إسلام ويب

الإسلام والتحديات المعاصرةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام محارب منذ أن وجد على وجه الأرض، وهذه من سنن الله الكونية، وقد تمثل حرب الإسلام في عدة أمور منها:

    نشر الإلحاد والشهوات، وزرع الخلاف بين المسلمين، والمؤامرة على المرأة المسلمة لتكون سافرة عاهرة، ووصم الدين الإسلامي بأنه دين تطرف، وهدم الاستعلاء عند المسلمين، والإعجاب بحضارة الكفار.

    وقد تطرق بذكر كيفية مواجهة هذه التحديات والأسباب التي تعين الشاب على الثبات على هذا الدين.

    1.   

    جوانب التحديات المعاصرة على الإسلام

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعــد:

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    عنوان هذه المحاضرة هو: " الإسلام والتحديات المعاصرة"

    أيها الإخوة: إن الإسلام مصارَع ومحارَب منذ أن وُجد على الأرض، ومن سنن الله الكونية أن يحارب ويصارع؛ لأنه عظيم.. يقول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] ويقول سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] ولأن هذا الدين بعظمته لا بد له من أعداء.. ولا بد أن يفهم الدعاة وطلبة العلم والعلماء والمتوجهون إلى الله مسألة خطيرة، تتكون من شقين:

    الأمر الأول: أنه لا يمكن أن نبقى بلا قراءة، وقضية أن تُسلَّم لنا الساحة ونظفر بها بلا قتال ولا مجاهدة فليس بصحيح، ولو سُلِّمت لأحد من الناس لسُلِّمت لمحمد عليه الصلاة والسلام.. إذاً لا بد من دموع، ولا بد من تضحية، ولا بد من قتال وشهداء، ولا بد من تشويه لمعالم الحق، واتهامات مغرِضة، وتعليقات مرة، فهو أمر طبيعي، بل هو قضاء وقدر.

    الأمر الثاني: إذا قلنا: إن الإسلام محارَب؛ فلا يعني هذا أن يجلس الدعاة؛ لأن بعض الدعاة أصابهم قنوط ويأس، يقولون: كفر العالَم، وألحد الناس، واجتاحنا الكافر، وتحوَّلت الديانات إلى كفر، فالله المستعان! ثم تلفف ببردته، وجلس في بيته يصلي الضحى وقيام الليل ويبكي.. أحسن في جانب، ولكنه والله انهزم في الجانب الآخر، وفشل في الساحة، والله لا يريد هذا الانهزام، ولا يريد من المسلم أن يفشل.

    الإسلام والتحديات المعاصرة التي نعيشها يمكن أن تُجمل في ثمان مسائل:

    المسألة الأولى: الإلحاد.

    وهو أكبر ضربة تُوجَّه ضد شبابنا ونَشْئنا وجيلنا وقلوبنا وبيوتنا.. الإلحاد ومركبه الأدب، وقد ركب قبل أربعين سنة أو أقل منها على مركب الاقتصاد، وعندي وثائق وحقائق وبراهين عن ناشئة ذكرتُهم البارحة رضعوا ثدي الإلحاد في بلادنا، واستنشقوا هواءنا وشربوا ماءنا، وسوف نسمع ماذا قالوا يوم غُزوا بالإلحاد، ويوم تحدانا بهم الكافر ليحاربنا بأقلام مِنَّا.

    المسألة الثانية: الشهوات.

    المسألة الثالثة: زرع الخلاف في الصفوف بتهييج مواطن النزاع وتضخيم مواطن البَوْن بين المسلمين على غير طائل إلا نتيجة الفُرقة والتشتت والتمزق.

    المسألة الرابعة: وصم الدين بالتطرف.

    وقد أسست ذلك هيئة الإذاعة البريطانية وبثَّته على العالم، ووكالاتُ أنباءٍ متطرفة، وليس المسلمون هم المتطرفون.

    المسألة الخامسة: المؤامرة على المرأة.

    فإننا كلما طُعِنا أتت الطعنة الكبيرة من جانب المرأة.

    المسألة السادسة: تعليل تخلف المسلمين بتمسكهم بالدين.

    وكأننا لم نصنع سيارة ولا صاروخاً إلا لأننا ربينا لحانا وقصَّرنا ثيابنا، وكأن الإنسان إذا حلق لحيته وطوَّل ثوبه وتفرنج وأصبح خواجة سوف يستطيع أن يصنع طائرة وصاروخاً، وكأن هذا المسلم بليد وغبي، والسبب عندهم -وهؤلاء دعاة الوثنية الإلحادية في ساحتنا- السبب هو أن المسلم متمسك بدينه.

    قال الناظم:

    منهم أخذنا العود والسيجارة     وما عرفنا نصنع السيارة

    مر أحد هؤلاء الضائعين الذين لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليس بمسلم ولا خواجة، ما صنع طائرة ولا صاروخاً ولا ثلاجة ولا برادة، وما جلس معنا يصلي ويقرأ القرآن.. مرَّ بشيخ في مكان من الأمكنة، والشيخ يقرأ على التلاميذ ويشرح لهم الروض المربع في الفقه، فقال هذا المتطور: يا شيخ! الناس صعدوا على سطح القمر، وأنت لا تزال في الروض المربع؟! فقال الشيخ: أما أنت فلا صعدت على سطح القمر ولا جلست معنا تقرأ الروض المربع لكنك ضائع، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

    فنقول: ليتهم عندما ضاعوا فعلوا مثل فعل الكافر؛ لكنهم تبجَّحوا وجعلوا يحاربوننا ويحاربون هذا التوجه العظيم الذي أعاد الله به للأمة روحها وكيانها، وسوف تكون نتائجة محمودة -بإذن الله- بمثل هذه المؤتمرات، واللقاءات والدروس، وتبادل وجهات النظر وتناسي الخلاف إلا فيما يمكن أن يكون فيه تنبيه أو رد.

    المسألة السابعة: هدم الاستعلاء في نفوس المسلمين.

    وكما تفضل الشيخ/ سلمان البارحة في قوله: أصبحت كلمة (كافر) صعبة.. إذا أتيت إلى أمريكا -وهو مجتمع كافر- فلا تقل: كافر، بل قل: أمريكي.. قل: مجتمع غربي، حضارة غربية.. ولذلك بعض الكتبة والمفكرين من المسلمين يستخدم هذه العبارات، ويقول: بلا قسوة، ويستدل بقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] وكلَّما قلنا له شيئاً قال: القوم هناك مسلمون بلا إسلام، وعندنا إسلام بلا مسلمين! هذا الرجل وأمثاله عندهم عدم استعلاء، وانهزامية داخلية في نفوسهم، وليتهم أبقوا هذه الكلمات اللطيفة مع شباب الإسلام، لكن كلما تعرض بعضُهم للشباب بمناسبة أو بغير مناسبة قال: كث اللحية، متطرف، لا يعرف إلا البسملة وتحريك الأصبع في التشهد، ويتكلم عن الكالونيا وتقصير الثياب! وكلما عرضت له مصيبة قال: هم المتزمتون والمتطرفون!! فليتك يا أخي وجهت ربع هذا للكافر، وصافيت إخوانك، ووجَّهت هذا الجيل ونزلت إلى الشباب المسلم.

    المسألة الثامنة: الإعجاب بحضارة الكفار:

    وقد رأينا أن الخواجة والكافر والملحد إذا وصل إلى بلد نظر إليه المسلم وكأنه نزل من الجنة، حتى أنهم يهزون أكتافهم ويقولون: حسناً حسناً، (thank you) أنا لا أعرف الإنجليزي، لكنهم يقولون هذا الكلام، وقد رأيت بعضهم يقدمه على المسلمين السُّجَّد الذين يصلون الصلوات الخمس.. إنه انهزام داخلي، بمعنى أن هذا صاحب حضارة، وقد صنع لنا وقدم لنا وأسس، أما نحن فبَدْوٌ أوباش، وليس عندنا إلا رجعية وتخلُّف!.

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: نشر الإلحاد

    أيها المسلمون: كل هذه المسائل تندرج تحت العنصر الأول: الإلحاد.. وهذا إذا سكت عنه الدعاة وجلسوا يتصارعون ويتلاطمون ويتراكلون بينهم؛ فسوف ينتشر انتشاراً رهيباً حتى تُغزَى به بلاد ما كان ليصلها ولا ذرة من ذلك بسبب أن الدعاة تلاشوا.. أنا لا أنكر جهود العلماء ففيهم خير، وفيهم رُشد وصلاح، ولكني أعتب على بعض مَن لم يعِش الواقع مع طلبة العلم، وهذه -مسيرة توجه الشباب- إذا لم يقُدْها العلماء فسوف تقف أو تضيع.

    إن ميزة الإسلام عندنا أن مصدر التلقي هو الكتاب والسنة، وأن القادة للشباب هم العلماء. قال الدكتور/ سعود الفنيسان: على العلماء أن يقربوا من الشباب خطوة، وعلى الشباب أن يقتربوا من العلماء ثلاث خطوات، هذا لا بد منه، وكذلك على العلماء أن يرحموا الشباب ولا يبكتوهم، فإن الشاب في أول الهداية يكون متحمساً لكن على العالم ألاَّ يبكِّته ولا يزري به، وعلى الشاب أن يعرف قدر العلماء.

    سمعتُ أن بعض الناس يقولون: العلماء هؤلاء لا يعرفون إلا الحيض والغسل من الجنابة، ولا يعرفون إلا تقصير الثياب، ولا يعرفون إلا صدقة الفطر! أقول: اتقِ الله يا أخي! أما تعرف أن لحومهم مسمومة؟! أما تعرف أن الله أثنى عليهم في القرآن؟! أما تعرف أنهم ورثة محمد عليه الصلاة والسلام؟! فإذا لم يُفتوا هم في الحيض وفي الصلاة والزكاة والطلاق والخُلع، فهل ستفتي أنت أو غيرك؟! تأتينا بالصيدليات المناوبة ودرجات الحرارة؟! إذا سألوك: كم عدة الحائض؟ أو متى تصلي وتصوم؟ تقول: لا أعرف.. الإسلام دين عدالة، ودين تآخٍ، الإسلام ينطلق من أطر، وينبثق من بوتقة الدعوة إلى الله.

    هذا الفراغ لا يحله ولا يغطيه إلا العلماء، ونحن المسلمين على مشارب، أي: على ثغرات، قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] والرسول عليه الصلاة والسلام ما طلب من الصحابة جميعاً أن يكونوا فقهاء، لكنه وضع كل واحد فيما يستحقه، وهذه عظمة محمد عليه الصلاة والسلام..

    جاء إلى أبي بكر الصديق فوجده رجلاً عظمياً عملاقاً فجعله الإداري الأول ورجل الساعة والخليفة الأول.

    وجاء إلى خالد فوجد أنه يعرف قطع الرءوس من الأكتاف، ويذبح الأعداء على الطريقة الإسلامية، فقال: (أنت سيف الله المسلول).

    وجاء إلى زيد بن ثابت فوجده فَرَضي، فقال: (أفرضكم زيد).

    وجاء إلى أبي بن كعب، فقال: (وأقرؤكم أبي) وإلى حسان بن ثابت فوجده شاعراً، وزارة إعلام متنقلة، فقال: (قائد الشعراء إلى الجنة حسان بن ثابت).

    إذاً: نطلب من الجميع التخصص، ونحن في صالة فيها كثير من طلبة العلم والأخيار، وكل يمكن أن يغطي ثغرة، وأن يسد مجالاً، ولا نطلب منهم جميعاً أن يكونوا إنشائيين، أو أُدباء، أو فقهاء؛ لكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلِق له.

    بعض النماذج من أقوال الملحدين

    ولن أقرأ لكم من القرآن عن الإلحاد والملحدين؛ فأنتم تعرفون ما ذكر الله في الملحدين والكافرين، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة:161] ولن أخبركم عن حكم الإلحاد، فهذه أحكام مُسَلَّمَة عند العامي من المسلمين؛ لكن اسمع إلى بعض ما أنتجت لنا حضارة الإلحاد في أبنائنا.. فهذا أحدهم ويُسمى الحربي -حاربه الله أو هداه- يقول:

    أرضنا البيد غارقة...

    يقول: أرضه غارقة!

    طوَّف الليل أرجاءها...

    وكساها بعسجده الهاشمي...

    فدانت لعادته معبدا...

    الهاشمي هو محمد عليه الصلاة والسلام.. الهاشمي هو الذي أخرج العرب الذين كانوا يطاردون اليرابيع، وكانوا يتقاتلون على الشياة، وكان لا يعرف الإنسان منهم ما تعرف ناقته، مثل شيوخ القمر، أخرجهم إلى أن يفتحوا الدنيا في خمس وعشرين سنة.. الهاشمي عليه الصلاة والسلام هو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور.. الهاشمي عليه الصلاة والسلام هو الذي أتى إلى الإنسان وكان أشبه شيء بالحيوان، فزكَّاه وعلَّمه وطهَّره، وعلَّمه أن هناك جنة عرضها السموات والأرض.. يقول الله عنه: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] قاتل الله هذا المجرم.

    وكساها بعسجده الهاشمي...

    يقول: أرضنا ما رأت النور فهي غارقة في الظلام منذ أن جاء محمد فغطاها بردائه.

    وأحدهم ألقيت معه مقابلة في صحيفة هنا في أمريكا، فسألوه: لماذا تأخر العالم الإسلامي؟ فقال: بدأ تأخره من أربعة عشر قرناً. أي: أنه حسب من انطلاقة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فجعلها أول التأخُّر.

    يقول في قصيدته:

    بعض طفل نبيٍّ...

    على شفتي ويدي بعض طفلِ...

    من رجال الجوازاتِ...

    حتى رجال الجماركِ...

    حتى النخاع...

    يهجم الخوف أنى ارتحلنا...

    وأنى حللنا...

    وأنى رسمنا منازلنا في الهواء البديلِِ...

    والنساء سواسية...

    منذ (تَبَّتْ) وحتى ظهور القنا...

    يقصد: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] يقول: المرأة محارَبه منذ أن حاربها الله في تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] وأتينا نحن نعلن حربها.

    ولكني أسأله سؤالاً:

    ما هو الحلم الجديد الذي يَعِدُ به الناس هذا المجرم وأمثاله من الحداثيين والإلحاديين، ويصفونه بالانفتاح وكسر الأقفال، والخروج إلى المألوف، وكسر الحواجز، والثورة على القديم؟ الحلم هو جنة كارل ماركس، ولينين، واستالين، جنتهم التي وعدوا بها العالم فأتت فإذا هي جهنم، نارٌ تلظى.. سحقوا الشعوب، وقتلوا الألوف المؤلفة، وذبحوا القيم والمبادئ.

    أو هي شريعة منغ تي تونغ، الصيني المجرم الذي عرَّض الشعب الصيني للهلاك، وما حدث هناك في بكين دليل وشاهد على فعله.. يريد هذا جنة للمسلمين مثل تلك الجنة، يعدنا بهذا الحلم الذي رأيناه وأبصرناه، وشبع العالم منه وامتلأ.

    إن من المقطوعات التي ينبغي أن نتصدى لها، بل الفكر المطروحة: الإلحاد، ولا أزال أقوله وأكرره، وإن مسئولية من يأتي لمثل هذه المؤتمرات في مثل هذا البلد الكافر الظالم أهله أن يجعل الأساسيات أولاً هي الأصول.. إيمان، رسالة، قرآن، عقيدة.. ثم تأتي الأمور الجزئية في آخر كلامه أو في مداخلاته مع إخوانه.

    وهذا أحد الملحدين المجرمين يقول:

    صار الله رماداً صمتاً رعباً في كف الجلادين

    أعوذ بالله! وراوي الكفر ليس بكافر، وهو كلام أظنه ينقض الوضوء، لكن ماذا نفعل لنخبر الشباب أن هذا يقال، وأن الإسلام يُحارَب من أبنائه.. وليت أن الذي قاله ماركس، وقد قال مثل ذلك، ولا نستغرب منه لأنه أسس أعظم المذاهب إلحاداً، لكن أن يقول هذا الكلام أبناء خالد وعمر، وأبي.. أبناء الذين فتحوا الدنيا.. أبناء عقبة بن نافع الذي وقف على المحيط الأطلنطي بفرسه وقال: يا بحر! والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتك بفرسي؛ لأرفع (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).. أبناء هؤلاء تحولوا إلى ما سمعتم، وفي بلد من البلدان جاء مجرم حَداثي ملحد زنديق، وكان يدرس في جامعة توجهها إسلامي؛ لكن فيها هذه الحية الرقطاء وأمثاله، فجلس في الفسحة وقال لزملائه: جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يوماً من الأيام، فقال لأصحابه: أتدرون ما البيبسي؟ -أي: هذا الذي يُشْرَب- قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قوموا عني. فيورد مثل هذا الكلام، ويضحك به جيلاً، ويفسد به في بيته وجامعته وفصله. فنعوذ بالله!

    وهذا البياتي المجرم يقول في ديوانه: كلمات لا تموت صفحة (526):

    الله في مدينتي يبيعه اليهود...

    (لا إله إلا الله)! قُلْ هُـوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    الله في مدينتي مشرد فريد...

    أراده الغزاة...

    أن يكون لهم أجيراً شاعراً قواداً...

    يخدع في قيثارة أحد العباد...لكنه أصيبْ...

    لأنه أراد أن يصونْ...

    زنادق الحقول...

    من حرابهم أراد أن يكونْ...

    تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!!

    طرق التصدي للملحدين

    ولا أستغرق في النماذج، لكن ما هو الحل لهذا التحدي الصارخ الذي أُعلن أمام الملأ وأصبح مكشوفاً أمام الناس؟

    في نظري أن الحل يأتي في غرس الإيمان في القلوب، ويأتي بأن نعيد الناس إلى حرارة الرسالة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، وتأسيس العقيدة الصادقة في الله، وفي الكون، والحياة، والرسالة.. وأرى ألا نشتغل بالجزئيات عن الكليات؛ لأنك حينما تستهلك وقتك في مسألة من المسائل كمسألة فضيلة من الفضائل، أو جزئية من الجزئيات، كقيام الليل أو صلاة الضحى، المسألة أعظم من ذلك، المسألة الآن إيمان وكفر، زندقة وإلحاد في الساحة، فينبغي علينا أن نوجّه أكثر اهتمامنا إلى الإيمان، ونغرسه في القلوب بطرق شتى، منها:

    أ/ الانطلاق في العمل لهذا الدين.

    الطريقة الأولى: أن ننطلق وأن نترك هذا التقمص في البيوت:

    لأن في الساحة الإسلامية دعاة كثيرون، ففي مدينة من المدن قال لنا بعض العلماء: حصرنا الدعاة في هذه المدينة فوجدناهم ثلاثة آلاف وستمائة (3600) داعية؛ ولكن الذي يعمل منهم ما يقارب الثلاثين (30) داعية، أما الآخرَون فلا يعملون، وإذا ألقى أحدهم محاضرة في السنة، فإنه يلقيها بالقطَّارة وكأنه يتفضل على المسلمين، وهذه هي رسالته، بينما التبشير والإلحاد يجوب العالم، وكلهم مجندون بمستشفياتهم، ودورهم وتأهيلهم وميزانياتهم.

    ب/ الدعوة إلى الله من قبل.

    الطريقة الثانية: أن ينزل الشباب دعاة إلى الله عزَّ وجلَّ..

    أنا لا أعرف أنه لا يوجد أحد من الإخوة لا يعرف أن يصور أو يصحح للكافر أو للملحد مساراً عقدياً أو إيمانياً. صحيحٌ أنه قد لا يعرف أن يفتي في جزئية من المسائل، أو لا يستحضر الدليل، لكن مُجمل الإسلام وتصوير الإسلام لا أعرف أن أحداً منا لا يستطيع ذلك أبداً؛ لكن من ينطلق؟ ومن يذهب؟ الصحابة كلهم كانوا دُعاة، كان الواحد منهم يحفظ سورة أو سورتين، ثم ينطلق بها داعية؛ فيصلح الله سبحانه وتعالى على يديه جيلاً أو أجيالاً.

    جـ/ تناسي الخلاف الجزئي.

    الطريقة الثالثة: أن نتناسى الخلاف، إلا خلافاً عقدياً أصولياً..

    فإنا ننبه المبتدع، ونحاول أن نصلح من حاله، وأن نرده إلى الله، أما الخلافيات الجزئية التي للمجتهد المصيب فيها أجران، وللمجتهد المخطئ أجر واحد؛ فهذه المسألة فيها سعة، وشكر الله لـابن تيمية قوله: لا يُعَنَّف المخالِف في فرعية من فروع الدين. فلو دخلت إلى المسجد فوجدت أحد المسلمين وضع يده اليمنى على اليسرى تحت سرته، فما ينبغي أن تقول: تب إلى الله، استغفر الله، حسيبك الله، نسأل الله أن يهديك سواء السبيل.. يا أخي! اجعل يدك على صدرك وأنت المصيب، وهو دليله مرجوح، لكنك أخذت وقتاً ثم أوجدت ضغينة في قلبه، ثم أذهبت المقاصد العظمى من الرسالة الخالدة التي أتى بها صلى الله عليه وسلم، فإنه ما كان يُعَنِّف أصحابُه بعضُهم على بعض في مسائل الخلاف.

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: الشهوات

    وهذه لطبقة من الناس؛ لأن الكافر عندما أتى إلى المفكرين والأذكياء حاربهم بالإلحاد؛ فإن بعض الناس تجده عصامياً ولو كان ملحداً زنديقاً.. لا يحب المرأة، ولا ينساب مع كأس الخمر؛ لكنه يحب الإلحاد، فيضرب الإسلام بخنجر الإلحاد والزندقة.. وبعضُهم ضائع، ما عنده إلحاد ولا زندقة؛ لكنه وراء المرأة.. وراء المجلة الخليعة.. وراء كأس الخمر.. وراء الأغنية الماجنة.. وراء الشهوات، كالدابة تماماً.. ضائع صاحب شهوات.. يقول سبحانه: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ويقول سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    أسباب انتشار الشهوات والانخراط فيها

    أ/ عدم الاهتمام بالعلم الشرعي.

    وهذه الحرب -حرب الشهوات- وتغرير شباب الإسلام بها أتت من أمور:

    في بعض المدارس يدرسون الطالب (طه والطبلة): كان لـ(طه) طبلة يضرب عليها، فخرجت البطة من الطبلة، فقال طه: أين كنتِ؟! ولذلك يخرج الواحد من الثانوية وهو لا يعرف قراءة الفاتحة، ووالله لقد قُوبِل مع طالب تخرج من الثانوية يريد كلية الشريعة، وإذا به لا يحفظ سورة المسد..! لماذا؟! لأنه كان يدرس هذه الأمور: (طه والطبلة) درس وخاب، وأكل وشرب ونام.

    وهذا ناتج عن عدم تأسيس شبابنا على العلم الشرعي، ولو ربيناهم على (قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم) وقال البخاري: وقال مسلم: فإن هذا هو العمل الأصيل.

    العلم قال الله قال رسوله     قال الصحابة هم أولو العرفانِ

    ما العلم رسمك للخلاف سفاهةً     بين الرسول وبين رأي فلانِِ

    كان الصحابة يُنشئون جيلهم على العلم الشرعي، وكانت حلقاتهم (قال الله وقال رسوله) وفيها التفسير والفقه والحديث، أما الآن فقد أصبحت عدد حصص القرآن في الأسبوع حصة واحدة، وسمعنا أن مدرساً كان يدرس في الابتدائية، دخل على الطلاب، وهو لا يعرف القراءة في المصحف، وهو من عِداد المعلمين، فقال للطلاب: ما هي الحصة؟ قالوا: قرآن، قال: ما يحتاج، نخرج تمارين رياضية.

    ما يحتاج يا مجرم؟! ما يحتاج قرآن؟! مَن أنت ومَن أُمَّتُك إلا بالقرآن؟! ما هي الرسالة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم إلا القرآن والسنة؟!

    بينما داعية آخر عظم الله أجره، وهو مشهور، وله بعض المؤلفات، أُدخل في مدرسة، وكان يحمل دعوة، ويحمل رسالة، وكان مدير المدرسة يشن حرباً على الدعوة، فقال المدير للأستاذ: أنت حصتك رسم، مادة فنية. يريد أن يحجزه عن الطلاب، لا يريد أن يعطيه فقهاً ولا عقيدةً ولا تفسيراً ليدخل إلى القلوب، قال: مادة فنية؟ قال: نعم. قال: حسناً، فدخل الفصل فقال للطلاب: ما هي مادتكم؟ قالوا: مادة فنية رسم، فرسم لهم وردة أو زهرة على السبورة، ثم تكلم عمَّن خلقها وأنشأها ومن صوَّرها وأبدعها، ثم ألقى عليهم محاضرة في العقيدة حتى أبكى الطلاب.

    إذاً: لا بد أن ندخل من هذه المداخل، أنا لا أقول: نترك هذه العلوم؛ لكن أن نجعل حصة واحدة للحديث، وحصة للفقه، والباقي جغرافيا وثقافة وعلم نفس وتربية! ومن هذا القبيل قائمة عريضة طويلة، فيخرج الشاب وعنده معلومات سلة مهملات، ولكن ليس عنده إيمان. هذا غير صحيح.

    ب/ قلة النوافل عند الشباب.

    إما أن الأساتذة لم يوجهوهم للنوافل، أو لأنهم في الأصل ما قرءوا هذا ولا تعلموه، ولذلك لا يتحدث عن قيام الليل، ولا عن صلاة الضحى، ولا عن الذكر وتدبر القرآن، فينشأ الشاب وقلبه ما اطمأن بالإيمان وما تشبَّع به، ويمكن أن يُخدع بأدنى شيء، فيرى الفتاة ويُلاحقها، ويسمع الأغنية وينهار، وربما رأى الخمر فلا يمكن أن يتغلب عقله على هواه، قد سيطر عدم التربية الروحية عليه.

    جـ/ الجلساء.

    أصيب مجتمع المسلمين بجلساء الله حسيبهم، فإن من أسس التربية عند المسلمين الجليس الصالح والجليس السوء.. مصاحبة هذا والانتباه لهذا، يقول ابن المبارك:

    وإذا صاحبت فاصحب ماجداً     ذا عفاف وحياء وكرمْ

    قوله للشيء لا إن قلتَ لا     وإذا قلتَ نعم قال نعمْ

    قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وهذا الشافعي يمدح نفسه بما أعطاه الله، وهذا من باب التحدث بالنعم، يقول:

    أحب الصالحين ولستُ منهم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي     وإن كنا سواءً في البضاعة

    يقول: من ميزتي ولو أني مذنب أني إذا رأيت الصالح أحبه.. إذا رأيتُ الذي يصلي الصلوات الخمس، والذي يلتزم بالسنة، ويحب الله ورسوله أحبه وأضمه وآتلف معه.. ومع أني أعمل المعاصي لكني أكره هذا العاصي، وأكره المجرم. فرد عليه الإمام أحمد وقال:

    تحب الصالحين وأنتَ منهم     ومنكم قد تناولنا الشفاعة

    يقول: أنت من أسرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن بيتكم خرجت الشفاعة بسند رجاله ثقات، فكيف أنت؟! بل أنت من الصلحاء الكبار.

    قال ابن المبارك في كلمة نثرية: أحب الصالحين ولستُ منهم، وأكره الأشرار وأنا شر منهم. وقد ذكرها الذهبي بسند حسن إليه.

    وسائل الوقوف ضد حرب الشهوات

    أيها الإخوة: ما هي حلول حرب الشهوات؟

    ذكرنا أسباب حرب الشهوات، والآن نعود بمفهوم الضد ونذكر الحلول..

    أ/ غرس حب النوافل في القلوب..

    إن بعض الدعاة لا يتحدث في هذه الأمور، ويقول: لا تحدث الناس في اللحية، أو في الثياب، أو في النوافل، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: هذه قشور.. سبحان الله! تأتينا بمفهوم بعد خمسة عشر قرناً؟! أين الصحابة عن هذه الكلمة؟! وأين السلف الصالح والأئمة والفقهاء والعلماء؟! تقسم أنت هذا الدين إلى قشور ولُباب؟! إن مسألة قشور إزراء بالإسلام، إنها حرب على الدين.. إنها هجوم صارخ على السنة.. إنها جرح لمشاعر المسلمين، إن المسلم المسلم متكامل، أما أن يأتيك مسلم وكأنه من باريس، لا تعرفه إلا إذا صلى، فإذا قلت له: لماذا لا تظهر عليك السنة؟ قال: القضية أعظم من ذلك، وإذا قلت: وما هي القضية؟ قال: القضية قضية إيمان؛ لأن الإيمان حقائق إذا صيغت في القلب أصبحت استراتيجية الدعوة متطورة..! لا. الإيمان يظهر والإيمان يبطن، الإيمان -كما عرفه أهل السنة -: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، فإذا نقص شيء فقد نقص بحسبه.

    إذاً: غرس النوافل، وتربية الجيل على النوافل؛ هي الحرارة الإيمانية.

    ب/ الثقافة الإيمانية.

    أيها الإخوة: هنا ملاحظة وظاهرة: إذا ركب الإنسان منا في الطائرة وجد شباباً -حتى من الدعاة- من يأخذون الرحلة كلها في قراءة مجلات وجرائد، ولو كانت إسلامية، لكنك لا تسمعه يقرأ جزءاً من القرآن، أو يسبح، أو يرفع يديه ربع ساعة أو عشر دقائق ليتصل بالواحد الأحد الذي لا يربي القلوب إلا هو.. وإن القلب ليضعف بسبب هذه الأمور، وهي ليست حراماً؛ لكنها ليست ثقافة إيمانية، ولا بد من قراءتها لمعرفة الواقع، لكن أين الحرارة؟! أين القرآن؟! أين الأوراد؟! كان ابن تيمية إذا صلى الفجر ذكر الله تعالى حتى يرتفع النهار، فيقول له تلاميذه: ما هذا؟ قال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ لسقطت قواي. هذا الحصن الحصين، ومن المعلوم عند العلماء والصالحين أن مَن أكثر الدعاء في الصباح، ومن كان عنده اتصال بالله؛ أن الله يعافيه من كثير من الذنوب والخطايا، ويسدده ويهديه سواء السبيل.

    جـ/ نشر العلم الشرعي.

    ومنها -وأعود إلى ما قلت-: العلم الشرعي، نشر علم السلف.. والفكر له حجم في الإسلام، الإسلام يعترف بالعلماء ولا يعترف بالمفكرين، كلمة المفكرين ما ذكُرت في القرآن إلا من باب التفكر لأهل العلم والتدبر؛ لكن مسألة مفكر مسلم فيها نظر، فلا يوجد إلا عالم مسلم أو عالم كافر.. فالعلماء هم ورثة الأنبياء.. والمفكرون يؤجرون، ولكن يعطى الفكر مساحة، ولا بد من ربطه بمفكرين من المسلمين.

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: زرع الخلاف في الصفوف

    ومما حوربنا به: زرع الخلاف في الصفوف، وتمزيق الكلمة بجزئيات ونحذر من بعضنا البعض ونقول دائماً: هؤلاء من جماعة كذا.. وهؤلاء من مشرب كذا.. وانتبه من هؤلاء.. سبحان الله! يحذر بعضُنا من بعض! أصبحنا كأننا على أناجيل متعددة! وأصبحنا كأننا في ديانات مختلفة!

    والذي أراه أن الأصلح أن يقوم أهل العلم وقادة هؤلاء بالتفاهم في مجالس خاصة، لمعرفة الخلاف، والعودة إلى الكتاب والسنة، ومعرفة من هو المصيب من المخطئ، وعدم إثارة ذلك في المجامع العامة، وفي محافل لا تتحملها عقول الناس.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُُ ورسولُه؟!]].

    وقال ابن مسعود: [[إنك لستَ محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان عليهم فتنة]] وجاء في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه وأرضاه سمع في الحج وفي آخر حجة حجها قائلاً يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة أي: أنها صدفة، ولا يصح إطلاق الصدفة؛ ولكنها جاءت مفاجأة طارئة، ما رُتِّب وما أُعِد لها، وما كان أبو بكر متهيئاً لأخذ الخلافة، فالقائل هذا قصدُه حسن، وهو لا يتهم أبا بكر، فهو أحق الناس بالخلافة رضي الله عنه وأرضاه، لكنه يريد أن يقول: إنها جاءت طارئة، ففُهِمَت فهماً آخر، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: لأقومن في الحجيج هذه الليلة فأتكلم لهم عن بيعة أبي بكر، وأشرح لهم ذلك، فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، أحد العشرة، فقال: يا أمير المؤمنين! أنت مَن أنت -أي: في عقلك- وأنت إذا تحدثت في هذا المجمع كان فيه من الغوغاء والأوباش والسواد ما لا يفهمون كلامك فيوقعونه على غير مواقعه، فينتشرون به في الآفاق وقد غيَّروه، فتكون فتنة، فأرى أن تعود إلى المدينة فإذا وصلت إليها واجتمعت بعلية الصحابة في المسجد وبالمهاجرين والأنصار أخبرتهم وأنت على تمكن. قال: أصبت يـابن عوف، أصاب الله بك الخير. فعاد عمر، وألقاها في المسجد في مجتمع يفهم ما يقول.

    فإثارة الخلاف ليست من الحكمة، وهو تحدٍّ موجود، وأكثر من يحرض عليه هم أهل الشهوات والشبهات في الساحة، بضرب التوجهات بعضها ببعض، وفي الأخير تخسر الدعوة الإسلامية وتهبط هذه المقدرات؛ لأننا إذا هاجمنا إخوتنا سوف نخسر ألوفاً مؤلفة، فأنت كلما تحدثت في جزئية قلت: العالم الفلاني فعل كذا، حسبنا الله عليه، أما تدري أن معهم ألوفاً مؤلفة في العالم الإسلامي؟! وهل من الحكمة أن تنتقدهم؟! لا. بل اذهب إليهم، إلى قاداتهم وعلمائهم لأن الدين النصيحة، وتكلم معهم، وانصحهم.. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: وصم الدين بالتطرف

    الأمر الرابع: وصم الدين بالتطرف:-

    إن بعض الشباب -ولو استقاموا- خائفين وجلين، منهارين؛ لأنه في مجتمع يصم الإنسان بالتطرف، وقد شارك بعض المفكرين -كما أسلفتُ- في الهجوم على الشباب المستقيم، بعضهم -والله- يقول: أنا أريد أن أطلق لحيتي ولكن أخاف من هذا المجتمع، يقصد من قولهم: متطرف، متزمت، مطوِّع... إلى غير هذه الكلمات، فأصبح كأن الدين متهم، وكأن من يطلق لحيته إرهابي، وأن المشاكل لا تأتي إلا منه، فيقال: انتبهوا منه! وتوضع عليه علامة استفهام.. من أتى بهذا؟

    وإني أقول: إن من يصف الدين بالتطرف فإنه من فروخ اليهود، واتباع العلمانية، وأذناب الشيوعية، بيض استالين ولينين في الساحة، يجعلون حزب محمد صلى الله عليه وسلم متهماً؟! أنا أسأل: من المسئول عن المخدرات ونشرها في العالم؟! من المسئول عن الزنا؟! من المسئول عن البنوك الربوية؟! من المسئول عن إحداث الخلاف في الصفوف؟! من المسئول عن تضييع فرائض الله عزَّ وجلَّ؟! إنهم هؤلاء الضائعون.

    ولو أني بليت بهاشمي     خئولته بنو عبد المدان

    لهان عليَّ ما ألقى ولكن     تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

    أمور تعين على الثبات

    إن قضية ضرب التوجه الإسلامي ووصمه بالتطرف؛ هذا من أعظم الحروب، وينبغي لنا أن نثبت، والثبات مبني على ثلاثة أُسس:

    الأساس الأول: أن تعلم أن من سنن الله في الكون أن يحارَب الصالحون.. قال تعالى:

    أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3] وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:30-33] وهذا من عهد رسالته عليه الصلاة والسلام، فقد سموه: شاعراً، وكاهناً، ومجنوناً.. قال تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2].

    إذاً: فاعرف أن قدوتك هو محمد صلى الله عليه وسلم.

    الأساس الثاني: اعلم أنها من الحسنات التي تُدَّخر لك عند الله، وتكفيرٌ للسيئات..

    قال ابن سيرين: وددتُ أن الناس لا يأثمون، وهم يغتابوني. لماذا؟ لأنهم يكفرون من سيئاته.

    ونقل الغزالي عن الحسن البصري أن رجلاً اغتابه، فأخبر الحسن، فأهدى له طبقاً من التمر، وقال: يهدي لنا حسناته ونهدي له تمرنا.

    وهذه مدرسة عملية، ولذلك لا يهمنا من يهاجمنا ويسبنا، نقول: الحسنات من الله، وهذه كفارات للسيئات.

    الأساس الثالث: أن العظماء دائماً مبتلَون، وقد قيل:

    شكوتَ من ظلم الوُشاة ولم تَجِدْ     ذا سؤدد إلا أُصِيْبَ بِحُسَّدِ

    لا زلت يا سبط الكرام مُحَسَّداً     والتافه المسكين غير مُحَسَّدِ

    أتظن أنه يُحسد إنسان لا هم له في الحياة، رجل ينام الليل والنهار، ضائع في الدهر؟! تحسده على ماذا؟!

    إن العرانين تلقاها مُحَسَّدةً     ولا ترى لكرام الناس حُسَّادا

    فيا إخوتي: إنما حُسدتم وهوجمتم بسبب ما عندكم من عَظَمَة، لأنكم تمثلون الخلود في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنتم امتداد لتلك الدعوة العالمية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فالضائع الذي ما عنده نور ولا هداية لا بد أن يهاجمك، ولا بد أن يعاديك.

    فعليك بهذه الأسس وافهمها وتدبرها.

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: المؤامرة على المرأة المسلمة

    الأمر الخامس: المؤامرة على المرأة..

    المرأة أمرها عجيب، ونبؤها غريب! وقد دخل الكافر من طريق المرأة، والرسول عليه الصلاة والسلام حذر وأخبر أن أخوف ما يخاف على الأمة النساء فقال: (إن فتنة بني إسرائيل كانت من النساء) وكان العرب في الجاهلية إذا أرادوا للرجل سحق عظيم أو إرجاع عظيم عن فكرته سلطوا عليه امرأة.

    ذكر الذهبي عن عبد الرزاق الصنعاني -المحدِّث الكبير، شيخ أحمد، وشيخ يحيى بن معين - أنه جاء إليه طلاب إلى صنعاء يتعلمون منه الحديث، وكان عسراً في الرواية، ما كان يحدثهم باستمرار، فطرقوا عليه الباب، فخرج عليهم، وقال: لا أحدثكم شهراً كاملاً. فتوسلوا بأصحابه فرفض، فكلموا جيرانه فرفض، فأهدوا هدية إلى امرأته من وراء حجاب وقالوا: كلمي لنا الشيخ. فأتت فكلمته فخرج الإذن في الصباح؛ لأنها تملك حق الفيتو، فقال الشيخ/ عبد الرزاق: تعالوا أحدثكم، ثم تبسم للطلاب وهم جلوس وقال:

    ليس الشفيع الذي يأتيك مُتَّزراً     مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

    وهذا البيت للفرزدق من قصيدة طويلة في ديوانه.

    وسائل محاربة المرأة

    إنه يُراد للتوجه الإسلامي أن يُسْحَق بطريق المرأة، والحرب على المرأة ينطلق من ثلاث جبهات:

    الجبهة الأولى: زعم أن الإسلام كَبَتَها حقها.

    وكنت مع أحد الفضلاء وهو يتكلم عن هذه القضية ويقول: أين كَبَتَها حقها؟! والله ما عرف حق المرأة إلا الإسلام، وما رفع قدرها إلا الإسلام، ولا صانها إلا الإسلام، ومن أراد أن يعرف ذلك فليقرأ مذكرات الأمم الأخرى وكتبهم حول المرأة، وحقوق المرأة عندهم... فلم يعرف لها حقها إلا الإسلام.

    الجبهة الثانية: أن الحجاب ومسألة جلوسها في البيت وعدم مشاركتها للرجل ليس بصحيح، وأنه خلاف الواقع..

    وهذا خطأ كبير، كان أحد الدعاة من العلماء يتكلم في مجمع كبير، فتكلم عن المرأة، فقامت امرأة من آخر الصفوف وهي سمينة وبدينة، فقالت: يقول صلى الله عليه وسلم: {رفقاً بالقوارير} وأنتم لا ترفقون بنا. فقال هذا الداعية -وكان سريع البديهة ودعوباً، وكانت هي سمينة كالبرميل- قال: نعم. يقول: {رفقاً بالقوارير} ولم يقل: رفقاً بالبراميل. وأنا ليس قصدي بهذا الهجوم على المرأة؛ لكن المرأة قد أُمْلِي في ذهنها أنها لا تشارك، وأنها محرومة من المجالات، ولذلك يُناقَش ويقال: لماذا لا تدخل المرأة إلى البرلمان؟! سبحان الله! أَحُلَّت كل مسائلنا الكبرى والصغرى وما بقي إلا مشاركة المرأة؟! نقول: نحن منا رجال كبار لم يشاركوا في البرلمان، وتأتي المرأة لتشارك؟! قالوا: ما هو موقف المرأة من العمل ومشاركة الرجل؟ والمرأة العاملة أطول عمراً، هذه حكمة تقول: المرأة العاملة أطول عمراً، أي: أن المرأة الكافرة التي تعمل أطول عمراً! وقد قيل لي في مناسبة: علِّق على هذا، فقلت: أطول عمراً في جهنم.

    الجبهة الثالثة: عدم تعليم المرأة..

    أيها الإخوة الفضلاء: الناحية الثالثة تأتي من عدم تعليم المرأة، صحيحٌ أننا مسلمون، ولكني أتكلم عن كثير من بلاد العالم الإسلامي أن المرأة ما أعطيت حقها، فلو نظرنا -مثلاً- إلى هذا المؤتمر وجلالته وما فيه من اهتمام؛ لكن مهما يكن ربما تأخذ المرأة ثلث ما يجري من محاضرات ودروس، أنا أقول هذا تقديراً؛ لكن في بعض الأمكنة لا تسمع المرأة شيئاً إلا إن كانت سمعت شريطاً إسلامياً، أو تقرأ في المصحف في البيت.

    إن الدعاة الذين يتجهون إلى المرأة قليلون، والدعوة في جانب صفوف النساء قليلة، والمرأة لا تزال تشكو فقراً وجدباً في عالم الإيمان والدعوة.. فالمرأة بحاجة إلى دعاة يصلون إليها بأي وسيلة غير محرمة، ولا بد من دروس خاصة للنساء، محمد عليه الصلاة والسلام جعل للمرأة يوماً من نفسه، قال البخاري: باب هل يجعل للنساء يوماً من نفسه؟ فقد جعل لهن يوم الإثنين، يتحدث معهن؛ لأن مشاكل المرأة مشاكل خاصة عن حياتها الخاصة.. فلا بد من دعوات، ولا بد من علم، ولا بد من اهتمام بجانب المرأة.

    فأوصي إخواني الذين يشرفون على تربية النساء ورعايتهن أن ينتبهوا لهذا الجانب العظيم، فإن المرأة قد حوربت في البيت بأجهزة إعلام فتاكة، الفيلم الواحد يستطيع في نصف ساعة أن يُهَدِّمها، وأن يردها من تقية -إن لم يحفظها الله- إلى فاجرة؛ لأنها ضعيفة، ثم إن المرأة ليس عندها قوة في الإيمان -بسبب التربية- ولا رادع من العلم إلا من رحم ربك، فتنهار أمام الفيلم والمجلة الخليعة والصورة العارية والموسيقى، فلابد من تربيتها وتعليمها.

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: هدم الاستعلاء عند المسلمين

    هدم الاستعلاء في نفوس المسلمين..

    ليعيش المسلم بلا استعلاء، يقول سبحانه وتعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران:139] يقول سيد قطب: نحن الأعلون سنداً ومتناً. وقد صَدَق، فإن سندنا من الله الواحد الأحد، وإذا افتخر الناس بالتراب، فإننا نفتخر بالوحي الخالد الذي أتى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تمشي وأنت مرفوع الجبين.. وأنا أوصيكم بقراءة كتاب الظلال على أن فيه بعض الملاحظات العقدية وبعض الملاحظات التي لا يسلم منها البشر؛ لكن الظلال في مثل هذه البلاد أمره عجيب، يجعلك تمشي وأنت مرتفع على الكافر، وأنت فوق الكافر، جبهتك في السماء، ليس مثل كتب بعض المفكرين المسلمين حيث يقول أحدهم: انظر إليهم أين بلغوا؟! بلغوا الثريا ونحن في الثرى. فيجعلك مهزوماً، وهذا ليس بصحيح بل لابد من الاستعلاء والقوة والانتصار.. أنت صاحب المبادئ الخالدة، قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1] يقول في الظلال: هذا هجوم أدبي سافر على الكفار. ويقول في سورة البقرة: بدأت هذه السورة ببداية لا بد منها، إنها سحق وتدمير لبقايا اليهود.. فنحن نأخذ منه الحكمة، ونقول له: لقد قمت بعمل عظيم مشكور وأحسنتَ، وننبه على خطئك؛ لأنك لست بمعصوم.

    1.   

    من التحديات التي تواجه الإسلام: الإعجاب بحضارة الكفار

    ومن التحديات: الإعجاب بحضارة الكفار، وتهويل هذه الحضارة، وصبغها بصبغة التقدم، وجعل التأخر في الإسلام، لأن ذاك يسكن في خيمة، وهذا يسكن في قصر، وذاك عنده سيارة حديثه، وهذا عنده حمار أو إبل يركب عليه، فقد جعلوا التقدم والحضارة في هذه الأمور، وهي أمور نسبية، وهؤلاء لا يفهمون شيئاً، وما عندهم من الوعي ولا من الفقه شيء.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.