إسلام ويب

تفسير سورة محمد [8-14]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عندما يذكر الله تعالى في القرآن الكريم أوصاف المؤمنين يتبع ذلك بذكر أوصاف الكافرين، فكأنه سبحانه وتعالى يعقد مقارنة بين حياة المؤمن في الدنيا وجزائه في الآخرة من جهة، وبين حياة الكافر في الدنيا وجزائه في الآخرة من جهة أخرى، وأنه يأكل في الدنيا ويتمتع كما تفعل الأنعام والدواب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم)

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8].

    أي: ما تقدم صفة المؤمنين، وهذه حال الكافرين، فقوله تعالى: فَتَعْسًا لَهُمْ ) أي: فهلاكاً ودماراً وخيبة لهم، وهذا دعاء من الله عليهم بالخيبة والدمار والتعاسة والشقاوة.

    وقوله تعالى: وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ أي: أبطلها ولم يقبلها، وضرب بها وجوههم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9].

    لم أتعسهم الله وأشقاهم وأبعدهم عن رحمته؟

    لأنهم كرهوا ما أنزل الله، أي: كرهوا كتاب الله والعمل بما جاء به، وكرهوا الرسالة والرسول، وطاعتها وطاعته، وكرهوا الإيمان والصلاح والتقوى، فكان الجزاء أن أحبط الله أعمالهم، أي: أضلها وأضاعها، وجعلها هباء منثوراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ...)

    قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10].

    يقول تعالى عن هؤلاء: أليست لهم أقدام يسيرون بها على الأرض، ويتجولون ويسيحون بها فيرون عاقبة الأمم والشعوب قبلهم ممن كفروا بالله، وخرجوا عن دينه، ويرون كيف دمر الله عليهم؟ يقال: دمره، ودمر عليه، والتدمير: الهلاك والاستئصال.

    ففي الآية أمر للكفار بأن يضربوا في الأرض، وينظروا إلى آثار من مضى من الأمم الكافرة والشعوب الضالة، التي لا تزال آثارها في الأرض، ممن أغرقهم الله وأرسل عليهم زلازل، وريحاً عقيماً، وجعل أرضهم عاليها سافلها، وأخذتهم الصيحة، وكأنهم لم يغنوا بالأمس، فآثار هؤلاء لا تزال ماثلة للعيان، يراها كل من وصل لأرضهم ووقف على آثارهم فيتعظ بذلك، ويتأمل كيف فعل الله بهؤلاء الذين أرسل الله إليهم رسله عليهم الصلاة والسلام، فكذبوهم، وكذبوا كتبهم، وكيف دمر الله عليهم دورهم وقراهم وحضارتهم، فكأنهم لم يكونوا يوماً.

    وقوله تعالى: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا[محمد:10] هذا مغزى الآية الذي لفت الله الأنظار إليه، أي: كذلك يفعل بأمثالهم من الكافرين الذين يأبون إلا الكفر والعصيان، وإلا الردة والاستمرار على الوثنية والشرك، فهؤلاء يوشك الله أن يعاملهم معاملة من سبقهم من الأمم التي كفرت كفرهم وأشركت شركهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

    كان هذا في نصر الله للمؤمنين وخذلانه للكافرين، أي: أن الله مولى الذين آمنوا، وناصرهم ومؤيدهم وراحمهم في دنياهم وأخراهم، وأن الكافرين لا معين لهم ولا ناصر من دون الله.

    ُمُحِصَّ المسلمون في غزوة أحد نتيجة مخالفة الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين أمرهم بأن يبقوا على رأس الجبل، لا ينزلون منه ولو رأوا الصحابة يقطعون، ولو رأوا الغنائم تكاد أن تعلو التلال والجبال فليلزموا مواقعهم، ولكنهم خالفوا، فرأوا الغنائم وأن النصر لهم في البداية، فتركوا الجبل ونزلوا إلى الأرض ليأخذوا الغنائم، وإذا بصوت أبي سفيان: احتلوا الجبل الذي كان موقعاً حربياً من قبل جند الإسلام، فدالت الدولة وانقلبت المعركة على المسلمين، وقتل من قتل، ومثل بمن مثل، كـحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيتيه فداه نفسي وأهلي وولدي ومالي.

    وبعد نهاية المعركة وقف أبو سفيان رئيس الكفر وقائد جيش الكافرين المهاجم للمدينة فقال: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر ؟ أفيكم عمر؟ فلم يجبه أحد. فقال: قد كفيتم هؤلاء وماتوا.

    فإذا بـعمر يقول له: كذبت يا عدو الله! فلك من هؤلاء يوم، فعاد فقال: يوم بيوم بدر، أي: هزموا في معركة بدر، وهم الآن يهزمون في معركة أحد، فقال: يوم بيوم، وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم عاد فأخذ يرتجز، ويقول: اعل هبل، اعل هبل -وهبل أحد أصنامهم- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أفلا تجيبوه) فقالوا: بماذا نجيبه؟ فقال: (قولوا: الله أعلى وأجل).

    وقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه: الله مولانا ولا مولى لكم).

    وهكذا يقول ربنا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] فالمؤمنون الله مولاهم وناصرهم، ومعينهم، والكافرون همل لا ناصر لهم ولا معين ولا مساند من قضاء الله وأمره، فهم أذل من ذلك وأحقر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ...)

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12].

    يقارن الله بين حياة المؤمن وحياة الكافر.

    فيقول عن المؤمن: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا أي: آمنوا بالله رباً، وبكتابه ودينه ورسله.

    وقوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: ضموا إلى الإيمان بالله عملاً صالحاً، من القيام بالأركان من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها.

    فهؤلاء الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات جزاؤهم عند ربهم أن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فيكرمهم بجنات لا جنة واحدة، جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    أما الكافر فقال تعالى عنه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ[محمد:12].

    أي: الذين كفروا بالله يتمتعون في دنياهم تمتع الدواب والأنعام، فيأكلون كما تأكل ويعيشون كما تعيش، لا هنأ لهم في الحياة ولا هدف ولا غاية، إلا أن يملئوا البطون ويرغبوا الفروج، ويلبسوا الظهور، ولا فكر في آخرة ولا في عبادة، ولا في الله جل جلاله، وما أنزله من كتب وملائكة ورسل، وحال هؤلاء كما يقول عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).

    فالمؤمن يأكل ليعيش، والكافر يعيش ليأكل.

    المؤمن يعيش ويحتاج في العيش لزاد يتزود به لعبادة ربه وامتثال أمره، ولطاعة نبيه وامتثال أمره، وليتم ذلك فليأكل ليعيش للعبادة.

    وأما الكافر فهدفه من الحياة الأكل والشرب والظهر والفرج، ولا شيء سوى ذلك، يعيشون هملاً مع أنفسهم، لا يفكرون فيما سوى بطونهم وفروجهم وظهورهم، يعيشون للمتعة وللذة زائلة وحياة غير دائمة، فلا يفكرون في اليوم الآخر ولا في العرض على الله، وكأنهم الأنعام والدواب، بل الأنعام أشرف منهم، وهم أضل منها، كما قال الله: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ[الأعراف:179] فهم أبعد عن المنطق، وعن الخير، فلا يحرمون حراماً ولا يحلون حلالاً، والأنعام نستفيد من بطونها وظهورها وأوبارها وضروعها، وهؤلاء يكونون كلاً على الناس، وجودهم في بطن الأرض خير لهم من ظهرها، فلا ينتج عنهم إلا الضرر والشقاء وأذية الإنسان.

    وقوله تعالى: وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ[محمد:12] أي: هؤلاء مقامهم ومثواهم ومنزلتهم يوم القيامة النار، جزاء وفاقاً لكفرهم وخروجهم عن أمر الله ودينه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ...)

    قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].

    عندما اضطر نبي الله عليه الصلاة والسلام للخروج من مكة، أعلن الكفار أن من جاء به حياً وميتاً فله مائة ناقة، دية قتيل من الناس، ولذا ذهب إلى غار ثور يختفي أياماً ليتابع رحلته ومسيرته إلى دار الهجرة المدينة المنورة، وصل للغار متألماً حزيناً، وخاطب مكة قائلاً: (ما أحبك إلى الله، وما أحبك إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني منك لما خرجت) فأنزل الله عليه: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].

    قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [محمد:13] أي: كم من قرية، أو كم من مدينة أهلها أشد سلطاناً وأكثر غنى، وأوسع حضارة من قريتك ومن بلدك التي أخرجت منها، ومع ذلك أهلكناهم ودمرناهم، وجعلناهم عبرة للمعتبر.

    فهؤلاء الذين أخرجوك لقد كانوا أقل ممن سبقهم شأناً وأضعف سلطاناً وأقل حضارة، فلا يعجزوننا، كيف ولم يعجزنا من هم أشد منهم قوة وأكثر سلطاناً، عندما أخرجوا نبيهم، وكفروا بدينه، وكذبوا كتابه، والرسالة المرسل بها أنبياؤهم.

    وقوله تعالى: أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13] أي: فلم يكن لهم ناصر، وأصابهم منا الدمار من غرق ومن جعل الأرض عاليها سافلها، ومن رياح عقيمة ومن صواعق من السماء، وزلازل من الأرض، فلم يجدوا ناصراً ولا معيناً ولا مسانداً ينصرهم من أمر الله وقضائه، وهيهات هيهات أن ينصر مشرك وعدو لله!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ...)

    قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14].

    يا رسول الله، يا محمد، يا أنصاره من الموحدين المؤمنين، اضربوا مقارنة ومثالاً: هل من آمن بالله على بينة من ربه، وآمن بكتاب الله، أصلح أم الذين زين لهم الشيطان سوء عملهم فظنوا أنهم على شيء وهم ليسوا على شيء؟ أهؤلاء خير أم أولئك؟

    فكانت نتيجة من أبطل الله أعمالهم وأحبطها وقضى عليها، أن أعمالهم التي حفظوها لأنفسهم من صدقة وصلة رحم وعطف على مسكين ونحوها قد جعلها الله هباء منثوراً؛ لأنها أعمال لم يرد بها وجه الله، ولو أريد بها وجه الله لآمن أصحابها بالله وأطاعوه في أمره، واجتنبوا نهيه.

    وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أي: جعلوا إلههم هواهم، واتبعوا ما تقوله لهم أهواؤهم من شهوات ونزوات وفسوق وعصيان، فلم يشرعوا إلا في الباطل، ولم يطيعوا الله يوماً، ولم يقولوا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، عاشوا أنعاماً دواب، وبقوا كذلك، إلههم هواهم، لا يحللون ولا يحرمون.

    أفيمكن أن يسوى أولئك الدواب والأنعام بذاك المؤمن الذي آمن بالله إيماناً مبنياً على أدلة عقلية ونقلية، وعبد الله على يقين، ولم يتبع هوى، ولم يعش لا لبطن ولا فرج، كعيشة الدواب والهوام والأنعام؟

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010253866

    عدد مرات الحفظ

    721903617