إسلام ويب

تفسير سورة يس [68-70]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكافر إذا عمر في الدنيا لم يزدد إلا شقاء بخلاف المؤمن التقي، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أفصح الخلق وأبلغهم وأخطبهم، لكنه ما كان يقول الشعر ولا يحسنه وما كان الذي أنزل عليه إلا قرآن كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون)

    قال الله تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68].

    بعض الناس يعمر وينكس في الخلقة الذاتية الشخصية، والبعض يمسخ في عقله ويمسخ في دينه، فأولئك الكافرون ما زادهم التعمير وطول السنين والأيام إلا كفراً وإصراراً على الكفر، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (من شب على شيء شاب عليه).

    قوله: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ):

    أي: نطل عمره، أي: فإنه طال عمره وعاش في الدنيا كثيراً، وهذا شيء مشاهد يلفت الله أنظارنا إليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يتجاوز ذلك)، وكان من قبلنا يعمرون المئات من السنين، وكانوا أطول قامات وأعرض أكتافاً، فكان أبونا آدم في طول النخلة الشاهقة الطول، وكان عرضه أمتاراً، وعاش نوح في الدعوة إلى الله في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفي الإنجيل والتوراة الكلام كثير على أنبياء بني إسرائيل، فهم من عمر ثلاثمائة سنة، ومنهم أربعمائة، ومنهم خمسمائة وأقل، ولكن أعمار الأمة المحمدية بين الستين والسبعين، كما قال عليه الصلاة والسلام، والقليل من يتجاوز السبعين والثمانين والتسعين، وتجد أقرانه قد ذهبوا وسبقوه، وبقي هو في أناس هم في رتبة الأولاد والأحفاد والأسباط وغير ذلك.

    وقوله: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس:68]، أي: في الخلقة التي عاش عليها، كما قال ربنا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54].

    فخلقنا ضعاف الأبدان عند ولادتنا، فلو جاءت قطة لافترستنا ولا نستطيع حراكاً، ولو ضربت المدافع لما أدركنا ماذا يعني ذلك، ثم نكبر بالأجسام والأذهان، كما نكبر في الفهم، فمن الرضاع، إلى الطفولة، إلى اليفوعة، إلى الشبيبة، إلى الكهولة، إلى الشيخوخة، إلى السنين الفانية، إلى أرذل العمر، وأرذل العمر يختلف باختلاف الناس، فقد يكون أرذل العمر بين الخمسين والستين، وقد يتجاوز من أكرمه الله بحواسه التسعين والمائة، ويبقى على غاية ما يكون فهماً وإدراكاً ووعياً، ولكن الجسم يبلى وقد يشتد ضعفه.

    فقوله: (نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) أي: كما خلق من ضعف فسيعود للضعف، وقد ينكس ليس في ضعف البدن وحده، بل وفي ضعف البصر والحواس جميعها، والعقل كذلك والإدراك، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من أرذل العمر، ومن أن يعيش الإنسان حتى يحتاج إلى آخر؛ لأنه سيصبح ثقيلاً على أهله، وربما يصبح ثقيلاً على نفسه.

    نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يمتعنا بحواسنا ما أحيانا، وأن يحيينا ما كانت الحياة خيراً لنا، لا نسأله موتاً ولا طول عمر، ولكن نسأله العافية مدى العمر، فإذا سألتم الله فاسألوه العافية.

    وقوله: (أَفَلا يَعْقِلُونَ) هؤلاء على كثرة ما طالت أعمارهم، وامتدت سنوات حياتهم نكسوا، وازدادوا كفراً وشركاً، ولذلك تجد المسنين من الكفار على غاية ما يكونون من الشرك، وتصبح تلك العقائد ثابتة في أنفسهم لا يحيدون عنها ولا يقبلون قولاً غيرها مع فسادها، إلا من هدى الله وقليل ما هم.

    وأما الشيبة المسلم فإنه كلما ازداد عمراً فببركة الطاعة وببركة التلاوة، وببركة الوقوف بين يدي ربه تهجداً في الليل والناس نيام، فالله جل جلاله يبارك له في صحته، ويبارك له في حواسه، إلى أن يلقى الله تعالى راضياً مرضياً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له...)

    قال الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69].

    لقد ذهل كفار قريش من فصاحة القرآن وبلاغته، وما أتى به من معان، والعرب كانوا أفصح الناس وأبلغ الناس شعراً ونثراً وفهماً وإدراكاً، فكان كفار قريش يأتون ليلاً يدورون ويحيطون ببيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتهجد ليلاً بالقرآن، فينصتون ويسمعون وهو لا يدري.

    وفي يوم من الأيام فكر في هذا أبو جهل ، وفكر في هذا عتبة بن ربيعة ، وفكر فيه أبي بن خلف وغيرهم من صناديد قريش، وإذا بهم يجتمعون اتفاقاً كل جاء لينصت، فعندما كشف بعضهم البعض قالوا: لنقل الحق، قد سمعنا جميعاً ما يقول هذا، فاجتمعوا عند الكعبة، وذلك كان مكان اجتماعهم، فقالوا: ماذا رأيتم فيما يقول محمد ويكرره ويعيده؟ فقال بعضهم: هذا شعر، وقال آخر: لا والله ما هو بشعر، لقد قرأت الشعر وقلته ورويته بجميع أنواعه، فما هو به.

    وقال آخر: هو النثر المقفى.

    وقال آخر: لا والله ما هو به، لقد نثرت وقفيت وحفظت الخطب وسمعت الخطباء والبلغاء، فما هو بذلك.

    فقال آخر: هو كهانة.

    فقال غيره: الكهانة تكون قولاً في أغلبه لا معنى له، وهذا ليس مقفىً دائماً، وليس مطلقاً دائماً، وليس شعراً، وما أراه بالكهانة.

    وقال آخر: هو سحر، وبعد ذلك أوحى لهم الشيطان أن يتفقوا على أنه كهانة، وكان قد قال منهم من قال: والله إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وبقي الكثيرون يقولون: هذا شاعر، فقال الله لهم مكذباً: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي: لم نعلم محمداً الشعر، وإنما علمناه البلاغة والفصاحة والفهم والإدراك، وقصصنا عليه خبر من سبقه من الأمم السابقة، من أطاع ومن عصى، من آمن ومن كفر، وبماذا قابلهم الله، وقصصنا عليه علم الأنبياء السابقين، أما الشعر فلم نعلمه إياه.

    وقد علم الله نبيه صلى الله عليه وسلم جميع العلوم والمعارف وحياً وإلهاماً، ولكن الشعر لم يعلمه، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يريد أحياناً أن يستشهد ببيت من الشعر فيقوله مكسراً، لا يقوله كما هو، فيكون أبو بكر بجانبه أو عمر أو أحد الأصحاب، فيقول له: يا رسول الله! ما هكذا قال الشاعر، فيقول عليه الصلاة والسلام: المعنى واحد، كما يقول الشاعر: كفى بالشيب والإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: كفى بالإسلام والشيب، فيقوله له أبو بكر : بل قل: كفى بالشيب، أي: كفى به نذيراً، فيقول عليه الصلاة والسلام: المعنى واحد، لست بشاعر.

    ومع ذلك كان يخرج منه أحياناً قول ليس شعراً، ولم يقصد به أن يكون شعراً، ولكن تجده على قياس البحور وموازينها، وقد يوجد هذا أحياناً في القرآن وليس هو بشعر، ففي القرآن: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:1-4].

    وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، وظن الناس أنه قتل، وأشاع أعداؤه أنه قتل، ولكنه كان في اللأمة لا تظهر منه إلا عيناه، فرفع صوته صلى الله عليه وسلم يدعو الذين فروا: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)

    فانتسب إلى عبد المطلب ، وهي نسبة صحيحة؛ لأنه كان أشهر من أبيه الذي مات شاباً صغيراً.

    وقال مرة وقد جرحت إصبعه عليه الصلاة والسلام: (هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت).

    ولم يكن ذلك شعراً ولم يقصده، وكان إذا تمثل ببيت أو بشطر بيت من الشعر، كان يقوله وكأنه نثر، ويقول: ما أنا بشاعر.

    فقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ):

    أي: لا يليق به؛ لأن الشعر قد أذله الشعراء؛ لأنهم صاروا يشحذون ويتسولون به، وصاروا يهجون به، ويتغزلون به في الأعراض، ويكشفون فيه عن المخدرات ذوات الحجاب، فكان الشاعر يأتي إلى القبيلة فينذر كبيرها، فإما أن يعطيه ويهب له وإما أن يهجوه، وهكذا أصبح الشعر كالصحافة اليوم، فالصحفي إن لم تساعده وترضه هاجمك وتنقصك، وقال عنك ما ليس فيك، فصحافيو اليوم هم شعراء الأمس، وهذا لا يليق بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ولو لم يمدح مع المداحين، ولو لم يتغزل مع المتغزلين، وحاشاه من كل ذلك عليه الصلاة والسلام.

    والشعر كذلك لا يليق بالعلماء، فقد كان الإمام الشافعي أعلم الأئمة الأربعة لغة وأبلغهم لساناً، وأفصحهم، وانفرد من بينهم؛ لأنه كتب كتبه ومؤلفاته، بينما غيره لهم رسائل لا تكاد تذكر، أما الإمام الشافعي فقد كتب كتابه المسمى (الأم) في سبع مجلدات، وطبع أكثر من مرة، وهو قطعة من الأدب الرفيع، زيادة على ما فيه من حلال وحرام وآداب ورقائق، وأدلة تؤكد ذلك من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يقول أحياناً بيتاً وبيتين، وكان يقول:

    ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد

    إذاً: الشعر يزري بالعلماء وينقص من مقامهم ورتبتهم، خاصة إذا بادروا إلى مديح من لا يستحق المدح، وأما ما سوى ذلك كمدح الإسلام والإشادة به ومدح الأخلاق والدعوة إلى الجهاد، وهجو الكفار وأعداء الإسلام، فقد كان له عليه الصلاة والسلام شعراء مختصون به، كان له كعب بن مالك وحسان بن ثابت وغيرهما من الشعراء جماعات بين مقل ومكثر، وكان منهم كعب بن زهير الذي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم في قصيدته المشهورة.

    وكان عليه الصلاة والسلام إذا أثني عليه ومدح يعجبه ذلك، ويشجع عليه، ويجازي عليه بالهدايا الكبيرة التي يعطيها عطاء من لا يخشى الفقر، وكان ينصب لـحسان بن ثابت منبراً في المسجد النبوي، ويحرضه على الكفار، ويقول له: (اهجهم فداك أبي وأمي، فإن روح القدس معك).

    وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة).

    وقال: (كاد الشعر أن يكون سحراً).

    لكن النبي عليه الصلاة والسلام لا يليق به أن يقول الشعر ولا ينبغي له، فهو أعلى مقاماً وأسمى رتبة، وكذلك لا يليق بخلفائه من العلماء والدعاة إلى الله، إلا أن يكون من هؤلاء دعوة إلى الله وهجواً وتمثيلاً بأعداء الله.

    ولذلك الشعر الذي كان مذموماً والذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً، خير له من أن يمتلئ شعراً) هو شعر الغزل وهتك الأعراض ومدح الكذابين والضالين والفاجرين، الشعر الذي لا يتفق مع الحقائق.

    أما الشعر في وحدانية الله جل جلاله، والذي في الدعوة إلى الله وعبادته، وفي التحمس للجهاد وبذل الأرواح رخيصة في سبيل الله، فذاك من الكلام الذي حض عليه عليه الصلاة والسلام، كما فعل ذلك كعب بن زهير عندما قال في قصيدته الشهيرة: بانت سعاد:

    إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول

    فقام عليه الصلاة والسلام من مجلسه وأهداه رداءه، واشتراه معاوية بعد ذلك من أولاد كعب بن زهير في زمن خلافته فجعله رداء خلافة، فكان يلبسه للزينة أيام الأعياد، وأيام استقبال الوفود وكبار القوم، وتوارثه بعده ملوك بني أمية، وخلفاء بني عباس، وملوك بني عثمان، ولا يزال ذلك محفوظاً في متاحف آثار إسطنبول في أرض تركيا، والثوب قد أخذ في أن ينتهي، لكن كانوا كل مرة يلبسونه بثوب ثم يهترئ، ثم يلبسونه ثوباً، إلى أن أصبح هكذا وكأنه فراش، ولكن أصله محفوظ ضمن ذلك، وقد أكد صحة ذلك ابن حزم في القرن الخامس، وأكده في عصرنا أحمد زكي الذي كتب في الآثار النبوية كتاباً على صغره يعتبر من أوثق الكتب ومن أسماها، ومن أكثرها حقائق مستقصاة فيه.

    مكانة القرآن ووجوب التحاكم إليه

    قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69].

    أي: أن الذي ينطق به محمد صلى الله عليه وعلى آله ذكر وتذكير للناس، ليذكروا الله، ويذكروا المقصود من وجودهم، وإلى أين هم ذاهبون؟ وماذا بعد الموت؟ ليعودوا إلى الله مؤمنين موحدين، ويعلموا بأن الله قد قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وأن الدنيا قنطرة الآخرة، فمن نجح هنا هناك ينجح، ومن رسب هنا سيكون رسوبه هناك، فمن آمن وبقي على إيمانه إلى لقاء الله، كانت الدنيا له دار سعادة، ومن عاش كافراً إلى أن يلقى الله كانت الدنيا له دار شقاء.

    وقوله: (وقرآن مبين):

    أي: أن الذي دعا إليه الناس هو القرآن، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد جاء صلى الله عليه وسلم منذراً ومبشراً وداعياً بهذا القرآن، وهو دستور المسلمين ودستور الكون، فمن آمن به فنفسه خدم، وإياها أحسن، ومن خرج عنه فنفسه أضر، وعلى نفسها تكون قد جنت براقش.

    وقوله: (مُبِينٌ) أي: بينٌ ظاهرٌ مفهوم معلوم، فيه الحلال والحرام، وفيه قصص الأولين والآخرين، وفيه أنباء الأنبياء والأمم قبلنا، وفيه خلقة الإنسان وخلق الدنيا وأين المآل، وصفة الجنة والنار، والآداب والرقائق، والحدود والأحكام.

    هو كتاب الإسلام، هو عقيدة، هو نظام، هو دولة، دعا للتثبت في العقائد والرسوخ عليها، دعا لقيام نظم الإسلام في الدولة، وفي المعارك، وفي المعاملات، وفي المحاكم، بينك وبين الخصم، بينك وبين أحبابك، بينك وبين أعدائك وقت السلام ووقت الحرب.

    هو دولة يدعو إلى قيام الدولة؛ ليكون الإسلام ديناً ودنيا، فالأحكام والحدود التي وردت فيه، والأوامر والنواهي من سيقوم بها؟ فإذا ذهب من يقوم بها سيقوم من الضالين المضلين ممن يتحكمون بمصير رقابنا، فيقول كما يقول أهل الكفر: الدين لله والوطن للجميع، وما لقيصر لقيصر وما لله لله، ويكون بذلك قد خرج عن الإسلام، فإذا قال: لا نقبل قرآناً في الدولة، والإسلام يجب أن يبقى في المسجد، وما عدا ذلك لا وجود له، فمن قال ذلك ودعا إليه يكون كافراً حلال الدم، مرتداً خارجاً عن الإسلام، مهما كان ذكره، ومهما كان اسمه، ومهما كان مكانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين)

    قال الله تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70].

    وقرئ في السبع وهي قراءة نافع : (لِتُنْذِرَ من كان حياً).

    الكلام هنا للنبي عليه الصلاة والسلام، فقد أنزل الله عليه القرآن ولم يعلمه الشعر؛ ليكون بالقرآن نذيراً ومبشراً، ليتوعد الذين لم يؤمنوا بالله بالنار والغضب والتدمير، وأنهم لا يستحقون كرامة ولا اعتباراً.

    ومعنى قوله: (لِيُنْذِرَ) أي: لينذر القرآن، وسواء أنذر القرآن أو أنذر نبي الله، فهو أنذر بالقرآن ودعا بالقرآن، فقد أنزل الله عليه القرآن لينذر به، وليدعو الناس إلى العمل بما فيه، فمن قبل فذاك وإلا فالسيف، وكما يقول عثمان بن عفان : (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).

    وليس كل الناس يقبلون القرآن والسنة، خاصة منهم من كان فارغ القلب وتعلم على يد اليهود والنصارى، وعاش في البيئات والأوساط الفاسدة، فهذا يكون قد دخل الكفر قلبه وتمكن منه، فتقول له: قال الله، فيقول لك: لا تستدل علي بآية قرآنية، وتقول له: قال رسول الله، فيقول: انظر ماذا يقول الفلاسفة، ماذا يقول علماء اليوم ومعاصروه، فهذا كأن على أذنه الآنك (الرصاص)، فهو لا يسمع ولا يعقل ولا يبصر ولا يدرك، فهذا إذا لم يقومه القرآن قومه السيف.

    ولا بد من السيف، فالإسلام قلم وسيف، والإسلام دعوة وجهاد، فمن قال: هو دعوة فقط قال غير الحقائق، ومن قال: هو سيف فقط قال غير الحقائق، فالنبي عليه الصلاة والسلام عاش في مكة ثلاثة عشر عاماً وهو يدعو إلى الله بلا سيف، وكان يمر على أصحابه وهم يعذبون وقتل منهم من قتل، فلا يقول لهم إلا: صبراً صبراً، ومر على أب وأم ووليدهما، مر على عمار ووالديه ياسر وأمه فقال لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) وطعنت أم عمار بن ياسر طعنها البغيض اللعين أبو جهل بحربة في قبلها إلى أن خرجت من ظهرها، وهو يدعوها إلى الكفر بالله والعودة عن الإيمان، وهي تأبى إلا الإيمان، فكانت أول شهيد في الإسلام، والنبي لا يزيد على أن يقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).

    فقوله: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70] أي: من كان حي القلب، حي الفهم متفتحاً ذاكراً واعياً، لم يكن بليد الطبع، ولا ميت القلب.

    فقد جاء الإسلام بحياة القلوب، فمن كان قلبه من الأصل ميتاً لا تؤثر فيه موعظة، ولا بشارة، ولا نذارة، ولا قول الله، ولا قول رسول الله، فهذا إلى الحيوان أقرب منه إلى الإنسان، بل الحيوان أشرف وأكرم منه، كما قال القرآن فيه: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

    وقوله: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70] أي: يحق الغضب والعذاب على الكافرين، فيعاقبهم الله تعالى بسبب كفرهم بكتابه وبرسوله صلى الله عليه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009795813

    عدد مرات الحفظ

    721791359