مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة يوسف

969584

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

8190

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

6225

4

قصص الأنبياء - قصة ابر..

3062

طارق السويدان
5

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2637

(...)
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1554

محمد المنجد
7

أذان بصوت- الشيخ ياسر ..

1553

ياسر الدوسري
8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1540

9

قراءة متن الشاطبية

1520

مشاري راشد العفاسي
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1494

الاستفادة من الأخطاء، والنظر إلى الماضي بعين العبرة والاتعاظ؛ مطلب حميد لابد منه لترشيد المسيرة.

وفي هذه المحاضرة سبعة عشر خطأً مما يقع فيه الدعاة في عصرنا، وقد ذكرت هذه الأخطاء مع كيفية نشوئها وأسباب وجودها، وأردفت بذكر الحلول المناسبة للتخلص منها.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأشكركم على حضوركم، وأشهد الله على حبكم فيه، وأسأل الله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب الطاهر أن يجمعنا بكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وأشكر فضيلة الشيخ عبد الوهاب الناصر على دعوته لزملائه وإخوانه، ينظمهم عقداً في دروس للتوعية والوعي، ثم أشكر باسمكم جميعاً شاعر الصحوة الإسلامية، الدكتور عبد الرحمن العشماوي وحق لي أن أقرب له المنبر هذه الليلة وأقول له: اهجهم وروح القدس يؤيدك، فهو حساننا، وحق له أن يدافع عن هذا الدين بسهامه الماضية المصيبة، سدد الله طريقه وثبت قدمه.

وقبل أن آتي إلى المحاضرة "أخطاؤنا تحت المجهر" معي مقطوعة عنوانها: يا قلعة التوحيد.

إذا ما التقينا فالشهور دقائق      وإما ابتعدنا فالدقائق أشهر

يقولون نجد العامرية أرضنا      نعم ودموعي في ثرى نجد تعصر

فلا خيمي من قيس ليلى تشوقني     فشوقي رعاك الله من ذاك أكبر

هيامي بجيل مسلم من جدوده     بلال وسعد والمثنى ومعمر

هنا العلم والتاريخ والمجد والنهى      ومنها العلا تبدو وتسمو وتزأر

فيا قلعة التوحيد لست رخيصة     ولو حاول العذال فيك وأكثروا

بها أنبت الله الإمام محمداً      له في جبين الدهر نور ومنبر

فيا ابن وهاب العقيدة كلما      ذكرناك كان الفضل والبر ينشر

عنوان المحاضرة: "أخطاؤنا تحت المجهر".

وأقصد بهذه الأخطاء ما يقع فيها أمثالي من المقصرين، على أن هناك محاضرة قبل أسبوعين كانت بعنوان: "فن الدعوة" هي تمهيد ومقدمة لهذه المحاضرة، ولكن أرجو ألا يظن شخص أو فئة من الفئات أو طائفة أني أقصدها، فأنا أقصد نفسي، وأنا شهيد على نفسي هذه الليلة، كما قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء:135].

فحق علي أن أشهد على نفسي هذه الليلة أني مقصر، وأن لي أخطاءً، سوف أعرضها عليكم، عليَّ أن أجد منكم الناصح اللبيب. والحقيقة أننا بحاجة لتشخيص أخطائنا: أولاً: لأنه واجب شرعي، والمؤمنون نصحة.

والأمر الثاني: لئلا يأتي غيرنا، فيشخص لنا أخطاءنا، فنحن بأنفسنا نعرِّف الناس أن لنا أخطاءً، فإن من عرف عيب نفسه عرف كيف يعالجه ويداويه.

الثالث: إن عقلاء الأمم ونبلاء الناس يداوون أخطاءهم على مر التاريخ.

إذاً فلا تثريب علينا أن نذكر أخطاءنا، يغفر الله لنا ولكم وهو أرحم الراحمين، ولست في التاريخ أول من نقد نفسه، يقول شاعر جاهلي عصري:

أأنا العاشق الوحيد فتلقى     تبعات الهوى على عاتقيا

ما هي أخطاؤنا؟

إنها كثيرة لأنا لسنا معصومين.

تحت المجهر، أي مجهر؟

إنه مجهر الكتاب والسنة، مجهر محمد عليه الصلاة والسلام، حسب ما يتصوره المجتهد المقصر في أن يلتمس الحق والصواب.

 من الأخطاء قلة الإنصاف

من أخطائنا -نحن مسيرة الصحوة- قلة الإنصاف.

وسوف أعرض سؤالاً في الأخير: لماذا لا أقصد في حديثي هذا غير الملتزمين أو المستقيمين أو الناهجين نهج الحق؟

إن العدل نفقده كثيراً في أحكامنا، وفي أقوالنا، وفي لقاءاتنا، يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135] ويقول عز اسمه: ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

والمعنى قولوا العدل واحكموا به، ولا يحملنكم شنآن الآخرين وعداوتهم، على أن تجحفوا في الحكم، فإذا كان الحكم لك، فلا تثنِ على نفسك، وإذا كان الحكم على عدوك، فلا تثرب على عدوك أو تنسى حسناته. والله يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل:90]

والعدل يكون في الأحكام، والصدق يكون في الأخبار كما قال ابن كثير في قوله سبحانه وتعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] قال: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.

وقال سبحانه: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135] فاتباع الهوى يحملنا على أن نجور، فترانا نضخم الحسنات إذا كانت لنا، ونصغر الحسنات إذا كانت لغيرنا، ونصغر سيئاتنا، ونكبر سيئات غيرنا.

وقال سبحانه وتعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام: وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ [الشورى:15] فهو عادل عليه الصلاة والسلام في أحكامه، بل قال صلى الله عليه وسلم كما في سنن النسائي: {وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا} فلا يقول صلى الله عليه وسلم إلا كلمة الحق؛ مع عدوه ومع صديقه، وهذا منهج افتقدناه على مستوى الجماعات والأفراد.

وسوف أعرض أمثلة من سيرته عليه الصلاة والسلام، لنرى العدل في قوله وأحكامه.

في الصحيح أنه {أتي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بشارب خمر، فقام الصحابة فضربوه وعزروه، وقال أحدهم: أخزاه الله! ما أكثر ما يؤتى به في شرب الخمر! فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، لا تعينوا الشيطان على أخيكم، فو الذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله} فاحتسب له صلى الله عليه وسلم حسنة حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام.

أيضاً حاطب بن أبي بلتعة في الصحيحين سرب أخبار السرية للكفار، وهي جريمة كبرى، فلما أُتي به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليحاكمه، قال عمر: {يا رسول الله! دعني لأضرب عنق هذا فقد نافق، قال: يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم} فاحتسب له عليه الصلاة والسلام حسناته التي قدمها في بدر، ولم ينسها صلى الله عليه وسلم.

وكان أهل السنة والجماعة منصفين، يحكمون بالعدل ويقولون به، ومن قرأ تراجمهم وجد ذلك.

وأوضح مثال على ذلك ما يفعله شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن كثير، والبرزالي والمزي، وغيرهم كثير، حينما يتكلمون عن الأشخاص، وقد تكلم الذهبي عن قتادة بن دعامة السدوسي، الذكي العملاق، الذي أصيب ببدعة جزئية يسيرة في القدر، فذكر بدعته، وقال: لا نقره على بدعته، مع العلم أنه رأس في الزهد ورأس في التفسير، ورأس في العلم، فما أحسن الإنصاف! وما أحسن أن نذكر الحسنة بجانب السيئة!

ذكر البخاري في كتاب الأدب المفرد، والألباني يرفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنه من كلام علي لا من كلام محمد صلى الله عليه وسلم يقول: [[أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما]] إن العاطفة في حب الناس، أو في الحكم على الناس، توقفنا أمام طرفين غير مقبولين، إما المدح المفرط، أو الذم المفرط، وكلا الطريقين خطأ.

فعين الرضا عن كل عيب كليلة     كما أن عين السخط تبدي المساويا

 إصدار الأحكام الجائرة

نحن أهل السنة كما نزعم ونسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا معهم، لا بد أن نضبط عباراتنا، وكلامنا، وأن نؤسسه على تقوى من الله ورضوان، حتى لا نأثم في الدنيا ولا في الآخرة.

وإن هناك من يصدر أحكام الكفر والفسق، وأهل السنة لهم ضوابط في الإيمان والفسق والكفر، لكن ما أسرع أن تسمع أحداً يقول: إن فلاناً كافر فاسق، خارجي مبتدع! بسبب مقولة قالها، أو كلمة لم يُسأل هو عن قصده فيها، ولم يجلس معه، ولم يحاور، ولكنا نلقي الأحكام على عواهنها، وهي خطيئة كبرى، ويجب أن نتنبه لهذا الأمر.

وأنا لا أدافع عن المبتدعة هذه الليلة، فأسأل الله أن يبعدنا عنهم، لكنها حقائق نعيشها، وأضرب لذلك مثلاً:

مات موسيقار مشهور قبل فترة، وأمره إلى الله، يمكن أنه يصلي الخمس، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقوم بأركان الإسلام، لكنه مغن ومطرب، ويحضر حفلات محرمة، وقد سمعت كثيراً من الناس يقولون: إلى النار وبئس المصير! وهل نحكم نحن على مصائر الناس؟! وهل يكفي هذا لتكفيرنا لمثل هذا الرجل؟! ربما كانت له من الحسنات ما يغفر الله له بها في الآخرة، وأنا لا أبرر عمله المخطئ والمعصية الظاهرة التي يفعلها من الغناء المحرم، فقد أجمع أهل العلم على تحريمها.

لكن ما هي الأمور التي تستوجب دخول النار عند أهل السنة والجماعة؟ وهل يستحق هذا أن يقال عنه: إنه في النار.

وتسمع آخر يرد على كاتب مفكر فيقول: زائغ مرتد قاتله الله! إنها كلمة صعبة.

أيضاً يُلاحظ هذه الفظاظة في تعاملنا فيما بيننا وفي أحكامنا على بعضنا، وفي عدم العفو الذي يجب أن نصدره نحو البعض منا، ولكن تتلاشى هذه الفظاظة لتصبح تميعاً في قضايا المعتقد مع المبتدعة، كـمعتزلة العصر، كمرتزقة الفكر، كالمتهوكين في الأدب، كالحداثيين والعلمانيين، فلا تجد لأحد رداً عليهم، ولا يذكرهم بسوء، وقد سلموا منه، ويبتعد عن الخوض معهم، وأما على إخوانه، فيرى القذى الصغير كالنخلة، وهذا خطأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين:1-4].

إن بعض الناس يدعو إلى تأليف القلوب مع الرافضة، أو مع العلمانية، وإيجاد الحلول والأعذار لهم، أما مع إخوانه فلا يعذرهم في مسائل تقبل الاجتهاد، وهي من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.

وفي ختام هذه الفقرة، أدعو إخواني جميعاً، وليدعوا معي إلى مذهب أهل السنة والجماعة، نرحب بالجهاد في أفغانستان، أو في غير أفغانستان على منهج أهل السنة والجماعة، وقد طالب العلماء والدعاة -كما رأيتم- في منشورهم قادة المجاهدين بهذا، ولعل الله أن يفتح على قادة المجاهدين في السماع لهذا وامتثاله، وأسأل الله أن يسددهم وأن يجمع كلمتهم على الحق.

أيضاً من أخطائنا: صعوبة عرض عقيدة التوحيد الواضحة. التوحيد من خصائصه أنه سهل تقبله القلوب، عقيدة يفهمها الطفل والأعرابي في الصحراء، وقد ربى الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه والأمة على أن يفهموا العقيدة، سأل جارية كما صح في الحديث فقال: (أين الله؟ قالت في السماء وفي بعض الألفاظ: أنها لم تتكلم وإنما أشارت إلى السماء فقال: اعتقها فإنها مؤمنة).

وفي سنن أبي داود أن حصين بن عبيد قدم على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال له صلى الله عليه وسلم: (كم تعبد يا حصين؟ قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، فقال: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: اترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء) حديث صحيح.

هذا دين سهل، وعرض التوحيد بمثل هذا يقبله الناس، ومن منا يمكن ألا يفهم هذه العبارات؟ من هو الذي يعتذر بطلسمة هذه العبارة عليه، أو بأنها منغصة وموهمة؟ لا أحد.

كذلك في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: (أن أعرابياً أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال: من أرسلك؟ قال: الله؟ قال: إلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله، الذي إذا ضاعت راحلتك في الصحراء -خاطبه براحلته لأنه صاحب راحلة- سألت الله فردها عليك، وإذا أصابتك سنة مجدبة فدعوت الله، أمطر عليك سنتك) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فشهد أن لا إله إلا الله.

حديث جبريل الطويل: لا صعوبة فيه، عرض سهل ميسر، ولكن أرى أننا تأثرنا بطريقة علماء الكلام، الذين أطالوا في العقيدة والذين توسعوا في العبارات، وأكثروا من القعقعة، ومن التشدق حتى قال الشافعي فيهم: رأيي في أهل الكلام، أن يطاف بهم في العشائر والقبائل ويضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة.

فلسفة اليونان دخلت علينا، وهي ما زالت في كتبنا، وتدرس حتى في الأقسام، وربما عرضت على العوام في الندوات والمحاضرات، واللقاءات.

 عروض سهلة للتوحيد

وأعرض لكم أمثلة من كتب التزمت سهولة التوحيد في عرضها مثل: كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب ما أسهله! وما أيسره! وما أحسنه! لماذا لا نقدمه في دروسنا ومحاضراتنا، بدون ردود إلا في مناسبات خاصة، ومثل كتاب التوحيد لابن خزيمة، على نصوص بسيطة فيه، ومثل كتاب معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ولا أعلم كتاباً مثله، فكيف بأحسن منه!

إن السلف لم يختلفوا في مسائل المعتقد، أقصد الصحابة، قال ابن القيم في أعلام الموقعين: لم يسأل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام رسول الله في مسألة في العقيدة، وإنما سألوه في الأحكام: يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن المحيض، ويسألونك عن الخمر، إلى غير تلكم الأسئلة، خمسة عشر سؤالاً في القرآن ليس فيها سؤال في المعتقد، بل آمنوا وسلموا وقالوا: كل من عند ربنا.

فلما أتى الخلف -نحن منهم- أكثرنا من عرض العقيدة والإسهاب في الكلام والتوسع في العبارة، حتى صعبت على الناس.

وأنا أسأل شباب الصحوة والعلماء والدعاة: هل يلزمنا في كل مسألة نعرضها على عامة الناس، أن نذكر من خالفنا من الطوائف كـالجهمية، والمعتزلة والأشاعرة والقدرية، والجبرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج؟!

أما أهل العلم فلا بد لهم من هذه المسائل أن يتدارسوها بينهم في مجالسهم وأقسامهم وفي تواليفهم.

أما إذا كنا نعرض العقيدة على الناس، فنملؤها بالردود حتى تصبح صعبة، فإن هذا مخالف لمنهج الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن التوحيد سهل بسيط، يعرض في آية وفي حديث، يفهمه الأعرابي والعجوز والطفل.

أما إيراد هذه الشبه الدامغة التي توقف العامي محرجاً أمام العقيدة، فأظنه من أخطائنا.

أخذوا على الرازي كما ذكر أهل العلم أنه يتوسع في عرض الشبهة، فيورد شبه أهل البدع، فيتوسع في إيرادها، ويتبجح في عرضها، ثم يرد عليها، بكلمة أو بكلمتين، أو بسطر أو بسطرين، وتبقى الشبهة ويموت رده.

وهذا مثل بعض الناس، يورد عليك شبهة مخالفة، ثم يردها رداً ضعيفاً، فتبقى الشبهة، ولكن الرد لا يكون سليماً.

 الانهماك في الفروع على حساب الأصول

ومن أخطائنا في العقيدة، الانهماك في الفروع على حساب الأصول.

سألوا شيخ الإسلام ابن تيمية لماذا لم تؤلِّف في الفروع؟ قال: أمرها سهل، ومن خالف فيها فهو مجتهد مخطئ فله أجر واحد، وإذا أصاب له أجران، ولكن الخطورة في المعتقد أي في الإيمان والتوحيد، فهو الأمر الصعب، والأمر الأساس والأمر المحرج.

ولذلك كانت مؤلفات شيخ الإسلام رحمه الله أكثرها في العقيدة، تسعون بالمائة من مؤلفات ابن تيمية في العقيدة وفي الإيمان.

ولكن أرى الآن أننا أكثرنا في الفروع على حساب الأصول، وسوف يأتي هذا فلا أتعجل به، فإنه تُحدِّث الآن عن مسائل سهلة، كمسألة المسبحة، أو مسألة جلسة الاستراحة، أو مسألة تحريك الأصبع، مع العلم أن العلمانية، والحداثة، وحزب البعث، والرأسمالية، والشيوعية، لم تلقَ هذا الكلام المستفيض من أهل العلم والدعاة والأخيار.

الردود ليست مقصودة لذاتها في العقيدة، إنما هي كالعلاج، إذا وصلنا مرض، استدعينا الطبيب ليعالج هذا المرض.

فنعرض عليهم العقيدة أولاً، أما قضية أن نأخذ الردود وتكون مبدأ فهذا ليس بصحيح، لكن لا بد من الردود عند الحاجة.

أيضاً من أخطائنا: تسمية البطالة زهداً.

قال ابن تيمية رحمه الله في المجلد العاشر من الفتاوى: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. ولله دره! وأحسن من عرف الزهد في الإسلام ابن تيمية بهذه العبارة، والله يقول: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] والله يقول: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61] يعني في الدنيا، وقال سبحانه: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]

الإسلام حياة، وعمل وإنتاج، ومزرعة وفلاحة، وتجارة وورشة ودكان، هذا هو الإسلام، الإسلام لا يعترف بالتصوف الهندوكي الذي قتل الهمم أمام طلب الرزق.

قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من كسب يده -ومن كد يده- وإن نبي الله داود كان يأكل من كد يده).

وسئل صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك الحاكم في المستدرك: (أيُّ الكسب أطيب يا رسول الله؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) حديث صحيح، والصحابة كانوا تجاراً، مثل: أبي بكر، وعثمان، وابن عوف، وكان منهم الفلاحون، مثل: جابر بن عبد الله، ورافع بن خديج وغيرهما، ولم يركنوا إلى البطالة تحت مسمى الزهد كما فعل الكثير منا الآن.

إني أعرف أن كثيراً من أمثالي من المقصرين، تأثروا بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، في كتاب إحياء علوم الدين، وقوت القلوب، والرعاية للمحاسبي وصفة الصفوة لـابن الجوزي، فأماتوا أنفسهم. الرسول المعلم الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه).

 عمر يحارب البطالة

دخل عمر رضي الله عنه وأرضاه المسجد، فوجد شباباً يتعبدون، قال: من يعطيكم طعامكم؟ قالوا: الله، وهل يشك عمر أن الذي يطعم هو الله؟! قال: أدري أنه الله، لكن من يطعمكم؟ -لأن أوعية الطعام لا تنزل من السماء، أوعية اللحم والأرز والفاكهة لا تأتي من السماء، لا بد من أخذ الأسباب -قالوا: جيراننا. قال: جيرانكم خير منكم، انتظروني قليلاً، وظنوا أنه يأتي بأوعية فيها لحم وأرز، فأتى بالدرة التي يخرج بها الشياطين من الرءوس، ثم ضربهم وقال: [[اخرجوا، إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة]].

فقضية أن نترك الدنيا والتجارة وطلب المال والرزق الحلال، بحجة أن الدنيا فانية، وأن الله سوف يحاسبنا على الأموال، ويبقى في رأس القائمة اليهود وهم أغنياء العالم، يسيرون السلاح والاقتصاد والإعلام والسياسة والكراسي والقرار، ونبقى متخلفين بحجة أن الدنيا فانية.

ثم يأتي في القائمة الثانية الرافضة، وهم المرتبة الثانية بعد اليهود في الغنى، فيصدرون الثورات والقرارات والبدع، ونبقى نحن نسمى الفقراء -فقراء أهل السنة- وإذا أردنا مشروعاً ينادون بعد صلاة الجمعة: تبرعات تبرعات، والكراتين عند الأبواب، ثم نتبرع من ريال ومن عشرة ومن خمسين.

إذا أردنا كتاباً نطبعه فنصيح حتى تبح حلوقنا، ليس عندنا مصدر رزق، والخير كثير والحمد لله، لكننا ربما ظننا أن السعي لطلب الرزق ولجمع المال ينافي الزهد، وهذه بطالة، وقد تعرض لها الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله في أول تفسيره بعرض جميل.

وقد ضغط على المسلمين بقوة الاقتصاد وأصبحت حروب الدول في العالم الآن في الاقتصاد، فأين مكان أهل السنة والجماعة في مبدأ الاقتصاد؟ وهل لهم بديل؟ هل لهم مشاريع؟ هل لهم أطروحات في جمع المال؟ ودعونا من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع المال وأنفقه، وقد دخل كثير من الصحابة الجنة بالمال، مثل: عثمان وغيره.

 المال عصب الحياة

ذكر الجاحظ صاحب البخلاء: أن أحيحة بن الجلاح، وهو تاجر من الأوس قبل الإسلام، وهو من ساداتهم، كان يجمع المال لكي يحمي عرضه، ويحمي مكانته، وينفق؛ يقول:

ولو أني أردت نعمت بالاً      وباكرني صبوح أو نسول

ومازحني على الأنطاع غيد     على أنيابهن الزنجبيل

ولكني أهب لجمع مال      فأمنع بعد ذلك أو أهيل

يقول: لو أردت لذاذة الحياة، لكنت تزوجت فتاة جميلة، وجلست في بيتي وصابحني خمر في الصباح وغبوق في المساء، وأكلت اللحم المشوي، لكني أخشى أن أفتقر فأتعرض لمسبة، فأنا أجمع المال لأنفقه، وأحمي عرضي، وقال الآخر:

واجمع المال وحصله ولا      تسأل الناس ذليل من سأل

ثم جد بالمال لا تبخل به      تكن الشهم على الناس الأجل

كثير من الشباب يترك الوظيفة، ويترك التجارة والعمل بالورشة، والعمل بالمتجر؛ بحجة الزهد، وأنها تشغله وتلهيه عن طاعة الله، وهي من طاعة الله، ويبقى عالة يتكفف الناس، يقترض من هذا، ويقترض من هذا، ويموت مديوناً، وإذا سألته من يرزقك؟ قال: الرازق هو الله، لكن من جيوب إخوانه، رزقه الله من جيوب إخوانه، والمسلم لا بد أن يفكر بمصدر الرزق خاصة في عصر الاقتصاد.

أيضاً من أخطائنا: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وينقصنا أننا لا نراجع أخطاءنا، وأنا متحرج في هذه الليلة، وقد كُلَّمت قبل هذا الدرس وحُذِّرت ألا أتكلم في هذا الموضوع، لأني سوف أكشف عوارنا للآخرين، فإلى متى نتكاتم؟! وما هو المجلس الذي يجمعنا لكي نتحدث بأخطائنا.؟! وإلى متى وقد مرت بنا عجلة الحياة؟! أما الآن فوجب علينا أن نتكاشف ونتصارح، وهذا -أظنه والله أعلم- منهجاً سديداً، فمراجعة الأخطاء منهج في القرآن، قال سبحانه وتعالى لأهل أحد: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ولم يرجع ذلك إلى القضاء والقدر، ونحن نخطئ كثيراً، ونقول: قضاء وقدر! نعم هو قضاء وقدر، لكن لماذا لا نستفيد من الخطأ الأول، وندرسه، ونجتمع له ونحلله، لماذا أخطأنا؟

الرماة الذين نزلوا من الجبل لامهم الله عز وجل، وجعلهم سبباً في الهزيمة وحاسبهم الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقل قضاء وقدر، وقال سبحانه وتعالى للرسول عليه الصلاة والسلام، وقد تصرف باجتهاده في أسارى بدر: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال:67] يعني لماذا تأخذ الأسرى؟ هذا خطأ! ولكن الله عذره، ثم عفا عنه، وعمن أيده عليه الصلاة والسلام من الصحابة، وهذا دليل على منهج مراجعة الخطأ.

وعفا صلى الله عليه وسلم عن مجموعة من المنافقين، كانوا قد اعتذروا إليه كذباً، وما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم، لكن قدر الله أن يعفو عنهم، فلما عفا عنهم، قال الله سبحانه وتعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43] كان الأسلم والأحسن ألا تأذن لهم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43] وفي صحيح البخاري أن أبا ذر عير بلالاً وقال: يا بن السوداء، فحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (قال:أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) حتى لا يعود إليها مرة ثانية.

وعمر لم يولِّ رءوس المرتدين، وقادة المرتين الذين رجعوا إلى الإسلام قيادة الفتوح أبداً، كما قال ابن جرير وابن كثير، مثل طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي الشاعر، لم يولهم عمر أبداً، لأنهم أخطئوا قبل، فاستفاد من خطئهم ألا يأمنهم على جيوش يقودونها في المعركة.

وهنا أسأل سؤالاً: يا شباب الصحوة! لماذا لا نقرأ ملفاتنا السابقة في العمل والدعوة والجهاد، هل تقدمنا أم تأخرنا؟ هل أحسنا أم أخطأنا؟ مثل ملفات حماة، من هو السبب في قتل ثلاثين ألفاً في حماة؟ معصومة دماؤهم، شيوخ وأطفال ونساء، أنا أعلم أن الجميع سوف يجيبني أنه الطرف الآخر، وأنا أقول: نعم الطرف الآخر، لكن من الذي تصرف في القرار، وهل كان من الحكمة الدخول مع الطرف الآخر، وهل كان من المصلحة رفع السلاح؟ في اعتقادي أنه لا بد أن ندرس الملف من أوله إلى آخره، لنرى ولا نجعل أفعال الناس وأقوال الناس كأفعال المعصومين، هم بشر لا ينطقون بالوحي، يقول رجل منهم: تبدأ المعركة، فيتسبب بقتل ثلاثين ألفاً، فلا بد من الملف أن نراجعه حتى لا نقع في خطأ آخر.

مثل ملف أفغانستان -وأنا أحترم الجهاد الأفغاني، وأسأل الله أن ينصر المجاهدين نصراً مؤزراً، ونحن مع الجهاد، والذي يتخلف عن الجهاد فيه نفاق، ولا نقصد إلا النصيحة، يعرف ذلك من عرفه، ومن لم يعرف ذلك فإني لا أستطيع أن أقنعه، لأنه وطن نفسه ألا يقتنع، فهو ملغم من داخله ألا يقتنع- مثلاً، لماذا لا ندرس ملف الجهاد منذ أن بدأ إلى الآن؟ لأن المجاهدين إخوان مثلنا، وقد فاقونا بأنهم شهدوا وحضروا، ورأوا بأعينهم، ولكن مع اجتماع الرأي وأهل العلم وأهل الدعوة، قد يكون هناك تصويب كثير.

مثلاً لماذا لا نراجع ملف الصحوة؟! فإن كثيراً من الناس يدعي أن الناس أصبحوا في صحوة، وأنهم عادوا إلى الله، وليس للشباب أخطاء وأن تربيتهم مجيدة، وعلمهم الشرعي متوسط، فإذا جئت تنصح قالوا: لا تشق الصف، لا تثر الغبار، لا تكن حجر عثرة، ولا تثر فتنة على المسلمين، لماذا أنا أثير إذا نصحت؟ وإذا عرضت وأبديت رأياً للناس، هذا لا يكون، فالرسول صلى الله عليه وسلم سمع من الصحابة، وكذلك أبو بكر وعمر، وسوف يأتي كلام عن هذا إن شاء الله.

من أخطائنا أيضاً: عدم عذر المجتهد المخطئ:

الإجماع حجة قاطعة، والخلاف رحمة واسعة، قاله ابن تيمية في مختصر الفتاوى أما حديث: (اختلاف أمتي رحمة) فهو ضعيف، لكن الاختلاف قديم، والله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين، حتى في أمزجتهم وتفكيرهم الشخصي.

أفراد الأسرة الواحدة لا يتفقون على وجبة الغداء أو العشاء، ربما لا يجمعون إلا في النادر، فمنهم من يريد وجبة كذا، والآخر يقول: كذا.

إذاً فالله ركب الناس على أن يختلفوا في جزئيات من جزئيات الحياة، وكذلك الشريعة، وللعلماء عذر في اختلافهم، وقد كتب ابن تيمية رحمه الله كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، بين فيه عذر المختلفين لماذا اختلفوا، لكن يرى البعض منا -مثلي أنا- أنه لا بد أن يتفق العلماء على كل جزئية، وهذا متعسر ومتعذر.

إن أمراً لم يجمع عليه السلف الصالح لا يلزم الخلف أن يجمعوا عليه، فيجوز أن نختلف في فرعيات الشريعة وفي أساليب الدعوة، وفي الجزئيات، وفي مسائل غير مجمع عليها في الصدر الأول، فما هو العيب في أن نختلف؟ مثل زكاة الحلي، كثير منا ثرب على غيره أنه لا يقول بزكاة الحلي، والآخرون يقولون بالزكاة، والأمر فيه سعة، واختلف فيه الصحابة، والأمر واسع، وأنت قل برأيك ولا تعنف ولا تثرب على الآخر.

أما متى يكون المخالف مبتدعاً عند أهل السنة؟

الذي أراه ضابطاً هو ما ذكره ابن تيمية في الرسائل والمسائل بقوله: من خالف إجماع الصحابة فهو مبتدع، هذا الضابط لكم وأطلب منكم أن تبحثوا في هذه المسألة فإنها تحتاج إلى تحرير. كيف هذا؟! لأن الأشعري -مثلاً- يقول: لماذا جعلتموني مبتدعاً، لأني أقول يراد بضحك الله عز وجل الثواب، يضحك ربنا: يثيب، مع العلم أنكم عذرتم الأحناف لما وضع الواحد منهم يده اليمنى على اليسرى تحت السرة، وقلتم: مجتهد مخطئ له أجر، فلماذا لا أكون مثله مجتهداً ولي أجر.

فنقول للأشعري: أنت خالفت إجماع الصحابة، أما الحنفي في هذه المسألة، فلم يخالف إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم عذر المجتهد المخطئ في أمرين:

الأول: في نقض الإجماع، فمن ينقض الإجماع لا نرحب به، ولا بد أن نرد عليه، ونعتبره مبتدعاً.

الثاني: من يتتبع الرخص، كأن يأتي إلى شواذ المذاهب السهلة في كل مذهب ويجمعها، كما يفعل العصرانيون في كثير من كتبهم التي طرحوها في الساحة، بل شافهنا بعضهم فقال: إذا رأيتُ في المسألة سبعة أقوال، فإني أختار أسهلها وأيسرها، وهذا من تتبع الرخص، ولا خير فيه، وهو مردود على صاحبه ومذموم.

أيضاً من أخطائنا: إعطاء المسائل أكبر من حجمها، أو التشاغل بقضايا غير واقعة في حياة الناس، أو غيرها أهم منها.

ودين الله وسط بين الغالي والجافي كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143] والله يقول: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3]

قال المتنبي:

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا      مضر كوضع السيف في موضع الندى

إن من يسمي تربية اللحى وتقصير الثياب قشوراً مخطئ، وليس في الدين قشور، لكني أقول: من جعلها أصلاً من أصول الإيمان فقد أخطأ، إن كثيراً ممن يعظ أول ما يبدأ يحدث الناس يحدثهم بتربية اللحى، وبعضهم قد لا يصلي، أو يأكل الربا، أو يشرب الخمر، أو يزني، أو يرتكب شيئاً من شعب الشرك، وهذا يركز على تربية اللحية ليلاً ونهاراً، فأعطاها أكبر من حجمها، ثم بعضهم يلغيها من حجمها الصغير، ويقول: هي قشور لم ترد بها السنة، وهذا خطأ، لكن نعطيها حجمها ومساحتها.

الغيبة في القرآن ذكرت في آية أو آيتين، بينما معظم آيات القرآن عن التوحيد، والحسد أيضاً ذكر في آيتين، غض الصوت في آية، القصد في المشي في آيتين، أو في ثلاث، فأعطى الله كل مسألة حجمها، ومن أحسن من ألف في ذلك الأستاذ العلامة أبو الأعلى المودودي، وهو كتاب: كيف تقرأ القرآن؟ وأتى بقواعد فذة تنبئ أن الرجل ليس بالسهل وأنه كان عملاقاً.

يقول: أزل من عقلك كل تصور عن القرآن مسبق، وأعط المسألة حجمها... إلى غير ذلك، وهذا ليس من شأني في هذه المحاضرة.

أقول: أعطينا كثيراً من المسائل أكبر من حجمها، كم صدرت من فتاوى في التصوير، ومناقشات وتنبيهات وتحذيرات مع العلم أنها مسألة فرعية بالنسبة لمبدأ العلمانية، الذي لم يلق من الحديث والكلام عشر معشار ما وجده التصوير، تكلمنا في التصوير ليلاً ونهاراً في كتيبات، وردود، ومناقشات، ومباحثات ومحاضرات!

والعلمانية أنا أجزم أن كثيراً من العلماء لم يتكلموا فيها ولو بكلمة، وهي مذهب يهدد الإسلام من جذوره.

قبل سنة كان كثير من الناس لا يعرفون شيئاً عن حزب البعث، وهو حزب مارد، دخيل يريد هدم الإسلام، فلم يتكلم عنه أحد، وبقينا نتكلم كثيراً عن التصوير والفيديو وضررهما على الأمة.

إن البدع تهدد العالم الإسلامي في وقت لم يهتم بنشر العقيدة الصحيحة، ولم تبين الإيمانيات كما عرضها الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح.

كم أخذت مسألة القيام للداخل، أنا أعرف فيها رسائل، وهذا يقول هذا الرأي، ويغضب عليه آخر، لأنه خالفه.

وكذلك جلسة الاستراحة، وتحريك الأصبع في التشهد، هل سمعتم أن الدعاة تكلموا بغزارة في مسألة الحداثة، والغزو الفكري، والولاء والبراء، والربا، ووسائل هدم الإسلام لبنة لبنة، كالإعلام المهتري، وغير ذلك من المسائل الكبيرة، والواحدة منها كارثة على الأمة وعلى الإسلام والمسلمين، وهذا من أخطائنا: أنا نعطي المسألة أكبر من حجمها، أو نصغرها.

ومن أخطائنا: استعجال النتائج، وهي آفة تصيب الحريصين على الدعوة وعلى الخير، يسابقون الزمن، يبذر الواحد منا البذرة اليوم ويريد النتيجة غداً، وسنة الله عز وجل في الخلق والحياة على الترتيب والتدرج، لا بد من التدرج، الليل لا يفجؤك بسواده، والنهار لا يفجؤك بضوئه، وذلك لأن الله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحديد: 6] تدريجياً.

والإنسان لا يولد من بطن أمه، ثم تنبت لحيته، ويكتمل عقله، ويتكلم على المنبر، بل يولد رضيعاً ثم طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً هرماً، حتى يصل إلى الله، هذه سنة الله.

كذلك الشجرة، والإسلام كالشجرة، وعرض الدعوة على الناس لا بد أن يكون بالتدرج، وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه أرسل معاذاً إلى اليمن، وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك) بالتدرج، لا تبدأ بالصلاة قبل الشهادة، أو مع الشهادة، بل بعدها: (فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).

قال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طـه:114]

لكن انتظر حتى يصلك القرآن، وحتى تتثبت مما يقال لك، قال سبحانه وتعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35] لا تستعجل النتيجة، ولا تقطف الثمرة الآن، اصبر إلى ميقات محدد وأجل مسمى، لتنال أجرك ومثوبتك وثمرتك من الدعوة، قال سبحانه وتعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16] أي لتعجل بالقرآن، قال سبحانه وتعالى: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [الإسراء:106] لأنه للتربية، وكذلك عرض الدعوة على الناس، لا بد له من تمهل وتريث واستراتيجية ودقة وحكمة وحنكة، حتى ننتصر وحتى نحصل على مكاسبنا إن شاء الله.

في الصحيحين من حديث صهيب أنه تبرم هو وبعض الصحابة، والرسول عليه الصلاة والسلام متكئ على برد عند الكعبة، فقال له: (يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنهم قوم يستعجلون، وقال: والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) وبالفعل بعد خمس وعشرين سنة، خرجت كتائبه عليه الصلاة والسلام مهللة مكبرة، ترفع الدين في العالم.

وشقت الصمت والأنسام تحملها      تحت السكينة من دار إلى دار

وفضفضت مكة الوسنى أناملها      وفضت الكون إيذاناً بإخبار

النور أقبل من خلف الظلام وفي      عينيه أسرار عشاق وسمار

في كفه شعلة تهدي وفي دمه      عقيدة تتحدى كل جبار

أيضاً لسنا مطالبين بالنتائج، فالنتائج على الله، وإنما عليك أن تدعو، فإن استجيب لك وإلا فأجرك محفوظ مكفول عند الله، سواء استجيب أولم يستجب، ذكر الله نوحاً في القرآن، فقال: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14] ومع ذلك، لم يؤمن معه كثير من الأفراد، وبعض الدعاة الآن أكثر أفراداً ومستجيبين من نوح عليه السلام، ولكن الأجر لنوح أكثر؛ لأنه رسول، ولأنه تعب وجاهد.

والنفوس مستعصية، وصعبة المراس، ولها دخائل، ولا تستجيب بسهولة، فالرجاء منا أن نتلافى هذا الخطأ، وأن نصبر على المدعوين، وما يمنعك أن تصاحب الشاب -مثلاً- سنة، وتدعوه سنة أو سنتين، رويداً رويداً، لعل القدر أن يستجيبوا بعد سنة، أو سنتين.

ومن أخطائنا: الفرار من الدعوة والمشاركة والتأثير، بحجة الفتنة والحفاظ على الدين، أنا لا أنكر أن العزلة قد تكون مستحبة أحياناً لبعض الناس، وفي بعض الأحوال، وفي بعض الأماكن، كعزلة أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن أن تكون صبغة عامة، أو يدعى إليها لتصبح ظاهرة في الصحوة، هذا ليس صحيحاً، وهذا خطأ.

ما هو دليل الذي يفر من المجتمع والمشاركة، ومن التأثير والدعوة؟ يستدلون بأدلة منها:

حديث أبي ثعلبة الخشني وهو حسن: (مر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة).

وهذا لم يقع بعد، فما زال في الناس من يستمع، وما زال كثير منهم يقبل الحق ويتأثر بالدعوة، بل الكثير -والحمد لله- نرى منهم الاستجابة، ونرى منهم الإكرام لطلبة العلم والدعاة لأنه يطلب العلم ولأنه يدعو إلى الله عز وجل.

وبعض الناس يقرأ حديث أبي سعيد في الصحيحين: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) ويحملونه على أنه هذا العصر، وتجد بعضهم يذهب من بيته إلى المسجد، ولا يشارك في الدعوة، والتأثير، ولا في معاونة إخوانه، أو في الاجتماع على الحق، بحجة أن العصر مظلم، وأن الواقع أصبح لا يتحمل المخالطة، وهذا خطأ، قال عليه الصلاة والسلام والحديث حسن عند أبي داود وأحمد: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).

إنك إذا خالطت أوذيت، وتعرضت إلى إهانة واستهزاء وسخرية، ولكن هذه الطريق هي طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقال لقمان عليه السلام لابنه كما حكى عنه ربنا في كتابه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] ولم يقل: افرح بما أتاك، لأنه يعلم أنه سوف يأتيه إيذاء وسخرية وشماتة، فقال: اصبر على ما أصابك.

والصلاة: جماعة، والجمعة: جماعة، والعيدان: جماعة، والحج: جماعة، والفطر يوم يفطر الناس، والصيام يوم يصوم الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وتعاونوا على البر والتقوى، الإسلام مشاركة ومعاونه، نحن جمعية كبرى، أعضاؤها كل بار على وجه الأرض.

النفع اللازم والمتعدي:

وكثير منا يشتغل بالنفع اللازم، ويظن أنه أنفع من المتعدي، فيقول: انظر هؤلاء الدعاة، شتتوا شملهم وقسوا قلوبهم بالتحرك والتنقل والأسفار، لو جلسوا وأدوا النوافل، وركعتي الضحى وذكروا الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ خير مما طلعت عليه الشمس) ولزموا صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقيام الليل لكان خيراً لهم. ولا يعلم هذا أن أولئك هم المجاهدون صراحة، وأنهم وقفوا على الثغور، وأنهم الشجا في حلوق المارقين والزنادقة، وأنهم ضربوا منهم كل بنان.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في النفع المتعدي إلى غير صاحبه: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) فإنه مكسب عظيم، فإذا هدى الله على يديك رجلاً واحداً وإني أعتبر هذا العمل أفضل من مائة ركعة أو من ألف ركعة؛ لمن قبل الله عز وجل منه وحتى من قبل منه ألف ركعة، فالذي هدى الله به رجلاً أفضل، وهذه طريقته عليه الصلاة والسلام وطريق الخلفاء الراشدين من بعده، والأئمة الكبار.

أما من وجدوا في فترات يستدل بهم بعض الناس كـداود الطائي وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط رحمهم الله، من الذين أصلحوا قلوبهم، وأثنت عليهم الأمة، فهم أخيار، لكن لايكون كلامهم منهجاً للأمة، ولا للشباب ولا للجيل.

والغزالي في الإحياء يؤيد العزلة، وقد كان في أول حياته محباً للخلطة في بغداد، وأيدها في كتبه الأولى، فلما صدف إلى العزلة وأحبها أيدها.

وأعرف أن المعتزل عن الناس يشعر بخشية وخشوع ورقة قلب، وأن من يجاهد ويأمر وينهى ربما شعر بقسوة، لكن أجره على الله عز وجل، لأنه واقف بين الصفين، وسنانه يقطر دماً، وهو يحمي ثغور الإسلام، أما هذا فعمل لنفسه فقط.

والنظر إلى المجتمع بنظرة التشاؤم يورث الورع البارد من مخالطة الناس.

وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام قال: (من قال: هلك الناس فهو أهلَكَهم) وفي لفظ (أهلكُهُم ) فإن كان أَهْلكُهُم: فهو أشدهم هلاكاً لأنه أعجب بنفسه أو أهلكَهم: -فعل ماض- أي: أنه بفعله هذا تسبب في إهلاك الأمة وإغراقها؛ لأنه أشاع الفاحشة أو التهاون في صفوف الأمة.

ويصاب بعض الناس الذين يفرون من الواقع بشيء من تنزيه النفس، فيقول أحدهم: أعوذ بالله! واقع مظلم! ما دخلت إلى الأسواق ولا رأيت فيها من المنكرات؟! نسأل الله العافية والسلامة، نقول له: ألا تشارك معنا في الأمر بالمعروف؟ فيقول: أعوذ بالله! تقول له: ألا تدعو؟ فيقول: أعوذ بالله! نسأل الله العافية، أنت الواقع في المصيبة، إن الذي ينزل إلى السوق ويأمر وينهى ويتكلم ويعظ ويجاهد أفضل منك بدرجات عند الله سبحانه وتعالى.

أيضاً من أخطائنا: عدم الرجوع إلى الذين يستنبطونه، من هم الذين يستنبطونه؟ هم أهل العلم، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] وقال سبحانه وتعالى عن صنف وشريحة من الناس: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] والذين يستنبطونه منهم هم أهل الفقه، وأهل الرأي والعقل، فالخطيئة التي نرتكبها ونخطئ فيها، أننا لا نعود وقت الحوادث إلى العلماء، مثل فتنة قتل الشيخ جميل الرحمن، أصبح الكثير يتكلم، وكل أخذ منبراً، وكل تحدث، حتى من أناس ما رأينا لهم حديثاً في الإيمانيات ولا في العقيدة، ولا في الفكر الإسلامي، أو الأدب الإسلامي، أو في الردود على المبتدعة والضالين، ومع ذلك تكلموا في الفتنة.

مع العلم أن لنا مادة علمية ولنا عالم نباهي به علماء الأمة، وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فلماذا لم نعد إليه؟ لماذا لم نسأله؟

ما رأيه في الأزمة وما رأيه في المشكلة؟

فهو عالم، والله يأمرنا أن نعود إلى العلماء في الأزمات بقوله: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] والذين يستنبطونه هم العلماء: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] وهذه المسائل حساسة، وتودي إلى فتن رهيبة في الأمة لا يعلمها إلا الله (أعط القوس باريها) هذا مثل عند العرب، وهو أن تعطي كل صاحب تخصص تخصصه.

عرض على عمر رضي الله عنه وأرضاه بيت من الشعر لأحد الشعراء، هجا به أحد الشعراء الزبرقان بن بدر.

دع المكارم لا ترحل لبغيتها     واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فهل يستدعي عمر أبي بن كعب سيد القراء؟ أو زيد بن ثابت صاحب الفرائض؟ لا إنما يستدعي صاحب القافية، وشاعر الدين والملة، حسان بن ثابت، وقال: ما رأيك في البيت؟ أهجاه؟ قال: لا ما هجاه ولكن سلح عليه؛ فلا بد من الرجوع إلى أهل العلم.

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم      ولا سراة إذا جهالهم سادوا

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث ابن عمرو: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً، وفي لفظ رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

فنحن لن يتوقف حال المسلمين على فتواي أو على فتواك، ولا احتاجتنا الأمة، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، ونحن نقفز وندخل في الفتيا، ونحبها ونحببها ونأخذها بالقوة، وليس هذا من الحكمة.

فينبغي لنا إذا حصل حادث أو طرأ طارئ على الأمة أن نعود إلى الذين يستنبطونه، وأن نسألهم وأن نتريث حتى يصدروا أمراً، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فأجر واحد، ونسلم نحن من التبعة، ونسلم من اللوم، ونسلم من الإثم، ولنولِّ حارها من تولى قارها.

وسوف نعود بموقف موحد، وسوف تجتمع قلوبنا إذا عدنا إلى الذين يستنبطونه من العلماء.

وأمر آخر وهو أنه ينتقد العلماء بسهولة في مجالسنا، يخطئ الواحد منهم في مسألة فرعية، فننقده، وننسى حسناته، فلابد أن نعرف أن هؤلاء العلماء -بإذن الله- لولاهم لخطب الدجال من على المنبر، ولاستبيحت كرامة الإسلام، ولمرغ الإسلام في التراب.

إن العالم الذي يفتي في الحيض يشرف هذا الدين، والعالم الذي يفتي في مسائل فرعية يرفع رأس هذا الدين، والعالم الذي سد علينا ثغرة أحسن كل الإحسان، وانتهاك حرمة العلماء، واقتحام هذا السياج الخالد المقدس بسهولة أمر لا يقره الإسلام ولا الأدب، فلابد أن نعرف قدرهم وأن نحترمهم.

أيضاً أيها الإخوة: من أخطائنا: ضيق النظرة الدعوية، أو تحجيمها في أسلوب واحد فحسب، قال محمد أحمد الراشد في المنطلق: علماء السلف علماء عامة، وأنا أعجبت بهذه الكلمة، وصدق فيما قال، فعلماء السلف علماء عامة، أحمد، العز بن عبد السلام، مالك، الشافعي، ابن تيمية، ابن القيم، كانوا علماء عامة، تجدهم في المساجد، في الشوارع، في الحوانيت، يخالطون العامة، أما تحجيم الدعوة في أمر خاص أو في جزئية بسيطة سهلة، فهذا ليس من مسلك أهل السنة والجماعة، المجتمع شرائح وطبقات وفئات، ولكل أساليبه.

ولا بد أن نوفي هذه الجوانب حقها، والله سبحانه وتعالى أعطى الناس مواهب بحيث أنه يمكن في مجموعهم أن يقوموا بشأن الدين، لكن لا تعطى المواهب لرجل واحد، فلا نستطيع أن نقول: هذا الرجل يكون هو الخطيب والمحاضر والمفتي والشاعر والمتكلم، فهذا ما لا نستطيع أن نقوله.

وأنا أعرف أن كثيراً من الإخوة ومن الشباب يعتذر عن عدم مشاركته في الدعوة بأنه لا يستطيع الخطابة أو إلقاء المحاضرات، أو المشاركة في الندوات، وليست الدعوة منحصرة في هذه الجوانب، بل الدعوة تخطيط وتنسيق وإرادة وإدارة، ومشاركة بالمال وبالدعاء، ولكن لا تنصرون إلا بضعفائكم، بدعائهم وباستغفارهم وبصلواتهم لكم.

فأنا أدعو كل مسلم أن يوسع نظره في مسألة مجال الدعوة، وطرق الدعوة وأساليب الدعوة، وأن يعلم أنه سوف يستطيع أن يقدم شيئاً لهذا الدين، فأنت أوتيت مثلاً موهبة في التفسير، وهذا موهبة في الحديث، وذاك في الأدب، وهذا في المال، وهذا في الجسم، فإذا اجتمعنا جميعاً رفعنا راية هذا الدين، بإذن الله سبحانه وتعالى.

أيضاً من الأخطاء: تضخيم بعض جوانب الخير على حساب جانب منها، فإن بعض أهل الطموح إذا عشق جانباً من جوانب الخير كالجهاد والعلم، استولى عليه هذا الجانب، حتى جعل الإسلام في هذا الجانب، فهذه شريحة من الشباب، يدندنون بالجهاد صباح مساء، حتى تركوا طلب العلم من أجل الجهاد، بل حملهم ذلك على تنقص حلقات الدروس، وقالوا: لا يفتي القاعدون، ودروس القاعدين ليس فيها بركة، كيف تدرسون الأمة وأنفها في التراب؟! ولقد أصبنا بالذل منذ أن سقطت الأندلس، لماذا هذا التوسع في هذا الجانب على حساب الجانب الآخر؟! ويقابله آخر يطلب العلم، فيجعل العلم ليله ونهاره حتى يضر بمسألة الجهاد، والإسلام كل متكامل، ولا بد أن نعطي كل مسألة حجمها، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس لكل حالة لبوسها، فهو خطيب على المنبر، ومفتٍ في الحلقة، ومدرس للجيل، ومجاهد في الجبهة، فلا بد أن نعطي كل مسألة حجمها، على أنه قد يفتح لبعض الناس أبواب من الخير لا تفتح للآخرين، وإن الله قد يفتح لك في الأوراد والذكر، ويفتح على غيرك في أبواب الجهاد، والثالث في العلم، والرابع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148].

من أخطائنا: تقصيرنا في التخطيط المسبق، والدراسات المتأنية، والانطلاق بعشوائية، فقد يقوم جهاد أو مشروع كبير بجرة قلم، أو برأي طارئ، ثم لا يحاسب هذا الذي بدأ المشروع، أو بدأ الجهاد، أو بدأ هذه القضية، وكأنه معصوم يتكلم بالوحي، والله سبحانه وتعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159] وقال سبحانه عن المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] والرسول صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في أكثر من موطن، وفي حديث الإفك أنه استشار أسامة، واستشار علياً، والوحي ينزل عليه صباح مساء، فمن الخلل أن نلقي بالقرار في يد شخص واحد، ليسير الأمة، ومصير الأمة كجهاد أو مشروع كبير، ثم لا نسأله ولا نناقشه ولا نناصحه ولا نفاوضه، ولا نحاسبه، هذا خطأ، والحقيقة أن الغرب أفلح في هذا المورد أكثر من الشرق الإسلامي الذي جعل القرار في يد واحد، وبُرمج الناس على ذلك، حتى لم يقبل الناس النقاش ولا الحوار ولا المناصحة.

وفي السيرة أن عمر رضي الله عنه دخل الكعبة، وقال: لقد هممت أن أوزع كنوز الكعبة على الفقراء.

قال أبي بن كعب: والله لا تفعل! قال: ولِمَ؟ قال: لم يفعل صاحباك، الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، قال: [[هما المران يقتدى بهما]].

من أخطائنا: تذرع البعض عن الدعوة والمشاركة والتأثير بذنوبه وخطاياه، وأن مثله لا يدعو الناس، وأنه ينبغي عليه أن يكمل، فإذا كمل دعا، وهذا خطأ يخالف الكتاب والسنة، ومنهج الصالحين، قال سبحانه وتعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21].

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: (والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم).

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها      كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

سأل الإمام أحمد تلميذه عن مسألة، فقال له: لماذا لا تأمر ولا تنهى؟ قال: حتى أكمل، قال: أوه! ومن الذي يكمل؟!! أو كلمة تشبه ذلك، أي أنه لا يكمل أحد إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد يكمل إنسان كمالاً نسبياً، لكن هل ينتظر حتى يتبرأ من الذنوب والخطايا، هذا ليس بصحيح، قال عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي وغيره: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) فعلينا أن ندعو ولا نتذرع بالذنوب، وكثير من الأحباب يرى أنه لا يحق له أن يشارك ولا أن يتكلم، ولا أن يدعو لأنه مذنب، وهل سمعتم أن واحداً ممن حضر هذا الجمع، أو من غيره، أو من قادة الصحوة، أو من جهابذة الأمة وفضلائها؛ معصوم من الذنب، لا أعلم أحداً، فالذنب حتم على العبد، ولا بد أن يذنب، ولكن الله يغفر الذنب، ويستر العيب وما نحن إلا مقصرون، والراحم والساتر هو الله سبحانه وتعالى.

أيضاً من أخطائنا: الإقليمية في دعوتنا، فيجب إذا تحدثنا أن نتحدث وكأن البلد الذي أمامنا هو العالم الإسلامي، وكأن الكرة الأرضية أمامنا بمشكلاتها وبمقتضياتها وبأطروحاتها وبما فيها.

يجب علينا أن نخاطب العالم الإسلامي جميعاً، فقد قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وقال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]. فانطلق صلى الله عليه وسلم من هذا المبدأ.

خطابه لكل العالم ولكل من في الأرض.

تسمع أحياناً بعضنا في محاضراته يتكلم عن جزئية من جزئيات إقليم من الأقاليم، ثم تبقى المحاضرات والكتيبات والأشرطة والندوات، إلا القليل تتحدث عن بلد من البلاد الإسلامية، دون البلاد الأخرى التي تعج بكثير من الأخطاء وكثير من التقصير.

قال سبحانه وتعالى: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الأنعام:92] قال بعضهم: (من حولها) هم أهل الأرض، فأهل الأرض كلهم حول مكة.

أيضاً: من أخطائنا: عدم احترام التخصص.

وأنا أقول للأخيار والفضلاء وأنا متطفل بين أيديهم: إن علينا نحن في دائرتنا -دائرة الصحوة الإسلامية- أهل الالتزام والمسيرة الخالدة -وأما أولئك فلنا كلام آخر معهم- أن نعتني بالتخصص، وكان السلف يرون أن من يتكلم في غير فنه يخطئ، وقالوا عن بعضهم في التراجم: أخطأ لأنه تكلم في غير فنه.

والإنسان عرضة للخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم أقر مبدأ التخصص مع أصحابه، فجعل سيد القراء أبياً وزيد بن ثابت للفرائض، وحساناً للشعر، وخالد بن الوليد للجهاد، وعندنا ثغرات، وعندنا من الأخيار من يستطيع أن يسدها إذا وقفوا في مواطنهم التي يُسِّروا لها.

مثلاً فضيلة الشيخ الدكتور بكر أبو زيد في الفقه وفي عالم بناء العقيدة وعرض منهج أهل السنة والجماعة لشباب الصحوة، فنريده في هذا المكان، فسوف يسده لنا، والدكتور الشاعر عبد الرحمن العشماوي نريده في الأدب والقوافي متصدياً لها، منافحاً عن الدين، ونشكره كذلك، وسوف يسد علينا هذه الثغرة.

إشراقات الدكتور أحمد التويجري في رده على الزنادقة الجدد نطلبها، ونريده من واقع تخصصه لا يعدوه.

وعدوى الإعلام، وبلايا الإعلام، دواؤها من عند الدكتور سعيد بن زعير فنريده في هذا، فهو يجيده، لعل الله أن يسد هذه الثغرة به.

فلا نطلب من الطبيب أن يكون خطيباً -وقد يكون هذا في النادر- ولا نطلب من المهندس أن يكون مفتياً، ولا من الشاعر أن يكون طبيباً، أو نحو ذلك.

وافهموا هذا المعنى، فهذا أمر مهم، وكثير من الناس يترك تخصصه ويذهب إلى تخصص آخر، فيسيء ويخطئ، والأمة والحمد لله مكتملة في هذه الجوانب، عندنا عشرات من الشعراء، وعندنا عشرات من الخطباء، وعشرات من المفتين ومن المؤذنين.

ومن أخطائنا أيضاً: التقصير في تكثير سواد المؤمنين.

الدين مبني على مراغمة أهل الباطل، وهذه الكلمة لـابن القيم في مدارج السالكين، فينبغي لنا أن نظهر الإسلام قوياً في اجتماعاتنا وفي لقاءاتنا، وفي محاضراتنا، وقد مشى أبو دجانة في أحد مشية الخيلاء أمام الكفار، والخيلاء محرمة إلا في مثل ذاك الموطن، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن).

فعلينا أن نكثر سواد الأخيار والمؤمنين، في مثل اللقاءات والدروس والمحاضرات، ونحشد حشداً هائلاً في الحضور، حتى نظهر هذا الدين بمظهر القوة والتعاون، فالعيد جماعة، والجمعة جماعة، والاستسقاء، وصلاة الكسوف، والأفراح الإيمانية، وكذلك المحاضرات والدروس، بعضهم يذكر أنه لا يستفيد من المتكلم، نعم قد يكون المتكلم مفضولاً وأنت أفضل منه، لكنك تحضر لتكثير سواد المؤمنين، ولإظهار القوة والكثرة والعدد، لأن هذا مقصود، والمرتدون والمارقون والمرتزقة يزعجهم تجمع المؤمنين.

يزيد يغض الطرف دوني كأن ما     زوى بين عينيه عليّ المحاجم

فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى      ولا تلقني إلا وأنفك راغم

إن إرغام هؤلاء مطلب شرعي لنا، ونحن نريد أن نغيظ هؤلاء المارقين المرتدين، الذين يفرحون بتجمعات أهل الباطل، ويحشدون حشودهم من أجل الباطل.

وأنا في هذا المكان أدعو العلماء والقضاة وكتاب العدل والمشايخ وأساتذة الجامعات والأدباء والمربين، أن يحضروا المحاضرات، وماذا عليهم لو حضروا، وقد حضر من هو أفضل منهم عند كثير من الدعاة ممن هو أقل منهم علماً وأدنى منهم شأناً، وقد قال ابن القيم في بدائع الفوائد: إن سليمان عليه السلام على جلالته استمع إلى الهدهد، لما قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] فحق لهم أن يحضروا، وأن يشاركوا وأن ينصروا هذا الدين بالحضور.

وإن المحاضر يفرح ويثلج صدره، ويتشجع إذا رأى المشايخ والقمم العلمية والدعاة والجهابذة أمامه.

ثم إن الشباب يرون أن مشايخهم قد حضروا وأثروا الساحة بالحضور، ودخلوا بعلمهم وبحكمتهم واتزانهم، وقادوا الركب إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا مطلب، ونحن نغفل عنه كثيراً، لقد تخلى بعض الدعاة عن المشاركة في الندوات والمحاضرات، لأن الجمع خذلهم.

حتى أصبحنا نرى أنه يجب علينا أن نحشد الناس حشداً وأن نحضرهم لهؤلاء حتى تقوم دعائم هذا الدين، وسبحان الله الذي جمع بعض الوجوه في الشر ولم يجمعها للخير!

رأى عمر رضي الله عنه وأرضاه سارقاً يقام عليه الحد ووراءه جماعة من الناس، فحثا في وجوههم التراب، وقال: قبح الله هذه الوجوه، التي لا ترى إلا في الشر، فكثير من الوجوه لا ترى إلا في الشر أو في الطوارئ التي تحدث ولا مصلحة من ورائها، أما أهل الخير فقليل، وأنا أعرف أن الحضور كثير، لكن بالنسبة لمن يحضر في بعض أماكن اللهو واللغو والعبث هم قليل، فهناك ألوف مؤلفة إن حضر هنا ستة آلاف، ففي المدرجات ستون ألفاً وأكثر، فجزى الله خيراً من كثر سوادالمؤمنين وحشره الله في زمرة المؤمنين.

ومن أخطائنا: التقصير في مد الجسور مع كثير من طبقات الناس.

قد نتوجه بالدعوة والتأثير والعلم والتربية والتوعية إلى شباب الصحوة، أو الطلاب، أو أهل الخير، أو من فيه التزام.

والمراكز الصيفية والمخيمات قد لا تسجل إلا من فيه التزام، بل لا يأتيها في الأصل إلا من عنده شيء من الالتزام، ولو الالتزام الظاهر، ولكننا نترك طبقات وشرائح كبرى هي أكثر من الطبقات التي نتحدث إليها، كطبقة التجار مثلاً، وطبقة الجنود والفلاحين، وطبقة عوام الناس.

والرسول صلى الله عليه وسلم كما قلت في أول الحديث رجل عامة صلى الله عليه وسلم ورسول عامة، وكذلك علماء السلف، فلا بد أن نصل إلى هؤلاء، والناس على الفطرة، وهم يقبلون الدعوة، ويحترمون الداعية إذا وصل إلى قلوبهم، وتحدث معهم.

أيضاً من أخطائنا: الغلظة والفظاظة، توجد فينا وفي أمثالنا غلظة وفظاظة في التعامل، وعدم وجود اللين والبشاشة والبسمة الرائقة التي تجذب قلوب المدعوين، ومدح الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم باللين، فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] إنه يجب علينا في هذه المرحلة أن نكسب الناس وأن نتألفهم، وقد تألف الرسول صلى الله عليه وسلم صناديد العرب بالإبل، وتألفهم بالمال والثياب، فلماذا لا نتألف الناس بالبسمة والزيارة والتواضع حتى نكسب الناس؟

وقد أثنى الله على نبيه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وقال صلى الله عليه وسلم: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) وهذا لا يستطيع له إلا من أصلح الله قلبه، وهداه سنة محمد عليه الصلاة والسلام.

ويبقى هناك سؤال ربما يطرح وهو الذي قلته في بداية هذا الدرس: لماذا لم توجه النقد إلى الآخرين، ووجهته لنا نحن الدعاة؟

وأجيب بما أجبت في أول المحاضرة لكن بأسلوب آخر أقول: الأحسن أن نتلافى أخطاءنا قبل أن ينبهنا غيرنا على الأخطاء، والتناصح منهج إسلامي، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [[المؤمنون نصحة والمنافقون غششة]] أما أولئك فلهم كلام آخر، والرسول صلى الله عليه وسلم ترك تعزير وإقامة الحد على عبد الله بن أبي، قالوا: لأن الحد لا يطهره، وإنما أقامه صلى الله عليه وسلم على من قذف من المسلمين؛ لأن الحد يطهره.

فأنتم وأنا التنبيه يطهرنا، لأننا إن شاء الله على حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فهو شيء سهل لا يعكر إن شاء الله صفو الماء ولا ينجسه.

وهي مرحلة لا بد منها، وهي مرحلة أن ننظر وراءنا في أخطائنا التي وقعنا فيها، وندرس ملفاتنا السابقة في الدعوة والعمل، والجهاد والتعليم، ولأنَّا لسنا معصومين، وإنما عرضة للتجارب، ونحن في عصر أصبح العالم كله يدرس أخطاءه.

وألخص الأخطاء:

الأول: قلة الإنصاف.

الثاني: صعوبة عرض عقيدة التوحيد السهلة الواضحة الميسرة على الناس.

الثالث: تسمية البطالة بالزهد، والانزواء عن كسب المال وجمع الرزق.

الرابع: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وقد وقعنا في أخطاء مدلهمة ولم نستفد منها.

الخامس: عدم عذر المسلم المخطئ، إذا كان قصده الحق.

السادس: إعطاء المسائل أكبر من حجمها، أو التشاغل بقضايا غير واقعة، أو غيرها أهم منها.

السابع: استعجال النتائج.

الثامن: الفرار من الدعوة والمشاركة والتأثير بحجة خوف الفتنة والحفاظ على الدين.

التاسع: عدم الرجوع إلى الذين يستنبطونه من أهل العلم فيما يلم بنا.

العاشر: ضيق النظرة الدعوية، أو تحجيمها في أسلوب واحد فحسب.

الحادي عشر: تقصيرنا في التخطيط المسبق، والدراسة المتأنية، والانطلاق بعشوائية في أعمالنا وفي مشاريعنا.

الثاني عشر: تذرع البعض بذنوبه وخطاياه، فلا يدعو إلى الله.

الثالث عشر: الإقليمية في دعوتنا.

الرابع عشر: عدم احترام التخصص.

الخامس عشر: التقصير في تكثير سواد المؤمنين.

السادس عشر: تقصيرنا في مد الجسور مع الطبقات الأخرى من طبقات المجتمع، وعامة الناس.

السابع عشر: الغلظة والفظاظة في بعض أساليبنا.

أسأل الله أن يصلح الحال.

أقول لكم أيها الأحباب: هذه وجهات نظر تقبل المناقشة وتقبل الحوار، فهي من كلام رجل ليس بمعصوم، وهو مخطئ، بل هو أول مخطئ.

لعمرو الله ما نسب المعلى     إلى كرم وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرت      وصوح نبتها رؤي الهشيم

فأنا الهشيم هذه الليلة، فخذوا من الهشيم ما استطعتم، واعفوا عن أخيكم، عفا الله عنكم! واعلموا أنها من مبدأ النصح عسى الله أن يصلح بنا وبكم طريق الرشاد، وأن يحفظنا وإياكم من طريق الهالكين، وأن يجعلنا ممن إذا استمع القول اتبع أحسنه، وأن يهدي بنا وبكم أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى صراط الله المستقيم، وأن يرغم بنا أنوف المرتدين والمنافقين والملحدين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

نسخة نصية للطباعة , أخطاؤنا تحت المجهر للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2699598975
عدد مرات الحفظ
682441815

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009