر، فقد يكون محتالاً فيحتال في الإبطال، وقد يجحد البيع ويقول: أنا ما بعتك، أثبت أني قد بعتك، وإذا كان معك إثبات فقد يماطل فيقول: تعال غداً .. تعال بعد غد ..، ويماطل في التسليم، ولذا نهي عن ذلك.

    حكم تلف المبيع من الأنواع الستة قبل القبض

    قال: [ وإن تلف بآفة سماوية قبل قبضه انفسخ العقد ]؛ لأنه من ضمان البائع، والكلام هنا على المذهب في الأنواع الستة.

    رجل اشترى أرزاً وقبل أن يقبضه ويستوفيه تلف بآفة سماوية، فهو من ضمان البائع.

    [ وبفعل بائع أو أجنبي خير المشتري بين الفسخ ويرجع بالثمن، أو الإمضاء ويطالب من أتلفه ببدله، والثمن كالمثمن في جميع ما تقدم ].

    إن كان المتلف هو البائع أو كان المتلف آدمياً آخر أجنبياً فنقول: أيها المشتري أنت مخير: فإن شئت أن تطالب المتلف بحقك وإن شئت أن تفسخ.

    اشترى رجل طعاماً وقبل أن يقبضه أتلفه معتد فنقول: أيها المشتري أنت مخير: فإن كنت تريد أن تفسخ وتأخذ ثمنك فلا مانع، وإن كنت تحب أن تمضي البيع وتأخذ حقك من المتلف فلا بأس، فتقول: أنا أريد أمضي هذه الصفقة وأطالب بحقي من المتلف.

    قال: [ فصل: ويحصل قبض المكيل بالكيل والموزون بالوزن والمعدود بالعد والمذروع بالذرع ].

    الكلام هنا في القبض، والقبض يرجع فيه إلى العرف، لأن الشارع لم يضع له حداً، وكل ما لم يضع له الشارع حداً فإنا نرجع إلى العرف.

    الآن عندما تدخل البقالة لتشتري، فتقول للبائع: أعطني الشيء الفلاني والشيء الفلاني والشيء الفلاني وهي على أرصفتها وتدفع له المال فليس هذا قبضاً.

    فإذا أخذها ووضعها في كيس ودفعه إليك أو وضعه أمامك فإن هذا يعد قبضاً.

    وعندما تشتري داراً يكون القبض بأن يخلي بينك وبينها ويرفع يده عنها.

    كومة الطعام مثل التمر وهو الذي يسمى المبيع جزافاً يكون قبضه بتخليته، أي: أن يخلي بينك وبينه.

    وقبض الدابة أن يعطيك زمامها.

    إذاً: القبض يرجع فيه إلى العرف، فقد يكون بالتناول، وقد يكون بالتخلية، وقد يكون بالنقل، بأن تنقله من مكان إلى آخر.

    قوله: (ويحصل قبض الكيل بالكيل والموزون بالوزن والمعدود بالعد والمذروع بالذرع) يذكر المؤلف هنا أن هذه الأنواع الأربعة: المكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات، يكفي استيفاؤها فقط ويعد قبضاً.

    إذا اشتريت مكيلاً فكيفي أن يكيله لك ولو لم يناولك، فإذا كاله لك وقلت: أعطني من هذا الكيس خمسة كيلو جرامات، فوزن خمسة كيلو جرامات هذا يقولون: إنه قبض، والصحيح أنه لابد من قبض، وأن مجرد العد والكيل والوزن لا يعد قبضاً، لأن القبض شيء آخر، ولذا فالرواية الأخرى عن الإمام أحمد أنه لابد من قبض.

    قال: [ بشرط حضور المستحق أو نائبه ]، أي: لابد أن يكون المستحق قد حضر عند الاستيفاء وهو المشتري أو نائبه.

    قال: [ وأجرة الكيال والوزان والعداد والذراع والنقاد على الباذل ]، وهو الذي بذل هذا الشيء.

    عندما يحتاج الطعام إلى كيل أو وزن، وهذا الذي يزن ويكيل يقول: أعطوني أجرة، فهل الأجرة على البائع أو على المشتري؟

    الجواب: على البائع؛ لأنه هو الذي بذل السلعة، وعندما تحتاج الدراهم إلى عد كأن أعطاه كومة كثيرة من الدراهم أو مالاً كثيراً يحتاج إلى حساب، فعلى من تكون أجرة العاد والنقاد؟ الجواب: على المشتري، لأنه هو الذي بذل.

    إذاً: الذي يبذل الدراهم هو المشتري، والذي يبذل السلعة هو البائع، فحساب السلعة من جهة وزنها أو كيلها أو ذرعها أو عدها يكون على البائع، وحساب النقد يكون على المشتري، ولذا قال: (على الباذل).

    قال: [ وأجرة النقل على القابض ]، أي: المشتري عليه أجرة نقل البضاعة إلا إذا اشترط، بأن يقول: أشتري منك هذه البضائع بشرط أن تنقلها لي، فإذا لم يشترط فالنقل عليه، ومهمة البائع أن يخلي بينه وبينها.

    قال: [ ولا يضمن ناقد حاذق أمين خطأً ].

    الذي يحسب النقود إذا أخطأ من غير تفريط منه فلا ضمان عليه لأنه أمين.

    قال: [ وتسن الإقالة للنادم من بائع ومشتر ].

    الإقالة هي: أن يرجع المشتري السلعة إلى بائعها بالثمن نفسه، يقول: يا فلان أقلني، فإذا أقاله فمعنى ذلك أنه يرد إليه دراهمه كاملة ولا ينقص منها شيئاً، ويرد له المشتري السلعة.

    اشتريت مثلاً هاتفاً من رجل بخمسمائة ريال، فلما أتيت البيت وجدت أن في البيت جوالاً آخر أهدي لك أو نحو ذلك، أو لم تحب هذه السلعة، فرجعت إلى البائع وقلت: أقلني، فهذا جوالك كما هو فأعطني دراهمي، فإذا أذن، فهذه تسمى إقالة.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)، رواه أبو داود وابن ماجه وهذا لفظه.

    إذاً: الإقالة مستحبة، لكن إن قال: أنا أخصم من الثمن، كما لو قال: أنا بعتك بخمسمائة فلا مانع أن ترده بأربعمائة وخمسين ريالاً، نقول: هذه ليست إقالة، بل هذا بيع، فتكون الآن مشترياً، فلا تقل -أيها البائع-أ نا أقلتك وتحتسب الأجر، فإن هذا يعتبر بيعاً.

    إذاً: إذا قال: سأخصم من الثمن فهذا يكون بيعاً جديداً.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.