إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الحج [2]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإحرام بالحج هو مبدأ الدخول فيه، وله مواقيت مكانية ومواقيت زمانية لا يجوز تجاوزها من غير إحرام، وهو لا ينعقد مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر، وإذا انعقد وجب على الحاج أن يحافظ عليه مما يخل به أو يبطله، وأن يتجنب المحظورات التي حرمت عليه بسبب الإحرام، كما ينبغي أن يتعلم أنواع النسك وأفضلها حتى يختار لنفسه عند الإحرام ما هو أفضل حسب استطاعته.

    1.   

    تعريف الإحرام وذكر المواقيت المكانية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإحرام].

    والإحرام: هو نية الدخول في النسك.

    وهذا الإحرام يجب أن يكون من الميقات، ولذا قال: [وهو واجب من الميقات]، فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، فمن كان ميقاته ذا الحليفة كأن يكون من أهل المدينة أو من يأتي من طريقهم فإنه يحرم من هذا الميقات ولا يتجاوزه إلا بإحرام، ولو أحرم قبله أجزأ بإجماع العلماء.

    فلو أن رجلاً خرج من الدوحة إلى مكة محرماً قد نوى الدخول في النسك، فإن ذلك يجزئ وإن كان خلاف الأولى.

    وقد وقت النبي عليه الصلاة والسلام خمسة مواقيت، فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (وقت النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة ذي الحليفة، ولأهل الشام -وفي رواية عند النسائي : ومصر- الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرناً) وهو قرن المنازل، والقرن هو الجبل المنفرد، (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة). هذا الحديث المتفق عليه فيه أربعة مواقيت.

    وفي النسائي وأبي داود : (أن النبي عليه الصلاة والسلام وقت لأهل العراق ذات عرق).

    وفي البخاري : أن أهل المصرين -أي الكوفة والبصرة- أتوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن النبي عليه الصلاة والسلام قد وقت لأهل نجد قرناً وإنه دور عن طريقنا، وإن أردنا قرناً شق ذلك علينا فقال لهم: انظروا إلى حذوه، فوقت لهم ذات عرق ]، فقد خفي هذا التأقيت على عمر رضي الله عنه فاجتهد فأصاب السنة رضي الله تعالى عنه.

    إذاً: هذه خمسة مواقيت وقتها النبي عليه الصلاة والسلام للمريد للنسك من حج أو عمرة، فليس له أن يتجاوز هذه المواقيت إلا بإحرام أولها: ذو الحليفة، ويسميه العامة بآبار علي، ولا أصل لهذه التسمية، والعامة يعتقدون أن علياً قاتل الجن في هذه الآبار، وهذا كذب لا أصل له.

    أما الميقات الثاني فهو ميقات الجحفة، وهذا الميقات انتقلت إليه حمى يثرب، فقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن تنتقل حمى يثرب إلى الجحفة، فاتخذ الناس رابغ ميقاتاً لأنها بحذوه.

    وتبعد رابغ عن مكة نحو خمس مراحل، وكل مرحلة نحو أربعين كيلاً، والمرحلة هي سير الإبل في اليوم، وعلى ذلك فيحتاج راكب الإبل بين الجحفة ومكة إلى خمس ليال.

    وتبعد يلملم -وتسمى بالسعدية- عن مكة مرحلتين أي: نحو ثمانين كيلاً، وكذلك الضريبة.

    وأما السيل فيبعد نحو ثلاث مراحل.

    وعلى ذلك فأقرب المواقيت إلى مكة يبعد مرحلتين أي: يبعد نحواً من ثمانين كيلاً.

    واعلم أن من لم يكن في طريقه ميقات فإن المشروع له أن يحرم من حذو أقرب المواقيت إلى هذا الطريق، ولذا قال عمر رضي الله عنه لأهل العراق: انظروا إلى حذوه.

    ومن أتى من البحر ولم يكن في طريقه أرض يابسة فإنه يحرم من جدة، كالذين يأتون من السودان ونحوها، وجدة تبعد عن مكة مرحلتين، وليست ميقاتاً في المشهور المفتى به، لكنها للذين يأتون من تلك الجهة من أهل السواكن وذكر في المنتهى أنها ميقات.

    وقد ذكر بعض الأحناف وهذا فيه قوة: أن من أتى إلى جدة ليمكث فيها أياماً لعمل ونحوه فإن له أن يحرم منها، لأنه مر من ميقات، كالذي يمر من ميقات ذي الحليفة وهو يريد جدة يمكث فيها أياماً لعمل أو تجارة أو غير ذلك، ثم يريد السفر من جدة إلى مكة بعد أن يمكث فيها أياماً، فالذي يظهر أن هذا له أن يحرم من جدة؛ لأنه مريد لها عند مروره بالميقات؛ ولأن بقاءه محرماً لا يخلو من مشقة.

    قوله: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)، يعني: من كانت قريته أو موضع سكنه دون هذه المواقيت، فمن حيث أنشأ.

    كأن يسكن قرية تبعد عن مكة عشرين كيلاً، فهذا يحرم من هذا الموضع، ولو كان في الأصل ليس من أهلها لكنه أتى إليها ثم بدا له أن يعتمر فمن حيث أنشأ، فلو أن مدنياً مكث في موضع دون ذي الحليفة ثم نوى منه أن يعتمر ولم يكن قبل ذلك مريداً للحج والعمرة لكنه أنشأ هذه النية هناك فإنه يحرم من هذا الموضع.

    وقوله: (حتى أهل مكة من مكة)، هذا في الحج، وأما في العمرة فليست كل مكة تصلح ميقاتاً في العمرة، بل الذي يصلح منها للمعتمر شرعاً هو الحل، فلا بد أن يذهب إلى الحل ليعتمر منه، وأما الحاج فإنه ينشئ نسكه من مكة حلها أو حرمها.

    هذا رجل من أهل مكة نوى أن يحج البيت من شقته أو من بيته وهو داخل الحرم فلا بأس بذلك ولا حرج.

    أما العمرة فلا بد أن يخرج إلى التنعيم أو غيره من الحل، وذلك لأن العمرة ليس فيها إلا الحرم فناسب أن يخرج إلى الحل ليعتمر فيجمع بين حل وحرم؛ ولأن العمرة هي الزيارة فناسب أن يأتي من الحل ليزور البيت في الحرم، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم)، والتنعيم من الحل.

    وهذا لا يختص بالتنعيم، بل كل مواضع الحل كذلك، فلو أعمرها من عرفة فلا بأس بذلك؛ لأن عرفة من الحل.

    1.   

    ما لا ينعقد معه الإحرام وما يبطله

    قال: [ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر] لعدم أهليته للنية؛ لأنه لا بد من نية، (وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) والحديث متفق عليه.

    وعلى ذلك فلا يصح الإحرام من مجنون ولا من مغمى عليه ولا من سكران، واستثنت الأدلة كما تقدم الصبي غير المميز فقد رفعت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام طفلاً فقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).

    فالصبي ولو ولد للحظة والجارية ولو ولدت للحظة فإن حجهما يصح وكذلك العمرة، وهذا كما تقدم لا يجزئ عن حجة الإسلام ولا عن عمرة الإسلام وإنما يكون نفلاً، وتقدم شرح هذا.

    قال: [وإذا انعقد لم يبطل إلا بالردة] أي: إذا انعقد الإحرام من عاقل قد سلم من السكر والإغماء، فلم يكن سكران ولم مغمىً عليه ولا مجنوناً فلا يبطل هذا الإحرام إلا بالردة عن الإسلام، أعاذنا الله وإياكم.

    1.   

    فساد الإحرام بالوطء وما يترتب عليه

    قال: [لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول ولا يبطل بل يلزمه إتمامه والقضاء] وعلى ذلك لو أحرم عاقل ثم طرأ عليه الجنون فلا يبطل إحرامه، ولو أحرم ثم أغمي عليه أو سكر فلا يبطل نسكه، إذ لا يبطل النسك إلا بالردة؛ لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول من غير بطلان.

    فمن وطئ قبل أن يأتي بنسكين من ثلاثة أنساك في يوم النحر -وهي الرمي والتقصير أو الحلق والطواف بالبيت- فإنه قد جامع قبل التحلل الأول فنقول: إن نسكه قد فسد ولم يبطل، فيجب عليه أن يمضي فيه مع فساده، وأن يقضي هذه الحجة في العام القادم.

    ويجب عليه كذلك أن ينحر بدنة، وإذا كانت المرأة راضية مختارة فعليها مثل ما على هذا الرجل.

    إذاً يجب عليه أن يمضي في هذا النسك الفاسد ويجب عليه أن يقضيه في العام القادم وتجب عليه بدنة إما بقرة تم لها سنتان أو ناقة أو جزور تم لها خمس سنوات. هذه الأحكام تترتب على من جامع قبل التحلل الأول.

    وأما من كان جماعه بعد التحلل الأول فإن حجه يصح، وعليه إن كان قد خلع إحرامه أن يعود فيلبسه وأن يكون ذلك من الحل.

    إذاً: عليه أن يذهب إلى الحل وأن يجدد إحرامه.

    وإن كان لم يخلعه فإن عليه كذلك أن يجدد الإحرام من الحل يعني: يذهب إما إلى عرفة وإما إلى التنعيم أو غير ذلك من المواضع فيحرم من هناك، وعليه أن يذبح شاة، هذا إذا كان الجماع بعد التحلل الأول، وفي ذلك آثار عن الصحابة.

    1.   

    أنواع النسك وأحكامها

    التمتع أفضل الأنساك الثلاثة

    قال: [ويخير من يريد الإحرام بين أن ينوي التمتع وهو أفضل أو ينوي الإفراد أو القران].

    هذه ثلاثة أنساك: النسك الأول: التمتع، والنسك الثاني: الإفراد، والنسك الثالث: القران.

    وأفضلها التمتع، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لولا أني سقت الهدي لأحللت بعمرة غير أنه لا يحل مني حرام، حتى يبلغ الهدي محله)، وقد أمر أصحابه عليه الصلاة والسلام بأن يتمتعوا، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن نحو أربعة عشر صحابياً في هذا الباب؛ لكن هذا التمتع كان خاصاً بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (كانت المتعة لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خاصة).

    وقد جاء في الصحيحين عن سراقة رضي الله عنه أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: (ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بل للأبد).

    فمشروعية التمتع واستحبابه ومشروعية فسخ الحج إلى عمرة باقية إلى يوم القيامة، وأما وجوبه فكان خاصاً بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أنهم في الجاهلية كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتمتع ليزول هذا الاعتقاد الذي كان عليه أهل الجاهلية.

    إذاً أفضل الأنساك التمتع، ثم الإفراد فيما ذكر المؤلف،والذي يترجح أن القران أفضل،فقد حج النبي عليه الصلاة والسلام قارناً كما في الصحيحين؛ ولأن القران يجمع فيه الناسك بين الحج والعمرة، وفيه الهدي فهو أفضل، ثم الإفراد، فالإفراد في المرتبة الثالثة.

    تعريف التمتع

    قال: [فالتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم بعد فراغه منها يحرم بالحج] وأشهر الحج هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.

    فيحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم بعد فراغه منها يتحلل الحل كله، فتكون جميع محظورات الإحرام جائزة بالنسبة له، ثم يحرم بالحج في نفس العام، هذا هو التمتع.

    إذاً التمتع أن يهل بالعمرة أولاً ويكون إهلاله بها في أشهر الحج، فلو أهل بها في رمضان أو في شعبان فلا يعد متمتعاً، ولكن تكون عمرته في أشهر الحج ثم يتحلل منها ثم يهل بالحج في نفس السنة، وعليه الهدي، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].

    تعريف الإفراد

    قال: [والإفراد هو أن يحرم بالحج، ثم بعد فراغه منه يحرم بالعمرة].

    فهذا قد أحرم بالحج فقط فنسكه حج لا عمرة فيه، وبعد الفراغ من الحج يستحب له في المشهور في المذهب أن يعتمر.

    واختار شيخ الإسلام أنه لا يستحب، وهذا أصح؛ لأن الراجح أن العمرة إنما تستحب للقادم الذي يأتي مكة من خارجها، وأما صاحب المحل أو من فرغ من الحج فالأفضل له ألا يعتمر، فإن اعتمر لم يكن في ذلك بأس وإن كان خلاف الأفضل.

    تعريف القران

    قال: [والقران هو أن يحرم بالحج والعمرة معاً] يعني: مرة واحدة، فيقول: لبيك عمرة وحجاً، أو يقول: لبيك عمرة في حجة، أي أنه جمع بين العمرة والحج.

    قال: [أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها] أي: يحرم أولاً بالعمرة فيقول: لبيك عمرة، ثم بعد ذلك يدخل عليها الحج فيقول: لبيك حجاً، فهذا قارن.

    إذاً: القران أن ينوي في الميقات النسكين معاً، أو ينوي العمرة أولاً ثم يدخل عليها الحج، وقد يحتاج لذلك كالمرأة التي تحيض ولم تطف طواف العمرة وكذلك لو أحرموا بالعمرة ثم حصل -مثلاً- عطل في السيارة فتأخروا، أو حاضت المرأة في الطريق فخافت أن يفوت عليها الحج، يعني لو ذهبت وطافت بالبيت وسعت وقصرت ثم ذهبت لتدرك الوقوف بعرفة فقد يفوتها الحج إذا انتظرت حتى تطهر، لأنها قد لا تطهر إلا في اليوم التاسع، فإذا بقيت تنتظر الطواف والتحلل من العمرة فقد لا تدرك الوقوف.

    أو تخشى ألا تطهر إلا في يوم النحر أو في اليوم الحادي عشر والثاني عشر وكذلك من يحصل له عطل في سيارته فيخشى إن ذهب إلى مكة وتحلل بالعمرة أن يفوته الوقوف بعرفة، فهؤلاء ينتقلون من التمتع إلى القران فيدخلون على عمرتهم الحج، وقد فعلته عائشة رضي الله عنها كما ثبت هذا في صحيح مسلم وغيره.

    قال: [ أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها ]، فإن أدخل الحج على العمرة بعد الشروع في الطواف لم يكن له ذلك؛ وذلك لأنه لما شرع في طواف العمرة يكون قد دخل في أنساك العمرة فوجب عليه أن يتم هذا النسك ثم بعد فراغه منه يحرم بالحج.

    وعلى ذلك فله أن يدخل الحج على العمرة فيكون قارناً قبل الشروع بالطواف، أما إذا شرع بالطواف فيجب عليه أن يتم أنساك العمرة ثم بعد ذلك ينوي الحج فيكون متمتعاً.

    لكن المرأة لو شرعت في الطواف ثم طرأ عليها الحيض أثناء الطواف بطل طوافها، فإذا خافت أن تستمر أيام عادتها حتى يفوت الوقوف بعرفة قبل أن تطهر وتطوف للعمرة فهذه تحرم بالحج وتكون قارنة.

    قال: [فإن أحرم به ثم بها لم يصح].

    هذا إدخال الأصغر على الأكبر، يعني: أدخل أصغر النسكين على أكبرهما، ففي المسألة الأولى أدخل الأكبر على الأصغر، كان معتمراً ثم نوى الحج، وقد قلنا: إن ذلك جائز؛ لكن العكس هنا، فهو قد نوى الحج مفرداً ثم أراد أن ينتقل إلى القران فأدخل العمرة، فهذا لا يجزئ في المشهور في المذهب.

    وقال الأحناف: بل يجزئ، وهذا أقرب؛ لأنه لا دليل يدل على المنع من ذلك، وليس فيه محظور.

    1.   

    حكم الإحرام المطلق

    قال: [ومن أحرم وأطلق صح إحرامه وصرفه لما شاء، وما عمل قبل فلغو].

    قوله: (من أحرم وأطلق) يعني: نوى النسك وأطلق فلم يعين، كأن أتى إلى ميقات ذي الحليفة وقال: لبيك اللهم نسكاً، وقال: أنا لا أدري هل أحج هذه السنة تمتعاً أو قراناً أو إفراداً، فنوى النسك الذي لا تعيين فيه ولم يحدد هل هو قارن أو متمتع أو مفرد؟ يقول: يجوز ذلك، ثم له أن يصرفه لما شاء، فإن أحب صرفه إلى العمرة، وإن أحب صرفه إلى الحج، وإن أحب صرفه إليهما.

    قوله: [وما عمل قبل فلغو] أي: كل أعماله قبل التعيين لغو، فطوافه وسعيه قبل التعيين كلها لغو؛ وذلك لأن هذه الأعمال لا تنصرف وتكون صحيحة حتى يعين، وهو لم يحصل منه تعيين ولا تحديد، لكن الأولى أن يصرف ذلك إلى العمرة فيكون متمتعاً.

    إذاً: من أحرم فأطلق فلا بأس ثم إنه يصرفه لما شاء؛ لكن الأفضل أن يعين نسكه في الأصل، ولذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بتعيين النسك إما تمتعاً أو قراناً أو إفراداً كما في حديث عائشة في الصحيحين.

    1.   

    حكم الاشتراط عند الإحرام

    قال: [لكن السنة لمن أراد نسكاً أن يعين]، الأفضل أن يعين نسكه، فإما أن يكون تمتعاً وإما أن يكون قراناً وإما أن يكون إفراداً، لكن إن تركه بلا تعيين فلا شيء عليه، ثم إنه يصرفه كما تقدم لما شاء.

    قال: [وأن يشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني].

    هذا الاشتراط له أثر، وأثره أنه يتحلل بلا دم، فإذا قال: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فحبسه حابس فإنه يتحلل ولا شيء عليه.

    والمذهب أن له أن يشترط مطلقاً سواء كان خائفاً أو لم يكن خائفاً، هذا هو المشهور في المذهب.

    واختار شيخ الإسلام وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين : أن الاشتراط إنما يستحب للخائف فقط، وأن المؤثر في إسقاط الدم عن المحصر إنما هو الاشتراط الذي يحصل من الخائف دون غيره، قال: لأن الدليل إنما جاء في الخائف، فقد ثبت في الصحيحين: أن ضباعة بنت الزبير قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله، إني أريد الحج وأجدني شاكية، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)، زاد النسائي : (فإن لك على ربك ما استثنيت)، فكانت شاكية، ولذا لم يصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه اشترط ولا أنه علمه سائر أصحابه، وإنما علمه الخائف كما في حديث ضباعة رضي الله تعالى عنها.

    وعلى ذلك فالخائف هو الذي يشترط، ثم إن حصل له مانع وحبسه حابس فإنه يتحلل ولا شيء عليه، ومن ذلك المرأة التي تخاف الحيض أو النفاس فإنها تشترط ثم لها أن تتحلل ولا شيء عليها، أو الرجل يخاف أن يتعرض له في طريقه عدو، أو يخشى عطلاً متوقعاً كأن تكون العلامات في سيارته تدل على احتمال وجود عطل يمنعه من السفر ونحو ذلك، فإذا حبسه حابس فإنه يتحلل ولا دم عليه.

    وأما الذي لم يشترط وكذلك على الصحيح اشتراط غير الخائف، فهذا إذا أحصر فإنه يتحلل وعليه دم، والذي يترجح أنه لا يستحب الاشتراط لغير الخائف ولا يشرع له؛ لأن هذا لم يرد، والوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإهلال أن يقول: لبيك اللهم عمرة، أو يقول: لبيك اللهم حجاً، أو يقول: لبيك اللهم عمرة في حجة.

    وأما التصريح بنيته فلم يرد، أي: أن يقول: اللهم إني أريد كذا أو أنوي كذا؛ فإن ذلك لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.