إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحج [10]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العقيقة سنة في حق المولود تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه فضة، ويشترط فيها ما يشترط في الأضحية إلا أن البدنة أو البقرة لا تجزئ إلا كاملة.

    1.   

    حكم العقيقة

    سنية العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل في العقيقة ].

    والعقيقة: من العق وهو القطع؛ لأن الذبيحة عند ذبحها تقطع أوداجها، فسميت عقيقة لذلك.

    وهذا الاسم الأولى ألا يداوم عليه، بل يسمي به أحياناً من غير مداومة، ولذا جاء في سنن أبي داود والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن العقيقة فقال: (إن الله لا يحب العقوق) كأنه كره الاسم عليه الصلاة والسلام.

    وقال: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك له فلينسك عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)، وعلى ذلك فإن سماها بالعقيقة لم يكره ذلك على الإطلاق، إنما يكره أن يداوم على ذلك حتى يكون هذا هو الاسم الغالب، وإنما تسمى نسيكة، أو تميمة كما يسميها بعض الناس، يعني: بها أخلاق الولد.

    قال: [ وهي سنة ] هذا هو مذهب الجمهور، وهو الراجح.

    وهي -أي: العقيقة أو النسيكة- سنة مؤكدة، هذا هو قول الجمهور وهو الصواب، ويدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك له) قال: (فأحب) فأرجأ الأمر إلى إرادة المكلف، فدل على أنها سنة مؤكدة.

    وقد جاء عند الخمسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه).

    (كل غلام رهينة بعقيقته) أي: مرتهن بالعقيقة محبوس عليها، وذلك لتأكيدها.

    فهي مؤكدة، فكما أن الرهن يحبس عند المرتهن حتى يؤدي الراهن الحق الذي في ذمته، فهي كذلك، بمعنى أنها مؤكدة، وهذا لا يدل على الوجوب، وقد قال عطاء : إن معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (مرتهن بعقيقة) يعني: لا يشفع لوالديه حتى يعق عنه، وقاله الإمام أحمد ، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: وفي ذلك نظر لا يخفى. وهو كما قال، لأن الولد قد جاءت الأدلة بأنه يشفع لوالديه، وكونه لا يعق عنه مع كونها سنة لا يقتضي أن لا يشفع له، فهي سنة كما تقدم، لكن تكمل بها أخلاق هذا الصبي وتتم، وهي مؤكدة كتأكد الرهن الذي يحفظ به المرتهن حقه عند راهنه.

    من يعق عن المولود

    قال: [ في حق الأب ] الأب هو الذي يعق عن ولده، فيعق الأب أو وكيله.

    والقول الثاني في المسألة أن لكل أحد أن يعق عنه ولو لم يكن أباً له، فالخال مثلاً له أن يعق، وهذا قول طائفة، وممن قال به الشوكاني رحمه الله، وهذا أقرب للأدلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه) تذبح عنه على البناء للمجهول، ولم يعين النبي عليه الصلاة والسلام الأب أو غيره.

    وقد جاء في النسائي وغيره (أن النبي عليه الصلاة والسلام عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين)، ولم يكن أباً لهما عليه الصلاة والسلام فإن أباهما علي رضي الله عنه، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

    فالمقصود من ذلك أن الأم إذا ذبحت هذه العقيقة أجزأ، وكذلك الخال والعم والأخ الأكبر..، وإذا عق عن نفسه إذا كبر فلا بأس.

    أما ما رواه الطبراني : (أن النبي عليه الصلاة والسلام عق عن نفسه) فلا يصح، فإذا عق عن نفسه فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل غلام مرتهن بعقيقته) ومن ذبحها عنه أجزأت ولو كان هو الذابح، هذا هو ظاهر الحديث.

    قال: [ ولو معسراً ] أي أنها في حق الأب ولو معسراً، وعلى ذلك فالأفضل له إن كان معسراً أن يقترض إن كان يقدر على الوفاء، ولا يترك هذه السنة المؤكدة.

    ما يجزئ عن الغلام وعن الجارية

    [ فعن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ] للحديث المتقدم، وقد جاء في النسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة) ولو أنه عق عن الصبي بشاة واحدة أجزأ ذلك، لكن الأفضل أن يعق عنه باثنتين.

    البدنة والبقرة لا تجزئ عن سبعة في العقيقة

    قال: [ ولا تجزئ بدنة وبقرة إلا كاملة ] تقدم في الهدي أن البقرة تجزئ عن سبعة، وأن الأضحية إن كانت بدنة أو بقرة تجزئ عن سبعة؛ لحديث جابر في صحيح مسلم ، أما هنا فقال الحنابلة: لا تجزئ البدنة والبقرة في العقيقة إلا كاملة، يعني: لو أن رجلاً عنده سبع بنات مثلاً، فقال: أريد أن أذبح بقرة أو أن أذبح ناقة تامة لها خمس سنين؛ فالمذهب أنه لا يجزئه ذلك.

    ويشترط في العقيقة من جهة السن والإجزاء ما يشترط في الأضحية، فلا يجزئه أن يذبح أقل من جذع في الضأن ولا أقل من مسن في المعز، ولا أقل من سنتين في البقر، ولا أقل من خمس سنين في الإبل، ولا أن يذبح ما فيه عيب يمنع من الإجزاء في الأضحية.

    وهنا هذا الرجل قال: أريد أن أذبح بقرة عن بناتي السبع، أو اجتمع مجموعة وقالوا: نذبح ناقة أو نذبح بقرة تجزئ عن أولادنا، فالمذهب أنه لا يجزئه إلا كاملة، خلافاً للأضحية والهدي، قالوا: لأنها فكاك نفس والنفس بالنفس.

    وقال الجمهور: بل تجزئ البقرة عن سبعة في العقيقة، وهذا أقرب وأصح؛ وذلك لأنها تجزئ في الهدي وفي الأضحية فأجزأت في العقيقة لأن كليهما نسك، ولذا قال: (فأحب أن ينسك)، فالجميع نسك، وعلى ذلك فالراجح أنها تجزئ.

    1.   

    وقت ذبح العقيقة

    قال: [ والسنة ذبحها في سابع يوم ولادته ] للحديث المتقدم الذي رواه الخمسة: (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه)، هذا هو الأفضل، وكيف نحسب؟

    إذا ولد يوم الجمعة ضحى أو بعد الفجر أو بعد أذان العصر أو بعد أذان المغرب أو في أي وقت في النهار فإنا نحسب الجمعة اليوم الأول، وعلى ذلك فتذبح يوم الخميس، وإن ولد ليلة السبت، أي: بعد أذان المغرب أو قبل أذان الفجر فلا نحسب يوم الجمعة وإنما نحسب يوم السبت؛ لأن النهار يتبع الليل، وعلى ذلك تذبح يوم الجمعة، هذا هو الأفضل، ولو ذبحت في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث أجزأ ذلك.

    قال: [ فإن فات ففي أربع عشرة، فإن فات ففي إحدى وعشرين ]، وقد صح ذلك عن عائشة رضي الله عنها -وله حكم الرفع- كما في مستدرك الحاكم أنها قالت: (بل السنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة تذبح جدولاً)، يعني: أعضاءً، فتفرد اليد وتفرد الرجل ويفرد الظهر، ولا تكسر العظام؛ تفاؤلاً بسلامة المولود.

    قالت: (لا يكسر لها عظم، تذبح يوم سابعه، فإن لم يكن ففي الرابع عشر، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين).

    إذاً: يستحب أن يذبح في اليوم السابع، فإن فات ففي اليوم الرابع عشر، فإن فات ففي اليوم الواحد والعشرين، وفي أي يوم يذبح تجزئ.

    م قال: [ ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك ]، أي: يذبح متى شاء بعد ذلك ولا حد لآخره، لو ذبح وابنه ابن سبع سنين أو ابن خمس عشرة أو بعد البلوغ أجزأ ذلك، لكن المستحب كما تقدم أن تذبح يوم سابعه.

    ويستحب أن يسمى في اليوم السابع أو يوم ولادته، فاليوم السابع كما تقدم في الحديث السابق: (ويسمى فيه)، ويوم ولادته لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في الصحيحين: (ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم) والحديث متفق عليه، (سمى النبي عليه الصلاة والسلام المنذر بن الأسود يوم ولادته) كما في الصحيحين.

    1.   

    حكم لطخ رأس المولود بدم النسيكة

    [ وكره لطخه من دمها ] وكان هذا من فعل الجاهلية، فقد كانوا يذبحون الشاة ويأخذون من دمها ويلطخون به رأسه بعد أن يحلقوا شعره، كما جاء هذا في أبي داود عن بريدة ، قال: (كنا في الجاهلية نذبح الشاة ونحلق رأس الغلام ونلطخ من دمها برأسه، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة ونحلق رأسه ونلطخه بالزعفران).

    1.   

    ما يسن عند ولادة المولود

    قال: [ ويسن الأذان في أذن المولود اليمنى ] جاء هذا في الترمذي ومسند أحمد (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ولدت فاطمة الحسن أذن في أذنه اليمنى)، والعمل عليه عند أهل العلم.

    قال: [ والإقامة في اليسرى ] جاء هذا عند ابن السني ، لكن الحديث ضعيف جداً لا يصح، وعلى ذلك فالمستحب أن يؤذن في أذنه اليمنى فقط.

    قال: [ وسن أن يحلق رأسه في اليوم السابع ]، وهذا في الغلام فقط لا في الجارية، ولذا تقدم أن الأحاديث في الغلام: (كل غلام مرتهن) إلى أن قال: (يحلق رأسه)، ولحديث بريدة المتقدم، وهذا هو المذهب، وأن الحلق لا يشرع في الجارية وإنما هو في الغلام، ولكن إن كان في رأسه بعض المرض كأن يكون فيه بثور أو نحو ذلك تركه ولم يحلقه لئلا يلحقه ضرر.

    قال: [ ويتصدق بوزنه فضة ويسمى فيه ] أي: يؤخذ هذا الشعر ويوزن ويتصدق بوزنه فضة، وهذا يقرب من مائة ريال، وعلى ذلك فلو قدر ذلك تقديراً ولم يزنه فالأمر واسع.

    1.   

    ما يستحب من الأسماء وما يكره

    قال: [ وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ]، جاء هذا في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها كعب ومرة) .

    قال: [ وتحرم التسمية بعبد غير الله كعبد النبي وعبد المسيح ] لأن هذا من باب التعبيد لغير الله، فلا يجوز أن تسميه بعبد فلان، وإنما يسمى بعبد الله أو عبد الرحمن، ويجب أن يغير الاسم الذي فيه تعبيد لغير الله كعبد النبي أو عبد محمد أو عبد الحسين أو عبد الحسن.

    قال: [ وتكره بحرب ] للحديث المتقدم؛ لأن العرب كانوا يختارون الأسماء التي فيها شدة لما كانوا عليه من أمور الحرب وغيرها، فكانوا يختارون الأسماء التي تهيب الأعداء منهم، فكان العرب يختارون الأسماء التي فيها شيء من الصعوبة وتدل على القوة والجلافة والشدة، فكره النبي عليه الصلاة والسلام ذلك.

    قال: [ ويسار ومبارك ومفلح وخير وسرور ] هذه الأسماء إنما كرهت لأنه قد يقول الرجل لأهل بيته: هل مبارك موجود، هل يسار موجود، هل نجيح موجود، هل نجاح موجودة؟ فيقال له: لا، فيكون في ذلك نوع من التشاؤم، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : (لا تسم غلامك يساراً ولا نجيحاً ولا رباحاً ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ -يعني: هل هو موجود- فيقال: لا).

    كذلك الأسماء التي فيها نوع تزكية للنفس: تقوى.. هدى.. ونحو ذلك، فهذه الأسماء فيها نوع كراهة، لكن هذا لا يقتضي أن يشدد على الناس في المنع منها، ولا أن تغير هذه الأسماء، لكن الأولى والأكمل أن يسمى بغيرها.

    قال: [ ولا بأس باسم الملائكة والأنبياء ] ولذا تقدم لكم الحديث الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم)، وهذا من باب التفاؤل، فيسمى بهذه الأسماء لعله أن يناله شيء مما كان عليه أصحاب هذه الأسماء من الخير والدين.

    1.   

    حكم ما إذا اتفقت عقيقة وأضحية

    قال: [ وإن اتفق وقت عقيقة وأضحية أجزأت إحداهما عن الأخرى ]، إذا وافقت العقيقة وقت أضحية فنوى بالذبيحة أنها أضحية وعقيقة أجزأ ذلك، هذا هو المذهب، قالوا: كما أن سنة الفجر تجزئ عن سنة الفجر وعن تحية المسجد.

    والقول الثاني في المسألة وهو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد أنها لا تجزئ، وذلك لأن هذه لها مقصود تختص به وهذه لها مقصود تختص به، فالعقيقة شرعت لتتميم أخلاق المولود، والأضحية شرعت يوم النحر تقرباً إلى الله جل وعلا، فالذي يترجح أنها لا تجزئ.

    والأضحية والعقيقة -كما تقدم في الأضحية- تقسم أثلاثاً، ولذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (يأكل ويطعم ويتصدق). كما في الحاكم .

    فإن أحب وزعها لحماً، وإن أحب وزعها مطبوخة، وإن أحب دعا الناس لها؛ لكنه يتصدق بالشيء ولو يسيراً من لحمها فلا بأس بذلك كما تقدم في الأضحية.

    وبهذا ننتهي من المقرر، نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.