إسلام ويب

سلسلة شرح كتاب الفوائد [1]للشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العبد هو الفقير إلى الله المحتاج إليه، فعليه أن ينصف ربه فيعترف بجهله وفقره وحاجته إلى ربه.

    1.   

    آثار التقصير في كتابة تاريخ أعلام المسلمين

    الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنسأل الله عز وجل أن يجعل هذه الجلسة خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، وألا يدع لنا رب العباد ذنباً إلا غفره، ولا مريضاً إلا شفاه، ولا عسيراً إلا يسره، ولا كرباً إلا أذهبه، ولا هماً إلا فرجه، ولا ضالاً إلا هداه، ولا مظلوماً إلا نصره، ولا ظالماً إلا قصمه، ولا عيباً إلا ستره، ولا مديناً إلا سدد عنه دينه، ولا ميتاً إلا رحمه، ولا مسافراً إلا رده غانماً سالماً.

    اللهم إنك تعلم أن في قلب كل واحد منا كرباً، فأذهب -اللهم- كروبنا، وفرج همومنا، وأذهب أحزاننا، وحقق آمالنا، وأذهب آلامنا، وثبت يقيننا، وقو حجتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.

    اللهم إنا نسألك أن تطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، وأن تطرد عن أبنائنا وبناتنا وأزواجنا وذرياتنا شياطين الإنس والجن، وأن تجعلنا -يا أرحم الراحمين- من عبادك المتقين؛ إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

    لقد طلب إلي بعض الإخوة أن نقرأ بعض الموضوعات من كتاب عظيم للإمام ابن القيم ، وهو كتاب الفوائد، وهو من أعظم الكتب التي يقتنيها المسلم.

    والإمام ابن القيم رضوان الله عليه هو التلميذ النجيب لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن تيمية لم يأخذ حظه في التاريخ الإسلامي، فلم يكتب عنه في التاريخ الإسلامي، كما ظلم كثيرون في تاريخ الإسلام، فما كتب عنهم أحد.

    يمتاز الغربيون بشيء معين، وهو أن عندهم أن الرجل قد يكون ربع عظيم، أو ثلث عظيم، فيجعلون منه عبقرياً من العباقرة، فلو أن في الغرب رجلاً كـابن تيمية أو كـصلاح الدين أو كـابن القيم أو كـالشافعي أو نحو هؤلاء العظماء الذين كانوا في حياتنا، وأثروا الفكر الإنساني والفكر الإسلامي، وحافظوا على الكتاب والسنة، لو كان هؤلاء عند الغربيين الأوربيين أو الأمريكان أو غيرهم لألفت فيهم الكتب، فـنابليون ألف فيه باللغة الفرنسية ألف ومائة كتاب، تحدثت تلك الكتب عن نابليون وحياة نابليون ، فصار نابليون أحد أعلام الثورة أو التاريخ أو الحضارة الفرنسية.

    حتى إنه من كثرة ما كتبوا عن عظمائهم كتبنا نحن عنهم في كتب التاريخ لأبنائنا، ولقد عملت إحصائية منذ سنوات في مراحل التعليم المختلفة للكتب الدراسية التي تتحدث عن الشخصيات وعن الموضوعات التي تهم التلاميذ، فوجدت ما يقرب من ثلاث وسبعين صفحة في الكتب تدرس لأبنائنا في المرحلة الثانوية تتحدث عن أوربا وعن الحضارة الأوربية.

    ووجدت قرابة تسع وستين صفحة تتحدث عن الحملة الفرنسية وآثارها السياسية والاقتصادية والعسكرية، والعلمية، ووجدت ما يتحدث عن النهضة الإيطالية في قرابة مائة وسبع صفحات.

    وأما ما كتب عن عمر بن عبد العزيز في القصة التي كان تدرس في سنة من السنوات فثلاث صفحات، وما كتب عن الصحابة رضوان الله عليهم ثلاث وعشرون صفحة، وما كتب عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد على خمس وثلاثين صفحة.

    فأولادنا يدرسون عظمة الأوروبيين، ولا يدرسون عظمة آبائهم وأجدادهم، فلو سألنا أحدهم عن صلاح الدين الأيوبي فإنه قد لا يعرفه، وكذلك لو سألناه عن سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة.

    والأولى أن تدفع الجوائز المشجعة في حياة هؤلاء الرجال، فأبناؤنا قد لا يعرفون شيئاً عن أبي بكر الخوارزمي ، أو عن الرازي ، أو عن الشوكاني صاحب نيل الأوطار، أو عن الإمام محيي الدين النووي صاحب رياض الصالحين، أو عن الإمام الترمذي صاحب السنن، أو عن ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، أو عن الحسن بن الهيثم ، أو جابر بن حيان ، وغير هؤلاء الذين أثروا العلم الإنساني، وأخذت عنهم أوروبا، واستيقظت بهم في الظلام.

    فأين تاريخ هؤلاء العظماء من السلف الصالح الذين أثروا وحافظوا على الكتاب والسنة، وحافظوا لنا على هذا التاريخ العظيم.

    وقد زارني أخ في الله، واطلع على المكتبة، فرأى كتباً بلون واحد تقع في واحد وأربعين جزءاً، فقلت له: هذا كتاب يقع في واحد وأربعين جزءاً، وهو أحد كتب الإمام ابن تيمية .

    و ابن تيمية ألف ما يقرب من ثلاثمائة واثنين وأربعين كتاباً، وكان قواماً بالليل صواماً بالنهار، مجاهداً في سبيل الله، وكان من أكبر المقاتلين، مع كل هذا لا ندري عن ابن تيمية إلا الشيء اليسير.

    فنحن نجهل تاريخنا، ولا نعرف شيئاً عن نسيبة بنت كعب ، أو عن السيدة زينب زوجة عبد الله بن مسعود ، أو عن السيدة أم كلثوم بنت السيدة فاطمة الزهراء التي تزوجها عمر بن الخطاب ، لا نعرف من تاريخها شيئاً، ولا نعرف تاريخ رقية أو أم كلثوم أو زينب بنات سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكذلك عاتكة بنت عبد المطلب وصفية بنت عبد المطلب وسائر عمات الرسول صلى الله عليه وسلم، لا ندري عنهن شيئاً.

    وقد يقول البعض: إن هذا تقصير العلماء؛ لأنهم لم ينظروا إلى عظمة هذا التراث وعظمة هذا التاريخ الذي يعتز الإنسان به.

    وإني لأذكر رسالة الملك جورج الذي كان حاكم إنجلترا إلى هشام الثالث ملك المسلمين بالأندلس، حيث قال فيها: من الملك جورج الخامس ملك إنجلترا والدنمارك إلى أمير المؤمنين، أما بعد:

    فإنه قد بلغنا ما تقدمت فيه بلادكم في نواحي العلم المختلفة، ولقد أرسلنا إليكم بعثة علمية تتعلم في بلادكم لمدة عامين ترأسها الأميرة روبانت بنت أختنا، ولعل البعثة خليقة عندكم بالتكريم اللائق.

    وفي آخر الرسالة كتب: خادمكم المطيع: جورج الخامس ملك إنجلترا.

    فسبحان من يغير ولا يتغير، والله سبحانه أعطى الناس في الكون أسباباً، فلو صار الإنسان وفق هذه الأسباب واتبع الخطوات التي أعطاها الله له لنجح؛ لأن الله عز وجل سوف يعطيه الثمرة، أما أن نكبر الأمر الصغير، ونصغر الأمر الكبير، ونهتم بأمور لا علاقة لها بالدين، فذلك هو التخلف بعينه، فإن الله -كما قال لنا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم- يحب من الأمور معاليها، ويكره سفسافها .

    فربنا سبحانه وتعالى لا يحب إلا معالي الأمور، ويكره الحق عز وجل سفساف الأمور.

    1.   

    آثار الذنوب والطاعات في نظر ابن القيم

    إن الإمام ابن القيم رضوان الله عليه هو -كما قلنا- التلميذ النجيب للإمام ابن تيمية ، وقد كان ابن القيم رحمه الله يمشي مع تلميذ له على شاطئ في العراق، فسأله سؤالاً، فظل الإمام يتحدث، وتلميذه يبكي، ثم قال: ألقاك غداً إن شاء الله.

    وبعد ثلاثة أيام اكتشف التلميذ أن الإجابة هي عبارة عن كتاب سماه الإمام ابن القيم (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، والذي يقرأ كتاب (الجواب الكافي) للإمام ابن القيم يتوب عن الذنوب حقيقة، واقرءوا وجربوا؛ لأنه يبين ما تعمله الذنوب وما تعمله الحسنات، فالذنوب تجعل ظلمة في الوجه، وظلمة في القلب، وعدم قبول عند الناس، وعدم رضا من الله، وبها تدعو الملائكة على المذنب، ومن نتائج الذنوب الذنب بعد الذنب، فالذنب يجلب الذنب، إلى أن تخف وطأة الضمير أو يقظة الضمير، ويعتاد القلب على المعصية.

    وأما الطاعة فنور في الوجه، وضياء في القلب، ومحبة في قلوب الناس، ودعاء الملائكة لك، وذكر الله عز وجل للطائع، ففي الحديث: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذرعاً، ومن تقرب إلي ذارعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).

    فالله عز وجل الغني سبحانه وتعالى يتقرب إلى عبده الفقير، وإن تقرب الفقير إلى الغني أمر عادي، وتقرب الصغير إلى الكبير كذلك، أما أن الغني يتقرب ويتودد إلى الفقير، والقوي يتودد إلى الضعيف فتلك مسألة أخرى.

    فالله -وهو الغني- يتودد إلينا نحن الفقراء، والله -وهو القادر- يتودد إلينا نحن الضعفاء، أليس في هذا عجب؟! يقول الله جل جلاله: (إني والإنس والجن في نبإ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتودد إليهم بالمغفرة وأنا أغنى الأغنياء عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أشد ما يكونون حاجة لي، أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل محبتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبه، ومن لم يتب فأنا طبيبه، الحسنة عندي بعشر أمثالها وقد أزيد، والسيئة عندي بواحدة وقد أعفو).

    فالله عز وجل يخلق ويُعبَد غيره، يرزق ويُشْكَر غيره، مع أن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وخيره إلى العباد نازل وشر العباد إليه صاعد.

    إن ولدك إذا عصاك فإنك قد لا تقبله في بيتك، وأنت تعصي الله ليل نهار، ولا يطردك من ملكه، ولا يغضب على العبد أبداً، فإذا كان العبد طائعاً وقال: (يا رب!) قال: لبيك يا عبدي. وإن كان عاصياً وقال: (يا رب!) قال: لبيك لبيك لبيك يا عبدي. فسبحان الله، ولا إله إلا الله.

    إنها رحمة عظيمة، فالناس يعصون ربهم وهو يرزقهم، وإذا عاد العبد إلى ربه لا يعاتبه على ما مضى، فكأن العبد يقول: يا رب! لقد أذنبت. فيقول الله: عبدي وأنا قد علمت. فيقول: يا رب! أنا قد تبت. فيقول له: وأنا قد قبلت. فيقول: يا رب! لن أعود، فيقول: وأنا سوف أشد عضدك في طاعتي لكي لا تعود.

    ويروى أن رجلاً قال لموسى عليه السلام: يا موسى ! عبدت الله عشرين سنة، وعصيته عشرين سنة، وأريد أرجع، فهل ينفع ذلك؟ فقال الله له: يا موسى ! قل له: أطعتنا فأثبناك، وعصيتنا فأمهلناك، وتركتنا فما تركناك، ولو عدت إلينا على ما كان منك قبلناك.

    فالعبد إذا عاد إلى الله قبل الله توبته، اللهم اقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، ويسر أمرنا، واغفر ذنبنا وزلتنا يا أرحم الراحمين.

    1.   

    بيان حقيقة إنصاف المرء ربه

    الإقرار بالجهل في العلم

    يقول الإمام ابن القيم في كتابه (الفوائد): (طوبى لمن أنصف ربه).

    وطوبى درجة عليا في الجنة.

    ومعنى (أنصف ربه): أقر له بالجهل في علمه، كما كان ابن عطاء الله يدعو دائماً: يا ربي! أنا الجهول في علمي، فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟! وأنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟!

    ولذلك قال لنا أهل العلم: إن المسلم بطبيعته يتأدب مع الله عز وجل، فعندما يشعر بالفقر يقول: يا غني أغنني، وعندما يشعر بضعفه يقول: يا قادر يا ناصر انصرني، ويا قوي قوني فإني ضعيف، فقو في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي.

    فمن أنصف ربه أقر له بالجهل في علمه؛ لأننا إن أقررنا بالجهل علمنا رب العباد، كما روي في الأثر: ما يزال الرجل يتعلم ويتعلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل.

    الإقرار بالآفات في العمل

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه وبالآفات في عمله.

    فحين أصلي لا أقول: أديت الذي علي، بل أصلي وأخاف أن ترد علي الصلاة فلا تقبل؛ لأن مالي حرام، أو لأن القميص حرام، أو لأن القلب مليء بالغل والحقد على الناس، أو لأن الزوجة تخون زوجها في إخراج أسرار بيته، أو أن الزوج يخون زوجته فينشر أسرارها، أو لأن المصلي يخون الأمانة، أو يخون الوظيفة فيأخذ ما ليس من حقه، ثم يقف بين يدي الله ويقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    فأنا أصلي وأنا خائف ألا تقبل الصلاة، وأقرأ القرآن وأخاف ألا يتقبل الله مني، وعندي رجاء في القبول، ولكن يجب علي أن أغلب الخوف على الرجاء، فنحن في زمن غلب فيه الناس جميعاً الرجاء على الخوف، لأن الواحد منهم ينظر إلى من هو أقل منه في الدين، وينظر إلى من هو أفضل منه في الدنيا.

    فإذا صلى الجمعة، ثم خرج فرأى عظيماً بماله كبر في نفسه، ولا ينظر إلى من يصوم الإثنين والخميس، ولا ينظر إلى من يقوم الليل، ولا ينظر إلى من يتقرب بالصدقة، ولا ينظر إلى من يصل الرحم، ولا ينظر إلى من يفعل الخير أو يتوارى بين الناس تواضعاً وخجلاً.

    فالإنسان يجب عليه أن يقر لله بالجهل في علمه، وبالآفات في عمله.

    وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم إني أسألك من العمل أخلصه وأصوبه.

    فيقولون: يا أمير المؤمنين! ما أخلصه وما أصوبه؟ فيقول: أخلصه ما كان لله عز وجل، وأصوبه ما كان على الكتاب والسنة.

    فلا يصح أن أخرج من البيت لأصلي ركعتين عند السيد البدوي ، فالصلاة هي عبادة، ولكنها هنا ليست لله عز وجل، فاللازم علي وأنا أصلي أو أؤدي العمل أن يكون العمل على منهج الكتاب والسنة، فلا يصح الطواف حول قبر الحسين كما يطاف حول الكعبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إن صنعتم كما صنعوا لعنكم كما لعنهم).

    وبعث علي بن أبي طالب على ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، ولا صنماً إلا كسره.

    الإقرار بالعيوب في النفس

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه، وبالآفات في عمله، وبالعيوب في نفسه)، فيقول: سوف أفرغ وقتي لإصلاح عيوبي.

    ليس هناك امرؤ يقول: فيَّ عيب. فكل يرى العيب في غيره، ولا يراه في نفسه.

    فيجب علي أن أقتنع بأنني ذو عيوب، وأتعهد بإصلاح عيوب نفسي، ولو فعل ذلك كل واحد لبلغنا مبلغاً عظيماً، فمن منا لم تأت عليه أوقات لم يؤد فيها زكاة ماله، أو لم يصم رمضان، أو لم يقم بالنوافل، أو قطع رحمه؟! ومن منا يبيت مظلوماً تدعو له الملائكة، ولا يبيت ظالماً تدعو عليه الملائكة؟!

    1.   

    دوران العبد بين رؤية عدل الله ورؤية فضله

    إن كل واحد منا يرى أنه المظلوم، وأنه هو المسلم الوحيد، وأنه على الطريق الصحيح، ولكن لن يستطيع الإنسان أبداً أن يضحك على نفسه دائماً، كما قال أحد الحكماء: إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وتستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.

    وكذلك لا تستطيع أن تخدع نفسك التي بين جنبيك في بعض الوقت؛ لأنك صادق مع نفسك، حتى وإن قبلت الكذبة ثم صدقتها، فإنك سوف تفيق يوماً، وتعود إلى نفسك يوماً فتوقن بأنك قد فرطت في جنب الله، فتقر لله عز وجل بأنك جاهل في علمك، وأنك مفرط، وأن عملك مليء بالآفات، وأن نفسك مليئة بالعيوب، وأنك ظالم في معاملة الله عز وجل، فإن أخذك بالذنوب رأيت عدله، وإن لم يؤاخذك بها رأيت فضله، وهناك فرق بين عفو الله عن العبد وبين الاستدراج.

    فالاستدراج معناه: أن عبداً من العباد مقصر في جنب الله، ومع تقصيره ينصب عليه الخير ليل نهار، فهذا استدراج، فالله تعالى يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:44-45]، والعياذ بالله رب العالمين.

    إذاً: إذا رأيت العبد مقيماً على المعاصي والخير ينصب عليه فاعلم أنه مستدرج.

    فالعبد الصالح إن آخذه الله بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإن عمل حسنة رآها من منته عليه، فيقول: من فضل الله علي أنه وفقني لصلاة الجماعة، ومن فضل الله علي أنني تصدقت، ومن فضل الله علي أنني وصلت الرحم، ومن فضل الله علي أنني صمت الإثنين والخميس.

    وهكذا يرى فضل الله عز وجل في كل طاعة من الطاعات، وهذه هي المنة الأولى.

    المنة الثانية: أنه تقبلها منه، وفي الحديث: (إن الله ليقبل صدقة أحدكم بيمينه، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه).

    فالله تعالى إذا قبل طاعتي كان ذلك منه منة علي، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يتقرب به إلى الله، وذلك أن على أبواب السماوات ملائكة، فعلى باب كل سماء ملك من الملائكة، فحين يصعد عمل العبد يقول الملك الأول: إن صاحب هذا العمل مغتاب، والله أمرني بألا يمر عمل من عندي صاحبه مغتاب، وعند باب السماء الثانية يقول الملك: أنا الملك الموكل بالنميمة، وصاحب هذا العمل نمام، وفي السماء الثالثة ملك، فيقول: أنا الملك الموكل بالحقد، وصاحب هذا العمل حقود، وفي السماء الرابعة يقول الملك: أنا الملك الموكل بالحسد، وصاحب هذا العمل حسود، وهكذا إلى السماء السابقة، فيقول حملة العرش: ردوا عليه عمله، فالله لا يقبل عمل مغتاب، ولا نمام، ولا حقود، ولا حسود، ولا آكل أموال اليتامى، ولا مقامر، ولا عاق والديه.

    وقد يكون في عمله جزء ليس لله، والله سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن أشرك في عمل مع الله غيره تركه الله وشركه.

    ولذا يرى العبد نفسه مقصراً، فإن قبل الله عمله كان ذلك بمحض جوده وإحسانه، فلا يرى ربه إلا محسناً، ولا يرى نفسه إلا مسيئاً.

    نسأل الله سبحانه أن تكون جنة أبداً إن ربنا على ما يشاء قدير، فاللهم تقبلنا في عبادك الصالحين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اللهم تب علينا توبة صادقة نصوحاً، نقول جميعاً: تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نعود لمثل هذا أبداً، وبرئنا من كل دين مخالف لدين الإسلام، والله على ما نقول وكيل.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.