إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحج [8]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يحرم المرء بالحج أو العمرة ثم يمنعه مانع فيصده عن الحج حتى يفوته الوقوف بعرفة، وقد يحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة ويكون قد رمى وحلق وقد يكون ذلك قبل الرمي والحلق، فهذه أحوال يحتاج المسلم إلى معرفة أحكامها وما يترتب عليها.

    1.   

    أحكام الفوات والإحصار

    حكم من فاته الحج بطلوع فجر يوم النحر بالإحصار

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الفوات والإحصار ].

    الفوات: من فات الشيء إذا سبق.

    وأما الإحصار فهو في اللغة المنع.

    والفوات في اصطلاح الفقهاء هو فوات الوقوف بعرفة.

    وأما الإحصار فهو منع المحرم من إتمام نسكه.

    قال: [ من طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة لعذر حصر أو غيره فاته الحج، وانقلب إحرامه عمرة ].

    قال عليه الصلاة والسلام فيما روى الخمسة بإسناد صحيح: (الحج عرفة، فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك)، يعني: أدرك الحج.

    وهذا الحديث فيه أن من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، فإذا لم يقف بعرفة وفاته الوقوف بعرفة بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف فإنه يقلب إحرامه عمرة كما قال المؤلف.

    هو قد نوى الحج قارناً أو مفرداً، فيقلب الحج إلى عمرة، لكن لو جاء في يوم عرفة أو بعد غروب الشمس من يوم عرفة ليلة النحر، أو في منتصف الليل أو بعد نصف الليل أو قبل الفجر بيسير فأدرك الوقوف بعرفة فقد أدرك الحج.

    إذاً: هنا قد فاته الوقوف فلم يدركه، فيكون الحج قد فاته، مثال هذا: رجل أحرم من ميقات ذي الحليفة، وفي الطريق حصل عطل في سيارته أو ضاعت نفقته أو تأخر بسبب زحام شديد أو حصل له حادث، أو نحو ذلك، فوصل مكة وقد طلع الفجر من يوم النحر فاته الحج.

    ولو وصل يوم عرفة بعد المغرب بيسير مثلاً أو بعد العشاء أو قبل الفجر بحيث يدرك الوقوف بعرفة فإنه يدرك بذلك الحج، لكنه إذا لم يصل إلا وقد فاته الوقوف بعرفة فيقلب حجه عمرة.

    يقول أيضاً: [ولا تجزئ عن عمرة الإسلام] أي: هذه العمرة، فهي عمرة تحلل، هذا هو المذهب، وفي الإنصاف: وقيل تجزئ. وهذا أصح؛ لأنها عمرة ذات طواف وسعي وتقصير فأجزأت عن عمرة الإسلام، فالذي يترجح أنها تجزئه عن عمرة الإسلام.

    لكن المذهب أنها لا تجزئه عن عمرة الإسلام، فإذا كان لم يعتمر من قبل فعليه أن يعتمر مرة أخرى، لأن هذه العمرة إنما هي عمرة تحلل.

    قال: [ فيتحلل بها، وعليه دم، والقضاء في العام القابل ].

    إذاً: يقلب حجه إلى عمرة، ويهدي، ويحج عاماً قابلاً، هذا هو المذهب، ويدل عليه ما ثبت في موطأ مالك عن عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح أنه رضي الله عنه أمر من فاته الوقوف بعرفة أن يقلب حجه عمرة، وأن يهدي وأن يحج من العام القابل، وهذا الأثر عن عمر رضي الله عنه لا يعلم له مخالف، فهو حجة، بل قد اشتهر، وقول الصحابي إذا اشتهر ولم يعلم له مخالف فهو إجماع سكوتي.

    حكم من صد عن الوقوف فتحلل قبل فواته

    قال: [ لكن لو صد عن الوقوف فتحلل قبل فواته فلا قضاء ]، أي: إذا صده عدو عن الوقوف بعرفة فتحلل قبل فواته، كأن تحلل في اليوم الثامن أو التاسع، حيث غلب على ظنه أن هذا العدو داخل مكة، أو في الطريق وهو في بلده أو نحو ذلك وغلب على ظنه أنه يفوته الوقوف بعرفة فتحلل، فهذا لا يجب عليه القضاء، وإنما يهدي، قال الله جل وعلا: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].

    حكم من حصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة

    قال: [ ومن حصر عن البيت ولو بعد الوقوف ذبح هدياً بنية التحلل ].

    يعني: منعه عن البيت عدو ولو بعد وقوفه بعرفة، لكنه لم يرم ويحلق ذبح بنية التحلل.

    وتقدم أن التحلل الأول يحصل بنسكين من ثلاثة، وفي حق المتمتع بنسكين من أربعة، وكذلك القارن والمفرد إذا لم يسع عند قدومه، فهذا وقف بعرفة، فيكون قد أدرك الحج، لكنه حصر عن البيت ومنع من دخوله لإتمام نسكه، فما هو الواجب عليه؟

    قال: (ذبح هدياً بنية التحلل) أي وحل بذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].

    ويحلق رأسه أيضاً، وقد جاء في صحيح البخاري : (أن النبي عليه الصلاة والسلام نحر هديه قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وأمر أصحابه بذلك)، وعلى ذلك فيهدي ويحلق، وهذا أحد القولين في المذهب، وهو الراجح من جهة الدليل خلافاً للمشهور في المذهب.

    فالمشهور في المذهب أنه لا يحلق رأسه، والذي في الإقناع أنه يحلق، وهو أحد القولين في المذهب وهو أصح.

    قال: [ فإن لم يجد صام عشرة أيام بالنية وقد حل ] إذا لم يجد هدياً فالواجب عليه أن يصوم عشرة أيام، قالوا: قياساً على الهدي، وتقدم أن الراجح في هذه المسألة أنه لا يجب عليه الصيام، بل إذا لم يجد هدياً فلا شيء عليه، وذلك لأن قياس دم الإحصار على دم الهدي قياس مع الفارق، فإن دم الإحصار دم يذبح لترك النسك والتحلل منه، ودم الهدي دم يذبح لكمال النسك وتمامه وتحصيله، فهذا قياس مع الفارق.

    فالقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية كما تقدم أنه لا يجب عليه الصيام، بل إذا لم يجد هدياً تحلل، ولأن في تكليفه أن ينتظر عشرة أيام حتى يتحلل مشقة.

    حكم من حصر عن طواف الإفاضة وقد رمى وحلق

    قال: [ ومن حصر عن طواف الإفاضة وقد رمى وحلق ].

    في المسألة السابقة وقف بعرفة لكنه لم يتحلل، إذاً: فإحرامه تام وكل محظورات الإحرام لا تحل له، لأن من وقف بعرفة ولم يرم ولم يحلق لم يتحلل شيئاً من الحل، وعلى ذلك فإنه يذبح هدياً ويحل.

    أما هنا فإنه قد رمى وحلق وأصبحت جميع المحظورات حلاً له سوى النساء، فلا تحل له النساء وطئاً ومباشرة وقبلة ومساً، أما سائر المحظورات فإنها تحل له حتى يطوف ويسعى إذا كان متمتعاً ويحل الحل كله.

    فهذا الرجل أحصر عن طواف الإفاضة، يعني أنه وقف بعرفة ثم ذهب إلى منى فرمى الجمرة وحلق ولبس ثيابه وتطيب وأراد أن يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة فمنع وأحصر، فما الحكم؟

    قال: [لم يتحلل حتى يطوف]، وعلى ذلك يبقى على هذه الحال حتى يطوف. وما الفرق بين المسألتين؟ قالوا: الذي جاء به الشرع هو المسألة الأولى، وهي التحلل بالهدي من نسك إحرامه تام، وأما هذا فإن إحرامه ليس بتام، لأنه لا يحرم عليه إلا النساء، وعلى ذلك فيبقى عمره محرماً حتى يطوف في البيت، وعلى هذا سيكون كمسألة الحائض إذا حاضت قبل طواف الإفاضة ولم ينتظرها أهلها، فإنها ترجع وتبقى محرمة يحرم عليها ما يتعلق بالوطء ومقدماته فقط، وأما سائر المحظورات فإنها تحل لها حتى تطوف بالبيت، هذا هو المذهب.

    والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية قالوا: بل يهدي ويحل؛ لعموم قوله جل وعلا: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ومثله الحائض عندهم، وعلى ذلك يحل لكنه يتم نسكه بعد ذلك فمتى قدر أتم هذا النسك الذي بقي شيء من أركانه.

    1.   

    حكم الاشتراط في الحج

    قال: [ ومن شرط في ابتداء إحرامه: إن محلي حيث حبستني، أو قال: إن مرضت أو عجزت أو ذهبت نفقتي فلي أن أحل؛ كان له أن يتحلل متى شاء من غير شيء، ولا قضاء عليه ] تقدم شرح هذا بحديث ضباعة بنت الزبير ، أنها كانت شاكية فذكرت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيت) وهذه الزيادة في النسائي كما تقدم، والحديث أصله في الصحيحين سوى هذه الزيادة: (فإن لك على ربك ما استثنيت) وتقدم أن الراجح أن هذا الشرط إنما يصح من الخائف.

    إذاً: يقول المؤلف رحمه الله هنا أن من شرط في ابتداء إحرامه أن محله حيث حبس، فإنه يتحلل، كذلك إذا أتى بعبارة أخرى كقوله: إن مرضت أو عجزت أو نحو ذلك.

    واعلم أن أصح قولي العلماء خلافاً للمشهور في المذهب، وهو اختيار ابن القيم رحمه الله وطائفة من أهل العلم أن عدم إتمام المحرم نسكه بمانع آخر غير العدو له حكم المنع بالعدو، كضياع نفقة أو مرض أو نحو ذلك، وهذا هو الصحيح، وهذا يدخل في عموم قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، بل إن الإحصار في اللغة إنما يكون لمرض ونحوه.

    وعلى ذلك فنقول: إذا أحصر بذهاب نفقة أو بمرض أو نحو ذلك فهو كالذي يحصره العدو، ويدل على ذلك ما ثبت عند الخمسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من كسر أو عرج فليحل، وعليه الحج من قابل).

    وعلى ذلك فالراجح أن منع من إتمام نسكه بسبب آخر هو عذر من مرض أو ذهاب نفقة أو نحو ذلك من الأعذار فهو كالذي يمنع بالعدو، هذا هو القول الراجح خلافاً للمشهور في المذهب.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.