إسلام ويب

سلسلة شرح كتاب الفوائد [6]للشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن كلام الله وحبله المتين، وقد تجلت فيه صفات الله وبانت فيه عظمته ومنته على خلقه بالهداية والتوفيق وما أعد لهم جزاء أعمالهم.

    1.   

    فضل العلماء على الأمة

    أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم احشرنا في زمرة المحبين فيك يا رب العباد، واجعلنا من المتجالسين فيك ومن المتزاورين فيك، وتقبلنا في عبادك الصالحين، واشرح اللهم صدر كل ذي صدر ضيق، واشف كل مريض، وتب على كل عاص، واهد كل ضال، وارحم كل ميت، وانصر كل مظلوم، واستر كل عيب، واغفر كل ذنب، واجعل خير أعمالنا خواتيهما، وخير أيامنا يوم نلقاك، وخذ بيد أبنائنا وبناتنا إلى كل خير، اللهم وفقهم يا رب العباد إلى ما تحبه وترضاه، واجعلهم من المحسنين الطائعين المؤمنين وأبعد عنهم شياطين الإنس والجن وأكرمهم بكرمك يا أكرم الأكرمين، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير.

    إن العلماء الذين أوصلوا لنا هذا العلم أو شرح الله قلوبهم بهذا الكلام الذي نقرؤه ونتعلم منه، إنما هم أناس رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم أناس كالشجرة الطيبة التي غرس أصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدث عنها القرآن، كما قال تعالى في سورة إبراهيم: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:24-25].

    وهم أناس أدركوا أهمية الإسلام وأهمية الإيمان وأهمية التقوى وأهمية الاستقامة، وأدركوا أنهم في الدنيا ضيوف وسوف يعود الضيف إلى بيته، وسوف تعود النفس إلى بارئها، وأدركوا أن الدنيا عارية مسترجعة، وأمانة مردودة، فأدوها كما استلموها، فكان الواحد منهم إذا استلم الدنيا لم يكثر فيها من الذنوب، وإنما يكثر فيها من الخير، فتحقق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عيشوا مع الناس معيشة حتى إذا غبتم حنوا إليكم، وإذا متم ترحموا عليكم).

    فكان حقيقاً بهم أن الناس حين يغيبون عنهم يحنون لهم، وإذا غاب الواحد منهم ترحموا عليهم، فها نحن نترحم على ابن قيم الجوزية ، والأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وأصحاب الكتب الستة: البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود، كما نترحم ونترضي ونستلهم سحائب الرضوان على صحابة الحبيب صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعاً، وهذه كما قال عز وجل: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:5]، وقد أخروا أعمالاً طيبة، وتركوا تاريخاً صالحاً يترحم عليهم بسببه.

    ثم هم أدركوا أيضاً مدى عداوة الشيطان، ونستطيع أن نضرب مثالاً نبين فيه مدى عداوة الشيطان لنا، وكيف يحاربنا في عقيدتنا وفي ديننا، وكيف أنه لا يستريح إلا إذا أغضب العبد ربه، أو انحرف المسلم عن طريق الصواب، فنقول: لو أن إنساناً جلس في بيته فنظر فوجد في الغرفة حية أو عقرباً أو شيئاً من هذا القبيل، فهل إذا جن عليه الليل سينام، أم أنه لن يستريح إلا إذا قتل هذه الحية؟ قطعاً أنه لن ينام، ولن يستطيع أن يغمض عينيه، فهو يخشى أن تدخل الحية غرفة الأولاد فتلدغ أحد أولاده، ولذا لا يستطيع أن ينام إلا إذا قتل هذه الحية، فإن قتلها اطمأن بعد ذلك.

    وهكذا الشيطان، فإنا لو أدركنا أن إبليس في بيت كل إنسان، وفي قلب كل إنسان، وأن خطره أعظم من هذه الحية لن يهدأ لنا بال إلا بعد أن نقتله، وقتله كثرة الذكر، وكثرة الطاعة، والإخلاص، والتقوى، والتوكل على الله، وصدق النية، والصبر عند المصيبة، وشرح الصدر، وتحمل أذى الناس، فكل هذه الأمور تزيد الإيمان؛ والإيمان كما هو معلوم يزيد وينقص تزيده الطاعات وتنقصه المعاصي، والمسلم دائماً يحب أن يرفع الرصيد عند الله عز وجل.

    فرضي الله عن ابن قيم الجوزية وعن علماء المسلمين وعن السلف الصالح، اللهم احشرنا في زمرتهم يوم القيامة يا أكرم الأكرمين.

    1.   

    لذ بالقرآن

    يقول ابن القيم عن كتاب الله عز وجل (القرآن):

    [ القرآن كلام الله ] قال صلى الله عليه وسلم: (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه).

    قال الحسن البصري رضوان الله عليه: هنيئاً لك يا ابن آدم إن أردت أن تكلم الله فأحرم بالصلاة، وقد تقدم أن في الصلاة مدلولات غريبة! فنحن حين نعدد فرائض الصلاة نقول: النية، ثم: تكبيرة الإحرام، وقولنا تكبيرة الإحرام مشعر بفريضة الحج، فإني حين أعتمر أو أحج أحرم، فكأن المصلي يذهب بجسده وروحه إلى هذا المكان الذي يجب ألا يدخله إلا محرماً، وكأن العبد في دخوله إلى الصلاة لا يصح له الدخول على الله إلا بعد الإحرام، أما هيئتها وهي رفع اليدين إلى حذو المنكبين فهي مشعرة أن المؤمن قد ألقى الدنيا خلف ظهره واستقبل الله بقلبه، وغيرها من أسرار الصلاة. فأنا بعد أن ألقيت الدنيا خلف ظهري واستحضرت الله عز وجل بكياني ووجهي أدخل في الصلاة، فهنيئاً لك يا ابن آدم؛ إن أردت أن تكلم الله فأحرم بالصلاة.

    ثم قال الحسن : وإن أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن، وفي الحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، إذا قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، يقول الله عز وجل: حمدني عبدي، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال الله: هذه بيني وبين عبدي، فإذا أكمل إلى قوله تعالى: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قال الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل).

    إذاً: فأنا إذا أردت أن أكلم الله سبحانه وتعالى أحرم بالصلاة، فإذا أحرمت بالصلاة فأنا أكلم الله عز وجل، والكلام مع الله يستلزم طهارة أمور أربعة: طهارة الثوب والبدن من النجاسات، وطهارة الجوارح من المعاصي، طهارة القلب من الأحقاد والآثام والأمراض، طهارة السر عما سوى الله عز وجل.

    إذا أراد الأب أن يسجل ابنه في المدرسة، سيقال له: نريد شهادة الميلاد، ومهنة الأب وعنوان السكن، ورقم التلفون، والزي المدرسي والمصروفات وسيارة النقل، وغيرها من المطالب وكل هذه الأمور لابد أن تسجل وتوضع في الملف، كل ذلك لمجرد أن الابن يدخل المدرسة، فما بالنا بمن يلقى الله عز وجل؟ إذاً لابد أن يكون طاهر البدن طاهر الثوب.

    ولذلك ينبغي على العبد وهو داخل على الله في الصلاة ألا يضع في ذهنه أن الأمر دقيقتين ثم ينصرف، بل لابد أن يكون قد هيأ نفسه تهيئة كاملة، كان علي رضي الله عنه يصفر وجهه ويهتز جسده إذا جاء وقت الصلاة فيسأل: ما لك يا أمير المؤمنين؟

    فيقول: لقد جاء وقت الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملناها وأشفقن منها وحملتها أنا إني كنت ظلوماً جهولاً.

    وإذا أردت أن يكلمني الله، فإني اقرأ القرآن، فالقرآن يرفع مستوى العقيدة لدينا، ويرفع مستوانا نحن الضعفاء أن الله يكلمنا، ولذلك قال ابن مسعود : اقرأ القرآن وكأنه عليك قد نزل، وكان يقرأ القرآن كأنه أنزل عليه، وظل تلميذه الحسن البصري يترقى ويتعلم على يده -رضي الله عنه- حتى بلغ مبلغاً عظيماً، عبر عنه فقال: قرأت القرآن على يد عبد الله بن مسعود فلما حفظته وتدبرت بعض ما فيه من معان ترقى بي الحال فصرت كأني أسمعه من رسول الله، فلما ترقى بي الحال كنت كأني أسمع الله عز وجل يبلغ جبريل ليبلغ محمداً صلى الله عليه وسلم.

    وفي الدعاء وصل به إلى أن قال: والله إني لأدعو الله عز وجل وأرى يد الله تكتب لي الإجابة.

    فقد كان عنده يقين بإجابة ربه له، وفي الحديث (ادع الله وأنت موقن بالإجابة) ولا يحقرن الإنسان نفسه فإن رحمة الله عظيمة وخيره عميم.

    يذكر أن أحد العلماء الصالحين في مصر في عهد التابعين رضي الله عنهم مات جاره فدعوه ليصلي عليه، فأبى، وكان جاره هذا لا يترك موبقة ولا كبيرة ولا محظوراً إلا وارتكبه والعياذ بالله، وكان مجاهراً بالمعصية. فذهبوا وصلوا على الرجل ودفنوه، فرآه هذا العالم في المنام في أول ليلة مات فيها يرفع في الجنة، ففوجئ من ذلك وقال: ما الذي أوصلك إلى هذا المكان؟ فقال له: لو كنت من الذين يملكون خزائن رحمة الله إذاً لأمسكت خشية الإنفاق. فلما أتى الصبح ذهب إلى زوجته وقال لها: أستحلفك بالله ماذا كان يصنع زوجك، فقالت: والله ما كان يصنع خيراً قط إلا أنه في كل ليلة جمعة يجمع يتامى الحي ويجلس معهم على مائدة واحدة يطعمهم في أفواههم ويقول: ادعوا لعمكم عسى أن يغفر الله له.

    فرحمة الله واسعة، وفي الحديث: (لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً)، كما لا ينبغي للمسلم أن يرجئ العمل فيقول: أنتظر حتى يكون عندي قوة وأصلي عشر ركعات، بل لو عنده قوة يصلي بها ركعتين فليصل ولا يرجئ وهكذا في قراءة القرآن وغيرها من الأعمال.

    ولا يعني ذلك عدم الاهتمام بالمواظبة، وإنما التنبيه على أنه لو فتح باب خير دخل العبد فيه ولا ينتظر، فهي فرصة قد لا تعوض.

    ومن رحمة الله بعباده أنه جعل للعباد كفارات، وهم الذين لا يسلمون من المعاصي الكفارات، وفي الحديث قال: (من الحج إلى الحج كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر)، بل ومن العمرة إلى العمرة، ومن رمضان إلى رمضان، ومن الجمعة إلى الجمعة كفارة.

    وليس ذلك فحسب، بل من الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها. ولذلك كان عباد الله الصالحون يشعرون عندما يقرءون القرآن برحمة الله وبغضب الله، فكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: كنا والقرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى الجنة والنار، وليس المراد برؤيتها أنهم يروها رأي العين، ولكن المعنى أن قلوبهم تحس بريح الجنة، وعظمة نعيمها، وتحس بقبح النار وعذابها، حتى كأن تلك القلوب قد رأتها.

    ومما علمنا أهل العلم -جزاهم الله عنا خيراً- أن الرضا بما ابتلي العبد به صورة من صور الجنة في الدنيا أي: أن الذي عنده حالة من الرضا فقد أعطاه الله جزءاً من الجنة في الدنيا، قال الحسن رضي الله عنه: يا بئس أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا فيها أحلى ما فيها الرضا، عن الله وبالله عز وجل، فالذي ينبغي على الإنسان أن يكون راضياً؛ فإن من رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.

    فاللهم اجعلنا من الراضين يا رب العالمين.

    1.   

    تجلي صفات الله عز وجل في كتابه

    قال ابن القيم رحمه الله: [ القرآن كلام الله ] ولذلك أهل العلم يقولون عن القرآن: كلام الله لفظ قائم، ومعنى في هذا اللفظ، ورضاك بينهما ماض، بين اللفظ وبين المعنى، أي: أن اللفظ يأتي مع المعنى، فنحن ندرك عند قراءة القرآن أن هذا أمر وهذا نهي، وهذا وعد وهذا وعيد، وهذا تبشير وهذا نذير.. وهكذا.

    ثم يقول: [ القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته ] فنحن نجد صفات الله كلها في كتاب الله عز وجل.

    [ يتجلى تارة في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء ]، أي أن الله سبحانه وتعالى يتكلم عن بعض صفاته.. عن الهيبة، وعن العظمة، ومن ذلك قوله تعالى: أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30]، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه:12] لفظ يجعل العبد يخاف!

    ثم يقول ابن القيم رحمه الله: [ ما قرئ القرآن على جبار إلا وتصاغر ]، بشرط أن الذي يقرأ القرآن يقرؤه من قلب صادق، ولعلنا نذكر الشيخ: محمد رفعت رحمة الله عليه، فقد منع من التسجيل في الإذاعة؛ لأنه استضيف ذات مرة في قصر عابدين ليقرأ إذا جاء الملك، فأول ما دخل الملك قرأ قوله تعالى من سورة النمل: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً [النمل:34]، فغضب الملك جداً، ومنع الشيخ أن يسجل القرآن بهذا الصوت الملائكي الجميل، رحمه الله ورحم الله كل من حفظ القرآن حياً وميتاً، اللهم احفظ علينا القرآن ونعمنا به في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين.

    ثم يقول ابن القيم رحمه الله: [ وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال ]، أي: أن الله سبحانه وتعالى يعطينا دون أن نسأل، ولو أن الله أعطانا بحسب الدعاء فقط لانقطعت عنا النعم التي تغمرنا.

    فنعمة التنفس -الشهيق والزفير- بعدد 16 مرة في الدقيقة، ونبضات القلب من 70 إلى 80 مرة في الدقيقة! أعضاء آلية لا يتدخل العبد فيها ولا يدعو الله تعالى أن يمنحه إياها، ولا يشعر الإنسان بهذه النعمة إلا إذا أصيب بمرض يعيق عملها، كالأزمة الربوية، أو أمراض القلب.

    وهكذا غيرها من الأعضاء في بدن الإنسان، لا يعرف المرء أهميتها إلا إذا أصيب بمرض يعيق عملها، ومع أنه لا يسأل كل تلك النعم فإنه يعطاها بلا مسألة من الكريم سبحانه، وفي الحديث: (أن أعرابياً دخل على رسول الله فقال: يا رسول الله! من يحاسبنا يوم القيامة؟ قال: إن الذي يحاسبنا هو الله، قال: والله إذاً لا أبالي... ما دام أن الله هو الذي يحاسبنا فهو الكريم وإن الكريم إذا رأى ستر وإذا قدر عفا).

    وفي الحديث القدسي: (يا عبدي لا تشكني إلى عوادك)، أي: عندما تمرض أو تحل بك أزمة فلا تشكني إلى الذي أتى يزورك (فكم من ذنب منك يصعد إلي بالليل والنهار ولم أشكك إلى ملائكتي)، بل إن الله ينسي الأرض وينسي الليل وينسي النهار وبقية الشهود العشرة التي ستشهد علينا بالحسنات أو بالسيئات يوم القيامة، اللهم اغفر لنا يا أرحم الراحمين كل ذنوبنا يا أكرم الأكرمين.

    ومعنى قوله: [ وجمال الأفعال ]، أي: أن كل الذي يأتي من عند الله خير، أما من أين يأتي الشر؟ فإنه منك أنت، لا ينسب الشر إلى الله إنما الخير كل الخير من الله عز وجل.

    ولذلك قد أرى أن صورة من الصور، أو حالة من الأحوال سيئة، كأن يحصل لك موقف مع زوجتك، أو أبيها أو ابنك، أو غيرهم، فالصورة الظاهرية أنه ابتلاء، لكن الصورة الحقيقية أنها نعمة يسوقها الله في صورة بلية!

    قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض الناس بالنعم

    فقد تأتي البلية بصورة نعمة وتأتي النعمة في صورة بلية، فتجد من رزقه كفاف قد أعطي صحة وعافية فإذا فتح عليه باب المال فتح عليه باب المرض، وهكذا.

    وللتقريب نضرب هذا المثال: لو أن الدكتور قال لك: لا ينفع مع أصبع ابنك هذا إلا أن يقطع، فهل أنت حين توافق الطبيب قاس على ابنك أم رحيم به؟ لا شك أنك رحيم، وترى أن صلاح الولد في كلام الطبيب وأن الأصبع لابد أن يقطع أو الذراع أو الرجل، أما الابن الصغير فإنه يرى أن أباه قاس عليه يوافق الدكتور أن يقطع له أصبعه! وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، فالله يعلم أن في هذه البلية صلاحك، وأن المرض في ميزان حسناتك، وأن المصيبة إن احتسبتها رفعت درجتك.

    1.   

    قيمة السلعة بقيمة مشتريها والثمن المبذول فيها

    وعن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [التوبة:111]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: [ تعرف قيمة السلعة بقيمة مشتريها ]، فأنت حين ترى إنساناً يشتري بناء أو منزلاً فاخراً بمال كثير تدرك أن هذا الرجل ثري، ثم يقول: [ والسلعة تعرف بقيمة مشتريها، وبالثمن المبذول فيها، وبالمنادي الذي ينادي عليها، فإذا كانت السلعة هي النفس، والمشتري هو الله، والثمن هو الجنة، والمنادي سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم ]، وقطعاً فإن الله لن يشتري نفساً أمارة بالسوء، وإنما يشتري النفس المطمئنة، لأن الإنسان الذي باع إنما يبيع شيئاً ليس بكاسد، وما دام باع فسيسلم البيع أو السلعة قبل ما تفسد، فأنت سلم نفسك الآن لله رب العالمين؛ فقد تكون هذه الأيام أفضل من الأيام الآتية.

    نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    إن قلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن، فالعبد ما دام قد باع نفسه لله فليضمن أن المشتري هو الله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، و(اشترى) فعل ماض، والأنفس والأموال هما في الأصل ملك لله، فلا يوجد كما يقال: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وإنما: دع ما لقيصر لله، وما لله لله؛ لأن كل شيء لله.

    ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يحرق البيوت على أناس تخلفوا عن صلاة الجماعة، ولذلك لا يتخلف عن صلاة العشاء وصلاة الصبح إلا المنافقون، وهذه من علامات النفاق؛ لأن الظهر يأتي علينا وكلنا في أعمالنا، فيصلي بعض الناس لكي يقول عنه زملاؤه أو مديره في العمل: إنه يصلي.

    فالكارثة أننا نصلي الظهر والعصر في الشغل لكي يقول الناس: إننا ملتزمون، لكن لا يخرج من بيته يصلي الفجر، وربما يخرج إلى المسجد ويوقظ حارس العمارة ويقول له: لماذا لا تفتح لي الباب وأنت تعرف أنني أخرج كل يوم لصلاة الفجر؟ حتى يسمع الجيران أنه يصلي الفجر.

    فالذي لا يصلي الفجر منافق، فمن لا يصلي صلاة الفجر والعشاء في المسجد فهذا دليل على النفاق، والعياذ بالله.

    ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة)، فالذي يمشي إلى المسجد في الظلام في الدنيا، سيمشي بنور الله يوم القيامة، لأن الله لا بد أن يعوضه عن هذا يوم القيامة، وكذلك حرم عليه الخمر في الدنيا، وجعل في الجنة أنهاراً من خمر، وهذه الخمر ليس فيها سكر، لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47]، أي: لا تغتال العقول ولا تذهبها.

    وكذلك الحرير حرمه الله على الرجال في الدنيا وأباحه لهم في الجنة، فإنهم يلبسون الحرير ويجلسون عليه، فإذا كانت المقاعد في الجنة بطائنها من إستبرق وهو الحرير، فكيف بظاهرها؟

    فإذا حرمت على نفسك الحرير في الدنيا فالله يعوضك بالحرير في الجنة، وإذا حرمت على نفسك الخمر في الدنيا فالله لن يضيع عليك شيئاً، قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143].

    إذاً: إذا رأى العبد أن الناس قد فرحوا بالدنيا وما فيها فليفرح هو بالله، وبلقاء الله، أو يفرح بصدقة عملها، أو مصلحة لشخص قضاها، أو يفرح أن فلاناً تصالح مع زوجته ولا يفرح لخراب البيوت كما يحصل من بعض الناس، وبعض الناس يظل يسعى إلى خراب البيوت حتى يخربها بقصد أو بدون قصد.

    فالأم المفوهة عندما تأتي إليها ابنتها غاضبة من زوجها تقول لها: انتبهي! على زوجك، فإنك لو أطعته ستدخلين الجنة، ولو صبرت عليه سيكرمك الله، فتقول لها كلاماً يطيب نفسها، ولا تحرضها ضد زوجها، فالأم تكون ناصحة وحنونة، ولا تكون هي التي تصب الزيت على النار، وتقول لها: لا تعودي لزوجك حتى يأتي إلى هنا ويعتذر ويأتي معه أبوه وأمه.

    فلماذا نوسع المشكلة؟ ولماذا لا نضيق عليها؟

    أعرف آباء إذا رجعت ابنته من عند زوجها غاضبة منه وقد طردها من بيته، يقول لها: ارجعي إلى بيت زوجك وسآتي وأصلح بينكما في بيت زوجك، فترجع إلى بيت زوجها.

    وقد حصل هذا الموقف لرجل فاضل عنده بنات متزوجات، وإحدى بناته أتت من بيت زوجها وهي غاضبة، فأمها أثارتها على زوجها، وهي تقول: لقد أغضبني وضربني و.. و... وهو لم يعمل بها شيئاً، والزوجات أحياناً قد يكذبن على النفس، وليس معنى هذا أن الزوجات غير طيبات.

    ولكن الذي أريد أن أقوله أن الأب الناصح والأم الناصحة لا يوسعون القضية، فقال لها أبوها: ارجعي إلى بيتك.

    فقالت له: لقد قال لي اذهبي إلى بيت أهلك.. فقال لها: أنا لا أقبل أن ابنتي تأتي إلي وتقول مشكلتها وزوجها غير موجود، فاذهبي إلى بيت زوجك وسوف آتي وأرى ماذا حصل؟ فعادت إلى بيت زوجها، وبينما هي تطرق الباب فتح زوجها الباب وكان يظن أن أباها معها، فقال: تفضل يا عم! فقالت له: لقد أتيت بمفردي، فاستغرب وقال: لقد ذبحني عمي بهذا التصرف، وفي الليل أتى حموه إليه ومعه زوجته، فأتت البنت تشتكي فقال لها: أريد أن أسمع زوجك أولاً، فقال له: خيراً ماذا حصل؟ فقال له: أنا رجل قليل الأدب لأنني أخرجت زوجتي من البيت، وانتهى الموضوع، فلم يجد الأب رداً على كلامه.

    ونحن للأسف الشديد نريد جنازة يحصل فيها لطم، ويوجد ناس من الحزن وكثرة الاكتئاب يتابع صفحة الوفيات بالجرائد، ويتذكر ويبكي، ويبحث عن أي شيء يجلب له الحزن، فهذه أشياء غريبة.

    وبعض الناس لابد أن يشتكي، حتى من أي شيء.