إسلام ويب

سنن الله في الكون والأممللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد سنَّ الله سبحانه سنناً يجري عليها نظام الكون، فلا تتبدل ولا تتغير، وهي كثيرة ومتعددة تشمل جميع المخلوقات، وقد ذكر الله في القرآن كثيراً منها حتى يراعيها الناس في حياتهم.

    1.   

    المقصود من سنن الله في الكون وبيان عمومها وتنوعها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    السنن: جمع سنة، والسنة هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تبارك وتعالى للبشر بناءً على سلوكهم وأفعالهم، وموقفهم من شرع الله وأنبيائه، وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة.

    إن معاملة الله تبارك وتعالى للبشر المطيعين والمسيئين، وللمعاندين لرسوله والمقبلين على دعوته؛ لها قانون عام يحكم البشر، وهذا القانون العام هو سنة الله تبارك وتعالى، ولها وجهان:

    الوجه الأول: قانون عام يحكم الكون بما فيه من جمادات ونبات وإنسان، فالإنسان تجد فيه الكبد في الناحية اليمنى ويقوم بوظيفة كذا وكذا وكذا! والمعدة تقوم بوظيفة كذا وكذا وكذا! كذلك قول الله تبارك وتعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:38-40]. فخروج الشمس طالعة من المشرق وغيابها في المغرب سنة من سنن الله تبارك وتعالى في الكون، والنظام المفترض لهذه السنن يدل على أن وراء الكون خالقاً عظيماً، وسنة الله تبارك وتعالى في إيجاد البشر من الماء المهين من سنن الله تبارك وتعالى في الكون، وسنة الله تبارك وتعالى في إخراج الولد من رحم الأنثى لا من الرجل من سنن الله تبارك وتعالى؛ فهذا الوجه الأول للقانون العام.

    الوجه الثاني: ما يتعرض له العباد من نعيم في الدارين أو من ذل وشقاء، نتيجة إقبالهم على كتاب الله تبارك وتعالى أو إعراضهم عنه.

    فمثلاً: سنة الله تبارك وتعالى في استدراج الظالمين، ومكر الله تبارك وتعالى بالماكرين، وجزاء الله تبارك وتعالى لمن بطر النعمة، وسنة الله في الظالمين لا تختلف ولا تتبدل ولا تتغير، يقول الله تبارك وتعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62].

    فهذا القانون لا يُحابي ولا يجامل أحداً، ولم يأت شيء من خلق الله تبارك وتعالى بالصدفة! يقول الله تبارك وتعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43] ، ويقول الله تبارك وتعالى بعد أن يقص أخبار الأمم السابقة: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] أي: لا تفعلوا صنيع القوم؛ فيكون جزاؤكم من جنس جزائهم.

    وإلا فما فائدة سرد قصص أنبياء الله تبارك وتعالى مع المعاندين والمشاقين والحائدين عن طريق الله تبارك وتعالى إن لم تكن للعظة والعبرة؟ ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر:43] يعني: ليس كفاركم من جنس ثانٍ أنظف من جنس أولئك، فإن عمّهم جنسٌ الكفر فالنتيجة واحدة والعقاب واحد، فهذه سنة من سنن الله تبارك وتعالى، فـأبو لهب لم ينطق بكلمة لا إله إلا الله! وطالما أنه حاد عن طريق الله وكفر بأنعُم الله فالجزاء المحتم النار والخلود فيها، وقد يجازيه الله تبارك وتعالى بما قدّم من خير للناس في دار الدنيا فيوفيه نصيبه فيها وليس له في الآخرة من نصيب.

    قال الله تبارك وتعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر:43]، ويقول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:51] ، ويقول الله تبارك وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123].

    واليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فسيتجاوز عن ذنوبنا، فقال الله تبارك وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123] فكل من يعمل سوءاً يلق جزاءه؛ لأن الجزاء بحسب سنة الله تبارك وتعالى أثر طبيعي لكفر الكافر أو لإيمان المؤمن، يقول الله تبارك وتعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:137-138] أي: لعل الناس يعودون إلى رشدهم، ويئوبون إلى طريق خالقهم عز وجل.

    فتدبر سنن الكون ووقائع الله تبارك وتعالى بالأمم السابقة أمر واجب على كل مؤمن؛ ليصحح المعاملة مع الله تبارك وتعالى.

    ومن سنن لله تبارك وتعالى: سنة ربط الأسباب بالمسببات، وربط النتائج بالمقدمات، وسنة الله تبارك وتعالى في قانون الهدى والضلال، ودفع الله الناس بعضهم ببعض، وسنة الله تبارك وتعالى فيمن اتبع هداه ومن أعرض عنه، وسنة الله تبارك وتعالى في الابتلاء وفي الفتنة، وسنة الله تبارك وتعالى في الظلم والظالمين، وسنة الله تبارك وتعالى في الاختلاف والمختلفين، وسنة الله تبارك وتعالى في المتساوين والمختلفين، وسنة الله تبارك وتعالى في الترف والمترفين، وسنة الله تبارك وتعالى في الطغيان والطغاة والمتكبرين، وسنة الله تبارك وتعالى فيمن بطر النعمة وجحدها، وسنة الله تبارك وتعالى في الذنوب والسيئات، وسنة أخرى في التقوى والإيمان والعمل الصالح، وسنة الله تبارك وتعالى في استدراج الظالمين، وسنة الله في المكر بالماكرين بالدعوة، وسنة الله في ثواب الدنيا والآخرة، وسنة الله في الرزق، وسنة الله في الفظاظة والغلظة وفي الرفق، فالرجل الفظ تنفر منه الناس عادة، فمن سنة الله تبارك وتعالى ألا يقبل الناس على رجل فظ غليظ القلب، وإنما يقبلون على من كان في قلبه رقة، ومن كان حسن المعاملة للناس.

    1.   

    سنة ربط الأسباب بالمسببات

    هذه السنن واقعة والقانون العام الذي يحكمها هو الشمول والعموم، والسنة الأولى من سنن الله تبارك وتعالى في الكون أن كل شيء بسبب، والنتائج لا بد لها من مقدمات، والمسببات لا بد لها من أسباب، يقول الله تبارك وتعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ [البقرة:22] فالفاء هنا السببية: فَأَخْرَجَ [البقرة:22] أي: أنزل المطر ليخرج به النبت، فجعل المطر سبباً لظهور المسبب وهو النبات.

    ويقول الله تبارك وتعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29] أي: علماً ونوراً في القلب يفرِّق به العبد بين الحق والباطل، والفرقان يحدث بسبب التقوى، فالتقوى سبب والفرقان مسبب عن التقوى.

    ويقول الله تبارك وتعالى في شأن الصائمين: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] أي: بسبب عملكم في أيام الدنيا كلوا الآن واشربوا.

    ويقول الله تبارك وتعالى: الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [إبراهيم:1] إذاً: أنزل الله تبارك وتعالى الكتاب لهداية البشرية، فاللام لام السببية، وما أنزل الله تبارك وتعالى القرآن عبثاً حاشاه، وإنما أنزله لهداية الناس إلى طريق الله تبارك وتعالى.

    ويقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    الرد على الأشاعرة في قولهم ليس هناك ربط بين الأسباب والمسببات

    بعض الناس ومنهم الأشاعرة يقولون: إن الله تبارك وتعالى قد يدخل النار أولى أوليائه، ويدخل الجنة أعتى أعدائه، وهذا قول الأشاعرة يدرسونه في الأزهر، ويتبعون ذلك لمحض الإرادة، يقولون: إن الله تبارك وتعالى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107] فيفعل أي شيء يريده.

    وقولهم هذا قول باطل؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يظلم أحداً، وقد أنكر الأشاعرة كل باء سببية في القرآن الكريم وأولوها وقالوا: إن النار لا تحرق بطبعها، يعني: لا توجد في ذاتها خاصية للإحراق، لكنك عندما تقرب منها الخشب تحرق. وهذا يصادم العقل؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الذي يقول هذا ليس عنده أدنى مسكة من عقل، فالمولى تبارك وتعالى جعل الشبع والغذاء سبباً لحياة الناس وبقائهم، والولد يخلقه الله تبارك وتعالى في بطن أمه بإلقاء ماء الرجل في رحم المرأة؛ فالمسببات تكون بأسبابها.

    ويقول الأشاعرة: إن الإنسان يشبع عند الأكل، أي: مجرد أن ينظر إلى الأكل يشبع، لكن علماء السلف يقولون: الإنسان يشبع لأن المولى تبارك وتعالى وضع خاصية الإشباع في الأكل، فإذا أكل الإنسان أكلة معينة لمدة معينة وبقدر معين يحصل الشبع بسبب هذا الأكل لا عند أكله، وهذه نقطة من نقط الخلاف الرئيسية بين الأشاعرة وأهل السنة والجماعة.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : يقول الله تبارك وتعالى عن القرآن: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة:16] فمن قال: يفعل الله عندها، أي: عند هذه الأسباب لا بها فقد خالف لفظ القرآن الكريم، ويقول: مع أن الحس والعقل يشهدان أن القرآن سبب لحصول الهداية، ويعلم الفرق بين الجبهة والعين في اختصاص أحدهما بقوة ليست موجودة في الآخر، فحاسة السمع أودع الله تبارك وتعالى فيها قوة للسماع، وحاسة البصر أودع الله تبارك وتعالى فيها قوة تختلف عن قوة السماع وهي قوة الإبصار، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ويعلم الفرق بين الخبز والحصى، أن أحدهما أودع الله فيه خاصية الغذاء والآخر لا يحتوي على هذه الخاصية؛ فأهل السنة والجماعة يقرون بربط الأسباب بالمسببات، وهذه سنة من سنن الله تبارك وتعالى في الكون.

    لكن الأشاعرة يقولون: ممكن أن يكون السبب موجوداً والمسبب عنه لا يحدث، مستدلين بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل الجنة أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) قالوا: مع أن الرجل يعمل صالحاً لكن من الممكن ألا يدخل الجنة، إذاً: السبب موجود والمسبب عنه الذي هو دخول الجنة قد لا يحصل وقد يحصل؛ وهذا لفهمهم الخاطئ للباء هنا، كما يقول الله تبارك وتعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] جعل الله تبارك وتعالى عملهم الصالح سبباً لدخول الجنة، إذاً: الباء هنا باء السببية وتفهم من الحديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) قالوا: هذه باء العوض، يعني: لا تظن أن عملك هذا تضعه في كفة ودخولك الجنة في كفة، وتقول: ثمن عبادتي أنني سأدخل الجنة، وعبادتي هذه تساوي دخول الجنة، صحيح أن دخول الجنة بالعمل، وميراث الدرجات أيضاً بالعمل، لكن هذا العمل ليس عوضاً عن الجنة، إذاً: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله) الباء هذه باء العوض والمقابلة، أي: لن تدخل الجنة مقابل هذا العمل الضئيل.

    أيضاً ربط المولى تبارك وتعالى بين الأسباب وبين التوكل على الله تبارك وتعالى، فالتوكل: علم القلب بكفاية الرب، وكما يقول ابن القيم : قال الإمام أحمد : التوكل عمل من أعمال القلب، لكن اتخاذ الأسباب عمل من أعمال الجوارح، فلا منافاة بين اتخاذ الأسباب وبين التوكل على الله تبارك وتعالى؛ فهذا عمل للجوارح وهذا عمل وعلم للقلوب، فتعاطي الأسباب لا ينافي التوكل، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) والاستعانة بالله هي عين التوكل على الله تبارك وتعالى، وقوله: (ولا تعجز) أي: ولا تعجز عن اتخاذ الأسباب.

    وإن قوماً قالوا: إنا متوكلون على الله تبارك وتعالى وخرجوا من الأسباب بالكلية، وهذا طعن في السنة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل: (اعقلها وتوكل) قال: أعقلها أو أتوكل؟ قال: (اعقلها وتوكل)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وكما قال الشاعر:

    توكل على الرحمن في الأمر كله ولا تعجزن يوماً عن السبب

    ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

    مع مباشرة آلام المخاض والولادة.

    قال:

    ولو شاء أدنى الجذع من غير هزّها لجذع ولكن كل شيء له سبب

    فلا بد أن تعتمد على الله تبارك وتعالى مع مباشرتك للأسباب، يقول أبو بكر الصديق للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى أسفل قدميه لأبصرنا، قال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ كل الأسباب لسرية عملية الهجرة، ثم توكل على الله تبارك وتعالى بعد ذلك.

    1.   

    سنة الله تعالى في اتباع هداه والإعراض عنه

    وهناك قانون يسمى قانون الهدى والضلال، يقول الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [التوبة:33] فالهدى هو دين الإسلام: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120].

    ومن يترك هدى الله يتركه الله تبارك وتعالى وما اختاره، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].

    فقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء:115] أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونكله إلى ما توكل عليه؛ لأن الله تعالى يقول: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32] فيتركه الله تبارك وتعالى للشياطين، ولكنه ينذره عذابه، يقول الله تبارك وتعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120] فالمخاطب بهذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم والمأمور بها الأمة، قال العلماء: الخطاب مع الرسول والأمر لأمته، وهذا قول العلامة ابن كثير ، مثل قوله تبارك وتعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145] فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد: أمته.

    فمن سنن الله تبارك وتعالى أن من يتبع هدى الله تبارك وتعالى لا يخاف ولا يحزن، لا يحزن على ما فات ولا يخاف من الآتي؛ لأنه يرضى بقضاء الله تبارك وتعالى، ويعلم أن سبيل الهدى يكسبه الخيرات والدرجات عند الله تبارك وتعالى، فالله تبارك وتعالى يعد من اتبع هداه وسنته بسعادة الدنيا والآخرة، يقول الله تبارك وتعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] قال ابن عباس : تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، هذه سنة من سنن الله في الكون.

    وقد يقول قائل: أنا أقرأ القرآن وأعمل بما فيه، لكنني أشعر بضيق، نقول: من سنن الله تبارك وتعالى أنك لو قرأت القرآن وعملت بما فيه لا يضلك الله في الدارين، ولا يجعل الشقاء يعرف طريقاً إلى قلبك؛ لأن مفاهيمك للحياة ستتغير، فإذا فهمت القرآن وعملت بالذي فيه، وأصابك ضيق في الرزق فإنك ستصبر وتعلم أن هذا قضاء الله وقدره، قال تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:131-132] فطالما أنك مع القرآن فالعاقبة والخير لك، إذاً: لا يوجد شقاء.

    ولو رأيت أخاً يقول لك: أنا حامل لكتاب الله، لكنني أشعر كأن صدري يصعّد في السماء، فقل له: لقد أخطأت الطريق، ما هكذا يا سعد تورد الإبل، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:124-126]؛ فأقسم بأسماء الله تبارك وتعالى أن الذي يُعرض عن طريق الله ولا يريد أن يطبّق حكم الله تبارك وتعالى أن حياته كلها نكد، وإن فعل وفعل، وإن أظهر أنه سعيد في حياته، كما قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذل من عصاه!

    فأنت في نعمة! ومن النعمة أن تدخل المسجد وليس معك حرس لا من أمامك ولا من خلفك، ومن النعمة أن تمشي في الشارع في الوقت الذي تريد وفي المكان الذي تريد، فإن رئيس أي دولة يقول: أنا المعتقل الوحيد في هذا البلد؛ لأني لا أستطيع أن أمشي دقيقة واحدة بدون حرس، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ليس المحبوس من حبس عن ربه، وإنما المحبوس من حبسه هواه، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:124-126] وهذه سنة من سنن الله تبارك وتعالى في الكون..

    فمن سنة الله تبارك وتعالى في الكون: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] يقول ابن القيم : إن شيخ الإسلام ابن تيمية كان من أفقر الناس، فكُنا إذا ضاقت بنا الدنيا فما هي إلا أن نجلس إليه برهة فنقوم وقد نفضنا عنا الدنيا بأكملها؛ فالذي يعمل عملاً صالحاً لا بد أن يرزقه الله تبارك وتعالى حلاوة هذا العمل، فيحس بشوق إلى الله تبارك وتعالى وإلى الدار الآخرة، فالمؤمن يصاحب الناس ببدنه وروحه معلقة بالملأ الأعلى، هذه هي الحياة الطيبة.

    ومن أعرض عن ذكر الله تبارك وتعالى يقيض له الله شيطاناً فهو له قرين.

    ومن الناس من يعمل مع الجن، واعلم أنه لا يوجد جني مسلم يخدم ساحراً أو كاهناً أو يؤذي الآخرين؛ يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:36-39].

    فأهل المصائب يشتركون في مصيبة واحدة ويخفف عن أحدهم بعض مصابه عندما ينظر إلى مصيبة غيره؛ ولكن هؤلاء لا ينفع بعضهم بعضاً وهم في النار، ولا يوافي بعضهم بعضاً؛ يقول الله تبارك وتعالى: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59] أي: تفرقوا أيها المجرمون.

    وإن كان للعبد المؤمن في الجنة خلان يجتمع بهم وأصدقاء، فإنه يتقابل مع إخوته على الأرائك، أما أهل النار فيقول عنهم الله تبارك وتعالى: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ [يس:59] يعني: انفصلوا فلا اجتماع بينكم، وإنما يُحبس كل منهم في تابوت من النار وآخر الأمر لا يَرى ولا يُرى، بل يقيّض الله له شيطاناً سواء أكان الشيطان من الشرق أم من الغرب، فالكل شياطين، يقول الشاعر:

    روسية ماذا جنيتم بعدها غير الجنون

    يقول: هذا كاسترو ولينين وإستالين وماركس وغيرهم، وبعد أن انتهت روسيا والاشتراكية قالوا: نذهب إلى أمريكا!

    روسية ماذا جنيتم بعدها غير الجنون

    ماذا جنيتم واسألوا سينا وأطراف الحدود

    أو فلتكن غربية تعطيكم شهد العهود

    فليعطكم متران نصراً في الجرائد من بنود

    نحن يا مقداد أوفى بالعقيدة بالعهود

    بالعقيدة سوف نمضي إخوة حتى نعود

    1.   

    سنة التدافع بين الحق والباطل

    ومن سنن الله تبارك وتعالى في الكون: قانون التدافع بين الحق والباطل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40].

    وتعرفون ما حدث في عهد جمال عبد الناصر ، فالمسلمون كانوا في اضطهاد وتضييق، حتى إنهم كانوا يصلون ويخرجون فيقولون: رجال الشرطة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! ولكن شاء الله أن يدفع الباطل بالحق، قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الحج:40] وهناك بعض الناس كما يقول القرضاوي: في الشر معجون به منقوع.

    فمن سنن الله تبارك وتعالى التدافع بين الحق والباطل، وسنة الله في هذا التدافع أن الغلبة للحق وأهله، ولكن من الممكن لكثرة الضربات التي لحقت بالحركات الإسلامية من مكر الماكرين أن يصيب بعض الإخوة الوهن، ويظنون أن الله يخلف وعده! وليس الأمر كذلك يقول الله تبارك وتعالى: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ [الشورى:24].

    ويقول تبارك وتعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18].

    ويقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81].

    فمن كان بيته من زجاج فلا يرمي بيوت الناس بالحجر، فقوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] أي: لا يجعل عمل المفسدين صالحاً، وقال الزمخشري في تفسيرها: لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار، فانظر كم من أفلام ومسرحيات عُملت، وفي الأخير يقول صاحب الأفلام والمسرحيات: سنة من سنن الله تبارك وتعالى في الكون أن الله تبارك وتعالى لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] .

    1.   

    سنة الله في نصر المؤمنين على الكافرين

    سنة الله تبارك وتعالى في نصر المؤمنين لا تختلف؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح:22-23].

    ويقول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [الأنعام:34] .

    ويقول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173] .

    ويقول الله تبارك وتعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21] وهذه الكتابة لا تتبدل ولا تتغير.

    ويقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52].

    يقول العلامة ابن كثير : وهذه سنة الله تبارك وتعالى في خلقه من قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين، ويقر أعينهم ممن آذاهم.

    ويقول السدي : لن يبعث الله عز وجل رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلونهم، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل بهم ذلك في دار الدنيا، وهذا وعد الله تبارك وتعالى.

    فالنصر قد يتأخر لنصر أكبر؛ وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالمؤمنين، فالفتح الأعظم هو فتح مكة وقد تأخر من بداية دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى سنة (8 هـ) قبل موت الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين فقط، فقد كان هناك انتصارات؛ ولكن النصر النهائي كان قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين؛ ولا بد أن يحدث قبل النصر أذىً وتمحيص، كما قيل للإمام الشافعي : يبتلى الرجل أم يمكن؟ قال: لا يمكّن حتى يُبتلى، ولذلك نقول لكل الإخوة السلفيين: الإنسان لا يتمنى البلاء أبداً، ولا يتمنى السجون أبداً، نود لو دمرت السجون وخرج منها كل الموحدين!

    وقد تتعدد صنوف الابتلاء، وطالما أنك على الجادة فلا بد من ابتلاء؛ والابتلاء قد يكون بالفقر، وقد يكون بالمرض، وقد يكون بزوجة غير صالحة، وقد يكون بفتنة الأولاد، وقد يكون بنقص من الثمرات وبموت ولد، وبطء في الرزق، وبمرض معين، وليست الفتنة أن تكون في سجن فقط! وهذه هي سنة الله تبارك وتعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:140-141].

    فلا بد من التمحيص؛ لأن من يريد جوار بلال وعمار لا بد أن يكون على طريقتهم، فـعمار رضي الله عنه ما كان يكفر أحداً إلا الكافرين، كذلك ابن تيمية الذي أُلقي في السجن حتى مات ما ذهب ليكفر الناس الذين عذبوه في السجن، والمعتزلة اختلفت الأمة في تكفير أعيانهم، والرأي الأقوى أنهم لا يكفرون، ومع أن المأمون كان يقول بفكر المعتزلة لكن لم يكفره الإمام أحمد بن حنبل.

    فسنة الله تبارك وتعالى أنه لا بد من التمحيص، والذي يتصور أن الحركة الإسلامية من الممكن أن تستقر وتنتشر في ربوع البلاد بدون تمحيص فليجلس في بيته، يقول ابن القيم : أول الأمر بذل الدم وإلا فدع عنك الترهات.

    ويقول أيضاً: أين أنت يا مخنث العزم والطريق طويل، تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وأُلقي في النار إبراهيم، وأضجع للذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بالبكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن لن نكون أكرم على الله تبارك وتعالى من رسوله الذي أوذي وشد الحجر على بطنه من شدة الجوع، بل إن يوسف عليه السلام كان أميناً على خزائن الأرض وكان لا يشبع، فسئل عن ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع، ونحن نقول: إنّا على الدرب سائرون، ولكننا ما شددنا حجراً في يوم من الأيام، وما ابتلينا.

    إن سيدنا أبا بكر صدِّيق هذه الأمة ضُرب بالنعل على وجهه من قبل عقبة بن أبي معيط وكان ينزو على بطنه حتى أقبلت بنو تيم وهم لا يشكون في موته ولا يعرفون أنفه من وجهه، وتقول أسماء : وجعل أبو بكر رضي الله عنه لا يمس شيئاً من شعره إلا وسقط معها شيء من لحم الرأس.

    فإذا أردت أن تلحق بركاب الناس فعلى الأقل ادع إلى الله تبارك وتعالى، وتعلم شيئاً ينفعك في دينك، فلو ضاقت علينا الدنيا كلها، فعلى كل واحد أن يمسك عائلته ويدعو فيها؛ وليقم الرجل خطيباً في قبيلته، حتى لو سدوا عليك أبواب الدعوة وأودعوك السجن، ولم يبعثوا أحداً ليتقصى أخبارك! فأقل شيء أن تدعو عائلتك، وقد يتأخر نصر الله تبارك وتعالى لعدم وجود الإيمان، أو لعدم كماله؛ فهذا الشيخ عبد الكريم زيدان يقول: واقع المسلمين لا ينقض سنة الله في نصر المؤمنين، إن سنة الله في نصر المؤمنين قررها الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، وهي سنة مؤكدة يقيناً لا يخالطنا فيها ذرة من الشك بسبب ما يُرى من واقع المسلمين من كونهم مغلوبين لا غالبين، بل مقهورون من قبل أعدائهم غير منصورين عليهم؛ لأن هذه السنة وهي نصر المؤمنين حين يكونون موصوفين بأوصاف الإيمان وبمعانيه التي بينها الله في كتابه، لا بمعاني الإيمان في مخيلاتهم ومقاييسهم بأمانيهم، فإن انتصارهم على أهل الباطل كائن.

    1.   

    سنة الله أن للقوة المادية تأثيرها في النفوس

    أيضاً من سنن الله: أن للقوة المادية تأثيرها في النفوس.

    فمن الناس من يقول: لن ننتصر ما دمنا قلة، نقول له: قال الله تبارك وتعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ [الأنفال:43].

    إذاً: للقوة المادية مع القوة المعنوية تأثير في النفوس، وإن كانت القوة المادية مفقودة عند الصحابة يوم بدر لكن الله نصرهم: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال:43] .

    وفي وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجنده: إنما ينصر الله تبارك وتعالى المسلمين بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا بالقوة، وإن لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله.

    هذه سنة الله تبارك وتعالى في نصر أوليائه وهزيمة أعدائه.

    1.   

    سنة الله أن على الجماعة المسلمة تجنب الرياء إن أرادت النصر

    أيضاً من سنن الله تبارك وتعالى في الكون: أن على الجماعة المسلمة التي تريد النصر أن تتجنب الرياء والشبهات:

    فأول من تسعر بهم النار ثلاثة، منهم رجل ظن نفسه مجاهداً في سبيل الله، وكما يحدث الرياء في الأفراد فقد يحدث الرياء في جماعة من الجماعات، يقول الشيخ عبد الكريم زيدان : وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب الرياء في عملها، وألا تحرص على ثناء الناس ولا على رضاهم مطلقاً؛ لأن الرياء يفقد الجماعة تأييد الله ورضاه، وإنما عليها أن تحرص على رضا الله تبارك وتعالى.

    يقول: ولكن هذا لا يعني أنها لا تتوقى سخط الناس ولا ترغب في رضاهم! فرضا الناس يؤدي إلى ثقتهم بالجماعة، والثقة شيء مطلوب ولكن لا يجوز لأي اتجاه أن يطلب رضا الناس بسخط الله تبارك وتعالى.

    1.   

    سنة الله في الابتلاء والتمحيص

    ومن سنن الله تبارك وتعالى قانون الابتلاء، وأنه لا بد من الفتنة:

    يقول الله تبارك وتعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] فلا بد من الفتنة إما بالمال وإما بالأمراض والأوجاع وغير ذلك.

    يقول الله تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31] إذاً: البلاء سنة من سنن الله تبارك وتعالى.

    ويقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7].

    ويقول تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155].

    ولكن الابتلاء بين الناس يتفاوت، فقد جرت سنة الله تبارك وتعالى في الابتلاء أن البلاء على قدر الإيمان؛ فأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون والعلماء الأمثل فالأمثل، ويمتحن الله تبارك وتعالى المؤمنين بالشدائد كما يمتحنهم بالجهاد ويمتحنهم بأنواع الأذى.

    وقد يبتلي الله تبارك وتعالى الأمة الكافرة عسى أن ينفعها هذا البلاء، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94].

    والله تبارك وتعالى يبتلي أيضاً مدّعي الإيمان: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    والله تبارك وتعالى قد يبتلي العبد بفتنة النعمة وهذه سنة من سنن الله تبارك وتعالى، وكثير من الناس لا يصمد على فتنة المال؛ يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.

    فمن الممكن أن تلقى أخاً يرابط على صلاة الجماعة في الصف الأول طالما أن لديه أكل يوم فقط! فإذا ما أغناه الله غاب عن صلاة الجماعة؛ ولذلك قال تعالى: فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:49].

    والله تبارك وتعالى هو المتفرد بامتحان عباده، وقد أمرنا أن نتعوذ من الفتن، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال).

    ويقول الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة:5] جاء في التفسير: أي: لا تظهرهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ولا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا.

    والله تبارك وتعالى حين يبتلي الجماعة المسلمة لا يبتليها ليعذبها وإنما يبتليها ليهذبها؛ وهناك كلام طيب للشيخ عبد الكريم زيدان في سنة الابتلاء يقول: والمحن إن كانت مما جرت به سنة الله في ابتلاء عباده فهي تمحيص وتمييز للصادق من الكاذب، وللخبيث من الطيب، وهذه السنة تسري على الجماعة المسلمة، ولكن حذار أن تجلب الجماعة المسلمة المحن لنفسها أو تستعجل وقوعها لها، مدفوعة بالحماس لنصرة الإسلام أو مستحضرة في نفسها أن المحن والشدائد لابد منها، وأنها بدون المحن تنصب عليها التهم بالضعف والخور والقصور في خدمة الإسلام.

    ويقول: استعجال المحن جهل من الجماعة المسلمة، أعني بهذا الجهل: جهل الجماعة المسلمة بمعنى سنة الله في الابتلاء والفتن والامتحان وما يجب عليها.

    يقول: لا يعني ذلك وجوب أو استحباب أو إباحة أن تجلب الجماعة المحن لنفسها وتتعمد الوقوع فيها، كما لا تعني هذه السنة عدم جواز الحذر أو الوقاية! فالموقف الصحيح للجماعة المسلمة أنها لا تستغرب الفتن إذا أصابتها المحن أو الشدائد، ولكنها لا تستعجل الوقوع فيها ولا تتمنى الوقوع فيها، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو)، ويقول الله تبارك وتعالى عن نبيه إسماعيل: قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102] لم يقل: ستجدني من الصابرين؛ فالذي يصبر من صبّره الله تبارك وتعالى.

    يقول الشيخ عبد الكريم زيدان: رياء الجماعة المسلمة يجلب لها المحن، وقد يكون الدافع للجماعة المسلمة في سعيها لجلب المحن لنفسها هو رياؤها وطلبها السمعة لنفسها عند الناس، وهذا الدافع للعمل داء قديم في الجماعات وفي الأفراد، ولكن ضرره في الجماعة المسلمة أشد من ضرره بالأفراد والجماعات الدنيوية، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: (بشر هذه الأمة بالثناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب) وإذا لم يحصل ثناء ولا رفعة ولا تمكين في الأرض فذلك لأنه يوجد رياء، وليس هناك إخلاص.

    وأيضاً من المحاذير في هذا الباب وفي هذه السنة: أنه (لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه) ؛ وهذا حديث صحيح: كيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيق) أي: أنه يعرض نفسه لأمر يعلم أنه يؤدي إلى الفتنة، وأنه سيحلق لحيته.

    فالإنسان يتقي الله تبارك وتعالى في إخوانه، ويتقي الله تبارك وتعالى فيمن حوله وفيمن وراءه.

    1.   

    سنة الله تعالى في أخذ الظالمين بالظالمين

    وأيضاً من سنن الله تبارك وتعالى: قانون الظلم:

    فإن الله تبارك وتعالى حرّم الظلم على كل شيء، وأن الظالم لا بد له من عقوبة في الدنيا قبل الآخرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة به في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم).

    وانظروا في تاريخ مصر أو في تاريخ الدول قاطبة: كيف حال الظالمين؟ وأين حال الظالمين؟ ذهبوا إلى مزبلة التاريخ، مشيعين بلعنات الصادقين؛ فهؤلاء أرادوا أن يدخلوا التاريخ فدخلوا التاريخ من أنجس أبوابه.

    فمن السنن أن الله تبارك وتعالى قد يعاقب الظالم بتسليط ظالم عليه، قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] يعني: ينتقم الله تبارك وتعالى من ظالم بظالم، ولذلك كانوا يقولون للحسن البصري : ندعو على الحجاج ؟ نخرج على الحجاج ؟ قال: إن الحجاج كان عقوبة من الله تبارك وتعالى، وعقوبة الله لا تغير بالسيف وإنما بالتوبة.

    وذلك أن أهل العراق لما ظلموا وخرجوا عن طاعة علي رضي الله عنه دعا عليهم كما يقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية فقال: اللهم سلط عليهم فتى ثقيف الذيّال الميّال يبيد خضراءهم، ولم يولد الحجاج بعد.

    يقول الإمام ابن القيم: فأعمال القوم عمّالهم، يعني: أن ولاتنا على قدرنا، وإن ولاة الصدر الأول من الصحابة على قدرهم، ويأبى عدل الله أن يولي علينا أمثال معاوية بن أبي سفيان فضلاً عن أبي بكر وعمر .

    والعجيب أنه إذا اختلفت الجماعات الإسلامية لا يلجئون إلى مثل تحاكم معاوية وعلي رضي الله عنهما، فإن علياً لما اختلف مع معاوية وحدث بينهم من القتال ما حدث، قال لـضرار: يا ضرار ! صف لي علياً ؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: والله لا أعفيك، فجعل يصف علياً قال: كان غزير الدَمعة، قصير الثوب، أشهد والله لقد رأيته في ظلم الليل وهو يتململ تململ السليم ويقول: يا دنيا! إليكِ عني لقد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها.

    قال: كيف حزنك عليه يا ضرار ؟! قال: كحزن من ذُبح وحيدها في حجرها.

    فبكى معاوية حتى بل ثوبه وقال: رحمك الله يا أبا الحسن! وأنت اليوم إذا اختلفت مع أخ لك فإنك تسبه وتلعنه، يعني: كل حسناته تضعها في التراب ولا ترى فيه إلا الشيء السيئ؛ هذا في تعاملات الناس مع إخوانهم، ولم نصل بعد للخلافة ولم نصل إلى الإمبراطورية، بل ما زلنا على الرصيف نمشي، ومن الناس من يقول: نعم والله العظيم، لقد حصل من فتنة علي ومعاوية الضرر الكثير وذهبت الألوف المؤلفة، وهاهو ابن القيم يقول: ويأبى عدل الله أن يولي علينا أمثال معاوية فضلاً عن أمثال أبي بكر وعمر ، يعني: ليس من سنة الله في الكون أن يولي علينا أمثال أبي بكر وعمر إلا إذا كنا على نهج الصحابة تماماً، قيل لأمير المؤمنين علي : ما بال الثورات قد كثرت في عهدك ولم تكثر في عهد أبي بكر ؟ قال: لأن أبا بكر كان أمير على مثلي وأنا اليوم أميراً على أمثالكم، كما تكونون يولى عليكم.

    1.   

    سنة الله في الظالمين أنهم لا يفلحون أبداً

    ومن سنة الله تبارك وتعالى أن الظالم لا يفلح أبداً:

    يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:135].

    ويقول الله تبارك وتعالى مبيناً أن الأمة تهلك بظلمها: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنعام:45] أي: تهلك الأمم بالظلم، وهلاك الأمم الظالمة له أجل محدود، فقد يملي الله تبارك وتعالى للظالم ولكنه إذا أخذه لم يفلته.

    1.   

    سنة الله أن الدولة تبقى مع كفرها ولا تبقى مع ظلمها

    وأيضاً من سنن الله تبارك وتعالى: أن الدولة قد تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم:

    يقول الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] فالدولة الكافرة قد تكون عادلة، بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس، والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم، فهذه الدولة مع كفرها تبقى، وهذه سنة الله في الكون؛ إذ ليس من سنته إهلاك الدولة بكفرها فقط، لكن إذا انضم إلى الكفر ظلم حكامها للرعية، وتظالم الناس فيما بينهم هلكت هذه الدولة.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.

    ويقول أيضاً: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، حتى وإن كان الناس مسلمين فلن يبقوا وهم ظالمون، فليتقوا الله تبارك وتعالى حتى لا تخرب البلاد؛ فمن آثار الظلم خراب البلاد، يقول الإمام القرطبي: إن الجور والظلم يخرّب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها، وترفع من الأرض البركة، يقول الله تبارك وتعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل:52] .

    1.   

    سنة الله تعالى في خلاص الصالحين من فتنة الظالمين

    ومن سنن الله تبارك وتعالى أن الصالحين لا يفتنون من الظالمين على الدوام:

    ففي صحيح الإمام البخاري : قال إبراهيم النخعي : كان الصحابة يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا.

    والتعاون مع هذه السنة أن الإنسان لا يركن إلى الذين ظلموا، يقول سعيد بن المسيب : لا تملئوا أعينكم من أعين الظلمة إلا وأنتم لهم منكرون؛ حتى إنهم كانوا يتحاشون الدخول على الأمراء أيام دولة الخلافة، فقد كان سعيد يقول: إذا رأيت العالم يرتاد مجالس الأمراء فاعلم أنه لص.

    1.   

    الأسئلة

    التحذير من خرافات الصوفية

    السؤال: أعلمكم بأنني بعد عناء كبير وبحث وتنقيب هداني الله تبارك وتعالى إلى أصحاب الدعوة الصحيحة، ألا وهي الدعوة السلفية، فهي الفرقة الناجية إن شاء الله، بعد أن كنت قبورياً صوفياً، وأطلب من العلماء أن يكثروا من دروس العلم، وأن يكثّفوا جهودهم لهداية الناس وخاصة ضد الصوفية، فهي الخطر الدائم ضد التوحيد، وأقسم لكم بالله إنهم يقولون كلاماً ويعتنقون معتقدات أكثر كفراً وشركاً من اليهود والنصارى والكفار عامة؛ فأحيطكم علماً أن هذه الطرق الصوفية شركية تسري وتنتشر بسرعة الصاروخ، ولها جنود يعملون على انتشارها، وأصحاب الدعوة نائمون عن هذا! فهم أكثر خطراً من العلمانيين؛ فهم يجعلون من سيدنا محمد إلهاً، كما أُعرّفك أنني من بلدة تابعة لمحافظة المنية ولا يوجد فيها أكثر من عدد الأصابع يتبعون الدعوة السلفية، ومعظم أهل البلدة يتبعون الطرق الصوفية، وعددها يقرب من الثلاثين ألفاً.

    وبعد فمرفق هذا الخطاب أحاديث يوزعونها على الصوفية، وهي بعض من أحاديث كثيرة.

    الحديث الأول: نور النبي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله نوري قبل كل شيء

    الجواب: وهو حديث لم يقله الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً يقول الشيخ الشعراوي نسأل الله أن يعفو عنا وعنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر !) وهذا القول الذي ينسبونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أساس له من الصحة، وأصل هذا راجع لنظرية عند الهنود وعند محيي الدين بن عربي اسمها: الحقيقة المحمدية، فالهنود يقولون: أول ما خلق الله الكلمة، وبالكلمة خلق كل شيء؛ هذا اعتقاد الهنود في كتابهم: زندة فتة، والصوفية يقولون في الحقيقة المحمدية: أول ما خلق الله الحقيقة المحمدية وبها خلق كل شيء؛ وهذا مخالف للفطرة وللعقل السليم؛ لأن أبا البشر خُلق من طين، ثم جعل نسله من ماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم من نسل آدم، من سلالة من ماء، هذا هو الصحيح.

    وكان هناك عندنا شيخ صوفي آثاري كبير يقول: الذين يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد ولادة طبيعية، مثل ما يجري ما بين الرجل وامرأته من جماع صحيح هذا يستحق الضرب! فالرسول صلى الله عليه وسلم شق له فتحة غير المجرى التناسلي تماماً خرج منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل هذا مع الشركيات التي عنده يقول لهم: الجمعة الآتية سأكون في البلدة الفلانية، وهكذا ضربت الصوفية بشركياتها على البلدة.

    ومن الصوفية من يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات:7] صلى الله عليه وسلم، فطالما أن هذا قول لا يتبدل، ويعلم أن فيكم رسول الله؛ إذاً: يقولون بنظرية التناسخ، فيقولون: انتقلت روح النبي صلى الله عليه وسلم إلى قائم العصر الذي يدعى عز الدين ومعنى ذلك: أن هذا الكلام يقول بالتناسخ الذي يقول به الفلاسفة.

    الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة

    السؤال: كيف نوفق بين أن ندعو إلى الله تبارك وتعالى ونحن نتوقع البلاء، وبين ألا نعرِّض أنفسنا لما لا نطيق؟

    الجواب: الإنسان لا بد أن يعرف أن هناك حداً معيناً للتعامل مع الظالمين، فهو مثلاً يعلم أنه مهما استخدم القوة المسلحة لن يغيّر شيئاً، فيستجلب الضرر على نفسه وعلى جماعته ودعوته، كما وقع معنا ونحن في بني شريف، فإن مجرد حصول اعتداء على ضابط شرطة؛ أسفر عنه الضرر على بقية الدعاة، فقد حبس ثلاثمائة وخمسون داعية، فالأصل فيهم وإن كانوا ظالمين أنهم مسلمون، وإهدار دم المسلم نحاسب عنه أمام الله تبارك وتعالى، ومتى رخُص الدم رخُص كل شيء، فالإنسان يتقي الله تبارك وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] ليست على عجلة، والمفروض أن الحركات الإسلامية تعي الدرس جيداً، وماذا بقي حتى يفيق الناس ويتقون الله تبارك وتعالى فيما تبقى من الحركة.

    فقد قامت الحركة الإسلامية قبل عام (1981م) منطلقة من المدينة الجامعية، حتى قال مدير المدينة الجامعية: يا إخوة! كأنكم دولة داخل دولة، فالمطعم نحن الذين نشرف عليه، والذي لا يصلي نأتي به ليصلي، والدجاج يذبح بطريقة إسلامية، ولا يوجد نصراني في المدينة، فقد جعلناها مدينة إسلامية، إلى أن انتشر خبرها أمام مجلس الشعب، وتكلمت بها إذاعة بريطانيا، ولكن الناس لم يرعوا هذه النعمة، فوالله لقد كنا نفعل في المدينة ما لا يفعله مدير المدينة الجامعية نفسه، أما الآن فإن الدعوة في القرى محاصرة، ومداخل المحافظات ومخارجها محاصرة، فأنت قد تدمر دعوتك بسبب تصرفك.

    علامات البلاء

    السؤال: كيف أعرف أن إنساناً مبتلى من الله عز وجل، وهل هناك علامات لذلك؟ وما الذي يجب على الناس في شدة البلاء؟

    الجواب: إن أعطاك الله مالاً ثم نمت عن صلاة الفجر شهراً أو سنة فهذا بلاء؛ فكلنا أعلم ببلائه والله أعلم، وإن أعطاك الله زوجة لا تعينك على الطاعة فهذا بلاء، وإن أعطاك الله أولاداً يكثر منهم الأخطاء فهذا بلاء، وكل أعلم ببلائه.

    حكم المسافر الذي يدخل المسجد وقد بقي من الصلاة ركعتان

    السؤال: رجل كان في سفر فدخل المسجد فوجد جماعة وعلم أنه بقي من الصلاة ركعتان فنوى القصر وصلى ركعتين، فما حكم صلاته؟

    الجواب: هذا القول جائز في قول مرجوح عند الأحناف، ونقل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ولكن هذا مرجوح وضعيف، والعمل على خلافه والله أعلم.

    السنة صيام ثلاثة أيام من كل شهر

    السؤال: هل يجوز صيام التاسع والعاشر والحادي عشر من هذا الشهر، ثلاثة أيام متصلة؟

    الجواب: نعم، هذه هي السنة والله أعلم.

    جواز فطم المرضعة طفلها قبل عامين

    السؤال: ما حكم الإسلام في امرأة حامل تُرضع طفلها الرضيع، هل تفطم طفلها وقد قال الله تبارك وتعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان:14]؟

    الجواب: أقصى مدة للرضاعة عامان، ولكن يجوز لها أن تفطمه قبل ذلك، والله أعلم.

    وجوب ستر المعاصي ما لم يكن صاحبها مجاهراً بها

    السؤال: شاب أقبل على علاقة مع سيدة متزوجة ...؟

    الجواب: الستر أولى يا إخوة! اتقوا الله تبارك وتعالى.

    وجوب الذهاب إلى طبيب مسلم

    السؤال: إني مسافر للعمل في الخارج، وأشكو من خشونة في الركبة وذهبت للعلاج عند طبيب نصراني فقال لي: لا تثن ركبتك، وصلِّ على كرسي؟

    الجواب: اذهب إلى طبيب مسلم أولاً، والخشونة في الركبة قد تكون من نقص اليود وغيره، فمن الممكن أن تتعالج بسهولة جداً، والله أعلم.

    حكم الجهر بالبسملة والإسرار بها في الصلاة الجهرية

    السؤال: أغلب الأئمة في صلاتهم لا يجهرون بالبسملة، وهذا قول الجمهور، فلماذا يحرمون الناس من سماع البسملة؟

    الجواب: لأنه هو الرأي الأقوى، والذي عليه جمهور أهل العلم.

    حكم إعفاء اللحية

    السؤال: ما حكم إعفاء اللحية إذا كانت تسبب عقوق الوالدين؟

    الجواب: لا تحلقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهذه فتوى الشيخ ابن باز .

    نصيحة لمشاهدي مباريات كرة القدم

    السؤال: يا حبذا من نصيحة للشباب، يقولون: في هذه الليلة يبدأ كأس العالم لكرة القدم!

    الجواب: نحن لدينا مباراة كبيرة جداً في البوسنة والهرسك والفلبين، وهي جماجم أطفال المسلمين، فاتقوا الله تبارك وتعالى، فإن الرجال عندما تميل تميل النساء، ونحن لا نحرم شيئاً أحله الله تبارك وتعالى، ولكن اتق الله تبارك وتعالى واسأل نفسك هل تعطي لنفسك من دروس العلم والقرآن ما تعطيه لكأس العالم؟

    فالواجب عليك أن تحمل هم الإسلام، فإن الشيخ ابن عثيمين أفتى أنه لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفر لمشاهدة مباراة كأس العالم، لكنك ترى السعوديين فرحين لوصولهم إلى نهائيات كأس العالم، وكأنهم حرروا القدس، فأفتى الشيخ ابن عثيمين بأنه يحرم ذلك، فنحن نقول: اتقوا الله تبارك وتعالى فما يجري في الدعوة من مباريات كثيرة تدار في الخفاء أولى أن تنتبهوا لها، فاللعب لا تستطيع أن تقول: إنه في ميزان حسناتك، ولكنك عندما تدعو واحداً سيكون في ميزان حسناتك: (لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها) فلو أنك ذهبت لأحد جيرانك وقعدت معه ناصحاً لكان أفضل لك، بدلاً من أن تقف مع ماردونا! ولن يجعله الله في ميزان حسناتك يوم القيامة، فنحن نريد من الإخوة أن يدعوا إلى الله تبارك وتعالى، ويعمروا المراكز دعوة إلى الله تبارك وتعالى.

    المؤمن يتحرى الإخلاص في العمل

    السؤال: قد يعمل الإنسان العمل لا يرجو به إلا وجه الله ولكن قد تحدثه نفسه بما فيه الرياء؟

    الجواب: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، فإذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة وقال لك: أنت مراءٍ فزد فيها.

    حكم الزواج العرفي

    السؤال: نرجو إلقاء الضوء على حكم الزواج العرفي؟

    الجواب: الزواج بوجود القاضي والشهود الأكثرون من أهل العلم يقولون: إنه زواج فاسد، قالوا: لا نكاح إلا بولي، والله أعلم.

    فما بالك بقولك: زوجتكِ نفسي، وقولها لك: زوجتكَ نفسي؟!

    تحريم المجاهرة بالمعاصي

    السؤال: ما حكم من ارتكب جريمة؟

    الجواب: اتق الله يا رجل! واستر على نفسك يسترك الله يوم القيامة.

    حكم صيام تاسوعاء وعاشوراء

    السؤال: ما حكم صيام تاسوعاء وعاشوراء من شهر محرم؟

    الجواب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى الناس بموسى) ثم خالفهم قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) فالإنسان يجمع بين صيام التاسع والعاشر مخالفة لليهود.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.