إسلام ويب

تفسير سورة غافر [77-81]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نصر الله تعالى رسوله والمؤمنين على مخالفيهم من الكفار والمشركين، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض تلك الانتصارات في حياته، وبعضها حصلت بعد مماته كالقضاء على فارس والروم والبربر، ثم أخذ الله تعالى يعدد نعمه على عباده في هذه الأنعام العجماء التي سخرها لهم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق...)

    قال ربنا جل جلاله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر:77].

    الله جل جلاله فيما سبق من الآيات أخبر عن تمرد الكفار والمرتدين وعبدة الأوثان والأصنام، وتكذيبهم للحياة ثانية، وتكذيبهم لنبيهم، فأنذرهم وتوعدهم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ[غافر:77] أي: اصبر على تكذيب هؤلاء ولأوائهم، فالعاقبة لك كما كانت للأنبياء قبلك، ونهاية الأمر نصرك وذلهم وهزيمتهم وهوانهم، قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ[غافر:77].

    وما وعدك الله به من نصر مؤزر ونشر لدينه وهزيمة لعدوه وقضاء عليهم في حياتك وبعد مماتك كل ذلك حق سيتحقق، فما وعدك الله به هو وعد حق وصدق، كما وعد إخوانك وآباءك من الأنبياء والمرسلين الذين جاءوا بعدك، وهي تسلية وتعزية للنبي عليه الصلاة والسلام وقد لقي منهم الشغب، وكان ذلك في مكة قبل فرض الجهاد، والسورة مكية، والجهاد لم يشرع إلا بالمدينة المنورة، فكلمات الصبر ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام للعفو نجدها في الآي المكية، ولا نجدها في الآي المدنية؛ لأن الله أذن لرسوله وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل أعداء الله وأعداء رسوله وكتابه، فلا حاجة للصبر بعد ذلك، وإن كان الصبر في حد ذاته يؤمر به كل مؤمن قبل وبعد، في الحياة النبوية وبعدها، وأمر به الناس كافة، فلابد من الصبر لبلوغ الدرجات العلى، ولابد من الصبر على اللأواء وبلاء الدنيا وكراهية الأعداء وبغضائهم، ومن صبر نال وظفر.

    قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ[غافر:77].

    يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إن هذا الذي وعدناك إما أن تراه في حياتك، وتعيش إلى أن يصبح تحت يدك، وترى النصر وتسمعه، ويعزك الله على عدوك وأنت لا تزال حياً، فإما أن يحدث بعض ذلك في حياتك، والبعض الآخر يكون بعد وفاتك، كما قال تعالى: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ[غافر:77] و(إن) شرط، و(ما) ويقولون عنها: زائدة، وهي ليست زائدة حتى في غير القرآن، ولا يليق أن يقال عن القرآن: بأن فيه شيئاً زائداً، وإنما هي لمعنى التأكيد، فيؤكد الله جل جلاله مع الشرط بأنه سيرى نبينا عليه الصلاة والسلام بعض ما يعده، فيقول: إما أن نرينك بعض ما نعدك أو نتوفينك فإلينا يرجعون، أي: إن نصرناك عليهم وأنت لا تزال حياً، أو نصرنا أتباعك عليهم وأنت قد مت فمرجعهم إلينا، فنحن الذين سنؤدبهم وننتقم منهم في حياتك وبعد مماتك كذلك.

    نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يتحقق في حياته وبعد مماته

    وأكد الكلام بنون التوكيد الثقيلة، أي: إن نرينك بعض الذي نعدك من النصر عليهم، والنشر لدينك في بقاع الأرض، وهزيمة عدوك، فسنريك بعض ذلك وأنت لا تزال حياً، (وإما نتوفينك) أي: وإن نحن توفيناك وأمتناك فإلينا مرجعهم وعودتهم، وسيرون ذلك لا محالة ولا مفر لهم، فسيعاقبون وسيهزمون إما على يدك وأنت لا تزال حياً، وإما بعد مماتك على يدي خلفائك، وقد كان الأمر كذلك، قال تعالى: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] ففي حياة النبي عليه الصلاة والسلام نصره الله نصراً عزيزاً مؤزراً، وحقق له وعده في نصره على أعدائه خاصة قومه قريشاً، الذين أخرجوه من بلده، وألبوا عليه الأعداء، وتعاونوا مع يهود المدينة ونصارى نجران ومشركي نجد وبقية القبائل الكافرة من جزيرة العرب، وهاجموه وأخرجوه من بلده، ثم هاجموه في المدينة بعد أن خرج مهاجراً، ووقعت هناك معارك طاحنة في غزوة أحد وخيبر وغزوات اليهود والخندق والأحزاب وبدر، وقد تألبوا عليه مع كفار الجزيرة كلها، وكانت النهاية نصر نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد عاد إلى مكة مظفراً منتصراً حاكماً في أعدائه، وعرضوا عليه عرض الأسرى والمستعبدين، فقال لهم: (ماذا ترون يا معاشر قريش! أني فاعل بكم؟)، ثم أطلق سراحهم وعفا عنهم بعد القدرة عليهم، وعاقب يهود المدينة بأن طرد من طرد وقتل من قتل وصادر من صادر، وأوصى -خلفاءه من بعده- بإخراج الجميع من جزيرة العرب، أي: من العالم الإسلامي.

    وما مات النبي عليه الصلاة والسلام حتى دانت له جزيرة العرب كلها، وأصبحوا على دينه ومن أتباعه وجنده، ومن الدعاة إلى دينه، وأصبحوا جميعاً يعتقدون رسالته التي كانوا ينكرونها زمناً، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام خرج الإسلام عن جزيرة العرب في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكانت البداية في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وانتشرت انتشاراً شاملاً عاماً في مشارق الأرض ومغاربها أيام الفاروق عمر رضي الله عنه، فدخل في أرض المسلمين الشام والعراق وفارس ومصر والمغرب، وما بقي بعد ذلك إلا القليل، ثم دخل ذلك القليل فأصبحت رقعة العالم الإسلامي من أرض الصين شرقاً إلى أرض فرنسا قرب العاصمة باريس بنحو مائة ميل فقط غرباً وما بينهما جنوباً وشمالاً.

    فالله وعد نبيه صلى الله عليه وسلم وحقق وعده، قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [غافر:77] أي: إما أن ترى ذلك رؤيا العين، وإما سيكون ذلك بعد موتك، وإلينا مرجعهم.

    وقد فعل الله كل ذلك، فقد وقع بعض ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وقرت عينه وعين المؤمنين به، ووقع أكثره بعده، ففرحت روحه وهو في الرفيق الأعلى، وسرت بنشر التوحيد والإسلام، حيث قام الذين آمنوا على يده من قريش نفسها وبقية قبائل العرب فتعاونوا واتفقوا على نشر دين الله حتى عم الأرض كلها، وأصبح الإسلام وحده هو الظاهر والغالب والمعمول به إلى قرون وقرون بعد ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر:78].

    يقول تعالى لنبيه معلماً ومسلياً ليعلم أتباعه والمؤمنين: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ [غافر:78] فلم تكن في هذا فريداً، ولا شاذاً وفذاً، فقد سبقك أنبياء كثيرون، ولست أنت إلا آخرهم والخاتم لهم، فقد جاء قبلك أنبياء كثيرونَ أرسلناهم لأممهم ولشعوبهم مبشرين ومنذرين، مبشرين أولياءه بالجنة والرضا، ومنذرين أعداءه بالغضب والسحق ودخول النيران.

    قال تعالى: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78] أي: ليس الرسل الذين أرسلناهم هم من سميناهم لك فقط، بل هناك الكثير ممن لم نذكر لك أسماءهم، ولم نقص عليك قصصهم، لا في أشخاصهم ولا في شعوبهم ولا في أممهم، وإنما قصصنا عليك سير القليل منهم، الذين اتخذناهم عبرة لك وللمؤمنين معك؛ ليكونوا درساً وعبرة وأسوة، وليكون المؤمن أسوة للمؤمن، والكافر نذيراً وعبرة لمن بقي على الكفر، ولم يذكر الله في كتابه إلا أسماء خمسة وعشرين من الأنبياء فقط، أولهم: أبونا آدم، وآخرهم نبينا محمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والذين أرسلوا أكثر من ذلك بكثير، فقد قال لنا ربنا: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]، فليس هناك أمة من أمم الخلق والبشر إلا وأرسل الله لها نبياً، ولم يذكر منهم إلا خمسة وعشرين فقط ممن اتخذ من سيرهم وسير أممهم وشعوبهم عظات وعبراً ودروساً لنبيه وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من أتباعه. وهم: آدم وشيت وإدريس ونوح وإبراهيم وولداه إسماعيل وإسحاق وسلالة إسحاق إلى خاتمهم عيسى، وسلالة إسماعيل وهو نبينا عليه الصلاة والسلام.

    عدد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام

    وأما بقية الأنبياء: فقد وردت أحاديث في حصرهم وأعدادهم، فعن أبي ذر الغفاري وأنس بن مالك وأبي أمامة وأبي سعيد الخدري وآخرين، ورويت في التفاسير وفي السنن وفي المسانيد وفي المعاجم، والكثير منها لم يصح، وأصحها حديث أبي ذر ، وقد ورد عن كعب : إن الأنبياء السابقين ألفا ألف نبي، أي: مليونان من الأنبياء. وورد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم ثمانية آلاف، وعن أبي سعيد: أنهم ألف ألف، أي: مليون من الأنبياء. وورد عن أنس بن مالك أنهم ألف. وأصح هذه الأحاديث هو ما أخرجه ابن حبان في صحيحه والآجري وعبد بن حميد في مسنده وآخرين عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، قال: كم منهم رسل؟ قال: هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، جماً غفيراً، كثيراً طيباً).

    وهذا الحديث صححه ابن حبان ، وذكره في صحيحه، وصححه غيره كـالآجري وعبد بن حميد والبزار في مسنده. وهذا الحديث هو أصح ما ورد في أعدادهم، وقد اعتبره ابن الجوزي موضوعاً، وصححه غيره وأكده، وهو أصح الموجود، وكونهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً مع قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24] يؤكد العدد والزيادة.

    والأمم كثيرة من مضى منهم ومن بقي، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء على الإطلاق، فقد كان نبياً لجميع الأمم التي عاصرته والتي ستأتي، وهو خاتم رسل الله في مشارق الأرض ومغاربها، وقد أرسل للعرب والعجم، فلا نبي ولا رسول بعده إلى قيام الساعة.

    عموم رسالة الإسلام

    لقد كان الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم يرسلون إلى أقوامهم خاصة، ومن هنا يقال: أنبياء بني إسرائيل، فهم أنبياء مخصوصون ببني إسرائيل وهو إسحاق، والنبي: هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو كل نبي أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وكان عدد الكل: مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، ولكن ديانتهم لم يؤمروا بها إلا في أنفسهم، ولم يؤمر منهم بإعلامها وتبليغها للناس إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، وهؤلاء هم الذين أرسلوا بالرسالات، وكلهم كانوا رسلاً قوميين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خصصت بخمس) والخصائص النبوية تتجاوز المائتين، وقد جمعها السيوطي في كتابه (الخصائص الكبرى)، وطبع أكثر من مرة في مجلدين، قال صلى الله عليه وسلم: (خصصت بخمس)، ومن الخمس: (كان الأنبياء قبلي يبعثون ويرسلون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة).

    فليس هناك دين عالمي إلا دين الإسلام؛ دين محمد عليه الصلاة والسلام، فمن يزعم بأن اليهودية أو النصرانية دين العالمين فقد جهل، وقال الباطل وغير الحق، فهذا عيسى يقول في الإنجيل: (أرسلت إلى.... بني إسرائيل خاصة)، والقرآن المهيمن على الإنجيل يؤكد هذا المعنى فيقول: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف:6]، فهو لم يرسل إلا إليهم، وهو خاتم أنبيائهم، ولذلك فالنصرانية واليهودية لم تكونا يوماً ديناً إلا لبني إسرائيل، وعيسى من بني إسرائيل، ولم يرسل إلا إلى بني إسرائيل، ومن آمن باليهودية وبالنصرانية حتى في عصرها ولم يكن يهودياً فهو قد آمن بدين لم يطلب منه، وآمن برسالة لم يكلف بها، ولذلك من آمن اليوم من غير اليهود بإحدى الديانتين فقد آمن -لو كان الدين لا يزال صحيحاً- بدين لم يكلف به، فكيف والدين قد غير وبدل وانتقل من دين توحيد إلى دين عبادة أوثان!!

    فاليهود عبدوا العجل، وعبدوا العزير، وعبد النصارى مريم وعيسى والصليب، وقالوا جميعاً: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، فجعلوا لله ولداً، وجعلوا جميع الخلق أولاداً، وذاك منتهى الشرك والوثنية والكفر بالله، على أن ذلك قد نسخ، وما برز محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الديار المقدسة إلا وقد نسخت جميع تلك الأديان، عندما أعلن للناس ما أمره ربه به، قال تعالى: قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] فلم تبقَ رسالة ولم يبقَ رسول ونبي تجب طاعته والإيمان به والعمل برسالته إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ورسالة الإسلام، ومن هنا قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] فالدين الحق المقبول الذي أمر به البشر هو الإسلام لا سواه، ومن هنا يقول سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وعيسى سينزل في آخر الزمان على دين محمد دين الإسلام عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78]، أي: قصصنا عليك قصص بعضهم وسيرة بعضهم، (ومنهم من لم نقصص عليك) فأكثرهم لم يقصوا ولم تذكر أسماؤهم وسيرهم ولا سير أتباعهم وأممهم وشعوبهم.

    المعجزات لا تكون إلا بإذن الله

    قال تعالى: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد:38].

    أي: ما ينبغي ولن يكون أن يأتي رسول وهو رسول حقاً بمعجزة أو بآية أو بدليل أو برهان إلا بإذن الله، فهو رسول الله، والرسول لا يفعل ولا يليق به أن يفعل إلا ما أمره به مرسله جل جلاله وعز مقامه.

    ومعنى هذا: أن كل ما صح عن الأنبياء من الآيات البينات، والمعجزات الواضحات، والكتب التي أتوا بها هي جميعاً كانت بأمر الله وبإذنه، ثم بدل وحرف وغير ذلك أتباع أولئك الأنبياء، فلم يبقَ من كتبهم ولا من معجزاتهم شيء صحيح البتة إلا ما ذكر في كتابنا القرآن الكريم المهيمن على الكتب السابقة، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر:78]. فإذا جاء أمر الله بقيام الساعة والقيامة والبعث والنشور بعد الموت قضى الله بالحق بين أمم هؤلاء الأنبياء والرسل، وهو الحق جل جلاله، ولا يصدر عنه إلا الحق، فإما إلى جنة وإما إلى نار.

    قال تعالى: وَخَسِرَ هُنَالِكَ [غافر:78] أي: يوم القيامة والعرض على الله ويوم البعث والنشور والحساب يخسر هناك المبطلون، الذين أبطلوا دينهم في الحياة الدنيا وجاءوا بالباطل، وكذبوا الحق وافتروا عليه عندما جاءهم، وأتوا بالباطل وما لم ينزل الله، فهؤلاء هم المبطلون الذين أتوا بالباطل وابتعدوا عن الحق وكذبوا به، والذين سيخسرون إذ ذاك يوم القضاء وإعلان الحق والفصل بين الخلائق، فسيكسب ويفوز الكل إلا الذين أتوا بباطل، والباطل الشرك بالله والكفر به وعصيانه، وهم يعتقدون أن الله جل جلاله وعلا مقامه له ثان وثالث من ولد وبنت وصاحبة وصاحب، تعالى الله وجل عن كل ذلك، فهو الأول والآخر، وهو الفرد الصمد الواحد الأحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأنعام...)

    قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر:79].

    أي: يا هؤلاء الذين تنكرون القدرة وأنتم ترونها بأعينكم وتسمعونها بأذانكم وتحسونها بأجسامكم:

    وفي كل شيء له آية يدل على أنه الواحد

    فكما أن الله أرسل المرسلين والأنبياء فهو اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر:79]، والأنعام: جمع نعم، وهو جمع الجمع، والنعم جمع لا مفرد له من لفظه، وهي الإبل والغنم والبقر، فيذكر الله عن هذه الأشياء الثلاثة: أنه جعلها لنا للأكل والركوب، فالإبل للأكل وللركوب، والغنم والبقر للأكل.

    وقد رأينا في الهند من يعبدون البقرة، ويعذبون الثور، فيركبون عليه ويحملونه الأثقال التي لا تحملها الجمال، وفي الحديث الصحيح: (أن بقرة شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صاحبها يشغلها فيما لم تخلق له) فيركبها ويحملها الأثقال وهي لم تخلق لذلك.

    قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ [غافر:79] جعلها: خلقها وصيرها لذلك.

    وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر:79] أي: لتأكلوا من بعضها، والأنعام كلها تؤكل إبلاً وبقراً وغنماً، وأما الركوب فالذي نركبه منها هي: الإبل فقط، النوق والجمال، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا [غافر:79] و(من) بعضية، أي من بعضها، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر:79] أي: وأكلكم منها، فنأكل من جميعها: من الإبل والبقر والغنم، وكل ذلك حلال جائز في هذه الآية.

    قالوا: وفي الآية الأخرى ما يدل على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير، إذ قال الله هنا: لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر:79]، وقال عن الدواب: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8] ولم يقل: لتركبوها ولتأكلوا منها، فهي لا تصلح إلا لذلك، فلا تؤكل خيل ولا حمير ولا بغال على ما للفقهاء من نزاع في بعض ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكم فيها منافع...)

    قال تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر:80].

    أي: ولكم مع ذلك منافع في الأنعام، ومن هذه المنافع: أشعارها وأوبارها وصوفها وحليبها وجبنها وما يخرج من بطونها، ومع هذا الركوب والأكل، فكلها منافع، ولذلك الكثيرُ الكثير ممن في الأرض يعيش من الأنعام ويتاجر بها، فأوبارها تصلح للباس وللأثاث، وللخيام ولكل ما يصنع من الصوف ومن الشعر ومن الوبر، وبعضها أثمن وأغلى من بعض كأوداج الإبل مثلاً فهي أقرب نعومة إلى الحرير منها إلى الصوف والشعر.

    قال تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ [غافر:80] أي: ولتصلوا بها إلى البلاد التي تريدون لحاجة في صدوركم، من التجارة والسياحة والمعاملة والقتال والحرب على الإبل وما إليها.

    قال تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ [غافر:80]، ومن المنافع: لتبلغوا بالإبل مثلاً حاجة في الصدور من تجارة وتنمية وقتال وجهاد وسياحة، وإلى ما يشغل بال الإنسان ما دام حياً.

    قال تعالى: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر:80] تحملون على الإبل بأنفسكم وبأثقالكم في رحلاتكم في البر، كما تحملون بحراً على الفلك، والفلك جمع سفينة على غير لفظها، فالله جل جلاله هو الذي جعل لنا طرقاً ومفاوز ودروباً في البراري وفي البحار وفي الوهاد وفي الجبال، وحملنا في البر على الإبل والدواب، وفي البحر على السفن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويريكم آياته...)

    قال تعالى: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ [غافر:81].

    أي: يريكم آياته في الآية التي مضت في قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]. وقد قال حبر القرآن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس : ما عطف الله قوله: (ويخلق ما لا تعلمون) على أنواع المركوبات إلا وهو من جنسها.

    فقال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8] وهي زينة كذلك، أي: جمال في الدور وعلى أبواب الدور، وقال: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8] من أنواع المراكب، ونحن قد أدركنا هذا من السيارات والبواخر والقطارات والطائرات والصواريخ، وصدق فهم ابن عباس الذي دعا له رسول الله عليه الصلاة والسلام بالعلم والفهم، فقد فهم من قوله تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8] أنها معطوفة على أنواع المراكب من الدواب إبلاً وخيلاً وبغالاً وحميراً فتكون من أشكالها. وهنا يقول تعالى ما يشبه ذلك، فيقول: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ [غافر:81] أي: يرينا في مستقبل الأيام عند نزول الآية من آياته ومن بديع قدرته وإرادته ما لا يستطيعه ويقدر عليه أحد، فأخبر بالشيء الذي سيكون وألهم به خلقه وبشره قبل ذلك بألف وأربعمائة عام.

    قال تعالى: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ [غافر:81] أي: يريكم أنواع المراكب زيادة على الخيل وعلى ما ذكر في الآية السابقة من الدواب، كالسيارات والقطارات والطائرات والصواريخ والبوارج والبواخر والغواصات في البر والبحر والجو، وذاك من قدرة الله وبديع صنعه، ومعجزات القرآن التي أخبر بها الله جل جلاله وبلغها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم قبل أن تكون بألف وأربعمائة عام أو ما يقرب من ذلك.

    وقد جاء حديث يشرح هذا ويبينه ويزيده بياناً وتفسيراً ومعرفة، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن عيسى عندما ينزل من السماء سيحج بيت الله الحرام على غير القلص) والقلص: جمع قلوص، وهي: الراحلة والناقة والجمل التي تركب في السفر، فعيسى سوف يحج على غير القلص، أي: يحج على الطائرات، وما كان الناس يعرفون قبلُ أدواتٍ للركوب إلا الإبل، ولذلك كانوا يقولون: هي سفن الصحراء، والمفسرون فسروا قوله تعالى: وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ [التكوير:4] وإذا النوق الحوامل عطلت فمعناه قامت القيامة، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فنحن نعيش الآن وقد عطلت الإبل في أرضها في الصحراء في جزيرة العرب، ولا نعرف الركوب عليها قط، فقد أصبحت كالمتاحف أو في المتاحف، وهكذا العناق في صحاري المغرب وصحاري الدنيا، فلم تعد الإبل أداة للسفر ولا للعمل ولا للرحلة، حتى الأكل قليل من يأكلها، ولكن يستفاد من أوبارها وأشعارها، فهي قد عطلت، وهذا علامة من علامات الساعة، وليست الساعة نفسها، فقد بدلت بأنواع أخرى من الأدوات المصنوعة من الحديد براً وبحراً وجواً، وهذا ما لم يكن يخطر ببال إنسان مضى وقضى.

    ومثل هذه الآية والأحاديث كان أسلافنا يعجزون عن تفسيرها وشرحها؛ لأن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، ومن كان يخطر بباله أن يوماً من الأيام سيطير الناس على الحديد؟! وأن هذا الحديد سيحلق في الأجواء ويقطع ما بين المشرق والمغرب في بضع ساعات بعد أن كان يقطعها من قبل في سنة أو أكثر أو أقل! وهذا أيضاً يدل عليه ويؤكده بالمعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لن تقوم الساعة حتى تصبح السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كساعة، والساعة كاحتراق السعفة)، فأخذوا يفسرون هذا الحديث أن البركة تفيض، وأن الوقت لن يسعَ العمل وغير ذلك، ولكن المعنى واللفظ كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان آباؤنا الأقربون يحجون من المغرب إلى المشرق ومن أقصى ديار الغرب إلى أقصى ديار الشرق -وقد كان الواحد منهم يحتاج إلى سنة ذهاباً وإياباً- إلا ويكتبون وصيتهم قبل أن يغادروا دورهم وبلدتهم إن ماتوا فكذا وكذا، ونحن اليوم نفطر ونتغدى بالرباط ثم نسافر بالطائرة فلا تمضي أربع ساعات إلا وقد وصلنا، والطيران نفسه يزداد قوة وسرعة يوماً بعد يوم، فمن قبل كان الحمار والفرس والجواد، وأما الآن فالطيران نفسه، وأين الطيران الأول بمحركاته الصغيرة الذي كان أشبه بالجرادة مع طيران اليوم؟! فاليوم نركب الطائرة وكأننا دخلنا إلى مدينة من المدن، ففيها المئات من الأشخاص، وفيها الأفلام والسينما، وفيها المأكل والمشرب، وفيها مكان الوضوء ومكان الاستراحة، وهي تمشي به كما تمشي بنا الأرض.

    وإذا لم تكن هناك رياح فلا يكاد يشعر بها الإنسان حتى يهبط في الأرض مرة ثانية، وهل كان يخطر هذا في عقول آبائنا الأولين؟ لم يكن يخطر هذا ببال، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بكل ذلك تفصيلاً وإجمالاً.

    قال تعالى: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ [غافر:81] أي: يا هؤلاء الذين أنكروا معجزات الله وقدرته وإرادته القادرة على كل شيء: أي آيات الله القديمة أو التي عاصرتموها أو كانت قبلكم أو جاءت بعدكم تستطيعون نكرانها؟ لا يفعل ذلك إلا أحمق أو أرعن قبل أن يكون كافراً جاهلاً، وهل نعيش إلا في المعجزات؟! وكل واحد يفكر في نفسه أولاً، كما قال تعالى: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، فيفكر من أنا؟ ولم جئت إلى هذا العالم؟ وما الذي يراد مني؟ ومن الذي أعطاني قوة البصر والسمع وهذه الحركة التي أتحرك بها؟ وما الروح؟ قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، ومهما ادعى المدعون وكذب الأفاكون وأنهم علموا من العلوم والمعارف ما سبقوا به الأولين، فسلهم اليوم عن الروح، فسيرجعون رءوسهم ويرجعون بالجهل وبعدم الفهم، وهكذا في جميع العلوم الدنيوية والأخروية لا يعلمون منها إلا كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] أي: قالوا عن جهل بالله وبقدرته وبإرادته وبرسله وبكتبه، والذي يجهلها أيوصف بعلم أو بمعرفة؟! فهم كالأنعام كما قال تعالى: بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3038861486

    عدد مرات الحفظ

    729303000