إسلام ويب

سلسلة الدار الآخرة الحساب [1]للشيخ : عمر عبد الكافي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوم الحساب اسم من أسماء يوم القيامة، يوم توضع فيه الموازين وتحاسب فيه كل نفس على ما كسبت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ويظهر في ذلك اليوم الرهيب فضله سبحانه وكرمه، وعدله في قضائه، وتنكشف الأعمال وتفضح بعد أن كانت مستورة في الدنيا ولا يظلم ربك أحداً.

    1.   

    ذكر ما جاء في الحساب يوم القيامة

    أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذه بمشيئة الله عز وجل هي الحلقة الحادية عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، ندعو رب العباد في بداية هذه الحلقة أن يجعلها في ميزان حسناتنا يوم القيامة، اللهم ثبت بها أقدامنا على الصراط يوم القيامة، اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد، اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم باعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.

    اللهم ثقل موازيننا يوم تخف الموازين، اللهم اجعلنا من الذين ثقلت موازينهم يا رب العالمين! اللهم ألهمنا حجتنا عند الحساب يا أكرم الأكرمين!

    اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، واسقنا من يده الشريفة شربة من حوض الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن أمته منا فأمته على الإسلام.

    أحينا إن كانت الحياة خيراً، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، اللهم لا تدع لنا وللمسلمين ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله.

    تعلم يا مولانا أننا مقهورون فانصرنا، أذلاء فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا، اللهم إنا أصحاب شهوات فتب علينا، اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، أخرجنا من الدنيا مسلمين، وأمتنا في دينك موحدين.

    اللهم اجعلنا من الذين يدافعون عن كتابك وسنة حبيبك صلى الله عليه وسلم، اللهم أوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، وأعطنا كتابنا بأيماننا، فلا تعطه إيانا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

    اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، بمقعد صدق عند مليك مقتدر.

    وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    هذه بمشيئة الله هي الحلقة الحادية عشرة وهي أولى الحلقات التي تتحدث عن الحساب.

    اللهم اجعلنا من الذين رضيت عنهم في الدارين يا رب العالمين!

    هذه بمشيئة الله هي الحلقة الأولى عن الحساب، اللهم خفف حسابنا، اللهم ثبتنا عند الحساب، اللهم ثبتنا عند الحساب، اللهم ثبتنا عند الحساب، واجعلنا فيه من الناجحين الفائزين، آمين يا رب العالمين.

    معنى الحساب في الدنيا

    كلمة حساب إذا أطلقت في الدنيا إنما يخطر على بال الواحد منا أنه الجمع والطرح، والتجار يتحاسبون فحساب التجار أرباح وخسائر فإذا كانت الشركة في آخر السنة عند إعداد الحساب الختامي أو الحساب الموسمي خزانتها زائدة فهي شركة ناجحة؛ لأن فيها الزيادة، وإذا كانت الديون أكثر مما في الخزانة، إذاً: الشركة خاسرة.

    إذاً: قضية الحساب إذا خطرت على بال العبد بمسائل الدنيا فهي عبارة عن زيادة ونقص، ولا يوجد ما بين البينين، فإن كانت الشركة بين ربح وخسران فهي محتاجة إلى لجنة رأفة، فأرباح الشركة بقدر خسائرها تريد شفاعة من رئيس الوزراء أو من المسئول كي يرجح جانب الربح عن جانب الخسارة، أو جانب الزيادة عن جانب النقص.

    ونحن ندخل على حلقة الحساب فعندي تهيب غريب لهذه الحلقة بالذات.

    ذكرنا أن الخلق قد حشروا في أرض المحشر ووقفوا أمام الله عز وجل عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، وأول من يكسى الحلة خليل الله إبراهيم كما روي عن الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم، يحشر الله الخلائق من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    تخيل أنت هذا الموقف وشبهه بموقف من مواقف الدنيا، فالمحكمة عبارة عن قاض قاعد ومستشار كادح على قدر حاله، إذا أصيب بالأنفلونزا لا يذهب إلى المحكمة، وإن جاء غيره لا يقدر أن ينطق بالحكم، وإن جاء ابنه أخطأ في المسألة ونسي القانون الذي درسه؛ نتيجة أنه أصيب بشيء من المرض أو دخل في غيبوبة أو أخذوه إلى غرفة الانعاش، نفس القضية في المحامي من يترافع عنك قد يموت ساعة الجلسة أو ابنه يموت، أو تأتيه سفرية فيموت هو، فلا تجد من يدافع عنك في المحكمة.

    فإذا كانت المحكمة الدنيوية صورة مصغرة، فلست أريد تشبيه يوم الحساب بالمحكمة الدنيوية؛ لأن الأمر أكبر من ذلك، لكنه مثل قريب قوي لمسألة التوتر الحاصل للمدعي أو المدعى عليه في مسألة أو قضية من القضايا، كقضية ميراث أو قضية أرض أو قضية طلاق أو شهادة، كل هذه المسائل مسائل دنيوية مصغرة، ولكن أمر الآخرة أكبر من ذلك.

    يقول أبو بكر رضي الله عنه: يا رب! ليس لك وزير فيؤتى ولا حاجب فيرشى وليس لنا إلا أن نخلص في أعمالنا عسى أن تتقبلها منا يا رب العالمين! هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي لو أن إيمانه وضع كفة وإيمان الأمة كلها في كفة لرجحت كفة الصديق بإيمانه.

    إذاً: الأمر خطير؛ ولذلك يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يا عباس ! يا عم رسول الله! اعمل ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية ! يا عمة رسول الله! اعملي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً، يا بني هاشم! لا يأتيني الناس بحسنات يوم القيامة وتأتوني بأوزاركم على ظهوركم تقعون بها على الصراط تقولون: أدركنا يا محمد! أقول ما قاله أخي عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).

    قيل: يا خليل الرحمن! إنك تشبث بقوائم العرش عندما تزفر النار زفرة وتنسى ابنك إسماعيل، وتنسى أنك خليل الرحمن، قال: خوفي من ربي أنساني خلتي له.

    خوف سيدنا الخليل من الله أنساه أنه خليل الرحمن، إذاً: الخوف وصل إلى درجة كبيرة؛ ولذلك يقول عمر بن الخطاب : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.

    1.   

    نماذج من قصص الصحابة رضوان الله عليهم

    أسر عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه مع عشرين من أصحابه في إحدى الغزوات، أسره هرقل ملك الروم، فحاولوا إغراءه بالمال والجاه والنساء، فوجدوا منه شمماً وأنفة وعزة ويقيناً ليس بعده شك، فقال له هرقل : سوف أفك أسرك إن قبلت رأسي، فقال عبد الله : أقبل رأسك بشرط أن تفك أسري وأسر أصحابي، قال له: وافقت، فقبل رأسه وعاد إلى المدينة، وحكى القصة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقال عمر رضي الله عنه: قبلت رأس هرقل لكي يفك أسر أصحابك، ونحن أولى أن نقبل رأسك جميعاً وأنا أول أصحابي. فقام عمر رضي الله عنه وقبل رأسه وجعل كل الصحابة يقبلون رأسه.

    وفي قصة شهداء الرجيع كان منهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، دعا الله عز وجل أن يمنع جلده من أن يمسه كافر أو مشرك، فاستشهد رضي الله عنه مع أصحابه، وأراد أناس من هذيل أن يأخذوا رأسه ويبيعوه من سفانة بنت محلم وكان عاصم قد قتل ولدين من أولادها في غزوة أحد، فنذرت إن ظفرت به أن تأخذ رأسه وتشرب فيها خمراً شكراً للآلهة، فلما أرادوا أخذ رأسه وجدوا الدبر مجتمعاً حول جثة عاصم رضي الله عنه، فما استطاع أحد أن يقترب من جثته، فسبحان من جعل هذه الدبر تدافع عن الذين آمنوا، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]، وقال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    فاتفقوا على تركه إلى المغرب عند عودة الدبر إلى بيوته، ثم يأخذون رأسه، ولله في خلقه شئون، وإن لله يداً تعمل في الخفاء، فلا تتعجل يد الله وهي تعمل، ودع الله عز وجل ينزل قدره في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد أنت، فما إن غربت الشمس حتى أرسل الله سيلاً جرف كل ما حوله، وكان من بين ما جُرِف جثة عاصم رضي الله عنه، حتى إذا هدأ السيل أخذوا يبحثون عن جثته فلم يجدوها، وهكذا ذهبت إلى حيث شاء الله لها أن تذهب، واستجاب الله دعوة عاصم رضي الله عنه أن لا يمس جلده جلد كافر حياً ولا ميتاً.

    هؤلاء هم أهل الصلاح أكرمهم الله بِمَا صَبَرُوا فنحن إذا صبرنا يوماً جزعنا أياماً، وإذا صبرنا شهراً جزعنا شهوراً، فالله يطلب منا أن نصبر صبراً جميلاً، وكلمة جميل جاءت في القرآن كله في ثلاثة مواضع: قال الله في المزمل: وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [المزمل:10]، أي: هجراً بدون انقطاع، فإن كان لك أخ يشرب الخمر أو يرتكب فاحشة، فاهجره في الله هجراً جميلاً، فإذا رأيته قلت له: كيف حالك؟

    كذلك وردت كلمة (جميل) في سورة الحجر، قال تعالى: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] وهو العفو عن المسيء بلا عتاب، كذلك وردت كلمة جميل في قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18] وهو الصبر مع الرضا بقضاء الله فلا يشكو لأحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن صبر من قلبه على بلية وضع الله يده على قلبه) تخيل يد الله وقد وضعت على قلبك، مثل أم سيدنا موسى التي قال الله عنها: لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10] فالربط على القلب يأتي بعد العصر.

    وإنني لأحزن من كثير من المسلمين، ممن يقول لك: وظيفتي هذه ليست ثابتة، فتقول له: لم؟ يقول: إن القطاع الحكومي العام وظائفه مضمونة، أما وظائف القطاع الخاص فهي على كف الرحمن، فأنت أيها المسلم إذا أخذت ولدك على كفك هل تكون أمه خائفة أو مطمئنة؟ الجواب: مطمئنة؛ لأن الولد على كف أبيه، فما بالك بمن على كف الرحمن؟ أليس في هذا القول سوء أدب مع الله؟

    نبذة عن يوم الحشر

    يجمع الله سبحانه الخلائق جميعاً في أرض المحشر، مؤمنهم وكافرهم، مستقيمهم ومنحرفهم، طيبهم وعاصيهم، ثم تحشر الوحوش وتنزل الملائكة تنزيلاً لتحيط بأرض المحشر، وكل نفس معها سائق وشهيد، أي: كل واحد منا معه ملكان سائق يسوقه وشاهد يشهد عليه.

    ولذلك فإنك إذا وجدت طفلاً صغيراً تفرح به وتقول له: تعال يا بني! أنا سأدعو وأنت تقول: آمين، لم؟ لأن الولد لم يبلغ الحلم، وبالتالي فإن ملك السيئات لم يكتب عليه سيئة، فكلمة آمين منه مستجابة عند الله، لكن عمر عندما كان يختم المصحف يقول لأولاده وأولاد جيرانه: أنا أدعو وأنتم تقولون آمين، عسى الله أن يتقبل منا.

    فنحن نستخدم الأطفال في التأمين على الدعاء؛ لأننا أصبحنا نغترف السيئات اغترافاً.

    أخي المسلم! عندما يزورك ملك الموت تبدأ الملائكة بتفريغ ما ارتكبته من سيئات في كتاب أعمالك.

    إذاً: العبيد وقفوا أمام الله عز وجل ومع كل نفس سائق وشهيد.

    وقال عمر في رسالته الشهيرة لـسعد بن أبي وقاص : يا سعد ! اعلم أن عليكم حفظة من الله، فاستحيوا منهم كما تستحيون من أنفسكم.

    قال أحد الصالحين: استح من ربك كما تستحيي من رجل صالح من عشيرتك، وليس معنى قوله: (استحي من ربك) أنك ظالم أو مجرم أو غير ذلك، إنما الاستحياء من الإحسان، فإن أغلقت الأبواب وظننت أنه لا أحد يراك فإن الله يراك؛ لأن مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    يوم المحشر تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، أو رقيب وعتيد ووقف الخلق فلا تسمع إلا همساً، وعنت الوجوه للحي القيوم، وكلهم في حالة من الوجل والخوف، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة الأنبياء والصالحين والملائكة يومها: رب سلم! رب سلم!) فالأنبياء والرسل والملائكة المقربون كلهم لا يملكون من الدعاء إلا أن يقولوا: يا رب سلم يا رب سلم، إذاً: هذا اليوم صعب وليس من السهولة بمكان، وأنا حزين كل الحزن على من تفوته حلقات الدار الآخرة، وأرجو من الإخوة الذين يقومون بالتسجيل أن ينشروها بأي وسيلة وعلى قدر المستطاع، ولك فيها الثواب العظيم إن شاء الله؛ لأنه أمر يخص العقيدة، ويجعل العبد يستعد من الآن ويستفيق من غفلته.

    كما قال الإمام علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك. فالعالم يغر الناس بتهتكه، والجاهل يغر الناس بتنسكه، فترى العالم جالساً يتعاطى السجائر ويقعد في أماكن مشبوهة ويغر الناس، والجاهل يغر الناس بتنسكه حيث يعبد الله وعبادته كلها غلط، فتراه يطوف حول قبر الحسين سبع مرات كالكعبة تماماً، ويقبل الأحجار والأعتاب ويظن أنه على صواب، نسأل الله أن يوقظنا من غفلتنا، وأن ينبهنا من غفوتنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه؛ إن ربنا على ما يشاء قدير.

    إذاً: وقفت الخلائق كلها منتظرة، ووضعت الموازين، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47].

    وفي يوم المحشر كل أمة تقف وراء إمامها، محمد صلى الله عليه وسلم يقف أتباعه وراءه، وموسى عليه السلام أتباعه وراءه، ثم تتطاير الصحف.

    والصحف: عبارة عن كتب لا يعلم مادتها إلا الله، فيها مجمل الحسنات ومجمل السيئات، يعني: ليست ورقة تفصيلية أو كراسة تفسيرية، وليست كتاباً مفصلاً بأجزاء، إنما هي عبارة عن شيء له وجهان: وجه فيه حسناتك ومجموعها، ووجه فيه سيئاتك ومجموعها، قال تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ [الإسراء:13-14].

    الصحف لها مرحلتان: المرحلة الأولى: الطائر، سماه الله طائراً؛ لأنه يطير حتى يلتصق برقبة صاحبه، كالسالب والموجب، فكل كتاب يعرف صاحبه ويلتصق في رقبته، فإذا كنت من المؤمنين تمسك كتابك بيمينك، وإذا كنت من أهل الفسق والفجور والاعتراض المستمر على أهل العلم تمسك كتابك بالشمال والعياذ بالله، وهناك صنف ثالث أسوأ عذبوا الرسل وأهل الدين وحبسوا أهل العلم ونكلوا بهم وشردوهم، فمثل هذا والعياذ بالله يتلقى كتابه من وراء ظهره، فيضع الله وجهه مكان قفاه، مثلما كان يعيش في الدنيا بالمقلوب.

    فإن قلت لأستاذ: عيب عليك يا أستاذ! إن امرأتك تمشي عارية في الشارع، وتكشف شعرها ورقبتها ووجهها وذراعها ورجلها ووسطها، فاتقوا الله في شبابنا ورجالنا، فإنه يقول: اسكت يكفي كلاماً فارغاً، نحن لسنا في عصر الحرام، لا حول ولا قوة إلا بالله.

    وللأسف الشديد ظهرت في مصر جمعية تسمى جمعية المرأة الجديدة، والقائمون عليها نساء يقال عنهن: سيدات المجتمع، لهن صحافة وإعلام، وللأسف الشديد هن نساء لا يتقين الله عز وجل، إذ يدعين إلى أن المرأة لا تلبس الحجاب إلا حين تموت -يعني: عند الكفن فقط- وأنه ليس هناك شيء يدعو إلى أن المرأة تتحجب، فقد مضى عصر الحريم، والعودة إلى عصر الحريم عودة إلى عصر التخلف، فهؤلاء من ألد الأعداء للإسلام.

    وقالت رئيسة الجمعية في اجتماع لها: إنه يجب عند ولادة البنت أن نزيل غشاء بكارتها، كما أن الولد يختن، حتى إذا كبرت البنت صارت حرة طليقة تفعل ما تشاء، واستمرت الحكومة في السكوت عنها، حتى إذا بدأت تتكلم في السياسة أغلقوا الجمعية الأسبوع الماضي؛ لا لأنها تقول هذا الكلام الفاجر، وإنما لأنها بدأت تتحدث في السياسة، وكأنه يجوز أن يتحدث الإنسان في الكفر، ولكن لا يحق له أن يتحدث في أشياء أخرى، نسأل الله أن يريحنا من هؤلاء وأن يبلغنا الأمان والإيمان والاستقامة والهداية، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعلنا من الذين ينصرون الإسلام في كل وقت وحين.

    إذاً: إما أن يأخذ كتابه بيمينه وإما أن يأخذ كتابه بشماله أو يأخذ الكتاب والعياذ بالله من وراء ظهره.

    ذكر ما يحصل لأئمة الخير ولأئمة الشر يوم الحساب

    هناك أئمة للخير وأئمة للشر، والله يوم القيامة جل في علاه ينادي إمام الخير، أي: ينادي من يقود الناس إلى الخير على رءوس الأشهاد، فيمتلئ خوفاً حين يطلع على سيئاته، يقول الله عز وجل: (عبدي! هذه سيئاتك وقد محوناها وغفرناها لك)، فيطمئن لأنها مسحت، فيطلع على حسناته فيجدها قليلة، فيقول الله عز وجل: (وهذه حسناتك قد ضاعفناها لك وقبلناها منك) فيزداد فرحاً ويرجع بوجه قد أشرق نوراً، فيقول لمن كان معه من قبل: السلام عليكم، ألا تعرفونني؟ فيقولون: نعم، أنت رجل قد أشرقت فيك كرامة الله عز وجل، لكن من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، وقد أخبرني الله عز وجل أن أبشر كل واحد منكم بما بشرني أن زحزحني وإياكم عن النار وسوف يدخلني وإياكم الجنة، وهذا تفسير قول الله عز وجل: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75].

    أما إمام الشر فلا يلقى إلا سيئاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً) فهذا أدخل الفجور إلى مصر، وهذا أدخل ما يسمى بالرقص الشرقي إلى مصر، وهذا أدخل المسرح والتمثيليات الهدامة إلى مصر، ولا أقول هذا تعصباً لمصر؛ وإنما هي شريحة من شرائح الدول الإسلامية أو التي تدعي الإسلام.

    فمن أدخل هذا الشر في بلاد المسلمين فإنه يكتسب ذنباً بذنب من أساء على مر الزمن إلى أن تقوم الساعة وهذا كأي قتيل على وجه الأرض، إذ تجمع ذنوب هؤلاء القتلة وتوضع في ميزان من اخترع القتل في الأرض.

    إن طلابنا في المدارس يدرسون أن عمرو بن العاص كان مكاراً، وهذا سوء أدب مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن عمرو بن العاص هو الذي أدخل الإسلام إلى مصر، فكل مصلٍّ يصلي في مساجد مصر يأخذ ثواباً ولـعمرو بن العاص أجر كأجر كل مصلٍّ في مصر لا ينقص من أجور المصلين شيئاً، كذلك ثواب الصيام لكل صائم في مصر تكون صحيفة حسنات عمرو بن العاص مثله، وهكذا في الزكاة إلى أن تقوم الساعة.

    أما إمام الشر فيقال له: تعال يا عبد الله! فينظر في كتابه فيلقى حسنات قليلة ويفرح فيقول: هذه حسناتي، لكن الأعمال بخواتيمها، فيقال له: هذه حسناتك وقد رددناها عليك ولم نقبلها منك، وهذه سيئاتك وقد ضاعفناها عليك والعياذ بالله، فيسود وجهه ويرجع إلى الفرقة التابعة له فرقة الطاولة والشطرنج والبريدج والمريدج وغير ذلك، يرجع إليهم ووجهه عليه غبرة، فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون: لا نعرفك، فيقول: أنا فلان بن فلان وقد أمرني ربي أن أبلغكم بأني وأنتم في نار جهنم.

    إذاً: حاذر أن تكون رأساً في الشر.

    يذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه طلب من كل واحد من الصحابة أن يقول أمنية، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون لي جبل كجبل أحد من الذهب والفضة لكي أنفقه في سبيل الله تعالى، وقال الآخر: أتمنى أن يكون لي وادٍ كوداي عوف مليء بالخيل أغزو بها في سبيل الله تعالى، وهكذا استمرت الأماني على هذه الوتيرة إلى أن وصل الأمر إلى أمير المؤمنين، فقالوا له: وأنت يا أمير المؤمنين؟! قال: أتمنى أن يكون لي مسجد كهذا المسجد مليء برجال من أمثال أبي بكر الصديق . يقول ذلك لأن أبا بكر كان إماماً لأهل الخير، فقد أسلم على يده ستة من العشرة المبشرين بالجنة، وكل واحد منهم أصبح إماماً في الخير، وكل ثواب من ثواب هؤلاء الستة تجمع في صحيفة حسنات أبي بكر ولا ينقص من ثوابهم شيء.

    إن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هناك يوم القيامة آلاف أسماؤهم طلحة فكيف أعرف عند النداء أنني المقصود؟ قال: (يا طلحة ! عندما ينادى عليك لن تقوم إلا أنت) فأحسنوا تسمية أبنائكم فإن العبد ينادى يوم القيامة باسمه وباسم أبيه، فمن قال: اسمي ظالم بن سارق، يقال له: تظلم أنت ويسرق أبوك فقد كان.

    محاضرة الله سبحانه لكل عبد من عباده

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يوم القيامة إلا وسيحاضره الله محاضرة) فالمحاضرة هذه ليست في الجامعة فقط، حاضر الإنسان إنساناً، أي: وقف وجهاً لوجه وحدثه، ولله المثل الأعلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد إلا وسوف يقف بين يدي مولاه عز وجل يحاضره محاضرة ليس بينه وبين الله ترجمان).

    قال تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ [الإسراء:13-14].

    فإن قال الأمي: أنا لا أستطيع أن أقرأ، أنا رجل أمي نقول: الأمي وغير الأمي القارئ وغير القارئ العربي وغير العربي كل واحد سيقرأ، ويقرئه الذي يعلم السر وأخفى.

    كشف الأعمال وفضيحة المذنب يوم القيامة

    في يوم القيامة كل الخلائق ينظرون إليك، وما عملت من عمل مستتراً به في الدنيا يصبح مكشوفاً أمام الناس جميعاً؛ نسأل الله أن يسترنا دنيا وأخرى.

    سيدنا عمر لما نقض وضوءه على المنبر قال: أيها الناس! على مصافكم، ثم نزل وعاد وآثار الوضوء يقطر من أطرافه، فقال: لقد نقض وضوء إمامكم فذهبت فتوضأت، فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! ما كان يلزمك أن تقول ذلك، قال: يا علي ! فضوح الدنيا أهون عند الله من فضوح الآخرة.

    إن الذي يتتبع عورات المسلمين يفضحه الله سبحانه ولو في جوف بيته، ثم يفضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، لكن فضيحة الآخرة ليس بعدها فضيحة، وكان سيدنا أبو بكر يقول: اللهم يا من سترت في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، آمين يا رب.

    فالعملية صعبة وكل الناس ينظرون، وبعد ذلك تقف أمام الله، فيقال: (أخرجوا له أعماله) ويقال: (لن تظلم اليوم شيئاً) ويخرج له من تحت العرش تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر مكتوب فيه كل صغيرة وكبيرة، وقالوا: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    فيطلع العبد على هذه السجلات صفحة صفحة قال رجل لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه: كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة على كثرة عددهم؟ قال له: كما يرزقهم على كثرة عددهم، فكما أنه يرزقهم في الدنيا رغم كثرة العدد فإنه سوف يحاسبهم يوم القيامة رغم كثرة العدد، وأنت الآن أيها العبد! لا تذكر إلا القليل القليل وقد نسيت الكثير الكثير.

    قال الله تعالى: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6]، وقال تعالى: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84]، وقال تعالى: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52].

    يحكى: أن الحسن البصري بكى لما قرأ الآية: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] قال: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر، فكل شيء مكتوب سواء غفرت أو لم تغفر، فكل شيء يكتبه ملك الحسنات وملك السيئات، إلا دائم التوبة إلى الله سبحانه، فإنه سبحانه من رحمته ينسي الملك الذي يكتب السيئات وينسي الأرض والليل والنهار والشمس والقمر والجوارح فلا يذكر ذنوب التائب إلا الله، وما دام أنه وحده هو الشاهد والشهيد فسوف يغفر لك؛ لأنه ستار حليم.

    وحين يكشف للعبد أعماله يطلع على سيئات كثيرة فيخاف، وينظر في الصفحة الثانية فيرى حسنات قليلة ويزيد خوفه، فيقال: إن عبدك فلاناً كان في الدنيا لا يفضح عورة أحد، ولا ينشر سر أحد، ولا يتجسس على عورات الناس، بل كان يحفظ حرمات الناس، فيغفر الله له ما كان من ذنوب في حقه سبحانه، ويدخله الجنة.

    يقول الله سبحانه للعبد: (عبدي! هل اطلعت فيقول: نعم يا رب! اطلعت، فيقول الله له: يا عبدي! ألك حسنة مخفية؟ فيقول: لا يا رب، كل شيء مكتوب، فيقول الله: هذه غيبة الذين اغتابوك، وظلم الذين ظلموك، ودعاء الذين دعوا لك بالخير، ودعاء الملائكة لك في جنح الليل وأنت نائم، وكرم الله عليك في الدنيا وضعناه في كتاب حسناتك)، كذلك ولد صالح وعلم ينتفع به، وبناء مسجد، وغير ذلك.

    وبعدما يطلع الناس على الحسنات والسيئات ينادى: يا أهل المحشر! -فينصتون- هذا فلان ابن فلان فمن كان له عنده مظلمة فليأت، فيأتون إليه فمنهم من يقول: بعتني سلعة فغششتني، وذاك يقول: رأيتني مظلوماً وكنت تستطيع أن تنصرني فما نصرتني، وذاك يقول: مررت مرة فلم تسلم علي، وذاك يقول: عطست مرة فحمدت الله فلم تقل لي: يرحمك الله، وذاك: مرضت مرة فلم تعدني، وذاك يقول: أعنتك بشيء وكنت تستطيع أن تقضيه فلم تقضه، وهكذا حتى لو بقيت حسنة في كتاب الحسنات أحبطت بالرياء والغش والسوء، وأخذها الخصماء عوضاً عن حقوقهم.

    يقول الله: (يا عبدي! ألك حسنة مخفية؟ فيقول: لا يا رب، يقول الله: هل ظلمك حفظتي) أي: هل الملائكة كتبوا عليك سيئات جزافاً؟ وهذا غير ممكن، بل إن العبد الصالح تستغفر له الملائكة وهو نائم، فيجيب العبد ويقول: لا يا رب! أي: أنا مقر بما كتب.

    ومن رحمة الله عليك كما قلنا أن جعل ملك الحسنات رئيساً على ملك السيئات، فإن عملت خطأً فإن ملك السيئات مكلف بكتابتها، لكن ملك الحسنات يقول له: انتظر وأمهله حتى يتوب، وفي نفس الوقت يستغفر له ملك الحسنات ويدعو الله له أن ينبهه ويجعله من المستغفرين، فإن تبت فإن الله ينسي ملك السيئات، فيأتي التائب يوم القيامة وليس عليه سيئة، طالما صلحت سريرته، فالله عز وجل يمدح المؤمنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، واللمم: صغائر الذنوب يستغفر منها العبد أولاً بأول، ما بين الصلاة والصلاة، وما بين الجمعة إلى الجمعة، ومن رمضان إلى رمضان، وما بين عمرة إلى عمرة، وما بين حج إلى حج، وما بين درس علم إلى درس علم آخر، كذلك قيام ليل أو صيام نهار أو صدقة، فكل هذه الأعمال الصالحة تمسح السيئات واللمم، ولكن لا بد أن يحذر الإنسان من المواظبة على الصغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على ابن آدم حتى يهلكنه) فمحقرات الذنوب مسألة خطيرة، ولا تنظر إلى صغر ذنبك ولكن انظر إلى عظم من تعصيه.

    يا مؤمن أنت في بعض الأمور لا تستطيع أن تفعلها أمام طفل صغير عمره سنتان، وربما حقك الشرعي في بيتك لا تقدر أن تعمله أو تمارسه في وجود طفل صغير السن.

    فما بالك وأنت تعصي الله عز وجل، وتظن أنك إن أغلقت الباب لن يراك أحد؟ فإن فعلت ذلك فقد غررت وغرك بالله الغرور وظننت ألا يراك أحد.

    يحكى: أن عالماً كان عنده ثلاثة أولاد، فقال: يا ترى من سيمسك الإمامة من بعدي؟ فأحب أن يمتحن أولاده، فقال لهم: ليأخذ كل واحد منكم ديكاً، ويذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، فأغلق الأول والثاني أبوابهما وكل منهما ذبح ديكه، وجاء الثالث بالديك ضاحكاً، فقال له أبوه: يا بني! لم لم تذبح الديك؟ قال: كلما غلقت الأبواب على نفسي رأيت الله معي، فالذي لا يريد أن يتوب عليه أن يذكر كلام إبراهيم بن أدهم رحمه الله للرجل الذي لم يرض أن يتوب.

    قال الرجل لـإبراهيم بن أدهم : إني أعاني من مرض مستعصٍ، فقال له إبراهيم : إنني منشغل عنك، قال: بل علاجي عندك، قال إبراهيم : فأخبرني ما مرضك؟ قال: مرضي كلما أردت أن أتوب عدت إلى الذنوب، قال إبراهيم : إذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه، قال: لا، هذا تعجيز فلا يخفى على الله خافية في كل مكان، هات الثاني.

    قال له: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في ملك غير ملكه؛ قال: لا، هذه أصعب من سابقتها، وهل هناك ملك غير ملك الله؟! هات الثالثة.

    قال: إن أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه، قال: إذا لم آكل من رزق الله فمن أين آكل؟ هذه أصعب من سابقتها، هات الرابعة.

    قال: إن جاءك ملك الموت فقل له: أخرني حتى أتوب، قال: لا، هذه أصعب، فهات الخامسة.

    قال: إذا أردت أن تعصي الله وجاءك الملائكة ليأخذوك للحساب فلا تذهب معهم، فقال هذا الرجل: أشهد الله أمامك أني قد تبت إليه توبةً خالصةً نصوحاً، فلا بد للإنسان أن يتوب قبل فوات الأوان، قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    ويقول الله: (يا عبدي! هل ظلمك حفظتي؟ يقول: لا يا رب! لم يظلموني، فيقول الله: ألك عذر تعتذر إلينا به؟).

    ولو جئنا لأصحاب الأعذار وسألنا واحداً منهم: لم لم تكن تصلي؟ قال: لم يكن هناك ماء حتى أتوضأ، نقول له: كذبت، يقول: لم يكن عندنا سجادة، تقول له: صلِّ على الأرض، يقول: لم تكن الأرض طاهرة، تقول له: صلِّ في مكان آخر، يقول: لا أستطيع أن أقرأ سورة من القرآن، تقول له: اقرأ الفاتحة، يقول لك: لا أتقن قراءة الفاتحة، فتقول له: قف وصلِّ مثلما يصلون، فليس لك عذر أبداً.

    ولو سألنا امرأة غير متحجبة: لم لم تحتجبي؟ تقول: والله لو تحجبت لطلقني زوجي، فلو طلقك كان هذا خيراً لك، وستتزوجين رجلاً يحافظ عليك ولا يرضى أن يكون ديوثاً، فتأتي بعذر أقبح وتقول: شكلي ليس جميلاً في الحجاب، فإن قلت لها: أنت في البيت لست محجبة، فتقول لك: العلماء الذين يقولون: حلال وحرام، هم كذا وكذا، وفي آخر الأمر غير المحجبة ليس لها عذر.

    وإن قلت لحامل الأثقال أو لاعب الجودو: لم لم تكن تصلي؟ سيقول: إن الرياضة تأخذ كل وقتي، وهذا ليس عذراً.

    وإن قلت لصاحب المال: لم لم تكن تزكي؟ هل مال المال بك عن الحق؟! سيقول: السبب كذا وكذا، فلن يقبل الله منه عذراً في ذلك اليوم.

    يؤتى بالأغنياء يوم القيامة، فيقال لهم: لم كنتم لا تصلون في الدنيا؟ يقولون: شغلتنا أموالنا وأهلونا، فيقال لهم: أأنتم كنتم أغنى أم سليمان بن داود؟ يقولون: بل سليمان كان أغنى، فيقال: ما شغله ماله عن ذكر الله.

    وسأل شاباً يافعاً حسن الصورة: لم لم تكن تصلي؟ يقول: أنا ما زلت شباباً، فتقول: أأنتم أنضر شباباً أم يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؟ يقول: بل يوسف عليه السلام أنضر، فتقول: يوم القيامة يقال لك: ما شغله شبابه وجماله عن ذكر الله، بل قال: رب! السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.

    إن الرجل الصالح في هذا الزمان تشدد عليه الرقابة من قبل الدولة، فترى شخصاً يلازمه مثل ظله ومعه هاتفه وسيارته فإذا بدأ الرجل يخف قليلاً عن الذهاب للمساجد، خفت عليه الرقابة قليلاً، وإن التقى بالأصحاب في القهوة أغلقت الرقابة نهائياً، فإذا بدأ يلعب طاولة كتبوا على الملف: استقام وصلح حاله، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    ويؤتى بالفقير، يوم القيامة فيقال له: لم لم تكن تصلي؟ فيقول: يا رب! كنت مشغولاً بالبحث عن لقمة العيش، فيقال له: هل أنت أفقر أم عيسى؟ فعيسى لم يكن له بيت حتى يدخل، بل كان ينام على الأرض ويقول: فراشي الأرض ولحافي السماء، وأنا أغنى الأغنياء في الدنيا.

    يقال له: هل أنت أفقر أم عيسى افترش الأرض والتحف السماء، ويقول: أنا أغنى الأغنياء في الدنيا؛ لأني قانع بما آتاني الله، فعيسى لم يشغله فقر عن ذكر الله.

    إذاً يقول الله: (ألك عذر تعتذر إلينا به؟ قال: لا يا رب! فيقول الله: زنوا أعماله إذاً، فتوزن أعماله).

    أول ما يقضى فيه يوم القيامة

    إن أول ما يقضى فيه يوم القيامة الدماء والصلاة، يؤتى بالمقتول الذي قتل سواء الشهداء أو من قتل زوراً وظلماً أو قتل بحق، فيقال له: من قتلك؟ يقول: قتلني فلان ابن فلان، فيؤتى بالقاتل فيقال له: لم قتلته؟ فيقول: يا رب! قتلته لتكون كلمتك هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فيقول الله: (صدق عبدي، ادخلوا هذا القتيل إلى النار) هذا عندما يكون القاتل يقاتل في سبيل الله.

    ويؤتى بآخر فيقال له: لم قتلته؟ يقول: لتكون العزة لي أو لمن أمرني، إذاً: قتله لأنه أمر بقتله، قال الله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166] فيفر المتبوع من التابع، فيقول التابع: يا رب! خذ لي حقي من هؤلاء، وهات لهم ضعفاً من العذاب، قال: لكل ضعف.

    فأول ما يقضى بين العباد في الدماء، فيؤتى بأول قاتل سنَّ القتل، قال تعالى: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ [المائدة:28-30]، وبعدما قتله احتقر نفسه: قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].

    قال: (من رفع على أخيه حديدة لن يشم رائحة الجنة يوم القيامة).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج القتيل من قتله يشخب جرحه دماً، يقول: يا رب! سل هذا لم قتلني؟).

    ويقال: هناك قتل مادي وقتل معنوي، فهناك أناس يقتلون الناس معنوياً، فمن الرجال من يتتبع امرأته ويضيق عليها عيشها حتى تكره جنس الرجال، ومن النساء من تقتل زوجها معنوياً حتى يكره صنف النساء، وكلاهما قتل أخاه، وسيحاسبه الله يوم القيامة على أنه قاتل قتلاً معنوياً، فقد قتل فيه الكرامة الإنسانية.

    قال صلى الله عليه وسلم: (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، فمن لطم وجه مسلم فكأنما لطم وجه الكريم سبحانه، وحاذر من ذلك، فأول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، ثم يقضى في الصلاة.

    اللهم خفف عنا الحساب يوم القيامة، اللهم ثقل موازيننا يوم القيامة، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.

    اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا، وصلنا بك ولا تقطعنا عنك، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.

    أحينا إن كانت الحياة خيراً لنا، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا.

    اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تبارك يا ربنا! وتعاليت، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، أنت القوي ونحن الضعفاء، أنت الغني ونحن الفقراء إليك.

    اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم يا من سترتنا في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، اللهم تب على كل عاصٍ، اللهم تب على كل عاصٍ، اللهم تب على كل عاصٍ، واهد كل ضال، واهد كل ضال، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وجزاكم الله خيراً.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.