إسلام ويب

وقفات مع سورة النجم [1]للشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في أول سورة النجم يبين الله عز وجل صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يضل، ولم يصبه الجهل ولا الغواية، بل إنه معلم من ربه سبحانه بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام الذي وصفه الله بالقوة والأمانة في إنزال الوحي ونقله إلى النبي صلى الله عليه وسلم على مراد الله عز وجل، ولذا لا يستطيع الطاعنون مهما أوتوا من قوة أن يطعنوا في محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (والنجم إذا هوى)

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه وسنتهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وجده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    فهذه وقفات مع سورة النجم.

    وسورة النجم لها ثلاثة أسماء، ومنها: سورة (النجم) بدون الواو، كما هو ثابت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد بها وسجد المشركون).

    وتسمى: سورة (والنجم) كما ترجم لها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، وكما ترجم لها الإمام الترمذي.

    وتسمى سورة: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1]، كما جاء في حديث زيد بن ثابت في الصحيحين.

    وهذه السورة أول سورة يعرضها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، كما قال ابن مسعود فهي مكية بإجماع علماء التفسير وأهل التأويل.

    ونسب بعضهم عن ابن عباس -وهذا القول ضعيف- أن السورة كلها مكية إلا آية: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32].

    أما القول المنسوب للحسن البصري أنها مدنية فهذا قول شاذ.

    وهذه السورة رقمها 23 في ترتيب النزول، وقد نزلت بعد سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وقبل سورة عبس.

    قال الله تبارك وتعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:1-14].

    قوله: (والنجم) يقسم الله تبارك وتعالى بالنجم، فما المراد بالنجم؟ هناك لأهل التأويل أقاويل عدة، القول الأول: أن المقصود بالنجم هنا الثريا، والثريا ستة أنجم كانت تعرفها العرب، ذكر ابن قتيبة وابن وهب هذا القول عن ابن عباس ، وهو منسوب إلى مجاهد بن جبر من رواية ابن أبي نجيم ، وهو قول سيدنا سفيان الثوري ، وانتصر له العلامة ابن جرير.

    القول الثاني: أن المراد به النجوم، وهذا أمر جائز، وهو أن يذكر الفرد ويراد به الجميع، مثل قول الله تبارك وتعالى عن أهل الجنة: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75] والجنة ليست غرفة واحدة؛ لأن أولئك يجزون الغرف بما صبروا، وهذا من إطلاق الفرد وإرادة الجمع، فهنا يقسم الله عز وجل بالنجوم كاملة.

    وعلماء الفلك من المسلمين أو من غير المسلمين يقولون: إن في السماء مجرات يصل عددها إلى مائة ألف مليون مجرة، والمجرة عدد نجومها مائة ألف مليون نجم، فاضرب مائة ألف مليون مجرة في مائة ألف مليون نجم، وانظر كم سيكون عدد النجوم في السماء.

    والمسافة بين النجوم تقاس بمقياس يسمى: (بارسك)، والبارسك يساوي 192 وأمامها ضع 11 صفر، ولا أدري كيف ينطق بها، هذه وحدة قياس المسافات بين النجوم، وهناك وحدة قياس أخرى وهي السنة الضوئية، وهي عبارة عن تسعة بليون كيلو متر، فبعد الشمس عن الأرض (5.8) دقيقة ضوئية.

    أما الشعرى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم:49] قالوا: إنها تبعد عن الأرض بمقدار (300) سنة ضوئية، يعني: (300) اضربها في 9 بليون كيلو متر.

    وقالوا: إن مجرتنا التي تقع فيها الأرض نصف قطرها (50000) سنة ضوئية، ولهذه المجرة توابع منها السدوم، وهي المواد الأولية في تكوين النجوم، وهي تبعد عن مركز المجرة (100000) سنة ضوئية فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة:75-76].

    وهذه النجوم تسير في أبراج وفي مدارات وتخضع لله عز وجل وأنت لا تخضع يا ابن آدم، ومن النجوم الشمس، وهي تعطي ثلاثمائة مليون شمعة، ومن النجوم ما يعطي في اليوم الواحد مثلما تعطي الشمس في سنة كاملة، ولكن لبعدها السحيق عنا يجعلنا لا نشعر بها، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بنا، فمن أنت؟! فذل واخضع لمولاك..

    ورب عليم بذات الصدور يدين لعزته الكابر

    يدين له النجم في سفحه

    يدين له الفلك الدائر

    تدين له الأسد في غابها وظبي الفلا الشارد النافر

    تدين البحار وحيتانها وماء سحاباتها القاطر

    تدين النجاد تدين الوهاد يدين له البر والفاجر

    القول الثالث في معنى النجم: أنه آيات وسور القرآن التي أنزلت مفرقة على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فإن العرب تطلق على الشيء المفرق اسم النجم، تقول: أسدد لك الدين الذي لك علي على نجم كذا؛ لأنهم كانوا يسددون الديون على نجوم، أي: في أوقات ظهور النجم أو اختفائه، فأطلق بعد ذلك على شيء مفرق يقال له نجم.

    فالله عز وجل يقسم بآيات القرآن وسوره التي أنزلت منجمة على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم تدل على صدق الرسالة.

    وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1] إذا قلت: إنه الثريا يكون المعنى: إذا غاب نجم الثريا أو إذا غابت النجوم، وإذا قلت: إنه الرجوع من رجم الشياطين يكون المعنى: عند هويها لسحق الشياطين.

    وإذا قلت: إنه الآيات يكون المعنى: إذا هوى، أي: إذا نزل.

    1.   

    معنى قوله: (ما ضل صاحبكم وما غوى)

    الفرق بين الضلال والغواية

    قال تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2].

    في كلمة (صاحبكم) تبكيت للمشركين، أي: أنتم تعلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كنتم تسمونه بالصادق الأمين قبل مجيء الوحي إليه، فلما جاءه النور وزاده نوراً فوق نوره غيرتم القول وقلتم: إنه المجنون وإنه الأفاك، وإنه الكذاب.

    مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ [النجم:2]، فأنتم تعرفونه جيداً وهو معروف عند أهل الحي بالاستقامة والنزاهة قبل أن يعرف طريق الله عز وجل، فما هو ببعيد عنكم، ولم ينزل إليكم من المريخ ولا من كوكب آخر، وقد كنتم تنعتونه بكل نعت جميل، فإذا ما التزم بدين الله عز وجل صار هو المتطرف، وصار كذا وكذا.

    وقوله: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ [النجم:2] الضلال: هو الانحراف في طريق العلم، وهو ضد الهدى.

    قوله: وَمَا غَوَى [النجم:2] الغواية: ضد الرشاد، وضد الرشد الانحراف، فيزكي الله تبارك وتعالى نبيه ويثني عليه بكمال العلم والعمل؛ لأن الانحراف في أي طريق يؤدي إلى الدمار.. دمار أن تعلم ثم لا تعمل، أو أن تعمل بغير هدى من الله تبارك وتعالى.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون) الأمة الغضبية أمة اليهود؛ لأنهم علموا وكتبوا أو علموا وكتموا، والنصارى ضالون؛ لأنهم لم يعرفوا طريق الهدى فاتبعوا البدع؛ ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية : من ضل من علمائنا فله صفات انتساب إلى اليهود في كتم العلم وقساوة القلب، ومن ضل من عبادنا فله نسب إلى النصارى.

    ولذلك فلاسفة الصوفية كـابن سبعين ، وابن عربي ، وابن الفارض قالوا بوحدة الوجود والحلول، وهي مثل مقالة النصارى.

    مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ [النجم:2] الانحراف في العلم، وَمَا غَوَى [النجم:2] ألا تعمل بهذا العلم، وهذه مصيبة.

    ذم العلم من غير عمل والعكس

    يقول لك رجل من العوام: يا أخي! اتق الله عز وجل واستح، فهو يراك رجلاً داعية من دعاة المسلمين، ثم لا تطبق ذلك على نفسك، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3].

    وفي حديث جندب بن عبد الله الذي جود إسناده الشيخ الألباني فيما رواه الطبراني والضياء المقدسي في المختارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء للناس ويحرق نفسه).

    وقال عبد الله بن مسعود : تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا.

    وقال أبو هريرة رضي الله عنه: مثل علم لا يعمل به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله عز وجل.

    يقول سيدنا عيسى عليه السلام في المنسوب إليه: حتى متى تصفون الطريق للمدلجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: واعجباه من ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.

    ويقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله: أعربنا في القول، ولحنا في العمل.

    ويقول سهل بن عبد الله التستري : العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به.

    ويقول أبو عبد الله الروذباري : العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله تبارك وتعالى يورث الفهم عن الله تبارك وتعالى.

    وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه حل وإلا ارتحل.

    قم بالخير موصوفاً، ولا تقم بالخير وصافاً؛ فإن الواو والراء والدال لا تشم منها رائحة الورد.

    يقول الجنيد رحمه الله: متى ما أردت أن تتشرف بالعلم وتنسب إليه قبل أن تؤدي حق هذا العلم عليك احتجب عنك نوره، وبقي عليك رسمه، وظهور هذا العلم عليك لا لك. يعني: إذا لم تؤد حق العلم من العمل به يبقى لك مسمى العلم، ويذهب عنك نوره وبركته.

    يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه القيم وحي القلم: إن الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.

    يقول الشاعر:

    وبخت غيرك بالعمى فأفدته بصراً وأنت محسن لعماك

    كفتيلة المصباح تحرق نفسها وتضيء للأعشى وأنت كذاك

    المولى تبارك وتعالى ذم من لا يعمل بعلمه فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159] أي: في الدنيا والآخرة، فلا يزكيهم الله عز وجل، ولا ينظر إليهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر منافقي أمتي قراؤها).

    ولقد نعت الله عز وجل من يعلم ولا يعمل بعلمه بأقبح نعتين في القرآن الكريم: فوصفهم بأنهم كالحمير، وأنهم كالكلاب؛ قال الله تبارك وتعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5]، وقال الله تبارك وتعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176].

    فهذا أقبح مثل لعالم السوء! ضل حمار العلم في الطين:

    وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

    العز بن عبد السلام المثل الناصع للعالم العامل بعلمه

    والمثل الناصع لمن كمل في علمه وعمله عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك والأمراء، كان شيخ الإسلام في الشام، وإمام المسجد الجامع في مدينة دمشق، ولما أراد الصالح إسماعيل ملك دمشق وسلطانها أن يحارب ابن أخيه السلطان نجم الدين أيوب حاكم مصر استعان بالفرنجة وأقطعهم بعض بلاد المسلمين، وأعطى لهم حصوناً من الحصون التي في بلاد المسلمين، فاستفتى تجار السلاح عز الدين بن عبد السلام في حكم بيع السلاح، فقال: يحرم عليكم بيع السلاح لهم؛ لأنهم سيقتلون به إخوانكم من المصريين.

    ثم لما كان يوم الجمعة قطع الدعاء للحاكم وقال: اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    فعزلوه عن الخطابة؛ فرحل عز الدين من دمشق إلى بيت المقدس، فلما أتت جيوش الفرنجة خاف الصالح إسماعيل على ملكه فقال لوزيره: خذ منديلي هذا وتلطف في خطاب عز الدين بن عبد السلام ليعود إلى منبره، بشرط أن يقبل يدي على ملأ من الناس، لا أريد منه سوى ذلك، فإن لم يستجب لك فاحبسه في خيمة بجوار خيمتي.

    فرحل إليه الوزير له وقال: إن الملك لا يريد منك إلا أن تقبل يده على الملأ. فماذا قال عز الدين؟ قال كلمات خالدة تبقى ترن في آذان الصادقين مشاعل من نور تبث الحياة في الآخرين؛ لأنها خرجت من قلب حي لتبعث الحياة في الآخرين؛ فقال: يا سبحان الله! أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ غيره، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، والله ما أقبل من سلطانكم أن يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل أنا يده، أيها الناس! أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ غيره.

    فحبسوه إلى جوار خيمة الصالح إسماعيل ، وارتفع صوت الشيخ بتهجده في الليل، فأراد ملك دمشق أن يتزلف نفاقاً ورياء إلى ملك أوروبا الأعظم، فقال: أتسمع صوت هذا الشيخ في تلاوته للقرآن؟ قال: نعم، قال: أتدري من هذا؟ قال: لا، فكما جاء في رواية طبقات الشافعية الكبرى لـابن السبكي أنه قال: هذا أكبر قسس المسلمين حبسناه من أجلكم؛ لأنه أفتى بحرمة بيع السلاح لكم، فقال هذا الملك: لو كان هذا الشيخ قسيسنا لغسلنا رجليه ولشربنا الماء.

    موقف العز بن عبد السلام من أمراء مصر المماليك

    عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الملوك والأمراء، لما أراد بعد ذلك أن يدخل إلى مصر قربه نجم الدين أيوب وجعله مفتياً للديار المصرية، وكان الشيخ يعلم أن المماليك وأهل الحكم في مصر غير السلطان نجم الدين أيوب من العبيد المماليك، فلا يحل لهم عقود البيع والشراء ولا السفر ولا الترحال إلا بإذن من سادتهم، وكان للملك هيبة ووحشة حتى عند المقربين منه، فلما قابله عز الدين بن عبد السلام قال له: يا نجم الدين! -وناداه باسمه- إن الحي الفلاني فيه الخمر الفلاني! فارتعد لكلمته نجم الدين أيوب وقال: هذا من زمن آبائي، قال: أنت ممن يقول الله فيهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22].

    ثم قال بعد ذلك تلميذ عز الدين بن عبد السلام له: كيف واجهته وهو من هو؟ قال: تذكرت هيبة الله عز وجل فصار السلطان أمامي كالقط.

    ثم بعد ذلك أرسل عز الدين بن عبد السلام إلى نجم الدين أيوب بعزمه على بيع المماليك من نظراء الدولة ومن نوابه، فقال: خض في غير هذا!

    فارتحل عز الدين بن عبد السلام عن القاهرة تاركاً وراءه كل شيء، أخذ متاعه على حمار وارتحل، فسار الناس خلف شيخهم وتركوا القاهرة لـنجم الدين أيوب حتى قال وزيره: إن مضى هذا الرجل من القاهرة مضى عنك ملكك؛ لأن الناس سيخرجون وراءه، ما من رجل عاقل إلا سيخرج خلفه، فسيتركون لك القاهرة فتصبح ملكاً على المقابر.

    فسار إليه وظل يتلطف له في القول ويسترضيه وقال: عد وأفت بما شئت، فقال: لأفتين ببيعهم غداً، فقال نائب السلطان للأمراء: أنا أريحكم من عز الدين بن عبد السلام وأقتله؛ كيف يبيعنا ونحن سادة البلد؟ فأمسك بسيفه ثم سار إلى بيت عز الدين بن عبد السلام ، فأراد ابن عز الدين ألا يفتح له خوفاً على أبيه، فقال: اجلس يا بني! فإن أباك أقل من أن يرزقه الله الشهادة في سبيله.

    ولما فتح الباب ارتعدت فرائص نائب السلطنة ويبست يده، وسقط السيف منها فقال: بالله عليك يا مولانا ماذا تعمل فينا؟ قال: أبيعكم غداً! قال: ومن يقبض ثمننا؟ قال: أنا، وأضعها في خزانة بيت مال المسلمين.

    ولأول مرة -وهي المرة الوحيدة الفريدة في التاريخ- يباع أمراء المملكة على مرأى من الناس، يبيعهم سلطان العلماء، وبائع الملوك والأمراء!

    1.   

    قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)

    الإعجاز اللفظي للقرآن

    قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3].

    انظر إلى دقة اللفظ وإعجازه! مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:2-3]، ولم يقل الله عز وجل: وما ينطق بالهوى، وإنما قال: عن الهوى.

    وهذا أعجب وأجمل وأثبت في المعنى؛ لأن هذا يفيد صدق المصدر الذي أخذ منه الكلام، وصدق النص، فقد يصدقك الكذوب أحياناً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي هريرة : (صدقك وهو كذوب).

    وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] ففيه صدق مصدر التلقي، وصدق النطق ذاته.

    وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ [النجم:3-4] الضمير هنا يعود على نطق الوحي، أي: إن نطقه كله إلا وحي يوحى، وهذا أثبت في المعنى وأجمل، ومعناه أن كل ما يتكلم به وحي، ومصداق ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود وصححه الألباني ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال تعالى: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء:113] قال الشافعي : الحكمة هي السنة، وقال الأوزاعي : روي عن حسان بن عطية : كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم السنة مثلما كان يدارسه القرآن.

    الرد على قصة الغرانيق وبيان عصمة الأنبياء

    قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4] فالسنة وحي، والقرآن وحي، لنرد بعد ذلك على قصة الغرانيق التي ستأتي عند قول الله عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، حتى لا يتبجح الزنديق سلمان رشدي في آياته الشيطانية ويقول: إن هناك سهوات محمدية مثل ما يقول المشركون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسهو ويمدح الآلهة والأصنام يريدون بذلك أن يبطلوا الرسالة.

    إذا مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوماً الأصنام وهو ما أتى إلا لهدمها فقد بطلت رسالته من الأصل، ويستدلون على ذلك بحديث موضوع قال عنه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: هذا من وضع الزنادقة، وهو حديث الغرانيق العلى، وذهب إلى أنه موضوع أيضاً الإمام البيهقي، والقاضي أبو بكر بن العربي ، والقاضي عياض في كتابه الشفا، والإمام العيني ، والإمام الكرماني أحد شراح البخاري ، والإمام الشوكاني ، والإمام الألوسي ، وصديق حسن خان ، والشيخ سيد قطب ، والإمام محمد عبده ، وشيخ أهل الشام محدث الديار الشامية الشيخ الألباني عليه رحمة الله في كتابه الطيب: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق.

    اعلم يا أخي! أن مذهب السلف هو عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يختص بالوحي، العصمة عند التلقي والتحمل، والعصمة عند الأداء كما يقولون، يعني: حين ينزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشك في أنه جبريل أو غيره، وإنما يعطيه الله عز وجل ويجعل له العلم اليقين في قلبه أن هذا هو جبريل، وأن النازل به وحي من عند الله، فلو شك النبي صلى الله عليه وسلم هل هذا جبريل أو لا لبطلت الرسالة من الأصل.

    فعندما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم جبريل لا يشك فيه، ولا يزيد فيه ولا ينقص منه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:6-7]، وحينما يبلغ الوحي إلى البشر فإنه لا يجوز له أن يشك أو أن يسهو أو أن يزيد في الوحي أو أن ينقص منه شيئاً، حتى يستقر العلم بالوحي في الأرض، وإذا استقر العلم بعد ذلك فيجوز له أن ينسى أو أن يسهو، مثلما حدث في الصلاة ونبهه الصحابة.

    أما عصمة الأنبياء من الذنوب فهم معصومون من الكفر ومن قول الباطل والكبائر، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكفر قبل الرسالة، أما قوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7] فمعناه: ووجدك غافلاً عن أحكام الشريعة.

    فما كان النبي صلى الله عليه وسلم على دين قومه قط، قال الإمام أحمد : من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على دين قومه هذا قول سوء، يعزر صاحبه.

    والأنبياء معصومون من الكبائر بعد الرسالة، أما قول موسى: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20]، فإن هذا قبل الرسالة.

    أما صغار الذنوب فتجوز على الأنبياء، وهذا مذهب السلف، ولا يعرف لهم مذهب غيره كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ، ولكنهم إذا فعلوا صغار الذنوب تابوا منها في الحال، وأقلعوا عنها، وكان حالهم بعد التوبة أكمل من حالهم قبل التوبة، ولذا قال تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:2-4].

    1.   

    معنى قوله تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى)

    عداوة اليهود لجبريل وللمسلمين

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    ثم أما بعد:

    قال تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:5-6].

    هذا معلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كما يقول اليهود الكذابون الدجالون: إن الذي كان يعلم محمداً هو عبد الله بن سلام حبر اليهود الذي أسلم بعد ذلك عدو جبريل من الملائكة كما قالت يهود، واليهود يبغضون كل شيء طيب وجميل، وكبرى جرائمهم قتلهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فصارت الحرب بيننا وبينهم دينية بحتة، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (لأن أحلف بالله تسعاً أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل قتلاً، وجعله الله نبياً، واتخذه شهيداً).

    يقول أبو الأحوص فسألت إبراهيم النخعي فقال: كانوا يقولون -أي: الصحابة-: إن يهود سممت النبي وأبا بكر . قال الشيخ أحمد شاكر : إسناده صحيح على شرط مسلم ، ورواه الحاكم في المستدرك.

    وزينب بنت الحارث هي التي سمته بعد غزوة خيبر، ومات النبي صلى الله عليه وسلم من أثر السم، حيث كان يعاوده أثر السم فيحتجم، حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم متأثراً بالسم.

    وكذلك سموا من بعده الصديق أبا بكر ، وعبد الله بن سبأ اليهودي كان وراء قتل عثمان ، وصاحب الفتنة الكبرى، حيث أله علياً وأسس المذهب الشيعي في ديار المسلمين وأتت كل البدع عن طريق الدولة الفاطمية التي أنشأها عبيد الله بن ميمون القداح اليهودي المنتسب إلى بيت النبوة زوراً.

    وأسقطوا دولة الخلافة في تركيا على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك من يهود الدونمة، ثم بعد ذلك أخذوا فلسطين.

    عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5] هو جبريل عليه السلام، و(القوى) هنا لازمة لصيانة الوحي عن أن يتخطفه الشياطين عند نزول جبريل به، قال الله عز وجل: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:210-211]، لقوة جبريل إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:212].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف جبريل بهيئته التي خلقه الله بها وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مرتين: (رأيت جبريل له ستمائة جناح، ينتثر من ريشه تهاويل الدر، كل جناح سد علي الأفق).

    قال الله تبارك وتعالى مبيناً قوة جبريل: فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ [القمر:37] يعني: طمس جبريل أعينهم بطرف جناحه فقط بعد أن رفع القرى اللوطية الخمس حتى أسمع الملائكة صوت نباح الكلاب وصوت الديكة، وهو الذي صاح صيحة واحدة على ثمود، إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:29]، صيحة واحدة فقط!

    قوله تعالى: (ذو مرة فاستوى)

    قال تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ [النجم:5-6]، أي: ذو قوة.

    والقول الثاني: أي: ذو منظر حسن وجميل، ينتثر من ريشه تهاويل الدر، يحمل الجمال والنور وينزل به في الصحف المكرمة.

    فلابد أن يكون في منظر جميل، وانظر إلى جمال نزوله، حيث يقول: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1]، يعني: والقرآن إذا نزل، فجبريل عليه السلام في تلألئه وفي النور الذي يحمله مثل النجم إذا لمع ورق، أجواء شفافة مضيئة يحملك إليها القرآن بعيداً عن الأرض: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:5-6] أما من يحمل الصحف السوداء والكذب والدجل فتجده يحمل وبيصاً منها وشيئاً منها وكفلاً منها.

    وإذا رأى الشيطان طلعة وجهه حيا وقال فديت من لا يفلح

    لست كذاباً فما كان أبي حزباً ولا أمي إذاعة

    أما الصحف النقية الكريمة، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس:14-15]، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ [النجم:5-6] يعني: ذو منظر جميل، والله تبارك وتعالى يصف سيدنا جبريل في سورة التكوير فيقول: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:20-21]، هو المقرب من الملائكة إلى ربه، له مكانة وأي مكانة عند الله عز وجل، فهو: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:20].

    لا تبغين جاهاً وجاهك ساقط عند الإله وكن للموت حذارا

    قال تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ [التكوير:20-21] له الطاعة العظمى في ملكوت السموات، يصدر الأمر إلى الملائكة فيستجيبون له ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:21].

    وعندما تسمع صفة جبريل انظر إلى ملكوت السموات وكم فيها من ملك؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك ساجد واضع جبهته لله تبارك وتعالى).

    وأعداد الملائكة على التضعيف، يعني: كل سماء ضعف التي قبلها، فعدد الملائكة الذين يدخلون البيت العتيق سبعون ألف ملك يدخلونه ثم لا يعودون أبداً، وهذا منذ أن خلق الله تبارك وتعالى السموات، وكل هؤلاء يؤدون لجبريل الطاعة المطلقة فهو: مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:21]، أي أمين يحمل أنفس شيء، وأعظم شيء، وأجمل شيء، ولا يبخل به، مع أنه نزيه لا يكتم شيئاً منه، فليس بمتهم على الوحي، كما قال الله تبارك وتعالى عن الرسول البشري سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:24] والغيب هنا هو القرآن بإجماع علماء التفسير.

    فقوله تعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:24] يعني: لا يبخل بشيء من الوحي مع نفاسته ولا يكتم شيئاً منه، وهذا كمال الكرم.

    القول الثاني على القراءة السبعية الثانية: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بظَنِينٍ [التكوير:24] بالظاء يعني: ليس بمتهم، فهو أمين.

    فهو سبحانه يثبت الأمانة لسيدنا جبريل ويثبتها للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:24]، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:5-6] كلمة (استوى) معناها: علا وارتفع، ولكن استوى قد تضيف لها حرف جر فتحمل نفس المعنى، أي فتكون بمعنى العلو والارتفاع، وتحمل معه معنى آخر، وهذا من جمال اللغة العربية:

    وسعت كتاب الله لفظاً وغاية وما ضقت عن آي به وعظات

    فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات

    أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

    وكلمة (شرب) نعلم من معناها جميعاً أنه إنسان يشرب، ولكنه قد يشرب ولا يرتوي، فإذا وضعنا حرف الجر بعدها أفادت معنى آخر للشرب: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6] لم يقل: يشربها عباد الله وإنما قال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6] يعني: يرتوي منها عباد الله.

    قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة:29] قال ابن كثير : ثم صعد، وقال ابن جرير : ثم قصد، فصار معناها العلو والارتفاع، ومعناها القصد، أي القصد تجاه الشيء.

    فيكون معنى استوى: العلو والارتفاع أي: ارتفع جبريل في الأفق الأعلى: وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى [النجم:7].

    1.   

    قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى.... ما أوحى)

    قال تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:8].

    من الذي دنا فتدلى؟ ليس معناه: أنه زاد فيه ونقص، وقدم وأخر، ووقع في الوهم، كما قال الحافظ ابن حجر ، وحمل عليه العلماء الحديث الوارد في البخاري ومسلم.

    وإنما الذي دنا فتدلى هو جبريل، دنا فتدلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب.

    قال تعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:9].

    قاب: قدر قوسين: القوس معروفة.

    أو أدنى: (أو) هنا لا تحتمل الشك، وإنما لتقدير المسافة، مثلما قال الله عز وجل: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات:147]، يعني: ما كانوا مائة ألف، بل يزيدون على ذلك فـ(أو) لا تحمل معنى الشك، ومثلها: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] إن لم تكن فيها قسوة الحجارة فهي أشد منها.

    قال تعالى: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10].

    أي: أوحى الله لعبده جبريل ما أوحى، أو أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحاه الله إليه.

    قال تعالى: مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]، وفي القراءة السبعية الثانية: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11] يعني: ما كذب الفؤاد ما رآه البصر، بل صار مشهد البصر والبصيرة واحداً.

    اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، يا معلم إبراهيم علمنا، يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم ارزقنا من علمك ربي، اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا.

    1.   

    الكلام على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا

    هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟

    هذا أمر فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة.

    قال العلماء: إن رؤية الله تبارك تعالى يقظة لا تجوز في دار الدنيا لا تجوز للمؤمنين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت).

    وبعض الناس يجوزون رؤية الله عياناً في دار الدنيا، وهؤلاء هم الصوفية، بل يجوزون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يرى يقظة في دار الدنيا، وهذا قال به طائفة من علماء الصوفية، ويقول به الشيوخ المنتسبين إلى الحركة الإسلامية في باكستان فهم يقولون بجواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصنع كشف الحسابات الخاصة بدار العلوم عندهم وهذا كلام لا يقول به سليم العقل!

    أما بالنسبة لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه فالعلماء فيها على ثلاثة أقوال:

    منهم من توقف فلم يثبت الرؤيا ولم ينفها كالإمام القرطبي.

    ومنهم من أثبت الرؤيا، وهم: سيدنا عبد الله بن عباس ، والحسن البصري ، وعكرمة، وعروة بن الزبير، وابن شهاب الزهري، وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وأكثر الأشاعرة، وانتصر لذلك الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (الغنية في مسألة الرؤية).

    وكان ابن عباس يقول: إن الله اختص محمداً بالرؤية مثلما اختص موسى بالكلام، واختص إبراهيم بالخلة.

    والخلة ثابتة والتكليم ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان الحسن البصري يحلف بالله أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه.

    أما من نفاها فهم أكثر أهل السنة وجمهور الصحابة كـعائشة رضي الله عنها وأنس ، وأبي ذر رضي الله عنه، وجمهور علماء السنة من بعدهم.

    وابن عباس له روايتان: رواية مطلقة بأن النبي رأى ربه، ورواية مقيدة أنه رأى ربه بفؤاده، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه يعني: الرؤيا المنامية.

    أما الذين نفوا الرؤية وهو القول الأصح فمنهم السيدة عائشة فلما قال لها مسروق بن عبد الله الأجدع: إن كعب الأحبار يقول إن محمداً رأى ربه، قالت: لقد قف شعري مما تقول، من قال لكم أن محمداً قد رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله عز وجل.

    وإن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟) و(نور) هنا فسرها العلماء أنه حجاب النور الذي حال بينه وبين رؤيته.

    وأصح الأقوال ما قال الإمام ابن كثير ، والإمام البيهقي : أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ثابتة مناماً بالقلب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا) وكل ما يأتيه في المنام يكون وحياً.

    ولذلك كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم -كما يقول ابن عباس -: أنه ربما نام حتى يسمع غطيطه ثم قام فصلى ولم يتوضأ، فلا يأتي أحد يقول لك: نحن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فنقوم من النوم ونصلي مباشرة، لأن ذلك من خواص النبي صلى الله عليه وسلم.

    وربما كان يأتيه الوحي مناماً.

    أما حديث اختصام الملأ الأعلى، الذي قال عنه الإمام الترمذي : سألت عنه محمد بن إسماعيل البخاري فقال حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني ، وشرحه الإمام ابن رجب الحنبلي في كتاب (اختيار الألى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) فهو قوله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن حلة).