إسلام ويب

اتقاء الشبهاتللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الدين وجعله كاملاً قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)[المائدة:3] فبين الله الحلال وجعل له حداً، وبين الحرام وجعل له حداً، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى هذه الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فيها وقع في الحرام.

    وفي هذه المادة بيان لهذه الكلمات مع التعرض إلى الأحكام والمسائل التي تدور حولها.

    1.   

    شرح حديث: (الحلال بين والحرام بين)

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..

    أما بعد:

    فيقول الله تبارك وتعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157] فالنور الذي أُنزل مع محمد صلى الله عليه وسلم هو الكتاب والسنة، فمن استنار بهما أنار الله طريقه وأنجاه، وأفلح في الدنيا والآخرة، ومن عدل عنهما أو تركهما؛ فقد أعمى الله بصيرته.

    يقول ابن تيمية رحمه الله: " أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وقلب لا يُشرق عليه هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه " فإن الله عز وجل إذا غضب على القلوب فلن يوصل إليها هذا النور من الكتاب والسنة، وسجعلها في حجاب لا ترى ولا تسمع، ولا تبصر ولا تفقه، وإذا رضي الله عن قلب حبَّب إليه الكتاب والسنة، فأوصل إشعاع هذا الكتاب وهذه السنة إلى هذا القلب، وإذا غضب الله على أرض ولعنها من الدنيا لم تشرق عليها شمس الرسالة.

    فشمس الرسالة -أيها المسلمون- هي الكتاب والسنة! فمن استنار بنورهما اهتدى وقاده الله سبحانه وتعالى إلى جنات عرضها السماوات والأرض.. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستضيء بنورهما، ويتمسك بحبلهما، وممن يمشي على طريقهما، إنه على كل شيء قدير.

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات، لا يعلمُها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يُوشكُ أن يُواقعهُ، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمىً، ألا إن حِمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه ألا وهي القلب).

    ترجمة النعمان بن بشير

    النعمان بن بشير: هو أحد شباب محمد صلى الله عليه وسلم من الأنصار، ربَّاهم صلى الله عليه وسلم على سمع وبصر، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكان يكفي المسلم أن يجلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم ساعةً واحدة، فيُغير حياته ظهراً لبطن، وينقله من الجاهلية والوثنية إلى الإسلام.

    ولذلك كان يأتي الأعداء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يريدون قتله، فيجلس الواحد منهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ساعة، فتتحول حياته فإذا هو من أهدى عباد الله، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه، بل أحب إليه من أهله وماله ونفسه.

    هذا الشاب حفظ الكثير، ويكفيه فخراً أنه حفظ هذا الحديث للأمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قَسَّم طوائف الأمة إلى ثلاث طوائف.. بحسب الدين والعلم والهدى:

    فطائفة قبلت هذا الهدى الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم فعلَّمته أنفسها، وعلَّمته الناس.

    وطائفة استفادت هي من نفسها وهي طائفة خيرة مباركة.

    والثالثة: طائفة ما استفادت ولا أفادت ولا رفعت بهذا الدين رأساً وهي طائفة مغضوب عليها.

    فهذا من الذين رفع الله رءوسهم وبلَّغوا هذه الشريعة.

    يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: {بلغوا عني ولو آية} ويقول: {نضَّر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فرب مُبلَّغ أوعى من سامع} فالذي يبلغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم آية أو حديثاً هو من الذين رفع الله رءوسهم، وأيقظ قلوبهم، وأحيا أرواحهم.

    فأوصي نفسي وإياكم بهذا الدين، ونشره في المجالس مع الأحبة والزملاء في أماكن العمل والوظائف والمدارس لينتشر، ولتكونوا من المشاركين لمحمد صلى الله عليه وسلم في دعوته، وترفعوا علم دينه.

    المصلحون أصابع جمعت يداً     هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    فعليه أفضل الصلاة والسلام.

    فوائد من حديث: الحلال بيِّن والحرام بيِّن

    قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {الحلال بيِّن والحرام بيِّن} أي: أن الله بين في كتابه: الحلال والحرام، فكل شيء واضح للأمة؛ فالحلال نعرفه من المطاعم والمشارب، ومن الذبائح والصيد، ومما ينكح المسلم ويتسَّرى، فهذا بيِّن.

    والحرام كذلك بيِّن، من المحرمات التي نهى الله عنها في الأقوال والأعمال والأحوال والكلام والصفات، فحرَّم الله سبحانه وتعالى الشرك: وهو أكبر ذنب عُصي الله به في تاريخ الإنسان، وهو أكبر ظلمٍ على وجه الأرض، وحرم الزنا، وشهادة الزور، وهذه الأمور كلها حرام، وهي بينه ولا تحتاج إلى كثرة تفصيل.

    -وأمَّا المشبهات- وفي لفظ للبخاري عن أبي موسى (المشتبهات) -فهذه التي قال عنها أهل العلم: إنها تعارضت فيها النصوص، لا يُدرى هل هي حلال أو حرام؟ أو التي لم يرد نص فيها، فلا يعلم الإنسان هل هي حلال أو حرام؟ فالورع كل الورع أن تتقيها وأن تتركها.. وأمثلتها كثيرة، وقد مثَّل لها بعض أهل العلم في هذا العصر بهذه الأطياب التي انتشرت عند الناس، وفعل بعض الأمور التي دخلت على المسلمين ولم يكن فيها نصوص، فإذا اشتبهت عليك ولم تعرف ما هو النص، ولم يفتك عالم فيها، فالورع كل الورع أن تتركها؛ لتتقي وتستبرئ لعرضك ودينك.

    والاستبراء للعرض والدين مأخوذ من البراءة أي: تتنظف من سمعة السوء ومن أن يُقدح في عرضك ودينك؛ لأن من قرب من حمى الله يوشك أن يقع فيه.

    ومن الاستبراء للعرض ما فعله صلى الله عليه وسلم مع صفية بنت حيي وهي زوجته صلى الله عليه وسلم، فقد أتت تزوره وهو معتكف في المسجد، فكلمته وكلَّمها صلى الله عليه وسلم في الليل، فلما أرادت أن تنصرف ودَّعها ومضى معها مشيعاً، وهو قائم معها في باب المسجد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأى الأنصاريان المرأة مع الرسول صلى الله عليه وسلم استعجلا في سيرهما، فقال صلى الله عليه وسلم: {على رسلكما إنها صفية أي: لا تشكوا -قالوا: غفر الله لك يا رسول الله!- أي: هل نشك في أطهر من خلق الله؟ وأبر من خلق الله؟ وأحلم وأتقى وأخشى لله ممن خلق الله؟ -قال صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم}؛ ولذلك نهى أهل العلم أن يقف الإنسان موقف التهم ولو كان أبرأ من أي بريء، ولو كان أطهر من ماء المزن، فلا يليق به أن يقف في مواقف التهم، مثل: سوق يجتمع فيه النساء، أو مكان فيه شبه أو مجلس فيه ريبة فلا تجلس فيه ولو أنك طاهر مُطَّهر، لأن هذا يقع في عرضك ودينك، ثم لا يصدقك بعدها الناس أبداً.

    قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً     فما اعتذارك من قول إذا قيلا

    صحيح أنك ما قصدت! لكن الناس لا يبرئون الإنسان، وقد تُلِحق به السمعة والتهمة فتلصق به حتى يلقى الله، ولذلك يقول عقبة بن الحارث: {أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! أنا أرضعت عقبة بن الحارث وأرضعت زوجته -يعني: أنه هو وزوجته أخوان من الرضاعة- فاستدعاه صلى الله عليه وسلم، فقال: فارق زوجتك؟ قال: ولم يا رسول الله؟ قال: تقول فلانة أنها أرضعتك وزوجتك، قال: يا رسول الله! ما صدقت. قال صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟} كيف وقد وقع هذا الكلام؟ مادام أنه وقع هذا الكلام وانتشر؛ ففارقها، رواه البخاري.

    ولذلك فإن من أكبر ما يحافظ عليه المسلم هو ألا يتزيا بزي يُخالف الإسلام، فإنه مهما بلغ من تقوى ومن ورع فإن الناس يتهمونه، والاستبراء للدين وللعرض يمنعك أن توقف نفسك في مواقف الريبة والتهم نسأل الله العافية.

    والإنسان يعرف بجليسه، فبعض الناس فيه خير وتقوى وهدى واستقامة ومروءة؛ لكنه يجالس الأنذال، فيعرف بمجالسته لهم، فيوقع في دينه وعرضه تهمة وثلمة لا تُسد، ووصمة لا ترفع إلا بالتوبة وبالرجوع إلى أهل الخير، ولذلك يقول الشاعر:

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه     فكل قرين بالمقارن يقتدي

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم: {لا يعلمها كثير من الناس} أي: أن الذي يعلم الحلال والحرام ويعلم (المشبهات) القليل القلة، ودائماً القليل معهم الخير، يقول الله عز وجل: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] ويقول سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    وقد أسلفنا أن عمر رضي الله عنه وأرضاه خرج إلى السوق فسمع أعرابياً يقول: اللهم إني أسألك أن تجعلني من عبادك القليل، فانتهره عمر، وقال: ما هذا الدعاء الذي ما سمعنا به؟

    قال: يا أمير المؤمنين! أما يقول الله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]؟

    فقال عمر: [[كل الناس أفقه منك يا عمر]].

    وهذا تواضع منه رضي الله عنه، فالقليل معهم الخير، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {لا يعلمها كثير من الناس} أي: لا يعلمون هذه الأمور المشتبهات؛ لأنها لا تظهر لهم؛ إما لتعارض النصوص، أو لعدم ورود النص في هذه المسألة، أو اختلاف أهل العلم، فقال صلى الله عليه وسلم: {فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه} أي: أن من ترك هذه الشبهات فقد برأ الله عرضه ودينه، ويقول أهل العلم: اجعل بينك وبين الحرام حاجزاً، وإن لم تجعل حاجزاً فسوف تقع لا محالة في الحرام نسأل الله العافية.

    ومن استرسل في كثرة المباحات، وكثرة اللباس، والمطاعم، والمراكب، يوشك أن يقع في الحرام؛ لأن ذلك يستدعيه لكثرة الدخل، ثم يقع في التعامل بالربا، وقد يأخذ عملاً إضافياً، ثم يقع في الكذب والزور والانتدابات، وبعدها يوقعه في الحرام:

    وأنا الذي جلب المنية طرفه     فمن المطالب والقتيل القاتل

    فهو أول مسئول عن نفسه؛ لأنه أوقع نفسه في كثرة المباحات.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: {ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام} أي: أنه يقع في الحرام.

    ثم مثَّل صلى الله عليه وسلم: {كالراعي يرعى حول الحمى} أي: هناك رجل معه غنم يرعى حول حمى لأحد ملوك الدنيا؛ لأن من عادة ملوك الدنيا أن يحموا لهم محامي، فيجعلون لهم حمى ويمنع أن يمر به هذا، ومن مر في هذا واقترب منه ضربت عنقه وسجن وجلد، فالله عز وجل مثله صلى الله عليه وسلم بأن له حمى وهي المحارم، ممنوع أن يستبيحها الإنسان أو أن يقترب منها.

    فهذا الراعي كلما أصبح الصباح أخذ غنمه ثم اقترب من مرعى الملك، ليس معه مرعى إلا هناك، ضاقت به الدنيا، كالأعرابي الذي ضاقت به الدنيا إلا أن يبول بمسجده صلى الله عليه وسلم.

    فدائماً يرعى حول الشبك وحول حائط هذا الملك، كلما أصبح الصباح يطردونه فيعود، فهذا لا يأمن أن تدخل شاة من غنمه، أو قطيع منها فترعى فيقع في الحرام، فيجلد ظهره، ويضرب عنقه، ويسجن حتى أبد الآبدين، هذا في الدنيا.

    أما عند الله عز وجل فوضع الله المحرمات في دائرة، ووضع المباحات عز وجل، فإنه ما حرم شيئاً إلا أباح شيئاً، فمن أكثر من المباحات واقترب دائماً من الحرام يوشك أن يقع ولو مرة من المرات.

    فيقول صلى الله عليه وسلم: {ألا وإن لكل ملك حمى! ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب}.

    كل صلاح في الظاهر وكل صلاح في الباطن، وكل صلاح في الأقوال والأعمال والصفات والأحوال مصدره القلب، إذا رأيت الإنسان صلح في أمرٍ وكلامه صحيح وطيب، فاعرف أن قلبه طيب.

    حتى الصلاة إذا رأيت الإنسان يخشع في صلاته فاعرف أن قلبه خاشع.

    ولذلك كان صلى الله عليه وسلم دائماً يُركز على القلوب، وقد قرأت في بعض الكتب أن بعض الحكماء -والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها إذا وافقت أصول وقواعد الدين- يقول أحد الحكماء من الهنود: " الذي ينتصر على نفسه أعظم من الذي يفتح مدينة " فالانتصار على النفس وتربية القلب هو المقصود، ولذلك يكثر بعض الناس من العبادات لكن قلبه خراب؛ لأنه لم يعتن بتربية قلبه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {ألا وإن في الجسد مضغة} والسبب أنه يقول: مضغة! كأنه يقول: العجيب أن هذا القلب صغير، وعليه مدار الأعمال، وعليه ترد الأقوال؛ فمن صغره الواجب أن نهتم به، والمضغة: هي اللقمة -المتوسطة- التي يمضغها الإنسان ويأكلها، فيقول صلى الله عليه وسلم: {إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت -هذه المضغة التي هي القلب- فسد الجسد كله}.

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    يا من أتعب جسمه في انتقاء الملابس والمطاعم والمشارب ودمرت روحك! لقد أخطأت العمار، هنا الدمار ليس العمار.

    ولذلك ينظر الله إلى القلوب، ونظر الناس إلى الأجسام، يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم} وفي لفظ هناك: {إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} فالقلب والعمل هو موطن نظر الرب تبارك وتعالى.

    قال ابن حجر: إنما سمي القلب قلباً لأنه مقلوب على رأسه في جوف الإنسان.

    وقيل: لسرعة تقلبه. قال سفيان الثوري: [[قلبي يتقلب عليَّ في اليوم خمسين مرة]] أي: تريد من نفسك -دائماً- أن تعتزل فيأتيك بمكان الشبهات، تريد أن تعبد الله فيأتيك بالرياء، تريد أن تختفي فيأتيك بحب الظهور، تريد الإنطواء والعزلة فيأتيك بالشبهة والوسوسة، فدائماً القلب يتقلب، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه.

    1.   

    وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    ثم قال البخاري رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من القوم؟ قالوا: ربيعة -هم من قبائل ربيعة؛ لأن العرب: ربيعة ومضر، أو أكثر من ذلك هم عدنان وقحطان- قال: مرحباً بالقوم -أو الوفد- غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاههم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وربما قال: المقير، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم).

    التعارف وحكمه

    هذا حديث جميل وعظيم وهو من أجل الأحاديث في الإسلام، رواه ابن عباس.

    أما وفد عبد القيس فهم من البحرين، التي تسمى الآن: الأحساء، وليست البحرين المعروفة الآن.

    أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن وفود العرب، فقال: { مرحباً بالقوم} وقبل أن يقول: مرحباً بالقوم، يقول: {من القوم؟} وهذا من حسن الضيافة.

    ومن فقه هذا الحديث: أنك تسأل ضيفك إذا دخل بعد أن يجلس ويشرب ويرتاح تقول له: من أنت؟لا توقفه عند الباب وتأخذ بتلابيبه، وتقول: من أنت؟ وما رقم سيارتك؟ وما رقم تابعيتك؟ ومتى ولدت؟!!

    فهذا ليس بوارد عند المسلمين، لكن المقصود أنك تسأله سؤال استئناس، يقول الله عز وجل لموسى عليه السلام: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17] الله يعلم أنها عصا، ويعلم من أين أتت العصا! فقال: هي عصاي، وارتاح للخطاب واستأنس، قالوا: ملاطفة الله سبحانه لموسى لأن من أدب الضيافة أن تلاطف الضيف، يقول الأزدي:

    أحادث ضيفي قبل إنزال رحله     ويخصب عندي والمكان جديب

    وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى     ولكنما وجه الكريم خصيب

    يقول: من عادتي ومن كرمي أنني أُحادِث الضيف وهو يحط رحله عن الجمل أو الفرس، فأقول: كيف حالكم وكيف أصبحتم؟ وهل أتاكم من أمطار ومن خير؟

    أما أن يسكت الإنسان ويصمت ويقطب جبينه، فلو ذبح ما في الدنيا ما ارتاح له الضيف، سيضطر للرحيل:

    وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى     ولكنما وجه الكريم خصيب

    وعند الترمذي بسند فيه ضعف: {إذا عرف أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه ونسبه فإنه واصل المودة } أي: أنك إذا عرفت شخصاً تقول له: ما اسمك يا أخي؟ وأين تسكن؟ ومن أي قبيلة؟ ولا مانع أن تسأله عن قبيلته، وليس هذا من التعصب ولا من التمييز العنصري الذي في جنوب أفريقيا، لكن هذا من آداب الإسلام، لأن الله يقول: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] فعندما تعرف القبيلة. فهذا من التعارف، فكان صلى الله عليه وسلم يسأل الطارق إذا طرق: من أنت؟

    يقول جابر: {طرقت على بابه صلى الله عليه وسلم قال: من؟ قلت: أنا. قال: من؟ قلت أنا، فغضب صلى الله عليه وسلم وفتح الباب، وقال: أنا أنا} أي: كل الناس يقولون: أنا، لكن من أنت؟ والرسول يعلم أنه جابر، لكن ليس من الأدب أن يقول الإنسان: أنا. قال: ابن الجوزي: وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لسببين اثنين:

    الأول: أن في كلمة (أنا) كبر؛ فكأنه يقول: أنا المشهور المعروف عند الناس، وكأنه علم في رأسه نار، لا يحتاج إلى تعريف.

    الثاني: أن فيه إيهاماً على الأهل والأسرة.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم ينهى أن تتطرق الشبهة والارتياب والتهمة إلى أحد وأن يدخل من هذه المداخل، فسدَّ صلى الله عليه وسلم الذريعة الموصلة إلى هذه الأمور.

    اختيار عقلاء الناس في الوفود

    قال صلى الله عليه وسلم: {من القوم؟ -أو من الوفد؟-} وجوابهم هنا يختلف عن جواب الأزد، قبائلنا التي مرت معنا، لأنه لما سأل صلى الله عليه وسلم عن أسمائهم قال: {من القوم؟ قالوا: المؤمنون} وهو صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يعرف أنهم مؤمنون، لكن يريد أن يقول: أأزديون أم من ربيعة، أم من مضر أم من غطفان؟ لكنهم قالوا: مؤمنون، فتبسم صلى الله عليه وسلم.

    أما القوم: فهم القوم الكثير الذين قامت بهم قوامة الحياة أو مجتمعهم، وأما الوفد: فهم العدد القليل الذين وفدوا وهم خيرة الناس، ولذلك كان العرب من عادتهم أنهم إذا أرسلوا وفداً اختاروا العقلاء الذين يحسنون الكلام والأخذ والعطاء؛ لأن العاقل يحسن التصرف.

    روى أهل العلم في ترجمة أبي حنيفة -رحمه الله- أنه دخل عليه رجل، وكان هذا الرجل حسن الزي واللباس -وهذا ينفعنا في التربية، أننا نعتني بظواهرنا، لأن عقول الناس في ظواهرهم، ولذلك يقدرك الناس على قدر لباسك وشارتك، فإذا تكلمت قدَّروك على قدر كلامك- فدخل رجل على أبي حنيفة حسن الزي والحلية، عليه لباس فاره، وعمامة، فكان أبو حنيفة ماداً رجله، ولما رأى هذا الرجل قبض رجله، فجلس الرجل فلم يتكلم، فهابه أبو حنيفة وأخذ يُوقره، فلما طال المجلس قال أبو حنيفة والتفت إلى الرجل: ألك مسألة؟ قال: نعم. لي مسألة، قال: وما هي؟ قال: متى يفطر الصائم؟ قال: يفطر الصائم إذا غربت الشمس. قال: فإذا لم تغرب الشمس إلا منتصف الليل فمتى يفطر؟

    فقال أبو حنيفة: آن لـأبي حنيفة أن يمد رجليه كلتيهما، لا يأتي الليل والظلام إلا بغروب الشمس.

    فالعرب من عادتهم أنهم كانوا يختارون عقلاءهم.

    وقد روى صاحب مروج الذهب أنه لما أتى النعمان بن المنذر يطلب وفود العرب اختاروا عشرة أشخاص، منهم: الشاعر، والخطيب، والعاقل العربي، وأحلم العرب، فأرسلوهم في موكب، قال الراوي: فدل ذلك على أن عادة العرب أنهم يُرسلون خيارهم، فكان وفد عبد القيس من خير وفود العرب.

    الإكثار من الترحاب بالضيف

    قال عليه أفضل الصلاة والسلام: {مرحباً بالقوم}.

    وهذا يؤخذ منه: أن من الألفاظ: مرحباً، ومنها: أهلاً وسهلاً، ومنها: حيهلاً بكم، وقال الإمام البخاري في كتاب الأدب المفرد: دخل عدي بن حاتم على عمر فقال: [[حيَّاك الله من معرفة]] والرسول صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- كان يغتسل بعد أن فتح الله عليه مكة وفاطمة تستره بثوب، فدخلت عليه ابنة عمه أم هانئ، قال: من هذه؟ قالوا أوقالت أم هانئ، قال: مرحباً بـأم هانئ؟ وهو يغتسل صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يرحب بالناس.

    يقول عمرو بن العاص: وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآني هش وبش في وجهي؛ وقال: مرحباً حيهلا، أهلاً وسهلاً بك.

    فمن ألفاظ التحية أن ترحب وأن تكثر الترحاب، لأنه مما يؤنس الضيف إذا دخل، ولو لم يأتِ هناك قرىً ولا غداء ولا عشاء ولكن يكفي أنك ترحب، ولعل الله أن يسهل، وابن الزبير سأله سائل فقال: ما هو الفرج بعد الشدة؟

    قال: أن تعزم الضيف، فيقول: إني صائم.

    فقد يكون هذا الضيف صائماً، فأنت ترحب ولا تخسر شيئاً، لا عشرة ولا خمسة، إنما ترحب ترحيباً كبيراً، والله عز وجل: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38].

    قال: {مرحباً بالقوم -أو بالوفد شك الراوي- غير خزايا ولا ندامى} أما خزايا: فجمع خزيان، أي: أنكم مرحباً بكم، لا تعودون إن شاء الله من عندنا وقد أصابكم خزي أو عار.

    وأما الندامى: فجمع نادم، وقال أهل العلم: جمع ندمان وفيه خلاف ولا يهمنا هذا، إنما يقول صلى الله عليه وسلم: لا تخزون في مسيركم ولا يصيبكم وصمة عار ولا ذم ولا تندمون إن شاء الله من قراكم معنا.

    قال: {مرحباً بالقوم -أو الوفد- غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام} هم في الأحساء فقالوا: لا نستطيع أن نأتيك من هناك إلى هنا إلا في الشهر الحرام؛ لأن العرب كانت تتقاتل إلا في الأشهر الحرم فترفع السيف، فقريش ومن معها من العرب كانوا إذا أرادوا أن يقتلوا رجلاً من العرب قد قتل منهم قتيلاً أخروا الشهر الحرام، قالوا: نترك الشهر المحرم إلى صفر ونقتله إن شاء الله؛ فيأتي ويظن أنه في الشهر الحرام، فإذا وصل مكة قتلوه، فإذا سألهم الناس؟

    قالوا: لقد أخرناه، قال الله عز وجل: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة:37] ويقول سبحانه وتعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة:36] فهذه الأربع حدَّدها الله؛ لئلا يقتل العرب بعضهم بعضاً فيها ويؤخرونها، ثم أتى الله بالإسلام فرفع السيف والقتل والدم عن الأمة.

    قالوا: {إنَّ بيننا وبينك مُضر} أي: أنهم يقتلوننا.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كان إما أن يأتيه الوفود جماعة وإما أن يأتوه فرداً فرداً.

    بعض الناس يأتيه وحده فيُكلم الرسول صلى الله عليه وسلم ويكلمه، إلا بعض القبائل وهي القبائل العظيمة في العرب فإنها تأتيه جُملة، أو ترسل إليه.

    يقول أهل السير: إن السبب في ذلك أن بعض القبائل ترفع رءوسها؛ لأن عندها نخوة وعجباً وكبراً، فما ترى أن ترسل واحداً، وأكبر قبيلة من قبائل العرب هي قبيلة: بني تميم، وهم أكثر قبيلة يقولون: كالذر، فلما أرادوا أن يرسلوا وفداً من وفودهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ماذا فعلوا: اجتمعوا وهم في البادية وفي الحاضرة، فاجتمعوا عند شيخهم ورئيسهم قيس بن عاصم المنقري حليم العرب، يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {أنت سيد أهل الوبر}.

    فقالوا: نريد أن نرسل وفداً منا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال قيس بن عاصم: أعطوني أشعر شاعر في بني تميم، فقالوا: الزبرقان بن بدر، قالوا: أعطوني أشجع رجل عندكم؟ قالوا: عطارد بن حاجب بن زرارة، فقال: أعطوني أخطب خطيب؟ فقالوا: عمرو بن الأهتم ، قال: وأنا أظن أني أحلم حليم في العرب فقام هو.

    فلما اجتمع الوفد فإذا هم سبعة أو ثمانية، فأخذوا حُلَّة من أحسن الحلل، شروها بثمانين ناقة من كسرى أو من حاشيته، وأتوا بهذه الحُلة إلى رسول الله ودخلوا، فاستقبلهم الرسول صلى الله عليه وسلم استقبالاً حافلاً، وجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار.

    فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم فاستعرض الوفد! فقال: من هذا؟

    قالوا: قيس بن عاصم المنقري، قال صلى الله عليه وسلم: {أنت سيد أهل الوبر، وأنت حليم العرب} ثم أخبروه صلى الله عليه وسلم بالوفد جمعياً.

    وفي إحدى المرات قال قيس بن عاصم: { يا رسول الله! رق عظمي -عمره سبعون سنة- ودنا أجلي، وشاب رأسي، فأوصني بوصية جامعة، فقال: يا قيس! إن مع الغنى فقراً، وإن مع القوة ضعفاً، وإن مع العزة ذلة، وإن مع الحياة موتاً، وإن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، وإن معك كريماً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وهو حي وهو عملك، فأقلل منه وأكثر} فبكى قيس بن عاصم.

    ثم قال: يا رسول الله! نريد أن نناظرك -والمناظرة عند العرب أي: المغالبة- قبل أن نسلم -قبل أن يُسلموا يريدون أن يروا من الذي يغلب- فقال: بماذا تغالبوني؟ قالوا: عندنا شاعر وخطيب، فنريد أن تظهر لنا شاعرك وخطيبك، فهذه كانت من عادة العرب إذا وفد أناس عند أناس -أي: مثل المصارعة والكرة، فريق وفريق، منتخب ومنتخب- فقال صلى الله عليه وسلم: على الرحب والسعة عليّ بـحسان بن ثابت وحسان صاحب اختصاص أعطا القوس باريها! فأتى حسان بن ثابت، فقال: ما تريد بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟! قال: قدم وفد بني تميم وعندهم شاعرهم، يريد أن يغالبنا فرد عليهم ثم قال: علي بـثابت بن قيس بن شماس، خطيب العرب وخطيب الأنصار، كأنه الصواعق، فأتى صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أنت؟ قال: يا رسول الله! دعهم لي، فجمع صلى الله عليه وسلم الناس فاجتمعوا حتى أصبحوا على الشرفات وفي المسجد وعلى البيوت وعلى السكك، وقال: ليقم شاعركم، فقام الزبرقان بن بدر، فقال:

    نحن الملوك فلا حي يغالبنا     منا الملوك وفينا تنصب البيع

    فقال قصيدة ما يقارب الخمسين بيتاً، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى حسان فقام حسان وهو لم يعد لها من قبل ولم يكتب ولم يُفكِّر، قال:

    إن الذوائب من فهر وإخوتهم     قد بينوا سنناً للناس تتبعُ

    يرضى بها كل من كانت سريرته     تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا

    إلى أن قال في آخرها:

    كأنهم في الوغى والموت مكتنع     أسد بحلية في أرساغها فدع

    فالتفتوا وقد سال العرق من وجوههم، وقالوا: غلب شاعرك شاعرنا! صدقوا، لأن ذاك أعد للشعر من قبل، وهذا إجحاف، وهذا أتى بخمسين، وهذا أتى بما يقارب الثمانين.

    فقام خطيبهم عمرو بن الأهتم، وقيل: عطارد بن حاجب فتكلم بكلام من أعجب الكلام! مدح فيه قومه، فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا ثابت! فقام ثابت فألقى عليهم كلاماً كالصواعق فدمغهم، فقالوا: غلب شاعرك شاعرنا، وخطيبك خطيبنا، فأسلموا.

    فكان صلى الله عليه وسلم يتبسم إلى الناس وينزل الناس منازلهم، ولأنه عليه الصلاة والسلام أمر بلين الجانب ولو أنه قال: ليس عندي مغالبة ولا مفاخرة؛ لرجعوا وتركوا الإسلام، لكن يقول الله عز وجل فيه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    معنى الحنتم والنقير والمزفت والدباء

    فقالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كُفَّار مُضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة -لأنهم هم أهل أشربة وقد كثرت النخيل والأعناب في بلادهم، فاضطرتهم أن يسألوا عن الأشربة- فأمرهم صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع -وهذه هي مفاتيح النجاة في الدنيا والآخرة- أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: {أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان} هذه الأربع... وأما أداء الخمس؛ فإنه لا يدخل في الأربع، لكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ألحقه بها لأنهم أهل أموال من المغانم.

    {ونهاهم عن أربع: عن الحنتم} الحنتم: هي جرار الخمر، وجرار جمع جرة، ينتبذون فيها، فيضعون فيها التمر والعنب فيتخمر، ثم يسكر، ثم يشربونه، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن هذه الآنية.

    نهاهم {عن الدباء } الذي هو القرع، يجوفون ما في داخله فيخرجونه ثم يجعلونه آنية كالصحاف وكالآنية المعروفة فيضعون فيه الزبيب والتمر والعنب فيتخمر فيشربونه.

    {والنقير}: هو أصل النخلة، يأخذون أصل النخلة فينقرونه، ثم يضعون فيه هذه السوائل، فتتخمر، ثم يشربونها.

    {والمزفت}: هي الآنية من الخشب التي تُطلى بالزيت.

    والمقير: هي التي تُطلى بالقار، القار: نوع من أنواع الزفت، فيُطلى به؛ فإذا وضع فيه السائل تخمر، فإذا تخمر شربوه، فيصبح الإنسان كالدابة لا يعرف شيئاً، لأعقله ذاهل، فيقول صلى الله عليه وسلم -هناك زيادة في الحديث- قال: {إنكم تأخذونه، قالوا: يا رسول الله! من أخبرك بالحنتم والنقير والمزفت والمقير؟ قال: أنتم تفعلون ذلك، فتبسموا! قال: فتشربون الخمر، فيعمد أحدكم بسيفه إلى ابن عمه فيضربه} قال وفد عبد القيس: وكان فينا رجل ضربه ابن عمه بالسيف، ورسول الله لم يدرِ، فكان يُغطي بعمامته جبهته أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: {احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم} والصحيح في مسألة الآنية أنها منسوخة؛ كما قال الإمام أحمد أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر العهد لما فقه الناس وفهموا، قال: {اشربوا في كل إناء -غير الذهب والفضة- ولا تشربوا مسكراً} فالمسكر حرام، وأما بعض أهل العلم، فقالوا: الحرمة مستمرة وليس هناك ناسخ، والصحيح: أنها منسوخة، وأن الإنسان المسلم يشرب في كل إناء إلا إناء الفضة والذهب ولا يشرب مسكراً.

    1.   

    وفد النابغة الجعدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    ثم عاد البخاري رحمه الله إلى حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات) يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أن وفد عبد القيس وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، وغالب وفود الإسلام -أكثر من عشرة وفود إلى عشرين وفداً- كانوا يأتون جماعات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم- في ذاك الوقت، وأما بنو جعدة فأوفدوا رجلاً واحداً هو نابغة بني جعدة، فوفد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندك يا نابغة؟ قال: يا رسول الله! عندي كلام مدحتك به ومدحت قومي؟ قال: قل: فذكر تلك المقطوعة التي تقول:

    تذكرت والذكرى تهيج على الفتى     ومن عادة المحزون أن يتذكرا

    ثم مدح قومه، قال:

    بلغنا السما مجداً وفخراً وسؤدداً     وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

    قال: ( إلى أين يا أبا ليلى ؟ قال: إلى الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: لا فض فوك، فقال: وفوك يا رسول الله! ) فعاش مائة وعشرين سنة، وما سقط له ضرس ولا سن، وهذا من بركات دعواته صلى الله عليه وسلم. وعدد الذين وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقارب السبعة أو الثمانية على الانفراد.

    1.   

    فوائد من حديث أبي مسعود في احتساب الأجر

    وعن أبي مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهو له صدقة).

    أي: هذا العمل له صدقة، وفي لفظ: (فهي له صدقة) أي: أنها تُكتب له صدقة، والشاهد الذي يريده البخاري، أي: أنه يحتسبها، فالاحتساب: أن يجعلها عند الله عز وجل أو يريد ثوابها من عند الله.

    وفي حديث سعد بن أبي وقاص (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرَت عليها؛ حتى ما تضعه في في امرأتك) يعني: في فم امرأتك من الطعام.

    إن المسلم لا يدخل طعاماً في فم امرأته على سبيل المدح والمداعبة، إلا أُجر على ذلك، حتى من أتى شهوته في الحلال له أجر، وكذلك من نام يريد بذلك طاعة الله له، ومن أكل يريد بذلك التقوى على ما يرضي الله له أجر، يقول معاذ: [[والله إني لأنام النومة فأحتسبها على الله سبحانه وتعالى]] فهذه هي النية التي تُصيِّر العادات إلى عبادات.

    1.   

    مبايعة جرير للنبي صلى الله عليه وسلم

    وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم جرير بجلي من قبيلة خثعم، وهو سيد قومه، وهو يوسف هذه الأمة، كأن على وجهه مسحة ملك، وكان يُغطَّي وجهه في بعض الأوقات خوفاً من العين.

    ويقول عمر: [[أما أنت يا جرير! فأنت يوسف هذه الأمة]] وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فلما رآه قال: (من هذا؟ قالوا: جرير بن عبد الله، قال: على وجهك مسحة ملك).

    أي: ملك من ملائكة السماء، ما ذكر لي رجل إلا وكان أقل مما ذكر لي إلا أنت فكنت أعظم، وكان شاباً، أخذه صلى الله عليه وسلم بيده ودخل به بيته، فقرب وسادة يجلس عليها كما فعل بـعدي، فقال: لا. أجلس على الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم: (أشهد أنك من الذين لا يُريدون علواً في الأرض ولا فساداً ثم قال: بايعني؟ فبايعه على: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة -واشترط عليه شرطاً لم يكن يشترطه صلى الله عليه وسلم دائماً- قال: والنصح لكل مسلم ) والسبب في ذلك: أنه كان سيد قبيلته، والسيد والوالي والمسئول يشترط عليه هذا الشرط، لأنه مظنة أن يغشهم، أو يظلمهم أو يجور عليهم، فشرط النبي صلى الله عليه وسلم عليه النصح لكل مسلم.

    1.   

    شرح حديث: (الدين النصيحة)

    قال أهل العلم: والنصح لكل مسلم، يؤمر به كل مسلم، لأن تميماً الداري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ).

    يقولمحمد بن أسلم وهو من أولياء الله الصالحين، ومن أكبر عباد الله، وهو من علماء القرن الثالث، وكان من الذين بلغوا الإمامة في الدين، يقول: ما سمعت والحمد لله بسنة إلا طبقَّتها -أي: عمل بها- كان يقرأ الحديث فيتوقف، ولا يقرأ الحديث الثاني حتى يعمل بهذه السنة.

    فيقول كلاماً أورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم، قال: أما النصح لله: كأن تؤدي الفرائض كما أمرك الله عز وجل وأن تجتنب المحارم، وأن تحسن الأدب مع الحي القيوم، فتتأدب معه في الخلوة كما تتأدب معه في الجلوة أمام الناس، ثم يقول: كيف تستحي من الناس ولا تستحي من الله؟ والله يقول: (أنا جليس من ذكرني) فالنصح لله عز وجل: أن تأتي كل أمر يحبه، وأن تكره وتبغض كل عمل يكرهه ويبغضه سبحانه وتعالى، وأن تجعله معه حيث ما حللت وارتحلت، فإنه سبحانه الذي معك ولا يُفارقك.

    النصح لكتاب الله

    وأما النصح لكتاب الله عز وجل، فهو يقول: أن تقرأه وتقيم حروفه، أي: أن تتعلم التجويد وتتعلم كيف تقرأ، لأننا نجتهد في أعمال وأغراض الدنيا، ولا نجتهد ذاك الاجتهاد -إلا من رحم الله- في أمور الدين.

    قال: وأن تقيم حروفه وحدوده، وإقامة الحدود أن تتمثل كل قضية فيه وتطبقها وتعمل بها.

    قال: وأن تتلوه للتفهم والتدبر لا للتكسب، ولا للزهو ولا للرياء، نعوذ بالله من ذلك.

    ولذلك من القراء من يدخل النار، وأول من تُسَّعر بهم النار: قارئ قرأ القرآن، فيؤتى به، فقال الله عز وجل: لِمَ قرأت القرآن؟ قال: تعلمته يا رب فيك، فعلمت الجاهل، قال: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت! وإنما تعلَّمت ليقال: عالم أو قارئ خذوه إلى النار، فيجرونه على وجهه حتى يُلقى في النار، فهذا الذي طلب القرآن وتعلَّمه لغير وجه الله سبحانه وتعالى.

    النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هو أن نلتزم سنته وسيرته، وأن ندمن القراءة في السنة والسيرة، وأن نقرأ في كتب الحديث، ونتفهم ونتزود أكثر مما نقرأ في تأليف الناس.

    ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نُحيي سنته وننشرها بين الناس، وخاصَّةً في أهلنا وبيوتنا، إذا دخلت بيتك فسلم، وهذا من السنة، وإذا طرقت باباً، فقالوا: من؟ فقل: فلان، والسلام عليكم أأدخل؟ فإنَّ أطفالك وبناتك وأخواتك وإخوانك يعلمون ذلك فتحيي بإذن الله بيتك على السنة، فيكون بيتك من بيوت أهل الجنة، وإذا جلست فاجلس جلسة أهل السنة.

    وإذا أكلت فابدأ بيمينك، وسم الله، وإذا شَربِت فعلم طفلك وولدك كيف تشرب وتُقسِّم الشرب ثلاث مرات، وتحمد الله عز وجل.

    وكذلك إذا خلعت ثوبك ولبست، وليكن بيتك بيتاً إسلامياً من الذين يرضى الله سبحانه وتعالى عنهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].

    النصح لأئمة المسلمين وعامتهم

    والنصح لأئمة المسلمين: قال ابن رجب: أئمة المسلمين في الحديث إما أنهم ولاة الأمور، والنصح لهم: أن تُطيعهم في طاعة الله، وأن تعصيهم في معصية الله، وأن تنصحهم بالتي هي أحسن؛ لأن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون، فقال له: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    فلذلك أورد بعض أهل العلم، كصاحب العقد الفريد وصاحب عيون الأخبار، قال: دخل أحد الناس على هارون الرشيد فقال: يا هارون الرشيد ائذن لي أن أقول لك كلاماً؟ قال: قل. فرفع صوته وأغضبه، وقال: إنك ظلمت وجرت وفعلت وفعلت، فغضب هارون الرشيد حتى احمر وجه، ثم قال: يا هذا أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    أما أنت فلا أقبل نصيحتك، وأقبلها من غيرك.

    فالمقصود أن يكون النصح بأن يُلان لهم في النصيحة وفي الكلام.

    والمعنى الآخر: أنهم أهل العلم؛ وقيل: هم أئمة الاجتهاد الذين بلغوا الاجتهاد، فالنصح لهم: أن يُدعى لهم بظهر الغيب، وأن ينصحوا إذا رأوا منهم خللاً، فإنهم ليسوا معصومين.

    والنصح لعامة المسلمين: أن تُحبَّ لهم ما تُحب لنفسك، فتكره أن ترتفع الأسعار، ولو كنت صاحب بضاعة، قالوا: من غش الناس أن ترفع الأسعار، أو أن تُحب أن ترتفع الأسعار، أو ألا توجد إلا عنده.

    ومن الغش لهم: أن تحب أن تقحط وتجذب تلك البلاد، يمكن أن أهل قرية في مرة من المرات لم يضيفوك، فتقول: اللهم أصبهم بقحط عاد وثمود، ولا تنزل عليهم القطر، فهذا من الغش.

    ومن الغش كذلك: أن تكره أن يعم الخير في البلاد ولا تحب مجالس الخير والذكر، ولا تحب أن تنتشر حلقات العلم، ولا من يدعو إلى الكتاب والسنة أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، وهذا من الغش العظيم ومن النفاق الجسيم، أن الإنسان يبغض مثل هذه؛ لأنه يظن أنها تُكدر عليه صفو الحياة، أو أنها تناقض بعض الأمور في ذهنه، وأخطأ لعمر الله! بل إن القطر لا ينزل من السماء ولا الخير ولا الهداية ولا النور إلا بمثل هذه المجالس، وبعودة الناس إلى الله.

    فالإنسان يُحب النصيحة للمسلمين عامة، ويُحب لهم ما يُحب لنفسه، يقول عمر بن عبد العزيز كما يروي عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم: " والله لوددت أنه يعمل كل يوم بسنة من السنن، ويسقط مني كل يوم عضو".

    ويقول رضي الله عنه وأرضاه -اسمع الناصح والأواب- على المنبر: " والله لوددت أنه يُغلى بي في القدور وأنتم تعملون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

    ويقول الإمام أحمد: " يا ليتني كنت فداءً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم"، ولذلك كان الأئمة -دائماً- إذا دعوا في صلواتهم، يدعون للأمة المحمدية، للمسلمين والمسلمات -دائماً وأبداً- بالهداية والنصح والتوفيق والرعاية، وهذا من النصح.

    وعن جرير رضي الله عنه قال: {بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم}.

    قال أهل العلم: فكان جرير بن عبد الله البجلي دائماً وأبداً ينصح لعباد الله.

    باعه رجل فرساً فقال: بكم بعتني هذا الفرس؟ قال: بثلاثمائة، قال: أتريد فيه أربعمائة؟ فزايده حتى بلغ ثمانمائة، فقال: خذ هذه الثمانمائة، فإني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وأنا -والله- لك ناصح.

    1.   

    فضل تعلم العلم وأنواعه

    ثم قال الإمام البخاري رحمه الله: "كتاب العلم".

    فهو بدأ بكتاب الوحي؛ لأنه بداية هذا الخير والنور والإشراق، وبداية رفع رءوسنا، واستنهاضنا من الجاهلية والوثنية والردى والعمى، ثم ثنىَّ بالإيمان؛ لأنه المنجي عند الله عز وجل، ثم ثلث بالعلم؛ لأنه طريق الحياة لمن أراد الحياة.

    يقول الشافعي رحمه الله: " من أراد الحياة فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ".

    قال ابن أبي الزعد -وهو مولى من الموالي-: أعتقني سيدي؛ لأنني كنت كلاً عليه، أي: كان لا يجد فيه خيراً ولا ينفعه في شيء، فقال: كنت لا أحسن النجارة ولا النساجة ولا الصناعة، فقال: أنت عتيق لوجه الله، فقلت وأنا أودعه: بماذا تأمرني؟ قال: عليك بطلب العلم، قال: فطلبت العلم سنة كاملة، فاستأذن عليّ أمير المدينة في القيلولة، فلم آذن له.

    وهذا من شرف علم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يُطلب العلم للتباهي -نعوذ بالله- أو للصيت أو للسمعة، وإنما يُطْلَب لينُجى به في الآخرة، وأفضل عمل تتقرب به إلى الله أن تتقرب بهذا العلم.

    العلم الممدوح

    والعلم منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم، فالممدوح: هو العلم الذي يُوصلك إلى الله عز وجل، ويرزقك خشية الله، يقول تبارك وتعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] فعلَّق قيام الليل بالعلم، ويقول سبحانه وتعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    قالوا: آمنوا وأوتوا العلم مع الإيمان، لا يَكفي العلم بلا إيمان نعوذ بالله من علم لا ينفع، أو من معلومة لا تفيد صاحبها، فهذا ليس من الممدوحين.

    ويقول عز من قائل: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران:18] فاستشهدهم على أعظم شهادة، في أعظم مشهود.

    ويقول سبحانه وتعالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ووصفهم بالفهم والفقه والعقل.

    ويقول عزَّ من قائل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فوصفهم بكثرة الخشية لله، فمن لم يكثر من خشية الله على حسب علمه بالله، تقل خشيته وتكثر.

    ويقول جلَّ من قائل: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [القصص:80] فوصفهم بالزهد، ووصفهم بمعرفة مصائر الأمور، ومستقبل الأحداث.

    العلم المذموم

    أما العلم المذموم: فهو الذي لا يعمل به صاحبه، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله العافية والسلامة. يقول سبحانه وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:175-176] فهذا لم ينفعه علمه، فلعنه الله في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من ذلك.

    ويقول سبحانه وتعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102] يقول هنا: (يتعلمون) علم السحر المذموم أو علم الشعوذة أو علم النجوم، {فمن تعلَّم علم النجوم فقد استزاد شعبةً من الشرك زاد ما زاد} أي: أنه كُلَّما زاد من علم النجوم أو من هذه العلوم، فقد زاد شعبة من الشرك والنفاق؛ إلا من يتعلمها لمعرفة أوقات الصلاة، أو لأمور تهمَّ المسلمين.

    أما من يقطع عُمره في مثل هذه العلوم التي لا تنفع، أو العلوم المحرمة، فإن بعض أهل السنة يقولون: " من تعلم السحر كفر". و{حد الساحر ضربة بالسيف} نعوذ بالله من ذلك، وليس هذا محل بسطها.

    ومن العلم المذموم أيضاً: أن يذهب الإنسان حياته كلها في علم لا ينفع كثيراً، كعلم الأنساب، فيعرف أن هذه القبيلة تنتسب إلى قحطان، وقحطان إلى فلان، وفلان إلى علان، فهذا علم يذهب الأعمار ولا ينفع أبداً، ولذلك { دخل صلى الله عليه وسلم المسجد فرأى قوماً مجتمعين في حلقة، قال: ماذا يتعلَّم هؤلاء؟ قال: يتعلمون الأنساب. قال: هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر} وما يضرك يوم القيامة؟ هل تظن أنه يسأل الإنسان في القبر، أو يسأل يوم القيامة عن قبيلة قحطان أو غيرها ماذا تنتسب إليه؟ هذا ليس من العلم الذي يُحمدِ، إنما الذي يُحمد كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {تعلَّموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم} تعرف أن هذه قريبة فتصلها، وهذا قريب، وهذا عم، وهذا خال.

    ومن العلوم التي إذا أذهبت الأعمار وأصبحت مذمومة: علم الشعر والأدب، وهو قضية الساعة عند العلماء، وقضية التركيز في الساحة، وأكثر ما شغل الناس خاصَّة المثقفين في المجالس، الشعر الحداثي، والشعر المقفى، وهذا الأدب، فمن أذهب عمره في هذا فهو مذموم، مأزور غير مشكور ولا مأجور، ماذا قدم للإسلام؟ يحفظ قصائد الناس جميعاً، ولم يشتغل بالكتاب ولا بالسنة، وإنما يُطلب من الأدب ما جمل في الدعوة، وبمجالس العلم فحسب، أما من أذهب عمره في هذه الأمور فهو مذموم.

    ومن العلوم المذمومة من أذهب عمره وليله ونهاره في بعض الأمور الجزئية كالجغرافيا، الناس يتهجدون وهو يبحث عن عاصمة أسبانيا، وأهم المنتجات فيها وماذا تصدر؟ وماذا تنتج؟ ومن هو وزير خارجيتها؟ ومن تولى؟ ومتى استقلت؟ ثم يذهب عمره ويشيب وهو على هذا المستوى، وأين تقع جبال الهملايا وكم قدماً ترتفع عن البحر؟ فهذا علم إنما يُعرض للناس، ليبين قدرة الله في الأرض، فمن أذهب عمره فيه فهو مأزور لا مشكور ولا مأجور. لكن هناك علوم قد يحتاج إليها المسلمون.

    يقول الشافعي: " العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان ". علم الأديان: الكتاب والسنة ويكفينا. وعلم الأبدان: علم الطب، وهو من أشرف العلوم إذا استصحب صاحبه تقوى الله عز وجل والعمل الصالح، فإن الطب من أحسن ما يكون لحاجة المسلمين؛ حتى إن بعض أهل العلم أوجبه إيجاباً؛ أن يتعلم الناس الطب؛ لأنه إذا كان أطباؤنا يهوداً ونصارى لا نأمن أن يقتلونا وقد فعلوا، حتى إنهم عملوا عملية لبعض المرضى وكان عنده زكام فبتروا رجله، وقالوا: هذا مرض مستعصٍ.

    وكذلك العلم المحمود: مثل علم الهندسة، بشرط أن يكون صاحبه مقيماً لشرع الله، وصالحاً في ذات الله عز وجل، حسب حاجة المسلمين إلى هذا العلم، وقد أُثِرَ عن ابن تيمية أنه قال: " لو احتاج المسلمون إلى إبرة تصنع، ثم لم تصنع عندهم ولم توجد لأثموا جميعاً" لكن نحن لا ننتج لا إبرة ولا أكبر ولا أصغر؛ حتى الطباشير التي نكتب بها على السبورة تأتي من دولة مستوردة إلينا، حتى القليل والكثير، ملبوسنا ومشروبنا، ومركوبنا، وبيوتنا، وكتبنا، ودفاترنا، وحقائبنا، كلها مستوردة والحمد لله، إنما نحن نجيد الأكل والشرب والجلوس.. وغير ذلك من هذه الأمور، لكننا نسأل الله عز وجل أن يُوفقنا لطاعته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تحية المسجد

    السؤال: إذا دخل الرجل المسجد وهناك درس علمي يُلقى فهل يجلس مباشرة؛ لأن طلب العلم فريضة، أم يصلي ركعتين تحية المسجد؟

    الجواب: الأولى -وهو السنة والوارد- أن يصلي ركعتين، يقول صلى الله عليه وسلم: { إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين} ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يعذر الرجل يوم الجمعة وهو يخطب بالناس، فقال صلى الله عليه وسلم: {أصليت؟ قال: لا. فقال له: قم فصلِّ ركعتين} وخطبة الجمعة أولى، وكذلك حلقة الدرس، وإذا كان وقت نهي؛ فإنه يُصلي ركعتين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين} لأنها من ذوات السبب ولو كان الوقت وقت نهي.

    نصيحة لمدراء الأعمال

    السؤال: كيف ينصح الشخص الذي يعمل تحت إدارته مجموعة من الناس، حيث إن الشيطان يوسوس له، فيشعر بالعظمة والكبرياء، على أساس أنه نوع من أنواع السيطرة في العمل؟

    الجواب: أولاً: عليه أن يتقي الله عز وجل، ويتذكر الموت، ويعرف أنه عبدٌ حقيرٌ فقير، ليس عنده شيء من القدرة ولا من أسباب القوة، فلماذا يتكبر على الله سبحانه وتعالى؟!

    فعليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وعليه أن يهضم نفسه، فإذا كان من عادته أنه إذا سُلِّم عليه أنه يعطيه يده وهو جالس، فليهضم نفسه فيقوم، ويرد عليهم، وإذا دخلوا وكان من عادته أن يقطب وجهه؛ فعليه أن يلتفت؛ لأنهم يقولون: إذا قطب الإنسان وجهه تحركت فيه تسعة عشر عضلة، وإذا ابتسم تحركت فيه عضلة واحدة فقط، فلذلك يُوفر ثماني عشرة عضلة.

    ولذلك يقول محمد قطب في كتاب النفس والمجتمع: لا تكلفك الابتسامة لا درهماً ولا ديناراً، ولا تكلفك حتى تسديد فواتير، إنما تحدث لك قلوباً وتكسب أرواحاً وإخواناً في الله عز وجل.

    وعمر رضي الله عنه شعر مرة من المرات بطائف من العجب، ما دخل قلبه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201] فشعر بشيء من العجب! أي: داخله الشيطان، وقال: أنت أمير المؤمنين! وقد كنت راعي غنم في الجاهلية، وأصبحت الآن الأقطار كلها تعود إليك، قال: الصلاة جامعة، عليّ بالناس! فاجتمعوا، فلما أصبحوا ملء المسجد؛ ووقف على المنبر، وقال: أيها الناس! هل تعرفونني؟ قالوا: نعم. قال: من أنا؟ قالوا: أنت أمير المؤمنين! قال: [[كان اسمى في الجاهلية عُميراً، كنت أرعى لبني أبي معيط غنمهم على حفنة من التمر، فأكرمني الله وهداني وأرشدني فأصبحت فيكم خليفة]] فلما نزل قال له ابنه عبد اللهيا أبتاه! فضحتنا هذا اليوم، كيف جمعت الناس ثم ألقيت هذه الخطبة؟ قال: إن نفسي حدثتني بشيء من العجب، فأحببت أن أكسرها، فهكذا المجاهدة؛ على الإنسان أن يُمرِّن نفسه أنه إذا كان هناك اجتماع أن يقول: دعوني أسكب الشاي، لكن بعض الناس لا يرضى بذلك، حتى إن بعض الناس كان يتكلم في مجلس من المجالس، فقال: أيها الناس! اعملوا عملاً صالحاً، والله إن الإنسان لا يضمن لنفسه الجنة مهما عمل، حتى أنا ما ضمنت لنفسي الجنة.

    ورد في ترجمة أبي هريرة أنه أخذ حزمة من الحطب، فحملها ومشى في السوق وكان السوق مزدحماً، فقال: افتحوا للأمير طريقاً.

    كان أبو هريرة أمير المدينة، فقالوا: لماذا يا أبا هريرة؟

    قال: أعجبتني نفسي وكنت فقيراً من آل دوس معي أمي، نزلنا المدينة ولم نجد كسيرة حتى كدت أسقط من الجوع، وأصبحت الآن أميراً، فحدثتني نفسي فأردت أن أكسرها، فالكسر له طرق وأسباب وعلاجات.

    حكم لفظة: (أوصيك ونفسي بذلك)

    السؤال: إذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر، هل يقول للمأمور أو المنهي: أوصيك ونفسي بذلك؟

    الجواب: لا بأس أن يقول: أوصيك ونفسي بذلك، لأنه من باب التواضع وهضم النفس، وكلنا بحاجة إلى الوصايا، نسأل الله العافية.

    ارتكاب المعاصي والنية الحسنة

    السؤال: ادعى بعض الناس في هذا العصر أن العمل بالنية، فتجده يربط كل شيء بالنية، ويرتكب المخالفات والآثام، وعندما تنصحه يبادرك بقوله: أهم شيء النية؟

    الجواب: نعم. أهم شيء النية، وأهم شيء النار -نعوذ بالله من النار- فسوف يعلم: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:15]؛ ولذلك يقول ابن تيمية لأحد الناس وهو جالس معه من أهل الفرق المخالفة: لماذا لا تصلي؟ قال: لأن الله قدَّر عليَّ أني لا أصلي، قال: فما لك تشرب الخمر؟ قال: لأن الله كَتَبَ علي أني أشرب الخمر، فقام ابن تيمية وضرب في صدر ذاك المبتدع، وقال: جبري في المعصية قدري في الطاعة؟

    ولذلك كثير من الناس جبريون، ولذلك إذا سألتهم لمَ يُخالفون وينامون عن الصلاة؟

    قالوا: الأعمال بالنيات، والله غفور رحيم، وقد نمنا والله مطلع على السريرة. وهذه السريرة سيئة ونتنة؛ لأنه لو كان علم الله عز وجل أن سريرته طيبة لجعله من أهل الخير، أما أنه يخالف أمر الله وتكون نيته طيبة وقلبه سليماً فمن أين له السلامة والطيب؟ بل قلبه أسود. نسأل الله العافية.

    أسباب عدم الخشوع في الصلاة

    السؤال: إذا صليت الظهر أتاني الخشوع، وإن صليت العصر في نفس اليوم لا أخشع، فما سبب ذلك؟

    الجواب: هذا يختلف باختلاف الظروف التي مرت بك، ولها أسباب الله أعلم بها، لكن قد يكون هذا من بعض المصائب التي حدثت أو الشواغل التي شغلتك؛ أو بعض الأمور، فإن بعض الناس قد يشتغل ببعض الأمور السهلة، قد يكون ما تغدَّى، فهو يُحدِّث نفسه بالغداء في الصلاة، ولذلك أمرنا ألاَّ نصلي وقت حضور الطعام، وإذا حضر العِشاء والعَشاء أن نقدم العَشاء قبل العِشاء، بشرط ألا نأخذها عادة، وألا نجعل الطعام -دائماً- لا يجهز إلا وقت الأذان، فإذا أذن قال: نزلوا العشاء، قالوا: هذا وقت صلاة؟ قال: يقول صلى الله عليه وسلم: {إذا أتى العَشاء والعِشاء فابدءوا بالعَشاء} ما أفقهه في الدين! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم!

    فهذه من الحيل المحرمة، وقد يكون هذا الذي لم يخشع في صلاة العصر أفرط في تناول الغداء، فتشتت ذهنه، والإمام مالك يقول: " أرى أن يسدَّ رمقه" فبعض الناس يجوع جوعاً عظيماً، فقد يكون ما أفطر؛ فإذا أتت صلاة العصر وهو ما أفطر ولا تغدَّى، فيمكن أن يقرأ التحيات في القيام.

    فالمقصود أنه يسدَّ رمقه بشيء. ولا صلاة بحضرة طعام، هذا نص، وهذه رخصة نأخذها، فنأكل ما تيسر ثم نقوم، أما أن يأكل الإنسان الغداء ثم يأكل فاكهة، ثم يشرب بيبسي، ثم يشرب قهوة، ثم يخرج يصلي العصر مع المغرب، فهذا ليس بوارد.

    التوبة من المعاصي

    السؤال: أنا رجل أتوب من المعاصي، ثم أعود إليها إلى درجة أنها تثقل علي بعض العبادات؟

    الجواب: الرجل الذي يتوب ويعود؛ فليعد وليتب في اليوم ولو سبعين مرة، فهو عند الله قريب بإذن الله وسوف يتوب الله عليه، وهذا علامة صدقه، وإقباله وإنابته، وسوف يُكفِّر الله خطاياه دائماً فليفعل العبد ما شاء، مادام أنه يتوب ويستغفر وينيب، لكن بشرط ألا يعتقد ذلك، فيقول: سوف أذنب، وسوف أتوب بعد ذلك إن شاء الله، فهذه من الحيل، لكنه يتوب، ثم يقول: لا نعود إن شاء الله ويندم.

    أما أن تثقل عليه بعض العبادات، فالفرائض لا تثقل، هذه الفرائض دونها ضرب الرءوس، فمن تركها فهو كافر، أما بعض العبادات التي تثقل على نفسك فالدين يسر: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا[الطلاق:7].

    بعض الناس يهتم بالنوافل أكثر من الفرائض، وهذا منهج من مناهج الصوفية، فالمقصود أنك تُخفِّف على نفسك وتسلك العبادة التي تناسبك كالذكر والتسبيح، لا نلزمك بأن تقرأ في المصحف؛ لأن نفسك قد تفتر، وما ألزمك الله سبحانه وتعالى بذلك.

    وإن كان الصيام يضعفك ويحدث عندك ارتباكاً حتى في الطاعة وفي بعض الأمور، فعليك أن تتقي الله عز وجل، وتنتقل إلى عبادة أخرى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ[البقرة:60].

    فساد الأخوة وعلاجها

    السؤال: لي أخ في الله، ولكنه يغضبني في بعض الأحيان في حركات وسكنات تورث عندي الحقد والغضب، فماذا توصيني؟

    الجواب: أوصيك وأوصي هذا الأخ بتقوى الله عز وجل وحسن الخلق وأن تتحمل منه، وأن تريه من نفسك الخلق الحسن؛ علَّ الله سبحانه وتعالى أن يهديه، ولك أن تُعرِّض ببعض الأمور في الكلام بحيث لا يشعر أنك تنصحه: " إياك أعني واسمعي يا جارة" ويقال: اضرب العي يدري الجمل، فتقول مثلاً: دعنا نقرأ في ذم الحسد، فتأتي بكتاب فتقرأ في ذم الحسد، أو دعنا نتكلم عن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسعة حلمه وتعامله مع أصحابه، فحينها يعرف من قريب أو من بعيد، ويتعظ بإذن الله وتدعو له.

    العلماء وخشيتهم لله

    السؤال: يقول الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] يقول أحد العلماء: المراد بالعلماء: علماء الفلك والطبيعة، وليس الذين يعلمون علم الكتاب والسنة؟

    الجواب: إذا كان علماء الفلك والطبيعة هم الذين يخشون الله فما في الأرض من يخشى الله؛ لأن من علماء الفلك والطبيعة دنمركيون ومنهم فرنسيون!! فيصبح أهل ورثة الأنبياء والكتاب والسنة لا يخشون الله، ويصبح الذي كالكلب والخنزير هو الذي يخشى الله! صحيح أن بعض المسلمين من الذين أجادوا في هذا الجانب، وعندهم قدر من الكتاب والسنة ثم خشي الله عز وجل فهو محبوب ومأجور ومشكور، أما أن تُطِلقَ الكلمة على كل عالم فلك أو طبيعة؛ أنه يخشى الله أكثر من المسلم الذي ما عرف هذه العلوم، فلا. وهذا ليس بوارد، والأصل في الخشية: (أن يأتي أوامره وينتهي عن نواهيه).

    والعلماء إذا أُطلقوا فهم العلماء بالله عز وجل وبأمره، فالعلم بالله هو العلم بصفاته وما يجب له من كمال، والعلم بأيام الله؛ أي: ما أحدثه في الأمم، والعلم بأمر الله: هو علم الفقه في الدين وما يدور حول ذلك، وما زادك خشية فهو علم بالله.

    إذا نظرت إلى السماء فتفكرت وزادك هذا علماً، أو اكتشفت شيئاً وزادك علماً، فهو علم يقودك إلى الله سبحانه وتعالى.

    كل علم مفيد فهو مطلوب

    السؤال: هل ترى أن كل علم مفيد مطلوب في حدود الحاجة والفائدة؟ هل توافقنا على ذلك؟

    الجواب: نعم. أوافقك وأوقع على ذلك، فكل علم مطلوب للمسلمين يستفاد منه، وهو مطلوب بقدر الحاجة، وما زاد عن الحاجة فلا يستفاد منه.

    نسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين.