إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [56-59]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله المرسلين مبشرين ومنذرين، وأمر بالإيمان بهم وعدم الاغترار بالدنيا، فأبى الكافرون الظالمون إلا الكفر والطغيان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)

    قال الله جل جلاله: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [الكهف:56].

    بعد أن أنذر الله جل جلاله وهدد وأوعد وأخبر عن الكافرين والمشركين السابقين في الأمم السابقة أنهم استعجلوا العذاب، وأنهم طلبوا من أنبيائهم المكر والغضب واللعنة ونزول العذاب، يخبر جل جلاله بأن وظيفة الأنبياء ليست العذاب ولا الرحمة، وإنما العذاب والرحمة بيد الله، ولكن المرسلين والنبيين أرسلهم الله جل جلاله مبلغين ومبشرين ومنذرين، فيبلغون الناس رسالات ربهم، ويبلغونهم ما أمرهم به ربهم، ويبلغونهم ما أنزل عليهم من كتاب الله، مبشرين أهل الطاعة بالجنة، ومنذرين العصاة بالعذاب والنار، فتلك وظيفة الأنبياء.

    ولكن الله جل جلاله قد بشرهم وأنذرهم، فهو جل جلاله الذي يحقق البشرى للمؤمن المتقي برحمته ومغفرته ورضاه ودخول الجنة، وهو الذي يحقق النذارة والتخويف والتشديد والإيعاد، وينفذ ذلك على العصاة والمخالفين بلعنته وغضبه وبدخولهم النار.

    قال تعالى عن هؤلاء المشركين والكافرين: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56] فيجادل هؤلاء وينازعون ويعترضون بلا حجة أو سلطان أو برهان أو دليل من عقل أو منطق، فضلاً عن أن يكون لذلك حجة من الله أو من رسله السابقين، وإنما هم يفتحون أفواههم ويغلقونها كما تعوي الكلاب وتصيح الحيوانات، فلا يدرون ما يقولون.

    فلهم شأن الكافر الذي فقد عقله، فيريدون الجدال ولا جدال في هذه الأشياء إلا بالباطل؛ ظناً منهم أن هذا الباطل سيدحضون به الحق، وسيزيلونه ويمحقونه وسيزلقونه إلى أن يصبح زائلاً، وهيهات أن يبطل الحق باطل، وأن يقف في وجه الحق أحد! ومن أراد أن يفعل ذلك تكون النتيجة ذهابه وضياعه مع باطله وهرائه وكفره، ويبقى الحق والبارز الظاهر المتسلطن، ذو السلطان والبرهان والدليل.

    قال تعالى: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56] أي: يدحضوا به الإسلام والقرآن، ويبطلوا به رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وهيهات أن يتم ذلك لأحد إلا لأرعن كافر أو لمجنون فقد عقله قبل أن يفقد دينه، وشأن الغواة شأن الذين لا يعلمون ما يقولون ولا ما يصدر عنهم، وهكذا إلى أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

    قوله: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [الكهف:56] أي: لا يكتفون بالجدال بالباطل، بل يأخذون في الاستهزاء والسخرية بآيات الله التي أنزلها على أنبيائه من معجزات ودلائل واضحات من كتب لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويهزءون بالرسل والكتب وبالحق.

    قوله: (وما أنذروا هزواً) أي: أنذروا به، فيهزءون بما أنذرهم الله به من عذاب وغضب ونار، ويهزءون برسلهم وما أتوا به من معجزات بينات، ودلائل واضحات، ولا يكون ذلك إلا دلالة على كفرهم واتباع أهوائهم، وضياع عقولهم وهم في الدنيا كذلك، ويكادون ينتهون حتى يأخذهم الله في الدنيا أخذ ذل وهوان وسحق، ولعذاب الله أشد وأنكى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها...)

    يقول تعالى مستفهماً استفهام تقرير وتأكيد وتعليم وإيضاح، أي: يوجهنا ويعلمنا ويحقق رسالة نبيه التي أرسله بها.

    يقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57] أي: من أكثر ظلماً وشركاً، ومن أكثر جنوناً ممن جاءته الرسل وجاءته كتب الله بالدلائل الواضحات القطعية مما لا يدفعها منطق ولا عقل سليم فأعرض عنها.

    قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ [الكهف:57] أي: ذكر بها ووعظ وأرشد وخوطب وكوشف.

    فهذا الذي يأتيه رسول أو كتاب، ومع ذلك يأبى القبول والخضوع ويعرض عن آيات ربه ويهجرها فيترك الإيمان بها، ولا يلقي لها بالاً ولا يعتبرها، فهو ظالم لنفسه.

    قوله: وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57] أي: أعرض عن تذكير رسله له، وأعرض عن كتاب ربه له ولأمثاله، ثم جاء فنسي ما قدمت يداه من شرك بالله وكفر بآياته، وظلم واعتداء على الأعراض والأموال وسلب الناس حقوقهم، وغير ذلك مما لا يجوز فيه الاعتداء على حق أحد من الناس، فهو ظالم لنفسه بكفره بالله، وهو ظالم لنفسه لأخذه حقوق الناس، وأكله أموالهم وانتهاكه أعراضهم، واشتغاله بشتائمهم وسبابهم، هزءاً منه بكتاب الله ورسوله، وما أتى به من معجزات وبراهين واضحات.

    قوله: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57] يقول جل جلاله: هؤلاء الذين لم يعطوا لأنفسهم فرصة التعلم والسماع والتذكير والتفكير فيما جاء به رسول الله فكذبوا، ثم أعرضوا، ثم استهزءوا، ثم نسوا ما قدمت أيديهم من شرك وظلم وإيذاء واعتداء؛ هؤلاء يقول الله عنهم: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف:57] أي: غشاوة وغباراً غطاها عن سماع الحق ووعيه وفهمه، وهذا يحدث لمن سبق في علم الله أن جازاه بسوء الخاتمة وبأن يموت على الشرك؛ ليخلد في النار جزاءً وفاقاً، لا للكفر فقط، بل مع الكفر العناد والهزء بالأنبياء وبكتب الله.

    قوله: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف:57] أكنة: جمع كنان، أي: ستراً، وغشاوة، حيث يسمعون فلا يعون، وينظرون فلا يبصرون، تسمع قلوبهم فلا تفقه ما يقال لها، كأنهم خشب مسندة، قد يفهم الحيوان ويعلم ويؤدب ولا يفهم هو ألبتة.

    قوله: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الكهف:57] أي: جعلنا على قلوبهم ما أفسد فهمهم ووعيهم وأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم، فلم يعوا ولم يدركوا ولم يتعظوا.

    قوله: وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57] أي: وجعل على آذانهم ثقلاً، وهذه أشياء معنوية؛ ولذا قال تعالى: وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف:198] أي: تراه ذا بصر وسمع وقلب وفهم وذكاء، ومع ذلك لا يستفيد ببصره؛ فيكون أعمى لا يدرك ما يدركه البصير، ولا يسمع ما يسمعه البصير، ولا يفقه ما يفقهه الذكي والعاقل والسامع والمبصر، فهو كأنه قد جعل على آذانه ثقلاً من حديد، وجعل على قلبه غشاوة، والران يغطي على القلب والسمع والبصر، فهو لا يبصر ولا يسمع، ولا يعي ولا يفهم، وعلى آذانه وقر.

    قال تعالى: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57] أي: هؤلاء -وقد صعد الران على قلوبهم، والآنك في آذانهم، والغشاوة على الأبصار- لو دعوتهم إلى الهدى لا يهتدون إذاً أبداً؛ لأنهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعون، فالأبصار والأسماع والقلوب قد عطلت عن فائدتها، فلا عين ترى، ولا أذن تسمع، ولا قلب يفقه، ولا عقل يدرك، فهم في بلاء ولعنة مسترسلة لعدم الفهم والوعي، وهكذا لم تفد فيهم رسالة، ولم يفد فيهم كتاب ولا علم ولا وعظ ولا إرشاد.

    قوله: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57] يقول الله عنهم: من كان كهؤلاء لم يهتد أبد الآبدين، فيعيشون ظالمين كفرة، ويبعثون كافرين ظلمة، ويخلدون في النار على ذلك، كالكثير ممن يحاول أن يسأل عن العلم وهو أجهل من الحمار، وكثير ممن يظن أنه يدرك ويعلم، وإذا به أبلد من حذاء، وإذا به الأجدر أن يربط في الإسطبل مع الدواب والمواشي، إن ذكرته بقال الله يظنك تتحدث معه في قصص ألف ليلة وليلة، وإن حدثته بقال رسول الله كأنك تحدثه بما يسميه الفنان والفنانة.

    وإذا رأى فيك صفة مما تحترم أو تجل، تجده قد كفر بكل إجلال واحترام بدءاً من سيد البشر عليه الصلاة والسلام ورسالته، كما وصفهم الله بأنهم لم يؤمنوا ولن يؤمنوا، وأنهم يهزءون بكتاب الله ورسل الله وآيات الله، هؤلاء: كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179] فلا يجوز أن يتركوا ليدخلوا مسجداً أو يعاشروا مسلماً أو يحضروا مجمعاً، هؤلاء أوجب الإسلام علينا أن نضرب على أيديهم، وأن نطهر المجامع منهم ومن أمثالهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب...)

    قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58].

    يخبر الله تعالى أنه رحمة منه جل جلاله يمهل الإنسان الظالم فلا يؤاخذه، ويعطيه فرصة من حياته، خمسين سنة، سبعين عاماً، قرناً من القرون، سنة أو سنوات وما يشاء الله.

    والله جل جلاله كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام: (لا أحد أصبر من الله) يقال عنه ويقال، وهو مع ذلك يرزق الكافر ويعطيه ويسلم حواسه، ومع ذلك يأبى إلا الكفر والعناد؛ لتبقى الحجة البالغة لله.

    ذاك من رحمته لعله يوماً يعود إلى ربه، لعله يوماً يقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، لعله يفكر يوماً: أن الله لم يخلقنا عبثاً، وأن الله خلقنا لنعبده ولنطيعه، فما أوجدنا وخلقنا إلا لنعبده مخلصين له الدين جل جلاله وعلا مقامه.

    قوله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58] (الغفور) صيغة مبالغة أي: كثير المغفرة، وعلى عاقب يعاقب بالقليل على الجرم الكثير، ويكافئ ويجازي بالكثير على العمل القليل، ذاك من رحمته ومغفرته.

    قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58] أي: صاحب الرحمة جل جلاله، ويوم خلق الرحمة كانت رحمته قد سبقت غضبه جل جلاله، فهو يرحم الكبير والصغير والمؤمن والكافر، ورحمته للكافر بأن يمهله ليعيش زمناً وليسمع زمناً عله يرعوي فيعود لربه.

    ولقد فسر ابن تيمية قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95] في خطابه لرسوله عليه الصلاة والسلام، أن هؤلاء المستهزئين جميعاً ختم الله لهم بسوء الخاتمة، وهي خاتمة ذل وعقوبة وإذلال، ولعذاب الله لهم يوم القيامة أنكى وأشد.

    واذكر إن شئت أبا لهب وأبا جهل وأبي بن خلف وعتبة وعتيبة والكثير الكثير، وهو قد قال رحمه الله: تلك سنة الله مع المستهزئين في الحياة النبوية وبعدها، وحكى أشباهاً مما حصل في عصره وقبل عصره، وقد كان في القرن الثامن، وهكذا قل عنا الآن، وإلى ما بعد الآن، وإلى يوم القيامة.

    قد يكون الكافر كافراً عن جهل وبلادة، ولكنه لا يهزأ ولا يعاند، ولا يكون قليل الأدب مع رسول الله ومع المقدسات، ومع بيت الله الحرام ومع المسجد النبوي، ومع كلام الله، ومع السنة المطهرة.

    قوله تعالى: لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ [الكهف:58] يخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الكافرين، ويحاسب الظالمين، لعجل لهم العذاب، ولما أمهلهم، ولما أعطاهم فرصة من حياة ليتعلموا، ومن هنا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله يمهل ولا يهمل)، وهذا الإمهال تارة رحمة، وتارة لتبقى الحجة البالغة لله، وأن هذا المشرك أو الظالم مد في عمره وحياته، وفي ماله وقوته وسلطانه، ومع ذلك لم يزدد إلا كفراً، ولم يزدد عن الله إلا بعداً.

    فهذا عندما يكون كذلك يكون قد صعد الران على قلبه، فلا تفيد معه موعظة ولا آية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    قوله تعالى: لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا [الكهف:58] أي: لو يؤاخذ الظالمين الذين قال عنهم إنهم استهزءوا بآيات الله، وبما أنذروا به، وهؤلاء الظالمون لو يؤاخذهم ويحاسبهم بما اكتسبوا وفعلوا من كفر وشرك، وكسبوا من ظلم، لأسرع بعذابه ونقمته، ولم يمهلهم ولا ساعة، ولكن لرحمته -وهو الغفور ذو الرحمة- قد شاء أن يعطي هؤلاء فرصة الحياة، فلا يؤاخذهم، ولا يحاسبهم، ولا يعجل لهم العذاب، ممهلاً لهم إما أن يعودوا إلى التوحيد وإما أن يكون ذلك حجة لله بالغة عليهم.

    قوله تعالى: لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ [الكهف:58] أي: في الدنيا قبل الآخرة كما كان يعامل الأمم السابقة قوم نوح وهود وصالح ولوط، وقوم فرعون، ولكن الله من رحمته بعباده لم يسرع العذاب لهم، بل أمهلهم لعلهم يعودون إليه.

    قال تعالى: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58] أي: بل لهؤلاء المشركين والظالمين موعد وعدوا في وجودهم فيه وعرضهم فيه على الله، وهو يوم القيامة، قد وعدوا بالحياة الثانية، وبالبعث بعد الموت؛ ليحاسبوا على ما عملوا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    فمن فعل الخير دخل الجنة، ومن ارتكب الشر دخل النار، فهذا الموعد لا موئل عنه ولا مفر، هو موعدهم ومرجعهم، وهو مآلهم (لن يجدوا عنه موئلاً) أي: لن يجدوا عنه مرجعاً ولا مفراً ولا مكاناً يئوبون إليه، ويستغيثون به، يفرون إليه من عذابه وعقابه، ولكن هيهات هيهات! يوم ينادي: أنا الملك أنا الديان!! أين الملوك؟! فلا يجيب أحد، ثم يجيب نفسه بنفسه جل جلاله.

    نأتيه فرادى ليس معنا حول ولا طول ولا أنصار ولا أولاد ولا أشياع ولا جيوش، نأتي فرادى كما خلقنا فرادى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا...)

    قال تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:59].

    قوله: (تلك القرى) أي: أهل القرى السابقة في الأمم الماضية، عاقبهم الله تعالى وأهلكهم، ودمرهم بأنواع من الهلاك كالغرق والصواعق والزلازل، وبجعل الأرض عاليها سافلها، وبأنواع العذاب، فعجل لهم الهلاك وأسرع به لهم.

    قوله: (لما ظلموا) أي: عندما أشركوا بالله وظلموا أنفسهم، ورفضوا الإيمان بربهم، وأبوا قبول الرسالات، والهدايات والمعجزات، والأدلة الواضحات الفاضحات، ولم يرغبوا إلا في الكفر والجحود، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

    قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59] معناه: يا هؤلاء! خذوا العظة والعبرة مما جرى لمن سبقكم، فالسعيد من وعظ بغيره، والشقي الذي لا يوعظ إلا بنفسه، فإذا بطش به، وإذا سحق وعوقب يكون قد فات الأوان، والوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.

    قوله تعالى: وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:59] أي: وكان لهم موعد في هلاكهم ودمارهم وفي القضاء عليهم في عقوبتهم، فذهب ملكهم وسلطانهم، وذهب عزهم ونورهم، وذهبت حضارتهم، وذهب ما أسسوه وأتقنوه وعاشوا له قروناً، وكأنهم لم يكونوا يوماً في الأرض، بادوا ثم بادوا، وانتهى وجودهم وعادوا إلى عذاب ربهم بعد أن أعطاهم فرصة الإيمان والهداية، فأبوا إلا الفسق والعصيان والجحود والكفران.

    قوله: وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ [الكهف:59] قرئ (مَهلِكِهم) و(مَهلَكِهم) و(مُهلَكِهم) والمعنى واحد، وكلها قراءات متواترة صحيحة، ومعناه: أنه جعل لهم مكاناً وموعداً، وهو يوم القيامة، يوم العرض على الله، وقد يكون هذا العذاب له موعدان، موعد في الدنيا وموعد في الآخرة، كما صنع بأهل القرى الماضية، وكما صنع بالأمم السابقة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    عدد مرات الحفظ