إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الجهاد [2]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يترتب على الجهاد في سبيل الله أحكام الأسرى والغنائم وأحكام الفيء، وكيفية توزيع ذلك ومن يستحقه، وما يتعلق بذلك من صفات المستحقين وشروطهم وكيفية الاستحقاق.

    1.   

    أحكام الأسرى

    أقسام الأسرى بحسب ما يفعل الإمام بهم

    الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: والأسارى من الكفار على قسمين ]:

    يعني: من يأسره أهل الإسلام في القتال والحرب على قسمين:

    [ قسم يكون رقيقاً بمجرد السبي ]، يعني: إذا سبي كان رقيقاً بسبيه، [ وهم النساء والصبيان ]؛ لحديث سبايا هوازن في البخاري ، وكذلك سبايا بني المصطلق في مسند الإمام أحمد .

    وعلى ذلك فإذا أسرت المرأة كانت بمجرد الأسر رقيقة أمة، وإذا أسر الصبي كان بمجرد الأسر رقيقاً، هذا هو حكم النبي عليه الصلاة والسلام، ومثلهم الراهب الذي يشتغل بالعبادة ولا يقاتل أهل الإسلام إذا سبي كان بمجرد السبي رقيقاً كالنساء والصبيان.

    قال: [ وقسم لا ]، يعني: لا يكونون بمجرد الأسر رقيقاً، [ وهم الرجال البالغون المقاتلون، والإمام فيهم مخير بين قتل ورق ومَنٍّ وفداء بمال أو بأسير مسلم ].

    يعني: إن الإمام إذا أخذ أسيراً من الكفار فإنه يخير، أي الإمام، وهذا التخيير ليس على التشهي ولكن بناء على ما تكون فيه المصلحة، نقول: أنت أيها الإمام مخير في هذا الأسير الرجل البالغ المقاتل، فإن شئت أن تقتله فعلت، قال الله جل وعلا: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5].

    وجاء في مراسيل أبي داود : (أن النبي عليه الصلاة والسلام قتل يوم بدر ثلاثة صبراً)، يعني: من الأسرى.

    وإن شاء أن يسترق فيقول: أنت رقيق.

    وإن شاء فليمكن، وهو أن يطلقه مجاناً.

    وإن شاء فداه بمال فيقول: ادفع كذا وكذا لنطلق سراحك ونفك أسرك.

    أو يفديه بأسير مسلم، فيقول: أطلقوا لنا أسيرنا فلاناً ونطلق أسيركم.

    قال الله جل وعلا: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد:4].

    إذاً: يخير الإمام بين هذه الأمور إذا أسر الرجل البالغ، فإن شاء أن يقتله، وإن شاء أن يسترقه، وإن شاء أن يطلقه مجاناً، وإن شاء أن يأخذ على إطلاقه ثمناً، وإن شاء أن يطلقه بأسير من أسرى المسلمين أو أكثر.

    قال: [ ويجب عليه فعل الأصلح ].

    يعني: يفعل الإمام الأصلح لأنه ناظر على المسلمين، فيفعل ما هو الأصلح من الأمور المذكورة.

    [ ولا يصح بيع مسترق منهم لكافر ].

    يعني: إذا أخذنا أسيراً منهم فجعلناه رقيقاً فليس لنا أن نبيعه لكافر، لأن من المقاصد الشرعية في استرقاقه أن نعرض الإسلام عليه، لعله يهتدي ويدخل في الإسلام إذا جالس أهل الإسلام وعمل عندهم وخدمهم، فيرى أخلاقهم ويدخل في الإسلام، فإذا بعناه للكافر فاتت هذه المصلحة، ولذا فإن هذا الرقيق لا يباع لكافر.

    أسباب الحكم بإسلام أطفال الكفار

    قال: [ ويحكم بإسلام من لم يبلغ من أولاد الكفار عند وجود أحد ثلاثة أسباب، أحدها: أن يسلم أحد أبويه خاصة ].

    يعني: نحكم أن هذا الصبي الذي أسرناه واسترققناه نحكم بأنه مسلم بأمور: إما أن يسلم أحد أبويه خاصة، فإذا أسلم أحد أبويه تبع الصبي هذا الأب المسلم، سواء كانت الأم أو الأب، ومعنى هذا أنه لا يشترط أن يسلم أبواه جميعاً.

    [ الثاني أن يعدم أحد أبويه بدارنا ].

    إذا زنا أحد الأبوين فقتل بزناه، فإنا نحكم بأن ابنه مسلم أو بأن ابنته مسلمة، وذلك لأنه إنما يلحق بأبويه جميعاً، وحيث عدم أحد الأبوين فإنا نحكم بإسلامه لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه)، وعلى ذلك فنحكم بأنه مسلم إذا عدم أحد أبويه بدارنا، لأنه قد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عن أحدهما.

    [ الثالث: أن يسبيه مسلم منفرداً عن أحد أبويه ].

    فإذا سباه مسلم وكان منفرداً عن أحد أبويه، فإنه يحكم بإسلامه بإجماع العلماء.

    [ فإن سباه ذمي فعلى دينه ].

    والذمي هو الذي يعيش في بلادنا وتجري عليه أحكامنا من اليهود والنصارى، فإذا قاتل معنا هذا اليهودي وسباه فإنا نحكم بأنه ذمي مثله، يعني: نجعل له دين هذا الذي سباه.

    [ أو سبي مع أبويه فعلى دينهما ].

    إذا سبي مع الأبوين جميعاً فهو على دينهما، للحديث المتقدم الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه).

    1.   

    تقسيم الغنائم

    حكم السلب

    قال: [ فصل: ومن قتل قتيلاً في حالة الحرب فله سلبه ].

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من قتل رجلاً فله سلبه)، رواه أحمد وأبو داود ، وهو حديث صحيح.

    الذي يقتل الرجل في الحرب له سلبه، ولا يكون سلب هذا الرجل القتيل الكافر غنيمة للجميع، بل يكون لهذا الذي قتله، وما هو سلبه؟

    قال: [ وهو ما عليه من ثياب ]، هذا الرجل قتل كافراً وعلى هذا الكافر ثياب، فهذه الثياب تكون لقاتله.

    [ وحلي ]، أي: عليه حلي كخاتم من فضة، أو عليه سوار من ذهب فيكون هذا الحلي لمن قتله.

    [ وسلاح ]، فسيفه ودرعه لهذا الذي قتله.

    [ وكذا دابته التي قاتل عليها وما عليها ]، أي: ما على هذه الدابة من سرج ونحوه، يكون لهذا الذي قتله؛ للحديث المتقدم.

    [ وأما نفقته ]، أي: هذا الكافر المقتول معه كيس فيه دراهم ينفق على نفسه منه، فهذه النفقة تكون غنيمة ولا تكون سلباً، [ ورحله وخيمته ] أي: الخيمة وما فيها، [ وجنيبه ] يعني الفرس الذي جعله مع فرسه احتياطاً ليركبه إذا احتاج إليه، [ فغنيمة ]؛ لأن هذا كسائر المال الذي يغنم، فلا يدخل هذا في السلب، بل السلب هو ما على المقتول من حلي وثياب وما يركبه من دابة، وأما لو كانت هناك دابة أخرى قد أخذها بيده يركبها إذا عطبت هذه أو هلكت فإنها لا تدخل في السلب.

    كيفية تخميس الغنائم

    قال: [ وتقسم الغنيمة بين الغانمين فيعطى لهم أربعة أخماسها ].

    قال الله جل وعلا: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال:41] يعني والباقي للغانمين، وجاء في البيهقي بإسناد صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الخمس لله والباقي للجيش).

    إذاً: الغنيمة وهي المال الذي يجمع بعد الحرب من الإبل والغنم والخيام والذهب والفضة يكون أربعة أخماسه للغانمين، وخمس لله ولرسوله.

    وكيف تقسم على الغانمين؟

    قال: [ للراجل سهم واحد ]، يعني: نعد الرجالة ونعد الفرسان ونقسم هذا كالإرث على أسهم، فنعطي الراجل الذي يقاتل على قدميه أو يقاتل على الإبل ونحوها، سهماً واحداً.

    قال: [ وللغازي على فرس هجين سهمان ]، سهم له وسهم لفرسه، والهجين هو غير العربي.

    قال: [ وعلى فرس عربي ثلاثة ]؛ لأن العربي أشد نكاية.

    وقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام: (قسم يوم خيبر للراجل سهماً والفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه).

    وجاء في مراسيل أبي داود وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى على الفرس الهجين سهمين، سهماً للراجل وسهماً للفرس).

    إذاً إذا كان يركب فرساً هجيناً فله سهم ولفرسه سهم، وإذا كان يركب فرساً عربياً فله سهم وللفرس سهمان، ويقوم في هذا الوقت مقام الفرس الدبابات والطيارات، هذا إذا كانت لهذا الراكب، وأما إذا كانت لبيت المال فإن له سهماً كغيره، لأن الفرس هنا يملكه هذا الفارس، أما الدبابة والطيارة فالأصل أنها تكون لبيت المال.

    قال: [ ولا يسهم لغير الخيل ]، أي: كالإبل.

    شروط من يسهم له من الغنيمة

    ولما أتينا للغانمين وجدنا أن فيهم النساء والصبيان والعبيد والأحرار، فيقول المؤلف هنا: [ ولا يسهم إلا لمن فيه أربعة شروط: البلوغ والعقل والحرية والذكورة، فإن اختل شرط رضخ لهم ولم يسهم ].

    فالمرأة لا تعطى سهماً، وإنما يرضخ لها، يعني تعطى شيئاً من الغنيمة أقل من السهم يقدره الإمام، وكذلك الصبي الذي يقاتل ويغنم مع المسلمين لا يعطى سهماً، وإنما يرضخ له كما جاءت بذلك الآثار.

    كيفية تقسيم خمس الغنيمة

    قال: [ ويقسم الخمس الباقي خمسة أسهم ]، قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41].

    ولذا قال: [ سهم لله ولرسوله يصرف مصرف الفيء ]، يعني: في المصالح.

    إذاً: الخمس الباقي من الغنيمة يقسم إلى خمسة أسهم، سهم يكون في بيت المال يصرف في بناء المساجد وفي غيرها من المصالح.

    قال: [ وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا للذكر مثل حظ الأنثيين ]، إذاً: هذا السهم لذوي القرابة، أي: قرابة النبي عليه الصلاة والسلام.

    [ وسهم لفقراء اليتامى، وهم من لا أب له ولم يبلغ ] أي: ليس كل يتيم يعطى، بل الذي يعطى هو اليتيم الفقير، واليتيم هو الذي لا أب له ولم يبلغ، [ وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل ].

    إذاً: يقسم على هذه الأسهم الخمسة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اختاروا أن هذا الخمس يصرف منه لذوي القربى والباقي يصرفه الإمام فيما يراه من المصالح.

    قالوا: لأنه لم ينقل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقسم هذه القسمة المذكورة هنا، وإنما يؤخذ لذوي القربى من بني المطلب وبني هاشم نصيبهم، والباقي يصرفه في المصالح، فيصرفه للفقراء والمساكين واليتامى وغيرهم من غير تحديد، يعني: فلا يلزم الإمام بأن يعطي اليتامى مثلاً سهمهم، بل لو رأى أنه يصرف الباقي في المساكين فقط أو كذلك أبناء السبيل فإن له ذلك، كالزكاة لو صرفت في سهم واحد من الأسهم الثمانية أجزأ ذلك، وهذا أقوى.

    1.   

    أحكام الفيء

    تعريف الفيء وذكر موارده

    قال: [ فصل: والفيء هو ما أخذ من مال الكفار بحق من غير قتال ].

    هذا يسمى بالفيء، والفيء: هو الذي يؤخذ من مال الكفار (بحق) لا بظلم، (من غير قتال)، لأن الذي يكون بقتال هو الغنيمة، فإن كان بغير قتال فهو فيء.

    قال: [ كالجزية ]، الجزية تؤخذ من أهل الكتاب يحددها الإمام بما يراه.

    [ والخراج ]، الخراج الذي يؤخذ على أراضي الشام ومصر والعراق -أرض السواد- من كان بيده شيء من هذه الأراضي يؤخذ منه خراج سنوي، ويحدده الإمام.

    [ وعشر التجارة من الحربي ]، الحربي إذا أراد أن يدخل تجارة إلى بلادنا نأخذ منه العشر.

    [ ونصف العشر من الذمي ]، الذمي الذي يعيش في بلادنا إذا أراد أن يدخل تجارة نأخذ منه نصف العشر، يعني: خمسة بالمائة.

    [ وما تركوه فزعاً ]، قال تعالى: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ... [الحشر:6].

    إذا أقبل المسلمون إليهم ففزعوا وتركوا بلادهم فأخذها المسلمون غنيمة بلا قتال، فإن هذا يكون فيئاً.

    قال: [ أو عن ميت ولا وارث له ]، يعني: مات من الكفار ميت في بلادنا وليس له وارث، فهذا المال يكون فيئاً.

    مصارف الفيء

    قال: [ ومصرفه في مصالح المسلمين ].

    إذاً: الخراج، والجزية، والعشر الذي يؤخذ من التاجر الحربي، ونصف العشر الذي يؤخذ من الذمي، وما تركه ميت لا وارث له، وما تركوه فزعاً؛ هذا كله يكون فيئاً، يصرف في مصالح المسلمين.

    قال: [ ويبدأ بالأهم فالأهم ]، يعني: يبدأ الإمام بالأهم فالأهم [ من سد ثغر وكفاية أهله ]، أي: يضعه في الثغور وكفاية أهل الثغور الذين يقومون على حفظ حدود المسلمين، [ وحاجة من يدفع عن المسلمين، وعمارة القناطر ]، وإصلاح الطرق، [ ورزق القضاة ]، أي: الرواتب التي تدفع للقضاة، [ والفقهاء وغير ذلك ]، كعمارة المساجد وأرزاق الأئمة والمؤذنين وغير ذلك.

    [ فإن فضل شيء ]، أي: إذا وزع الإمام ما في بيت المال على المصالح، ففضل عنده شيء [ قسم بين أحرار المسلمين ]، لأن العبد لا مال له، بل ماله لسيده، وعلى ذلك فيعطى للأحرار المسلمين الذكور والإناث، [ غنيهم وفقيرهم ]؛ لأنه بيت مالهم.

    1.   

    من يملك بيت المال

    [ وبيت المال ملك للمسلمين ]، أي: هذا البيت الذي هو بيت المال ملك للمسلمين، لأنه لمصالحهم.

    [ ويضمنه متلفه ]، أي: من أتلف شيئاً في بيت المال فإنه يضمن كغيره من المتلفات، لأنه ملك للمسلمين، فلو أن الرجل أتلف شيئاً من مال المسلمين، كأن أتلف مدرسة أو أتلف بناية حكومية أو غير ذلك فإن عليه الضمان كسائر المتلفات.

    [ ويحرم الأخذ منه بلا إذن الإمام ].

    يعني: ليس لأحد أن يقول: هذا بيت المال، ويأخذ منه، لأن هذا بيت مال للجميع وليس لآحادهم، فليس لأحد أن يأخذ إلا بإذن الإمام، فإن أذن له الإمام أخذ وإلا فإنه لا يجوز له الأخذ؛ لأنه إذا أخذ بلا إذنه فقد افتات عليه.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.