إسلام ويب

كنا جبالاًللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اختص الله أمة الإسلام بخصائص لم تكن لأمة من قبل، ومنها ما يتعلق بتشريفها وتفضيلها على سائر الأمم في الدنيا، والرفق بها في الأحكام والتكاليف، ومنها ما يتعلق بأفضليتها على سائر الأمم في الآخرة، فهي آخر الأمم، ورسولها آخر الرسل وأفضلهم وإمامهم وقائدهم.

    1.   

    ذكر بعض خصائص هذه الأمة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    يقول الشاعر:

    كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحاراً

    ويقول آخر:

    أنت تدري أيها الحيران أنا كيف فوق الشمس أفناناً حللنا

    ويقول آخر:

    وكنا عظاماً فصرنا عظاماً وكنا نقوت فها نحن قوت

    يقول الله تبارك وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها وأكرمها على الله عز وجل).

    قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، يعني: كنتم وما زلتم كما قال ابن الأنباري .

    وهناك قول آخر في قول الله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، قال: كانت البشارة بكم قبل أن تأتوا إلى الوجود أنكم خير أمة أخرجت للناس، وهذا قول حسن.

    ويقول: ابن قتيبة في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، أي: أنتم خير أمة أخرجت للناس.

    فالعرب قد تأتي بصيغة الماضي وفيها معنى الاستمرار أيضاً، كما يقول الله تبارك وتعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]، يعني: منذ الأزل إلى الأبد والله تبارك وتعالى غفور رحيم، فلا تزال ولا تسقط عنه هذه الصفة أبداً، ومثل قول الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ [المائدة:116]، هذا القول يقوله الله تبارك وتعالى لعيسى يوم القيامة.

    أو مثل قول الله تبارك وتعالى: قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29]، فهذه الخاصية لهذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (في كل قرن من أمتي سابقونوَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11]. وهؤلاء السابقون يحملون إلى الجنان ولا يسيرون إليها، وتقرب منهم الجنة بكرامة من الله تبارك وتعالى كما يقول الله تبارك وتعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق:31]، أي: وقربت الجنة.

    فسبحان من فضلنا على جميع الناس وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من رأى وشاهد، فلما أعطانا علو الهمة قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    فإنه لا يوجد في الأمم السابقة مثل أبي بكر الصديق الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عمر : (هذان من الدين السمع والبصر).

    وقال فيهما: (هذان سيدا كهول أهل الجنة، خلا النبيين والمرسلين) أفي الأمم السابقة مثل أبي بكر الصديق ، أو عمر الذي أغص كسرى بالريق، أو عثمان الصابر على مر المذيق، أو علي بحر العلم الغزير العميق، أو مثل حمزة ، والعباس ؟

    والله ما من الأمم السابقة أمة صلت وقد صلصلت السيوف ورنت الأقواس، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    فما بال هذه الأمة نسيت شرفها، والله تبارك وتعالى يقول: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف:44]، أي: أن هذا المنهج وهذا الدين وهذا القرآن شرف لك ولقومك، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44].

    إذا أنت غمت عليك السماء وعمت حواسك عن صبحها

    مغش دورة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها

    الذي بعد عن منهج السماء وعن الإسلام، والذي يفصل بين الدين وبين الدولة، والذي يريدها علمانية نقول له: عليك أن تقوّم من جديد نسبك إلى الإسلام الرفيع العزيز.

    ولابد من ذكر خصائص هذه الأمة، حتى لا ينسينا الحاضر ولا ينسينا الواقع مكانتها العالية.

    يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا

    وقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا

    ورب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا

    يا ابن الوليد ألا سيف تؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

    أدمت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها وباسوا كف من ضربا

    وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا

    فواحد أعمت الدنيا سريرته وواحد من دم الأحرار قد شربا

    وخلفوا القدس فوق الوحل عارية تبيح عزة نهديها لمن رغبا

    يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:31].

    والخاصية الثانية لهذه الأمة: أنها أمة مرحومة لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو موسى الأشعري : (إذا كان يوم القيامة يدفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً ويقول: هذا فداؤك من النار).

    وروى الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها ليكون سلفاً وفرطاً بين يديها).

    ورسولنا صلى الله عليه وسلم أصيبت به الأمة فموته صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة حلت في هذه الأمة، ومن كانت عنده مصيبة فليتعز بمصاب الأمة في نبيها.

    وما عظمت يوماً رزية هالك مصيبة يوم مات فيه محمد

    صلى الله عليه وسلم. هذه الأمة أمة مرحومة، وقد بعثت في خير القرون كما صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بعثت من خير القرون قرناً قرناً حتى كنت من القرن الذي أنا فيه أو الذي كنت فيه).

    وهذه الأمة أمة أريد بها اليسر كما قال فيها الله تبارك وتعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].

    ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أنتم أمة أريد بكم اليسر).

    وأيضاً من خواص هذه الأمة ومن شرفها أنها آخر الأمم وأول الأمم حساباً بين يدي الله عز وجل.

    ومن خواص هذه الأمة أيضاً عند الله تبارك وتعالى: أنها أول الأمم دخولاً للجنة.

    من خواص هذه الأمة أن لها الخلود في الجنة بعد أن يعذب بعض عصاتها، ثم بعد ذلك يؤول أمرهم إلى الجنة كما قال جماهير أهل السنة والجماعة إلا غلاة المبتدعة ممن كفرهم العلماء، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ما من أمة إلا وفيها في النار ومنها في الجنة إلا هذه الأمة فلها الخلود في الجنة).

    ومن خواص هذه الأمة وكرامتها على الله تبارك وتعالى: أن الله يدخل سبعين ألفاً من هذه الأمة الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.

    ويدخل الله تبارك وتعالى مع كل ألف سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثيات الرب عز وجل.

    ومن خواص هذه الأمة أيضاً كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال).

    ومن خواص هذه الأمة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللحد لنا والشق لغيرنا).

    ومن خواص هذه الأمة: أن الله خيرها عند القتل بين دفع الدية أو القصاص أو العفو، أما عند اليهود فقد قال الله تبارك وتعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، فلا دية عند اليهود وإنما يوجد عندهم إلا القصاص.

    ومن خواص هذه الأمة أيضاً: النسخ، والذي يعرف في هذه الأمة وأنكرته اليهود وقالوا: إن هذا بداء، أي أن الله يفعل الشيء ثم يجد أنه قد أخطأ فيغيره، عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة.

    ومن خصائص هذه الأمة الإسناد: لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم).

    ومن خواص هذه الأمة في كرامتها على الله تبارك وتعالى: أن الله جعل لها الندم توبة.

    أما قوم موسى من بني إسرائيل فقد كانت توبتهم بقتل أنفسهم، قال تعالى: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [البقرة:54].

    ومن خواص هذه الأمة: أن اليهود عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة يحسدونها على يوم الجمعة الذي أضل الله عنه اليهود والنصارى، فالناس لنا تبع في هذا اليوم.

    وكما يحسدوننا على يوم الجمعة ويحسدوننا على التحية والسلام، ويحسدوننا على الصفوف في الصلاة، ويحسدوننا على التأمين، قال عليه الصلاة والسلام: (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له).

    ومن خواص هذه الأمة أيضاً ما قاله رسولنا صلى الله عليه وسلم: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل كتاب أكلة السحور، هلم إلى الغداء المبارك).

    ومن خواص هذه الأمة: أن الله تبارك وتعالى جعل لها الأرض طهوراً، وأحلت لها الغنائم.

    ومن خواص هذه الأمة: أن الله تبارك وتعالى وعد نبيها ألا يهلكها كما أهلك الأمم السابقة، وألا يهلكها بالغرق، وإنما يجعل الله تبارك وتعالى بأس أفراد هذه الأمة بينهم شديداً.

    ومن خواص هذه الأمة: أن الله تبارك وتعالى أعطاها خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه نبي قبل نبينا، ولا يعطى منه أحد بعده.

    من خواص هذه الأمة كما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لكل أمة رهبانية ورهبانية أمتي الجهاد).

    ومن خواص هذه الأمة: أن الله تبارك وتعالى جعل الطاعون الذي كان من عذاب الأمم السابقة؛ جعله الله تبارك وتعالى شهادة لهذه الأمة، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الشهداء خمسة: المطعون والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والمقتول في سبيل الله).

    ومن خواص هذه الأمة: أن رهبانيتها الجهاد، فما زال يدوي في سمع الزمان قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي حواري وحواريي الزبير)، الذي فتح الله على يديه مصر، الذي حينما توقف الفتح الإسلامي عند حصن بابليون وأراد عمرو بن العاص أن يمده الخليفة بمدد، أرسل إليه أربعة من الرجال منهم الزبير بن العوام، فصعد الزبير إلى أعلى الحصن وكبر، وكبر المسلمون لتكبيره، ثم رمى بنفسه إلى داخل الحصن وظل يقاتل من فيه من جنود الروم بمفرده حتى فتح الباب لإخوانه.

    ومن خصائص هذه الأمة: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل).

    ومن هذه الأمة أنس بن النضر الذي أعطاه الله تبارك وتعالى لصدقه شيئاً من ثوابه قبل أن يذهب إلى ميدان القتال، يقول لـسعد بن معاذ : واها لريح الجنة! وهذا قبل أن يذهب إلى أحد، وقبل أن يلتحق بالمعركة وقبل أن يبدأ في العمل، قال: واها لريح الجنة! والله! إني لأشم رائحة الجنة من وراء أحد.

    ومن هذه الأمة سالم مولى أبي حذيفة الذي أمسك بلواء المسلمين في موقعة اليمامة فقالوا: يا سالم ! إنا نخشى أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القوم إذاً أنا، ثم أمسك لبس كفنه وحفر لنفسه حفرة حتى لا يفر، ثم أمسك اللواء بيمينه فقطعت يمينه، فأمسك اللواء بيساره فقطعت يساره، فضم اللواء إلى عضديه وهو يتلو قول الله تبارك وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146].

    ومن خواص هذه الأمة: وجود المجددين في هذه الأمة:

    فالله تبارك وتعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة أمر دينها، وهذا يدل على أن الخير موجود في هذه الأمة، كما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره).

    وليس معنى هذا الكلام أن الصحابة ليسوا أفضل هذه الأمة، يقول الإمام الرامهرمزي في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مثل أمتي مثل المطر)، هذا يدل على استمرارية الخير وأن فضل الصحابة أكبر مثلما يقول الرجل للرجل: والله ما أدري أيعجبني حسن صوتك أم بيانه؟! يعني: يعجبني حسن صوتك وبيانه. فهذه الأمة يستمر فيها الخير كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (في كل قرن من أمتي سابقون).

    هذه بعض الخصائص التي أعطاها الله تبارك وتعالى لهذه الأمة لمكانة نبيها من ربه، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

    1.   

    التحذير من طول الأمل ونسيان الموت

    قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل:59]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    طول الأمل ضيع هذه الأمة، وطول الأمل ينسي الآخرة.

    والناس يتغافلون عن ساعة الموت وينسون لحظة الموت، ويا لها من ساعة لا تشبهها ساعة، يندم فيها أهل التقى فكيف بأهل الإضاعة؟! يجتمع فيها مع شدة الموت حسرة الفوت.

    يا إخوتاه! الموت أول وارد عليكم من ربكم فسيروا إلى ربكم سيراً جميلاً.

    أمتكم آخر الأمم، ورسولكم آخر الرسل، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون إلا المعاينة.

    إن الموت قد فضح الدنيا لكل ذي لب، حتى ما ودع لكل ذي عقل فيها فرحة، وإن أمراً يكون الموت آخره حقيق بأن يزهد الإنسان في أوله، وإن أمراً يكون الموت أوله حقيق بأن يخاف الإنسان من آخره، وكان ربيع بن خثيم يقول: لو غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة واحدة لفسد قلبي!

    فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر

    وكأنهم قد قلبوك على ظهر السرير وأنت لا تدري

    وكأنهم قد زودوك بما يتزود الهلكى من العطر

    يا ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر

    يا ليت شعري كيف أنت على ظهر السرير وأنت لا تدري

    يا ليت شعري كيف أنت إذا وضع الحساب صبيحة الحشر

    يوم من الأيام سيرحل كل منا إلى القبور، يوماً من الأيام سيرحل كل منا إلى القبور سيخرج أحدنا من بيته في رحلة لا يرجع منها أبداً، وقد يركب أحدنا مركباً لا ينزل منه أبداً.

    عثمان بن عفان كان إذا مر بقبر يبكي حتى تبتل لحيته، فيقال له ويسأل عن ذلك، فيقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فمن ينج منه فما بعده أهون منه، ومن لم ينج منه فما بعده أشد منه).

    يوماً من الأيام ستحل ضيفاً على قوم كلامهم السكوت، أحباء لا يتزاورون، جيران لا يتآنسون.

    يوماً من الأيام سيترادف أنينك وزفيرك.

    يوماً من الأيام ستوضع مع أقوام موتى لا يتحركون، أي الجديدين -الليل والنهار- مر عليهم صار عليهم سرمداً إلى يوم يبعثون.

    يوماً من الأيام سنشيع إلى قلب الضريح وإلى ردم الصفيح، إن كانت القبور تنسيك الدنيا بمنظرها الخارجي فكيف بداخلها.

    يا قبر ما أسكنك وتحتك الدواهي!!

    إني سألت الترب ما فعلت بعد وجوه فيك منعفرة

    فقال لي صيرت ريحهم يؤذيك بعد مناظر عطرة

    وأكلت أجساداً منعمة كان النعيم يهزها نضرة

    لم تبق غير جماعة عريت بيض تلوح وأعظم نخرة

    و عمر بن عبد العزيز لما وقف على قبور آبائه من بني أمية قال:

    مر بعسكرهم إن كنت ماراً، وادعهم إن كنت داعياً، وانظر إلى تقارب منازلهم، سلهم عن العيون النظرة، التي كانوا بها إلى اللذات ينظرون، سلهم عن الجلود الرقيقة، وسلهم عما فعلت الديدان باللحمان تحت الأكفان، سالت الأحداق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وقيحاً وصديداً، واتخذ دواب الأرض وحشراتها في أبدانهم مقيلاً، يا مغسل الوالد والولد، ويا تاركه في التراب وحده قل لأبيك: بأي خديك بدأ البلى.

    ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن

    تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن

    سفري بعيد وزادي لا يبلغني وقوتي ضعفت فالموت يطلبني

    ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني

    أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني

    يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تقتلني

    دع عنك عذلي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني

    دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن

    دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني

    كأنني بين جل الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني

    وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني

    واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون

    واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار ريقي مريراً حين غرغرني

    وقام من كان أولى الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني

    وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً حراً أديباً أريباً عارفاً فطن