إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. سيد حسين العفاني
  5. القول الأزهر في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

القول الأزهر في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكرللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الشرعية على كل مسلم، فبهما تصلح أحوال الناس، وبتركهما تفسد أحوالهم. ويتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العلماء، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

    1.   

    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواقف العلماء الصالحين في ذلك

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    قال تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:110].

    أمة تخرج من وراء الغيب السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله عز وجل، أمة ذات دور خاص، ومكانة خاصة، يخرجها الله عز وجل لتكون لها الريادة والقيادة بين الأمم؛ لكونها خير أمة أخرجت للناس.

    وهذه المكانة التي أهّلها الله تبارك وتعالى لها، وهذا الموضع يفرض عليها تبعات، وأن يكون عندها ما تعطيه لبقية الأمم من تصور صحيح، واعتقاد صحيح، ومعرفة صحيحة، وعلم صحيح، وإلا استبدلها الله تبارك وتعالى بغيرها.

    قال الله تبارك وتعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    فلا صلاح للأمة إلا أن تقوم بواجبها من الدعوة إلى الخير، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا شيء ليس بالسهل اليسير؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يواجه طباعاً شتى من الناس، فمنهم: المسترخي الذي يكره أن يكون رجلاً، ومنهم المائع الناقم الذي لا يحب الصلاح، ومنهم من يغلب شهوته ومصالحه فوق أي مصلحة.

    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بالشيء الهين، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور أولهم؛ ينهون عن المنكر).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة).

    وهذه الأمة يرحمها الله عز وجل ما قامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تبارك وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].

    ومن موجبات الرحمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا تحول المجتمع إلى مستنقع آسن، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل لـأبي هريرة : وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة).

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيعة مع الله عز وجل يترجمها القرآن في قوله: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112].

    وقال الله تبارك وتعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [آل عمران:113-115].

    ومتى تركت الأمم الدعوة إلى الخير استحقت اللعنة، قال الله تبارك وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    وقال الله تبارك وتعالى: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:63].

    يقول الله تبارك وتعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5].

    وقد صور الله كل من يحمل الحق ثم يتولى عنه بصورة مشينة، قال الله تبارك وتعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176].

    ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثر منافقي أمتي قراؤها).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف على أمتي غير الدجال الأئمة المضلون).

    يقول فقيد الإسلام مصطفى صادق الرافعي في (وحي القلم) تحت عنوان: أمراء للبيع: ولو نافق عالم الدين لصار كل منافق أشرف منه، فليست لطخة في الثوب الأبيض كلطخة في الثوب الأسود.

    إن عالم الدين حياته مكشوفة للناس، لم يأت للتلبيس، ولا لخداع الناس، والفرق بين عالم السوء وعالم الحق، وهما يأخذان من نور واحد، كمثل لوح البلور ولوح الخشب، فلوح البلور ينعكس عليه النور، فيظهر جمال النور، ويظهر جمال نفسه، وينعكس النور منه على بقية الأشياء، وأما لوح الخشب فلا يظهر فيه إلا الأشياء التي في الخشب، لا يعكس نوراً وإنما يحبسه في نفسه ولا يخرجه، ولا يظهر للناس إلا البقعة التي في الخشب.

    يقول: وأصحاب الجاه الذين يتعاملون مع عالم السوء إنما يتعاملون مع قوة الهضم التي فيه.

    مثلما قال النهدي : ما من عالم من العلماء إلا واعلقنا مخالينا هذه في رقبته فأكل منها وشرب، إلا سفيان الثوري ، لم يأكل منا شيئاً.

    فأصحاب زهرة الحياة الدنيا يتعاملون مع عالم السوء بقوة الهضم التي فيه، فهم يعلمون أن قوة الهضم أول ما تأكل دين الرجل، ولذا يصور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولا يعمل بذلك أنه مثل حمار الرحى، تندلق أقتابه وأمعاؤه وهو يطوف بين الناس في النار.

    قال الله تبارك وتعالى لنبيه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:199] أي: أمر بالمعروف، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

    وقال الله تبارك وتعالى على لسان لقمان: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17].

    وقال الله تبارك وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

    ويقص الله تبارك وتعالى علينا قصة أصحاب السبت من بني إسرائيل، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:164-165].

    ففرقة أخذها الله عز وجل بظلمها وبتحايلها، وفرقة نجاها الله عز وجل لأنها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، وفرقة وإن نجاها الله عز وجل إلا أن الله أهمل شأنها؛ لإهمالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدال على الخير كفاعله).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله، ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله).

    قال ابن كثير : أي: لا ينكر المنكر، وهو أحد المعنيين في هذا الحديث.

    وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (لا تقوم الساعة حتى يعلو التحوت الوعول، قيل له: وما التحوت؟ قال: أهل البيوت الغامضة، وفسول الرجال يعلون فوق صالحيهم، والوعول: أهل البيوت الصالحة) أي: لا تقوم الساعة حتى يرتفع بنيان الصعاليك الغوغاء على بنيان صالحيهم.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أعز وأكثر ممن يعمل ثم لم يغيروه، إلا أعمهم الله تبارك وتعالى منه بعقاب).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وداره يكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله).

    ولا تزال منابع الخير في هذه الأمة ما بقي فيها الربانيون، فهذا عبادة بن الصامت الصحابي الجليل، الذي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقوم بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم، ينكر على معاوية شيئاً، فيرحله إلى خارج الشام، فجاء إلى عمر بن الخطاب وأخبره بالقصة، فقال له: ارجع إلى الشام، فقبح الله أرضاً لست فيها أنت وأمثالك، ولا إمرة له عليك.

    ولما تزوج سالم بن عبد الله بن عمر دعا عبد الله بن عمر رضي الله عنه الناس إلى وليمة العرس، فدخل أبو أيوب الأنصاري وقد طأطأ رأسه، فإذا هو ينظر إلى ناحية البيت وقد وضعوا الستائر على الجدران، فقال: يا عبد الله ! أتسترون الجدر؟ قال سالم : فاستحيا أبي ثم قال: غلبتنا النساء يا أبا أيوب ! قال: من كنت أخشى أن تغلبه النساء فما كنت أخشى عليك، والله! لا أدخل البيت. فترك العرس بمجرد أنه لقي ستائر زائدة عن الشبابيك، فكيف لو رأى الستائر في زمننا الحاضر؟

    ولما دخل سيدنا سلمان الفارسي بيتاً فيه الستائر الزائدة عن الحاجة قال: أمحموم بيتكم؟ أي: هل أصابت الحمى بيتكم فغطيتموه بالستائر؟ ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ستر الجدر.

    وابن عباس يأمر الخوارج بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ورجع منهم ألفا رجل إلى حديقة أهل السنة والجماعة.

    وسيدنا أبو بكرة الثقفي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم غشي عليه فصاحت النسوة، فقال: لا تصيحوا، ووالله ما من نفس تخرج أحب إلي من نفسي! فإني أخشى أن أدرك زماناً لا آمر فيه بالمعروف ولا أنهى عن المنكر، وما خير يومئذ؟

    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين والمرسلين، ولو خلا بساطه من الأرض لتعطلت الديانة، ولعم الفساد، ولاستشرى الباطل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    قال سيد التابعين أويس القرني : ما أبقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤمن صاحباً.

    قصة سعيد بن جبير مع الحجاج بن يوسف الثقفي

    وسعيد بن جبير جهبذ العلماء مات وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، ذبحه الحجاج بن يوسف الثقفي ، الذي قال عنه سيدنا عمر بن عبد العزيز : لو تخابثت الأمم وجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بـالحجاج لفقناهم.

    دخل سعيد بن جبير -وهو أعلم أهل الأرض يومئذ- على الحجاج ، فقال له: ما اسمك؟ فقال: سعيد بن جبير ، فقال له: لا، بل أنت شقي بن كسير، قال له: أمي أعلم باسمي منك. فقال له الحجاج : الويل لك ولأمك، فقال له: لا يعلم الغيب إلا الله. قال له الحجاج : لأبدلنك بالحياة ناراً تلظى. فقال له: لو كنت أعلم أن هذا لك لاتخذتك إلهاً من دون الله. فيقول: اذبحوه، فيضحك سعيد بن جبير ، فقال له: مم تضحك؟ فيقول: لحلم الله عليك وجرأتك على الله عز وجل، ثم يقول: خذها مني حتى تلقاني بها غداً عند الله يا حجاج ، أما أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم يقول: اختر لنفسك يا سعيد أي موتة تريد؟ فيقول: بل اختر أنت لنفسك، والقصاص أمامك. فقال الحجاج : حرفوه عن القبلة، فقال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

    فيقول: اطرحوه أرضاً، فقال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55].

    فقتل سعيد ، وما عاش الحجاج بعده كما قال ابن كثير إلا أربعين يوماً، وكان يرى سعيد بن جبير في منامه يأخذه بتلابيبه وثوبه، ويقول له: يا عدو الله: فيم قتلتني؟ فيقوم من نومه فزعاً مرعوباً، وكان يقول: مالي ودم سعيد بن جبير ، ما لي ودم سعيد بن جبير .

    قصة الإمام الأوزاعي مع السفاح العباسي

    ومن الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر إمام أهل الشام الإمام الأوزاعي ، سيد حمص وبيروت.

    قال عنه الإمام الذهبي : قام إلى أبي العباس محمد بن علي ، وكان ملكاً سفاكاً للدماء ظالماً غشوماً، قتل في صبيحة اليوم الذي دعا فيه الأوزاعي مائة وسبعين رجلاً من رجال بني أمية وأمرائها.

    قال الأوزاعي : والله لئن تكلم معي لأسلقنه؛ واستبسلت للموت فجعلت أتخطى رقاب بني أمية المذبوحة أمامي حتى وصلت إليه، فقال له أبو العباس السفاح : ما جئنا من بغداد إلى دمشق إلا هجرة في سبيل الله، فقال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) يعني: الله أعلم بنيتك، قال: فجعل ينكت بالخيزرانة والرجال أمامه شاهرون سيوفهم، قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    فجعل ينكت بالسيف نكتاً أشد من الأول، قال: فما تقول في أموال بني أمية؟ قال: إن كانت حلالاً لهم فهي حرام عليكم، وإن كانت حراماً عليهم فهي أيضاً حرام عليكم.

    ثم قال: أقاربك وأهلك كانوا أعلم بذلك منك، ولم يولوني القضاء، وإن لي حرماً وأهلاً هم في حاجة إلي، ثم قال لي: اخرج فخرجت، فوالله ما أخطوا خطوة إلا وأتوقع أن تقطع فيها رقبتي، فلما وصل إلى بيروت إذا بالرسول يسأل عنه، فقال الأوزاعي : كأن الرجل قد ظن في ظناً، أي: رجع مرة ثانية لكي يقتلني، فقال الرسول: قد بعث إليك بمائتي دينار، ففرقها في اليتامى والأرامل والمساكين.

    ولذلك لما مات الإمام الأوزاعي وقف والي حمص على قبره فقال: يرحمك الله يا أبا عمرو، والله لقد كنت أهابك أعظم من الذي ولآني، فمن يظلم بعدك فليصبر.

    وروى الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة: أن الأوزاعي قال: رأيت فيما يرى النائم كأن ملكين عرجا بي حتى أوقفاني بين يدي رب العزة، فقال لي: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف؟ قلت: أنت ربي وأنت أعلم بذلك، قال: ثم هبط بي مرة ثانية.

    وهذه كرامة ثابتة للإمام الأوزاعي ، وهي رؤيته لله تبارك وتعالى مناماً، وهذا جائز في عقيدة أهل السنة والجماعة.

    متفرقات من أمر السلف بالمعروف ونهيهم عن المنكر

    والإمام الثوري إمام أهل الدنيا كلها يقول عنه الإمام أحمد : لا أحد يعدل مكانة سفيان في قلبي، كان يقول: كنت إذا رأيت الأمر لا أمر فيه بالمعروف ولا أنهى فيه عن المنكر، أبو الدم كمداً.

    قال الإمام سفيان الثوري لـأبي جعفر المنصور : الظلم فاش ببابك، وإني أرى أموراً لا قبل لي بها.

    فقال له المهدي : خذ خاتمي هذا، فاؤمر الأمة بالمعروف، وانه عن المنكر، واعمل بكتاب الله فيها، قال: لا، ما دام هؤلاء معه، يعني: حاشية السوء وبطانته معه.

    والإمام ابن أبي ذئب إمام أهل المدينة لما دخل الخليفة المهدي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قام الناس له إلا ابن أبي ذئب ، فأتى رجل من الحرس وقال لـابن أبي ذئب : قم، فقال: اسكت يا رجل! إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي : دعه فوالله! لقد قامت كل شعرة في رأسي من قوله.

    يقول له أبو جعفر : ما قولك في؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: والله لا أعفيك. قال: إنك رجل لا تقسم بالسوية، ولا تعدل في القضية. فقال والي من ولاة الشام: طهره بدمه يا أمير المؤمنين. قال أبو جعفر : اسكت يا رجل، فليس في دم امرئ مسلم طهور، فوالله! ما أهلك فرعون إلا هامان.

    و الليث بن سعد عالم أهل مصر يقول له هارون الرشيد : ما صلاح بلدتكم مصر؟ قال: صلاح بلدتنا بجريان النيل، وإصلاح أميرها، فإن الأمير رأس العين، وإذا صفيت العين صفيت السواقي. قال: صدقت يا ليث .

    و العمري : عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر من نسل سيدنا عمر بن الخطاب ، كان يقف للرشيد ويظل يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر حتى يغشى على الرشيد .

    فقال له مرة في الحج وهما في جبل عرفات: يا أمير المؤمنين! كم عدد هؤلاء الحجاج؟ قال: لا يحصيهم إلا الله عز وجل، قال: وكم في الخلق مثلهم؟ قال: لا يحصيهم إلا الله عز وجل، قال: اعلم أن كل رجل من هؤلاء يسأل عن نفسه خاصة، وتسأل أنت عن هؤلاء، فبكى هارون الرشيد حتى غشي عليه.

    وقال عالم آخر: يا هارون ! إن الرجل إذا أسرف في ماله استحق أن يحجر عليه، فكيف بمن أسرف في أموال المسلمين؟

    فكان هارون الرشيد يخاف من العمري، والعمري هذا شخصية عظيمة في تاريخنا قد لا يسمع بها الكثير، فهو إمام عابد وعالم عظيم.

    و بهلول المجنون كان يسمى بالمجنون وهو من عقلاء البصرة، قال له هارون : عظني يا بهلول !

    قال: قد ملكك الله الأرض كلها، وخضع لك الجميع، وغداً تموت وتقف بين يدي الله تعالى، وهو سائلك عن النقير والفتيل والقطمير، فيبكي هارون الرشيد ، ثم يقول له: هل عليك دين يا بهلول ؟ فيقول: دين لربي، فويل لي إن حاسبني، وويل لي إن ناقشني، وويل لي إن لم يعف عني.

    فأراد أن يصله بصلة، فيقول له: ردها إلى من أخذتها منهم يا هارون .

    موقف العز بن عبد السلام مع السلاطين

    والرجل العظيم الذي يضرب به المثل: شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، وبائع الملوك والأمراء: عز الدين بن عبد السلام ، كانت تهابه الملوك والأمراء.

    فالملك الأشرف سلطان دمشق لما وجه الجيوش السورية تجاه أهل مصر، وكان التتار على أبواب دمشق، وكان في مرض الموت، فدخل عليه عز الدين بن عبد السلام ، وقال له: أعرف أنك واصل للرحم، وتقاتل شقيقك سلطان مصر الكامل ، فوجه جيشك إلى التتار، أضمن لك النصر عليهم، فإن عاجلتك المنية كانت هذه نية حسنة تلقى الله عز وجل بها، فأمر في الحال بإرسال الجيوش إلى مواجهة جيش التتار، ثم قال: والحانة الفلانية فيها الخمور، ووزراؤك يفرضون المكوس على الناس، فأبطل هذه في الحال، ثم أراد أن يصرف له مالاً، فقال له: هذه النصيحة لله عز وجل لا أكدرها بشيء من أمر الدنيا.

    والملك الصالح إسماعيل لما تولى بعد الأشرف ملك دمشق، تحالف مع الصليبيين، وتنازل لملوك الفرنج عن بعض قلاع المسلمين، ثم أجاز بيع السلاح من المسلمين للنصارى لقتال نجم الدين أيوب ابن أخيه، فلما سئل عز الدين بن عبد السلام وكان قاضي دمشق وعالمها وخطيب وإمام الجامع الكبير فيها عن ذلك، قال: لا يحل بيع السلاح للفرنجة؛ لأنكم تعلمون أنهم سيقاتلون به إخوانكم المصريين، ثم قطع الدعاء للسلطان في خطبته، ودعا وأمن الناس وراءه، وكان من دعائه: اللهم ابرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    فوشى رجال السوء إلى الصالح إسماعيل فمنع عز الدين بن عبد السلام عن الخطابة، ثم لما أراد أن يمضي إلى بيت المقدس حبسوه في بيت المقدس، فبعث الصالح إسماعيل ملك دمشق بمنديله مع وزيره، وقال: تلطف له وسايسه وقل له: كل ما في الأمر أن السلطان يقبل منك أن تقبل يده، وستعود إلى الخطابة وإلى أكثر منها، فلما قال له رسول الملك: إن مولاي يرضى منك بأن تقبل يده، قال: والله ما أرضى لسلطانكم أن يقبل يدي فضلاً على أن أقبل يده!

    يا قوم! أنتم في واد، وأنا في واد آخر، الحمد لله الذي عافنا مما ابتلاكم به.

    فحبسوه في خيمة بجوار خيمة الصالح إسماعيل ، فسمع صوت عز الدين بن عبد السلام وهو في خيمته يتلو القرآن في الليل، فأراد الصالح إسماعيل أن يتودد إلى ملوك الفرنجة، فقالوا: من هو هذا الرجل الذي يتلو في الخيمة؟ قال: هذا أكبر قسيس في المسلمين حبسته من أجلكم؛ لأنه أفتى بحرمة بيع السلاح لكم، فقالت ملوك الفرنجة كما ذكر الإمام السبكي في طبقات الشافعية: لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه، ولشربنا مرقته.

    ثم أتت الجيوش المصرية وانتصرت على جيوش الفرنجة، وسار نجم الدين أيوب بـعز الدين بن عبد السلام مكرماً معززاً وولاه قضاء مصر.

    وبعد أن تولى القضاء كان نجم الدين أيوب متكبراً لا يقيل من عثرة، ولا يتحنن على ولد، فذهب إليه عز الدين بن عبد السلام في يوم عيد وهو في قلعته وسط عساكره، وقد أخذ زينته، فناداه باسمه المجرد فقال: ما تقول لربك يا أيوب إذا قال لك ألم أبوء لك ملك مصر؟ والخمور تباع في الحانة الفلانية، وفي الحانة الفلانية، قال: ليست هذه في عهدي وإنما كانت من العهود السابقة، قال: أنت ممن يقول الله فيهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، ثم أبطل نجم الدين أيوب الخمور.

    فقال تلميذ عز الدين بن عبد السلام له: لماذا أخبرته بذلك؟ قال: والله يا بني! رأيته في زهوه وسطوته وكبريائه فأردت ألا تخدعه نفسه، قال: أما خفته؟ قال: يا بني! استحضرت هيبة الله عز وجل فصار أمامي كالقط.

    وكان الأمراء في مصر من المماليك، والمملوك لا يحل له بيع ولا شراء ولا شهود على عقد إلا بإذن سيده، وما ثبت لـعز الدين أنهم صاروا أحراراً، فما صح لهم بيعاً ولا عقداً ولا شراء، وكان من المماليك نائب السلطان نجم الدين أيوب بنفسه.

    فأخبروا الملك نجم الدين أيوب بذلك، فأرسل إليه رسالة قال له فيها: اشتغل فيما أنت فيه من الفتاوى ودع أمر الإمارات.

    فأخذ عز الدين بن عبد السلام متاعه فوضعه على حماره، ثم أتى بأهله فوضعهم على حمار آخر، وخرج من القاهرة، فتبعه أهل القاهرة وما تخلف منها أحد مما يأبه له، فقالوا له: إن هذا الشيخ ذهب بملكك.

    فركب نجم الدين بنفسه، وطيب خاطر الشيخ، وقال له: افعل ما شئت في الأمراء، قال: أنادي عليهم في السوق غداً وأبيعهم، فصاح نائب السلطان: كيف يبيعنا هذا الرجل ونحن أمراء البلد؟ والله لأقتلنه بسيفي هذا، ثم مضى بحاشيته إلى بيت عز الدين بن عبد السلام ، فلما رأى ولد الشيخ ما سيحل بأبيه أخبر والده، فقال له عز الدين بن عبد السلام : اجلس يا بني! فإن أباك أقل من أن يرزقه الله الشهادة في سبيله، ثم لما فتح الباب ونظر إلى بيبرس والسيف على يده، سقط السيف من يده ثم بكى، وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: ماذا تفعل فينا يا مولانا؟ قال: أبيعكم غداً في سوق العبيد،وأضع أموالكم وثمنكم في بيت مال المسلمين، وكان له ما أراد فباع الأمراء واحداً واحداً في سوق العبيد.

    والله! ما حدث هذا في التاريخ إلا في زمن عز الدين بن عبد السلام .

    ولما أراد قطز أن يقاتل التتار طلب منه أن يفرض قرضاً من التجار، قال له: لا، حتى تأتي بذهبك وذهب الأمراء وما عندكم، فإن لم يكف المال بعد ذلك يجوز لك حينئذ أن تقترض من التجار.

    ولما مرت جنازة عز الدين بن عبد السلام تحت القلعة ورأى بيبرس عدد الناس بكى وقال: اليوم استقر ملكي.

    أي: ما يتفق موت الشيخ إلا في سلطاني، ثم أمر أمراءه بحمل نعش عز الدين بن عبد السلام وأوصلوه إلى المقابر.

    أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، كم من إناس موتى تحيا القلوب بذكرهم، وكم من أناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم.

    اللهم بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننصب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا، إلهي! عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسر عبد لم يجعل له من حبك نصيباً.

    إلهي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله فكن دليلنا! إلهي ما أوحش الطريق على من لم تكن أنيسه فكن أنسنا، إلهي أتينا أطباء عبادك ليداووا خطايانا، فكلهم عليك يدلنا، اللهم داو أمراض قلوبنا، اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين.

    قصة الفضيل بن عياض مع هارون الرشيد

    والفضيل بن عياض سيد من سادات أهل السنة والجماعة، ولما قسا قلب هارون الرشيد ذات ليلة قال للفضل بن الربيع : قد حاك في نفسي الليلة شيء، فدلني على واعظ يذهب ما في صدري، قال: هاهنا سفيان بن عيينة شيخ الحجاز، فانطلقا إليه، فدق هارون الرشيد على باب بيت سفيان بن عيينة فخرج فقال: من؟ قال: أمير المؤمنين، قال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك، ثم ظل يكلمه ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا فضل اقض عنه دينه، ثم قال: ليس صاحبك بشيء.

    ثم دله على عبد الرزاق بن همام الصنعاني شيخ أهل اليمن، فدق عليه الباب، فخرج عبد الرزاق فقال: أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك، فسأله فأجابه، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم، قال: يا أبا عباس اقض عنه دينه، ثم قال: ما فعل صاحبك بي شيئاً.

    ثم دله على رجل آخر وهو الفضيل بن عياض عابد أهل مكة وعالمها، قال: اذهب بنا إليه، فذهب مع هارون الرشيد إليه فدق الباب، فقال: من؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ما لي ولأمير المؤمنين، قال: افتح الباب أليست لي عليك طاعة؟ ففتح له الباب، ثم أطفأ المصباح وصعد إلى أعلى الغرفة، فقال الفضل : والله ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي نقي، قال: فجعل يحدثنا ولا نصل إليه، قال: فسبقت كف هارون الرشيد إليه كفي، فلما أمسك بها قال: ما ألين هذه الكف، وأنعمها إن نجت غداً من عذاب الله عز وجل!

    ثم قال: يا هارون ! عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أتى بـرجاء بن حيوة , ومحمد بن كعب القرظي ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، أفمعك مثل هؤلاء؟ قال: لا.

    قال: يا هارون ! ما أجمل وجهك إن وقيته لفح النار، ثم ما زال في الوعظ حتى انتهى منه، ثم قال له: ألك دين؟ قال: نعم، دين لربي، الويل لي إن حاسبني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم يعف عني.

    ثم قال له: أعليك دين للعباد؟ قال: سبحان الله! أنا أدلك على طريق النجاة ويكون جزائي منك هكذا، فخرجت جارية سوداء وقالت: والله! لقد أفزعتم الشيخ هذه الليلة، ثم انصرفوا، فلما انصرف هارون الرشيد قال: يا فضل بن الربيع إن دللتني على رجل فدلني على مثل هذا. هذا سيد المسلمين.

    والفضيل بن عياض كان في بداية أمره لصاً، وكان يتعشق الجواري، ثم تاب إلى الله تبارك وتعالى بسبب آية من القرآن، فبينما هو يتسلق الجدار ذات ليلة ليصل إلى حبيبته سمع قول الله عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16].

    فقال: آن الأوان يا رب ثم نزل، فأراد أن يمضي إلى خربة لينام فيها بعد أن تاب فسمع أهل قافلة يقولون: إن الفضيل في الطريق، لا نسافر هذه الليلة، فأمنهم وأوصلهم إلى مأمنهم.

    وكان سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل .

    أما عبد الله بن المبارك فكان إذا سمع الفضيل يتكلم يقبل جبهته ويقول: يا معلم الخير! من يحسن هذا غيرك.

    وكان يقول: كنت كلما قسى قلبي نظرت إلى وجه الفضيل فجدد لي الحزن، فأمقت نفسي.

    والإمام شيخ الإسلام أبو نعيم الفضل بن دكين، لما سألوه في محنة خلق القرآن، قال عنه الإمام أحمد : قام لله بعظيم أمر لم يقم به أحد، هو وعفان، وعفان كان شيخ الإمام أحمد .

    ولما أدخل أبو نعيم على المأمون ليمتحنه في خلق القرآن قال: القرآن كلام الله، ولقد لقيت سبعمائة شيخ من شيوخ الكوفة والبصرة وكلهم يقولون: القرآن كلام الله، وعنقي أهون علي من زري هذا، فقام الحافظ أحمد بن يونس ، وكانت بينه وبين أبي نعيم شحناء فقبل رأسه، وقال له: جزاك الله من شيخ خيراً.

    وكان قبله رجل قد أفتى أن القرآن مخلوق، فقال أبو نعيم : أما جد هذا فلقد أخبرني الأعمش أنه كان يقول: يجوز أن ترمى الجمرات بالقوارير.

    ولما دخل عفان على المأمون ، بعث لواليه وقال له: امتحنه وقل له: إن أجبت إلى القول بخلق القرآن نجري عليك ما كنا نجري، وإلا منعنا عنك الراتب الشهري ألف درهم في الشهر.

    وكان يعول أربعين نفساً في بيته فامتنع، وقال لشيوخ الحديث: لم أسود وجوهكم، وقلت: القرآن كلام الله عز وجل، فمنعوا عنه راتبه، فلما وصل إلى بيته عاجلته النسوة، وقلن له: قطعت عيشنا، والآن نأكل من أين؟ فما إن دخل حتى دق الباب رجل يبيع الزيوت وأعطاه ألف درهم، وقال له: هذه ألف درهم مكان الألف، ثبتك الله كما ثبت دينه.

    والإمام البويطي تلميذ الإمام الشافعي ، وعالم الشافعية، امتحن في خلق القرآن، فلقد بعث الواثق لوالي مصر إن امتحنه في خلق القرآن، فالوالي كان يحبه، فقال له: قل: إن القرآن مخلوق بيني وبينك، قال: لا والله ورائي مائة ألف، ولا أكذب في دين الله عز وجل، فاضطر أنه يسيره إلى بغداد والأغلال في عنقه، والأنكال والقيود في رجليه، وقد شدوا ما بين رجليه وما بين عنقه بسلسلة وضعوا فيها قطعة حديد زنتها أربعين رطلاً، وكان يقول: والله لأموتن في حديدي حتى يأتي أقوام يعلمون أن هذا الأمر قد مات فيه أناس في حديدهم.

    وشيخ الإسلام نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري لما سألوه في محنة خلق القرآن لم يجب، فكلكلوه وألقوه مقيداً، فمات ولم يغسل ولم يكفن، فقد أرادوا أن يفك عنه القيد قبل لحظة الوفاة فقال: إني رجل مخاصم أمضي إلى الله عز وجل بقيودي.

    قصة الإمام أحمد بن نصر الخزاعي مع الواثق

    والإمام أحمد بن نصر الخزاعي قال له الواثق : ما تقول في القرآن؟ قال: القرآن كلام الله، قال: هل ترى ربك يوم القيامة؟ قال: صحت بذلك الأحاديث، فقال الواثق : إني أحتسب خطاي إلى هذا الرجل الكافر ثم قام فقتله، وعلقوا رأسه في بغداد وجسده في سامراء، ووضعوا القيد في رجليه بعد أن قتل.

    فهذا الطريق طويل تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، واستجاب لربه في ذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقادير في البكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشج رأسه وكسرت رباعيته، وربط الحجر على بطنه من شدة الجوع: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [المنافقون:7].

    سم أبو بكر، وطعن عمر، وذبح عثمان، وطعن علي، وسم الحسن بن علي، وقتل الحسين بن علي، ووطئوا بحوافر الخيل الفم الذي قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والشيخ حسن العدوي من مشايخ الأزهر عندما جاء السلطان عبد العزيز يزور مصر بعد تولية الخديوي إسماعيل عمل مقابلة خاصة لعلماء الأزهر مع السلطان عبد العزيز ، قالوا: وكان من البروتوكولات السياسية أن الذي يدخل على الخليفة يقبل الأرض بين يديه، ويدخل منحنياً، وإذا خرج لا يولي ظهره للخليفة، بل يمشي القهقرى إلى أن يخرج من الباب.

    فدخل العلماء كلهم هكذا إلا الشيخ حسن العدوي ، فدخل في عزة العالم الذي نسي دنياه وتذكر دينه، ولم يحن رأساً، وسلم عليه بالإمارة، ووعظه ونهاه، ثم لما أراد أن ينصرف أعطى ظهره للخليفة ثم مضى.

    فأسقط في يده الخديوي إسماعيل ، فقالوا له: هذا الرجل مجنون، ولا تؤاخذنا يا مولانا، فقال: ما عندكم إلا هذا العالم؟! وأعطاه جائزة دون باقي العلماء.

    و بنان الحمال إمام من أئمة مصر لما دخل على أحمد بن طولون وعظه ونهاه، فحبسوه، وكان لديهم أسد فجوعوه ثلاثة أيام، ثم أدخلوا الأسد إليه، فوجدوه قائماً يصلي والسبع يلحسه، فأتى به أحمد بن طولون وأمره أن يستغفر له، ثم قال له: بماذا كنت تفكر والسبع يشمك؟

    قال: كنت أفكر في اختلاف العلماء في لعاب السباع.

    والسلطان الخديوي إسماعيل دخل الجامع الأزهر مرة عندما جاء الخليفة عبد العزيز يزور مصر، فقام إليه المشايخ إلا رجلاً مد رجله وهو في المحراب، فأراد أن يمشي بالملك بعيداً عن هذا الرجل، ثم أرسل أحد أتباعه بكيس دنانير فأعطاها له، فقال له: بعث بها إليك الخديوي إسماعيل ، فقال له: إن من يمد رجله لا يمد يده. فكان هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى قازان ملك التتر وقال له: أنت تزعم أنك مسلم، وإن أباك وجدك كانا كافرين، وكانا يحتكمان إلى المسلمين، وظل يكلمه ويغلظ له في القول، وبقية المشايخ يمسكون بثيابهم خشية أن يتطاير إليهم الدم من عنق ابن تيمية ، ثم قال له: والله ما لقيت عالماً أهيب منك، فماذا تريد؟ قال: أريد أن تفك أسرى المسلمين وأسرى أهل الذمة، ففك أسرى المسلمين وأسرى أهل الذمة، ثم عرض على شيخ الإسلام ابن تيمية الجوائز فرفضها.