إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحج [5]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا دخل المحرم في الإحرام أو دخل المرء حرم مكة حرم عليه الصيد، ووجب فيه الجزاء، فما كان من الصيد مثلياً ففيه المثل يحكم به ذوا عدل هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياماً، وكذلك يحرم قطع شجر الحرم مما لا يستنبته الآدميون، ويضمن الصغير بشاة وما فوقه ببدنة.

    1.   

    جزاء الصيد

    جزاء الصيد الذي له مثل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في جزاء الصيد].

    تقدم في درس سابق أن من محظورات الإحرام: قتل الصيد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95] ، وعلى ذلك فالواجب على من قتل صيداً الجزاء، والجزاء إن حكم به النبي عليه الصلاة والسلام وجب القول به، كما حكم النبي عليه الصلاة والسلام في الضبع كبش، كما في أبي داود ، وإن قضى به صحابي أخذنا به؛ لأن أقوال الصحابة حجة في الأحكام إذا لم يخالفوا، فإن لم يكن فيه حكم صحابي رجعنا إلى قول عدلين خبيرين لا يشترط أن يكونا فقيهين، بل الشرط أن يكونا خبيرين عدلين، قال الله جل وعلا: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95].

    فنقول لهذين الخبيرين: إن هذا قد قتل هذا الصيد -سواء كان من الدواب التي تدب على الأرض أو كان مما يطير في الهواء- ونقول له: حدد لنا ما الذي يماثله من بهيمة الأنعام من الإبل أو البقر أو الغنم، ولا يشترط أن يكون هذا الذي يماثل مما يجزئ في الأضحية، بل لو كان صغيراً فنسأله عن الذي يشبهه ويماثله في الصورة وفي الخلقة، ثم بعد ذلك يذبح هذا ويكون هدياً بالغ الكعبة يتصدق بلحمه على فقراء الحرم.

    قال: [والصيد الذي له مثل من النعم كالنعامة وفيها بدنة] قضى بذلك عدد من الصحابة، وعلى ذلك فمن صاد نعامة فالواجب عليه أن يذبح بدنة، أي: أن يذبح ناقة أو جزوراً.

    قال: [وفي حمار الوحش وبقره بقرة].

    حمار الوحش معروف وهو ما فيه خطوط، فإن صاده فالواجب عليه بقرة، وكذلك في بقر الوحش.

    قال: [وفي الضبع كبش]، قضى به النبي عليه الصلاة والسلام، والضبع معروف.

    قال: [وفي الغزال شاة]، قضى به بعض الصحابة، فمن صاد غزالاً في أي مكان وهو محرم، أو صاده في حرم مكة ولو لم يكن محرماً، فعليه هذا الجزاء، وهو كبش.

    قال: [وفي الوبر والضب جدي له نصف سنة].

    والوبر: دويبة تشبه الهرة تصاد، ذكر المؤلف أن الواجب فيها جدي له نصف سنة يعني: ستة أشهر، كذلك الضب فيه جدي له نصف سنة، والجدي من صغار المعز له ستة أشهر، أي: التيس الذي له ستة أشهر.

    قال: [وفي اليربوع جفرة لها أربعة أشهر].

    الجفرة: السخلة التي لها أربعة أشهر، وهي تجب في جزاء اليربوع.

    واليربوع هو الذي يسميه العامة بـ(الجربوع)، وهو في هيئته قريب من الفأر مع اختلافه في بعض شكله، وهو صيد حلال.

    قال: [وفي الأرنب عناق].

    العناق أصغر من الجفرة، وقد قلنا: إن الجفرة هي السخلة التي لها أربعة أشهر، فالعناق دونها.

    قال: [وفي الحمام -وهو كل ما عب الماء كالقطا والورش والفواخت- شاة]، هذه أنواع من الطير تشبه الحمام وكلها تعب الماء عباً كما تعبه الشاة، وهذا هو وجه الشبه بينها وبين الشاة، وعب الماء هو أن تضع منقارها في الماء ثم تمص ولا ترفع رأسها وإنما تفعل كما تفعل الشاة، فالحمامة فيها شاة، وفيه أثر عن ابن عباس رضي الله عنه رواه البيهقي وغيره.

    وقال المالكية: بل إنما تجب الشاة في الحمامة إذا كانت من حمام الحرم فقط، أما لو صاد حمامة خارج الحرم وهو محرم فإن الواجب فيه القيمة؛ لأن هناك فرقاً كبيراً بين الشاة والحمامة، واستدلوا بقول ابن عباس رضي الله عنه كما في سنن البيهقي : (وفي كل ما سوى حمام الحرم القيمة إذا صاده المحرم)، وهذا هو الأظهر.

    وعلى ذلك فنقول: الحمام الذي يسكن في حدود الحرم الواجب فيه شاة، وإذا كان خارج الحرم فصاده محرم ففيه القيمة، مثاله: رجل أحرم من المدينة وفي الطريق وقف عند شجرة وصاد حمامة، فالواجب عليه القيمة، وهكذا ما ذكره من الطيور الأخرى من القطا والورشان والفواخت، وهذه أنواع من الطير تشبه الحمام.

    جزاء الصيد الذي ليس له مثل

    قال: [وما لا مثل له كالأوز إذا لم يكن له مثل والحبارى والحجل والكركي ففيه قيمته مكانه].

    الأوز والحبارى والحجل هذه أنواع من الطيور لا مثل لها، فهي لا تعب الماء عباً، فالواجب فيها القيمة في المكان الذي صيدت فيه، وهي قد تساوي في هذا المكان مائة وتساوي في غيره خمسين فالعبرة بالمكان الذي صيدت فيه.

    حكم صيد حرم مكة

    قال: [فصل: ويحرم صيد حرم مكة وحكمه حكم صيد الإحرام].

    صيد حرم مكة يعني: الذي يدخل في حدود الحرم، إذا أتيت من المدينة مثلاً فإنك إذا تجاوزت مسجد التنعيم تدخل في الحدود، وليس المقصود المسجد الحرام، بل المقصود منطقة الحرم ولها حدود معروفة، فمزدلفة من الحرم لكن عرفة ليست من الحرم.

    والكلام هنا في صيد حرم مكة، وحكمه حكم صيد الإحرام فيحرم على المحل إجماعاً، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده قال: ولا تلتقط لقطتها إلا لمن عرفها ولا يختلى خلاها) وهذا الحديث متفق عليه، وفيه: أن حرم مكة حرام لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط اللقطة فيه إلا لمن عرفها، يعني: فلا يمتلكها الملتقط بعد تعريفها سنة بل يعرفها دائماً، ولا يختلى خلاها.

    1.   

    حكم قطع شجر الحرم وما يجب فيه

    حكم قطع شجر الحرم

    قال: [ويحرم قطع شجره]، أضاف الشجرة إلى الحرم، وعلى ذلك فالشجر الذي يغرسه الآدمي له أن يقطعه ولا حرج عليه؛ لكن الشجر الذي ينبت فيه وليس من فعل الآدمي لا يجوز قطعه، لكن إن قلعه من مكان ليغرسه في مكان آخر فلا بأس، لأن هذا ليس إتلافاً.

    إذاً: الشجر الذي يضاف إلى الحرم هذا لا يجوز إتلافه إذا كان ينسب إليه، أما إذا كان غرسه من فعل الآدمي فلا حرج في قلعه.

    قال: [وحشيشه] الحشيش يعني: الأخضر، ولذا قال في الحديث: (ولا يختلى خلاها) والخلى هو العشب الأخضر، أما العشب اليابس فلا شيء في أخذه لأنه ميت لا قيمة له.

    كذلك يحرم قطع الشوك الأخضر، أما الشوك اليابس فلا شيء فيه؛ لأنه ميت لا قيمة له، وعلى ذلك فإذا أزال شيئاً من العشب اليابس أو من الشوك اليابس فلا شيء عليه.

    لو أخذ حطباً يابساً فلا بأس في ذلك أو أخذ من الحشيش اليابس الميت فلا شيء في ذلك، لكن لو أخذ من الأخضر أو اقتلع الحطب من الأرض حتى أزال أصلها فهذا عليه شيء، قال: [والمحل والمحرم في ذلك سواء]، لأن الأمر راجع إلى تحريم المكان فلا فرق بين محل ومحرم؛ لكن إن احتاج بحيث يلحقه الحرج إذا لم يقلع فلا بأس.

    هذا رجل أراد أن ينصب خيمته وهو يحتاج إلى هذا المكان ولا يستطيع أن يستغني عنه، بحيث يلحقه حرج في الاستغناء عن هذا المكان؛ لكن هذا المكان فيه شوك أخضر أو في طريقه إذا مشى أغصان من شجرة فيحتاج إلى أن يقطع بعض هذه الأغصان ولا يكفي الرفع، يقول: إذا رفعت عادت فلا حرج عليه؛ لأن هذه حاجة.

    ومثل ذلك إذا أخذ شيئاً من عشبه الأخضر للدواء، مثل السناء المكي ونحوه فهذا لا حرج عليه في ذلك.

    ما يضمن به شجر الحرم

    قال: [فيضمن الشجرة الصغيرة عرفاً بشاة وما فوقها ببقرة].

    وفي ذلك أثر عن ابن عباس رضي الله عنه؛ قال: (في الشجرة الصغيرة شاة) يعني: إذا قلع شجرة صغيرة فالواجب عليه شاة، وإذا قلع شجرة وسطى أو شجرة كبرى فعليه بقرة.

    وكيف نعرف أن هذه صغرى وأن هذه وسطى؟ هذا يرجع إلى العرف.

    قال: [ويضمن الحشيش والورق بقيمته].

    قلنا: إن الحشيش اليابس لا شيء فيه، لكن إذا أخذ الحشيش الأخضر فعليه القيمة في مكانه، فنأتي إلى أهل الخبرة ونقول: كم يساوي هذا الحشيش؟ فإذا قالوا: يساوي عشرة ريالات فعليه أن يخرجها في الحرم.

    قال: [ويجزئ عن البدنة بقرة كعكسه].

    البدنة هي الناقة، وتجزئ عنها بقرة، فمن وجبت عليه نعامة قلنا: عليه بدنة، فلو ذبح بقرة فإنها تجزئ.

    وقلنا: إنه لو صاد حماراً وحشياً كان الواجب عليه بقرة، ولو ذبح بدنة فإنها تجزئ؛ لأن البقرة تجزئ عن البدنة والبدنة تجزئ عن البقرة، ولما سئل ابن عباس رضي الله عنه عن البقرة هل تجزئ عن البدنة -كما في مسلم - قال: (وهل هي إلا من البدن)، يعني: أن البقرة من البدن.

    قال: [ويجزئ عن سبع شياه بدنة أو بقرة].

    هذا رجل ذبح سبع غزالات فالواجب عليه سبع شياه، فإذا ذبح بقرة فإنها تجزئ؛ لأن البقرة تكفي عن سبع شياه، وإذا ذبح بدنة -ناقة- تجزئ.

    المراد بالدم الواجب في الحج

    قال: [والمراد بالدم الواجب ما يجزئ في الأضحية].

    هذا إذا قلنا مثلاً: فلان عليه دم لأنه ترك الإحرام من الميقات، وكذلك الدم الواجب في الفدية، كما لو قلنا: إن فدية الأذى يخير فيها بين ثلاث: الدم ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، فالدم هنا يجب أن يكون ما يجزئ في الأضحية.

    هذا رجل ترك الإحرام من الميقات فقلنا: إن عليك دماً فذبحها سخلة أو تيساً لم يجزئه؛ لأن هذا لا يجزئ في الأضحية فلا بد أن يذبح ما يجزئ في الأضحية.

    ولذا قال: [ما يجزئ في الأضحية جذع ضأن أو ثني معز].

    وجذع الضأن هو ما له ستة أشهر من الضأن، وثني المعز ما له سنة من المعز، والضأن معروف وهو الذي يكون من الخروف ونحوه، فهذا إذا بلغ ستة أشهر فإنه يجزئ في الأضحية، وأما الماعز فهو العنز وكذلك التيس، فهذا لا بد أن يكمل له سنة، فإذا كان التيس له ستة أشهر أو ثمانية أشهر لم يجزئ، لكن لو كان له سنة فإنه يجزئ، والسخلة صغيرة لا تجزئ لكن العنز التي لها سنة تجزئ.

    إذاً: من المعز ما له سنة ومن الضأن ما له ستة أشهر.

    قال: [أو سبع بدنة أو سبع بقرة، فإن ذبح إحداهما فأفضل]، أي أن سبع البدنة أو البقرة يكفي، ولو ذبح بقرة كاملة أو ذبح بدنة كاملة عن سبعها فإنه يكفي وهو أفضل؛ لأنه أوفر لحماً.

    هذا رجل وجب عليه أن يذبح شاة فيكفيه أن يشترك في بقرة يكون له سبعها؛ لكنه ذبح البقرة كلها أو ذبح البدنة كلها فذلك أفضل.

    فلو أنه ترك الإحرام من الميقات فإن الواجب عليه أن يذبح شاة، فإذا بقرة كاملة أو ذبح ناقة أو جزوراً أجزأه ولا شك، بل هذا أفضل لأنه أوفر لحماً.

    قال: [وتجب كلها]، لو قال: أنا ذبحت بقرة أريد أن أجعل سبعها عن تركي للواجب وستة أسباع أضعها في الثلاجة، فهل له ذلك؟

    قولان، والمشهور في المذهب -كما ذكر المؤلف- أنها تجب كلها، لأنها ذبحت هدياً، يعني: أريق دمها على أنها هدي، وإنما جاز الاشتراك فيها على أنها هدي، وأما أن يشترك فيها أناس لا على أنها هدي فلا يظهر.

    وعلى ذلك فنقول: إذا ذبح بقرة عن شاة كان ذلك أفضل، ولو قال: أنا أريد أن آخذ ستة أسباع هذه البقرة أو ستة أسباع هذه البدنة فإنا نقول: لا يجوز، وإذا ذبحها فإنها كلها تكون هدياً؛ هذا هو المشهور في المذهب.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.