إسلام ويب

دليل الطالب كتاب الصيام [5]للشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحكام الصيام ما يتعلق بتناول المفطر مع النسيان والإكراه، وكذا مع الجهل، وما يتعلق بالأكل مع الشك في طلوع الفجر، واغتسال الصائم للتبرد وتمضمضه ونحو ذلك.

    1.   

    حكم تناول المفطر مع النسيان والإكراه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يُفطر إن فعل شيئاً من المفطرات ناسياً أو مكرهاً ] من أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه لا قضاء عليه ولا كفارة، ففي الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وعلى ذلك فإذا أكلت ناسياً ثم تنبهت أو نُبّهت أنك صائم فماذا يجب عليك؟ يجب أن تمسك بقية اليوم، فلو كان بعض الطعام في فيك وجب أن تلفظه ولا تبتلع هذا الذي في فيك، ولا تأخذ لقمة أخرى أو تمرة أو نحو ذلك فتأكلها بعد أن ذكرت، ولا يجب عليك القضاء، وفي مستدرك الحاكم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة).

    ومن رآه فهل يُشرع له أن ينبهه ويقول: يا فلان! أنت صائم، أو يتركه؟ فيه قولان لأهل العلم فمن أهل العلم من يقول: إنه لا يجب عليك أن تنبهه فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولذا قال في الحديث: (فإنما أطعمه الله وسقاه) وقال بعض العلماء: بل يجب، وهذا من جنس الإنكار على الجاهل، فالجاهل معذور ويجب أن تُنكر عليه وهو جاهل.

    والذي يترجح أنه لا يجب، وهناك فرق بين الجاهل وبين الناسي من جهة أن الناسي يعلم بالحكم ولكن طرأ عليه النسيان، وأما الجاهل فإذا لم يُعلّم استمر على جهله في مستقبل أيامه، وأما هذا فإنه ناسٍ والناسي يتذكر، وقد يتكرر منه النسيان، لكن الجاهل لابد من تعليمه؛ لأنا إذا تركناه بلا علم كرر خطأه في مستقبل أيامه، واستمر على جهله، وعلى ذلك فلا يجب، إن نبهه فلا بأس وإن تركه فلا بأس.

    قال رحمه الله تعالى: [ أو مكرهاً ] لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وعلى ذلك فلو أنه دخل بغير اختياره شيء من الطعام إلى معدته فإنه لا يفطر بذلك، ولذا قال المؤلف: [ ولا إن دخل الغبار حلقه أو الذباب بغير قصده ] لأن هذا ليس باختياره، إذاً: لا يُفطر إلا من كان ذاكراً لا ناسياً، ومختاراً لا مكرهاً.

    1.   

    حكم تناول المفطر جهلاً

    لم يتعرض المؤلف هنا للجهل هل يُعذر الجاهل أو لا يُعذر؟ المشهور في المذهب أنه لا يُعذر، ولذا لم يذكره المؤلف بناءً على المشهور عند الحنابلة، أن الجاهل في هذا الباب لا يُعذر، وعلى ذلك فلو أنه استقاء وقال: أنا ما علمت أن من استقاء فإنه يُفطر بذلك، ما علمت بهذا، وكان مثله يجهل فهو في بلد لا ينتشر فيها العلم ولم يعلم أن من أدخل أصبعه في فيه فأخرج الطعام أنه يُفطر، فقالوا: عليه القضاء، هذا المشهور في المذهب، كذلك من أكل قبل غروب الشمس يظن أن الشمس قد غربت، هذا جاهل بالوقت أو بالحكم؟ جاهل بالوقت يظن أن الشمس قد غربت، يعني: نظر فيما حوله وفيما عنده وغلب على ظنه أن الشمس قد غربت، بعض الناس يأكل وهو لم ينظر إلى الساعة ولم يخرج لينظر إلى الشمس، هذا مفرّط عليه القضاء، لكن بعض الناس هذا هو علمه، كشيخ كبير في بيته سمع صياحاً وهو لا يعرف الساعة ولا يعرف الوقت ولا يستطيع أن يقوم، وليس عنده أحد، فلما سمع هذا ظن أن المؤذن يؤذن فأكل لا استعجالاً، لكن هذا هو علمه، وهذه هي قدرته، فالمشهور في المذهب أن عليه القضاء، والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ، واختاره أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين وهو قول طائفة من السلف، وقول أبي الخطاب من الحنابلة، قالوا: إن الجاهل يُعذر كالناسي وكالمكره، كما أن الناسي يُعذر وكما أن المُكره يُعذر فالجاهل كذلك يُعذر سواء كان جاهلاً بالحكم أو كان جاهلاً بالوقت، واستدلوا بقصة عدي بن حاتم رضي الله عنه، فإنه أخذ عقالين أسود وأبيض فجعل ينظر إليهما ويأكل، وذلك قبل نزول قوله جل وعلا: مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] قبل نزول قوله: مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] فجهِل رضي الله عنه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار).

    الخيط الأبيض: هذا بياض الليل، البياض المعترض الذي يكون في الجانب الشرقي، هذا هو الخيط الأبيض، والخيط الأسود: هو الليل، والحديث متفق عليه، ولم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، واستدلوا أيضاً بما ثبت في البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: (أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس) وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهشام بن عروة -وهو الراوي عن أسماء - قيل له: هل قضوا؟ قال: لا أدري، وفي رواية قال: وهل بد من قضاء؟! يعني: لا بد من القضاء، هذا اجتهاد منه ورأي منه، ولكنه قال: لا أدري؛ وقد تقدم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وليس في الحديث أنهم قضوا ما عليهم، أنهم قضوا هذا اليوم، وعلى ذلك فنقول: الراجح أن الجاهل بالوقت أو الجاهل بالحكم لا يُفطر، فاجتمع لنا ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون مختاراً، وضد المختار المكره.

    الشرط الثاني: أن يكون ذاكراً، وضد الذاكر الناسي، أن يكون ذاكراً لا ناسياً.

    الشرط الثالث: أن يكون عالماً، وضده الجاهل، الجاهل بالوقت أو الجاهل بالحكم.

    وعلى ذلك فإذا أفطر جاهلاً بالوقت أو جاهلاً بالحكم وكان منه تفريطاً هل يُقبل منه ذلك؟ لو أن رجلاً قال: ما علمت أن الجماع مفطّر وهو في بلد فيها علم، هل يُقبل منه ذلك؟ ما يُقبل، فالجاهل إنما يُعذر إذا لم يكن مفرطاً، لكن إذا كان عنده تفريط فإنه لا يُعذر، إذاً: من أكل أو شرب ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً بالوقت أو بالحكم فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، ولكن هل كل جاهل يُعذر؟ من هو الجاهل المعذور؟ الجاهل الذي لم يفرّط وكان مثله يجهل، بعض الناس يعيشون في بادية، أو يعيشون في بلد لا ينتشر فيه العلم، لا يسمح للناس بالعلم، أو ليس فيه علماء، أو يكونون في أماكن في بلاد كانت تحت حكم يُبعدهم عن العلم كالبلاد التي تعيش تحت الحكم الروسي سابقاً، هؤلاء عندهم جهل شديد، فإذا كان جاهلاً ولم يُفرّط فإنه يُعذر.

    فالتفريط بمعنى أن يكون العلم متيسراً ولم يطرق بابه، يكون عنده مدارس فيها ناس يدرسون، ولله الحمد فعندنا في هذه البلاد مدارس، الناس يدرسون المسائل الشرعية، الناس يسمعون في الإذاعة وفي غيرها، والكتب متيسرة، لكن هناك مسائل قد تخفى لقلة وقوعها، فإذا كانت هذه المسائل مما قد يخفى قُبل جهله، وأما إذا كانت المسألة ظاهرة فإنه لا يُقبل فيها الجهل، كما لو أن شاباً استقاء وقال: ما عرفت، هذا قد يُقبل منه ذلك، لكن لو أكل أو شرب وقال: ما عرفت لا يُقبل منه، مثل الإشارة، لو جاء رجل وقطع الإشارة وقال: أنا ما عرفت أن الإشارة الحمراء تقف عندها، هل يقبل ذلك منه؟ ما يُقبل ذلك منه، لكن لو أتى إلى شارع جديد والشارع كله له اتجاه واحد فأتى في الاتجاه المخالف والشارع جديد، هذا قد يخفى، فكذلك -أيها الأخوة- العلم الشرعي، هناك مسائل قد تخفى ويُعذر من جهل بها، وهناك مسائل لا تخفى ولا يُعذر من يجهل بها.

    1.   

    حكم الأكل مع الشك في طلوع الفجر

    من أكل شاكاً في طلوع الفجر، فلا شيء عليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، يعني: هو ينظر إلى الخيط الأبيض من الخيط الأسود وعنده شك فأكل أثناء الشك، هذا لا يؤثر؛ لأن الأصل بقاء الليل، لكن من كان عنده شك هل غربت الشمس أو لم تغرب، فهل له أن يأكل أو يشرب؟ لا؛ لأن الأصل بقاء النهار، أما حديث (أفطر الناس في يوم غيم) فهم تيقنوا أن الشمس قد غربت، ما هو بشك، عندهم يقين (أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس) فقد تيقنوا -أو غلب على ظنهم- أن الشمس قد غربت، لكن لو كان مجرد شك لا يدري هل غربت أو لم تغرب، فإذا أكل كان عليه القضاء.

    قال رحمه الله تعالى: [ ولا إن جمع ريقه فابتلعه ] إذا جمع ريقه فابتلعه -والريق: هو اللعاب- فإنه لا شيء في ذلك، وهل يكره؟ الصحيح أنه لا يُكره، وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله؛ لأنه لا دليل على الكراهة، لا يكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، وتقدم لكم أنه إذا جمعه في شفتيه ثم ابتلعه فمن أهل العلم من يرى أنه يفسد صومه، والراجح أنه لا يفسد.

    1.   

    حكم تمضمض الصائم

    ما حكم المضمضة للصائم؟

    حكم المضمضة في غير وضوء أنه لا حرج أن يتمضمض، فإنه لما سأل عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم؟ قال له: (أرأيت لو تمضمضت؟ قال: لا بأس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ففيم؟!) فالمضمضة جائزة للصائم ولكن ليس له أن يبتلع هذا الماء بل يجب عليه أن يمجه، فإذا تمضمض أخرج هذا الماء ومجّه، فيخرج هذا الماء الذي في فيه ولا يجب أن يتكلف، بعض الناس يجلس إذا تمضمض دقائق أحياناً وهو يبصق! ولا يحتاج إلى هذا، أنت عندما تتمضمض للصلاة تتمضمض كالوضوء المعتاد، تُخرج الماء ويكفي، إذا شعرت أن هناك ماء في فيك باقياً فأخرجه ويكفي هذا، بعض الناس يُكثر من البصق حتى يشق على نفسه، هذا لا يُحتاج إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يأمر بذلك عليه الصلاة والسلام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والمسلم يتمضمض للصلوات، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُكثر من البصق، وعلى ذلك فإذا تمضمضت فأخرجت الماء من فيك فلا بأس، يكفي هذا.

    1.   

    حكم اغتسال الصائم للتبرد

    هل للصائم أن يغتسل للتبرد؟

    لا بأس بذلك، ولذا جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح وهو جنب ثم اغتسل كما في الصحيحين، وكان -كما في سنن أبي داود - يصب الماء على رأسه لشدة الحر أو العطش وهو صائم عليه الصلاة والسلام، ولا بأس كذلك بأن يدّهن بالأدهان بوجهه وبيديه أو شفتيه، لا بأس بذلك، ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري معلقاً عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً) والأثر رواه البخاري معلقاً، ونقف عند هذا القدر، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.