إسلام ويب

مفتاح الهدايةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً).

    هذه صفحات مشرقة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تبين أخلاقه الخاصة والعامة، يتجلى فيها: الصدق، والصبر، والجود، والشجاعة، والزهد، والتواضع، والحلم، والرحمة، وذكر الله، والدعوة إلى الله، والطموح إلى المعالي.

    1.   

    قبس من سيرة الرسول العطرة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن والاه.

    أما بعد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    فهذه محاضرة: (مفتاح الهداية) لا أستطيع أن ألزم الحياد في كتابتي عن أحب إنسان إلى قلبي -عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم- لأنني لا أكتب عن خليفةٍ من الخلفاء له جنودٌ وبنود، ولديه حشود، وعنده قناطير مقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ولكني أكتب عن الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    ولن ألزم الحياد؛ لأنني لا أتكلم عن سلطانٍ من السلاطين، قهر الناس بسيفه وسوطه، ولكنني أتكلم عن معصوم شرح الله صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.

    ولن ألزم الحياد؛ لأني لا أتكلم عن شاعرٍ هدار، أو خطيبٍ ثرثار، أو متكلمٍ نوار، أو فيلسوفٍ هائم، أو روائي متخيل، أو كاتبٍ متصنع، أو تاجرٍ منعم، بل أتحدث عن نبيٍ خاتم، نزل عليه الوحي، وهبط عليه جبريل، ووصل سدرة المنتهى، له شفاعة كبرى، ومنزلةٌ عظمى، وحوضٌ مورود، ومقامٌ محمود، ولواءٌ معقود، فكيف ألزم الحياد إذاً، أتريد أن أحبس عواطفي، وأن أقيد ميولي، وأن أربط على نبضات قلبي وأنا أكتب عن أحب إنسانٍ إلى قلبي، وأغلى رجلٍ وأعز مخلوقٍ على نفسي، إن هذا لشيءٌ عجاب.

    أتريد مني أن أكفكف دموعي، وأنا أخط سيرته، وأن أخمد لهيب روحي وأنا أسطر أخباره، وأنْ أجمد خلجات فؤادي وأنا أدبج ذكرياته! لن أستطيع هذا، كلا وألف كلا؛ لأنني أكتب عن أسوةٍ وإمامٍ معي بهداه في كل شاردة وواردة، أصلي فأذكره؛ لأنه يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أحج فأذكره؛ لأنه يقول: (خذوا عني مناسككم) في كل طرفة عينٍ أذكره؛ لأنه يقول: (من رغب عن سنتي فليس مني) في كل لحظة من حياتي أذكره؛ لأن الله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    إنني أكتب عن أغلى الرجال، وأجل الناس، وأفضل البشر، وأزكى العالمين، مرجعي في ذلك دفتر الحب المحفوظ في قلبي، ومصدري في ذلك ديوان الإعجاب المخطوط في ذاكرتي، فكأنني أكتب بأعصاب جسمي وشرايين قلبي، وكأن مزاجي دمعي ودمي.

    إن كان أحببت بعد الله مثلك في     بدوٍ وحضر وفي عرب وفي عجمِ

    فلا اشتفى ناظري من منظرٍ حسنٍ     ولا تفوه بالقول السديد فمي

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم صادقاً

    فهو أصدق من تكلم، كلامه حقٌ وصدقٌ وعدل، لم يعرف الكذب في حياته جاداً أو مازحاً، بل حرم الكذب وذم أهله ونهى عنه، وقال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) وأخبر أن المؤمن قد يبخل، وقد يجبن، لكنه لا يكذب أبداً، وحذر من الكذب في المزاح لإضحاك القوم، فعاش عليه الصلاة والسلام والصدق حبيبه وصاحبه، ويكفيه صدقاً صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن الله، بعلم الغيب، وائتمنه الله على الرسالة، فأداها للأمة كاملة تامة، لم ينقص حرفاً، ولم يزد حرفاً، وبلغ الأمانة عن ربه بأتم البلاغ، فكل قوله وعمله وحاله مبنيٌ على الصدق، فهو صادقٌ في سلمه وحربه، ورضاه وغضبه، وجده وهزله، وبيانه وحكمه، صادقٌ مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، والرجل والمرأة.

    صادقٌ في نفسه ومع الناس، في حضره وسفره، وحله وإقامته، ومحاربته ومصالحته، وبيعه وشرائه، وعقوده وعهوده ومواثيقه، وخطبه ورسائله، وفتاويه وقصصه، وقوله ونقله، وروايته ودرايته، بل معصومٌ من الله أن يكذب، فالله مانعه وحاميه من هذا الخلق المشين، قد أقام لسانه، وسدد لفظه، وأصلح منطقه، وقَوَّم حديثه، فهو الصادق المصدوق، الذي لم يحفظ له حرفٌ واحد غير صادقٍ فيه، ولا كلمة واحدة خلاف الحق، ولم يخالف ظاهره باطنه، بل حتى كان صادقاً في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه، وهو الذي يقول: (ما كان لنبيٍ أن تكون له خائنة الأعين) وذلك لما قال له أصحابه: ألا أشرت إلينا بعينك في قتل الأسير، بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه فكلامه وسنته، ورضاه وغضبه، ومخرجه ومدخله، وضحكه وبكاؤه ويقظته ومنامه صدق لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21].

    فهو صلى الله عليه وسلم صادقٌ مع ربه، ونفسه، وأهله، والناس، وأعدائه، فلو كان الصدق رجلاً؛ لكان محمداً صلى الله عليه وسلم، وهل يُتعلم الصدق إلا منه بأبي هو وأمي، وهل ينقل الصدق إلا عنه بنفسه هو، فهو الصادق الأمين في الجاهلية قبل الإسلام والرسالة، فكيف حاله بالله بعد الوحي والهداية ونزول جبريل عليه، ونبوته، وإكرام الله له بالاصطفاء والاجتباء والاختيار!

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم صابراً

    لا يعلم أحد مر به من المصائب والمصاعب والمشاق والأزمات كما مر به صلى الله عليه وسلم وهو صابرٌ محتسب وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] صبر على اليتم والفقر والعوز والجوع والحاجة والتعب والحسد والشماتة وغلبة العدو، وصبر على الطرد من الوطن والإخراج من الدار والإبعاد عن الأهل، وصبر على قتل القرابة، والفتك بالأصحاب، وتشريد الأتباع، وتكالب الأعداء، وتحزب الخصوم، واجتماع المحاربين، وصلف المعرضين، وكبر الجبارين، وجهل الأعراب، وجفاء البادية، ومكر اليهود، وعتو النصارى، وخبث المنافقين، وضراوة المحاربين.

    وصبر على تجهم القريب، وتكالب البعيد، وصولة الباطل، وطغيان المكذبين.

    صبر عن الدنيا بزينتها، وزخرفها، وذهبها وفضتها، فلم يتعلق منها بشيء، وصبر على إغراء الولاية، وبريق المنصب، وشهوة الرئاسة، فصدف عن ذلك كله طلباً لمرضاة ربه.

    فهو صلى الله عليه وسلم الصابر المحتسب في كل شأنٍ من شئون حياته، فالصبر درعه، وترسه، وصاحبه، وحليفه، كلما أزعجه كلام أعدائه؛ تذكر: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:39] وكلما بلغ به الحال أَشُدَّه والأمر أَضيقه؛ تذكر: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ [يوسف:18] وكلما راعه هول العدو، وأقض مضجعه تخطيط الكفار؛ تذكر: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35].

    وصبره صلى الله عليه وسلم: صبر الواثق بنصر الله، المطمئن إلى وعد الله، الراكن إلى مولاه، المحتسب الثواب من ربه جل في علاه.

    وصبره صلى الله عليه وسلم: صبر من علم أن الله سوف ينصره لا محالة، وأن العاقبة له، وأن الله معه، وأن الله حسبه وكافيه.

    يصبر صلى الله عليه وسلم على الكلمة النابية فلا تهزه، وعلى اللفظة الجارحة فلا تزعجه، وعلى الإيذاء المتعمد فلا ينال منه، مات عمه فصبر.. ماتت زوجته فصبر.. قتل حمزة فصبر.. أُبعد عن مكة فصبر.. توفي ابنه فصبر.. رُميت زوجته فصبر.. كُذِّب فصبر، قالوا: شاعر.. كاهن.. ساحر.. مجنون.. مفترٍ؛ فصبر، أخرجوه فصبر، آذوه فصبر، شتموه فصبر، سبوه فصبر، حاربوه فصبر، سجنوه فصبر، وهل يُتعلم الصبر إلا منه، وهل يُقتدى بأحدٍ في الصبر إلا به، فهو مضرب المثل في سعة الصدر، وجليل الصبر، وعظيم التحمل، وثبات القلب، وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم جواداً

    فهو أكرم من خلق الله، وأجود البرية نفساً ويداً، فكفه غمامة بالخير، ويده غيثٌ بالجود، بل هو أسرع بالخير من الريح المرسلة، لا يعرف لا؛ إلا في التشهد.

    ما قال (لا) قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ

    يعطي صلى الله عليه وسلم عطاء من لا يخشى الفقر؛ لأنه بعث بمكارم الأخلاق، فهو سيد الأجواد على الإطلاق، أعطى غنماً بين جبلين، وأعطى كل رئيسٍ من العرب مائة ناقة، وسأله سائلٌ ثوبه الذي يلبسه فخلعه وأعطاه، وكان لا يرد طالب حاجة، قد وسع الناس بره، طعامه مبذول، وكفه مدرار، وصدره واسع، وخلقه سهل، ووجهه بسام.

    تراه إذا ما جئته متهللاً     كأنك تعطيه الذي أنت سائله

    ينفق مع العدم، ويعطي مع الفقر، يجمع الغنائم ويوزعها في ساعة، لا يأخذ منها شيئاً، مائدته صلى الله عليه وسلم معروضةٌ لكل قادم، وبيته قِبلةٌ لكل وافد، يضيف، وينفق، ويعطي، ويؤثر، ويصل القريب بما عنده، ويواسي المحتاج بما يملك، ويقدم الغريب على نفسه، فكان صلى الله عليه وسلم آية في الجود والكرم، حتى لا يُقارن به أجواد العرب، كـحاتم وابن جدعان؛ لأنه يعطي عطاء من لا يطلب الخلف إلا من الله.

    ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه ومولاه، فهو أندى العالمين كفاً، وأسخاهم يداً، وأكرمهم محتذى، قد غمر أصحابه وأحبابه -بل حتى أعداءه- ببره وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله، أكل اليهود على مائدته، جلس الأعراب على طعامه، حفَّ المنافقون بسفرته، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه تبرم بضيف، أو تضجر بسائل، أو تضايق بطالب، بل جّرَّ أعرابي بردته حتى أثَّر في عنقه، وقال له: أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك ولا أمك، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وضحك وأعطاه.

    وجاءته كنوزٌ من الذهب والفضة فأنفقها في مجلس واحد، ولم يدخر منها درهماً ولا ديناراً، ولا قطعة، فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل، وكان يأمر بالإنفاق والكرم والبذل، ويدعو للجود والسخاء، ويذم البخل والإمساك فيقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وقال: (كل امرئٍ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس) وقال: (ما نقصت صدقةٌ من مال).

    1.   

    محمد صلى الله عليه وسلم شجاعاً

    هذا مما تناقلته الأخبار، وسار مسير الشمس برابعة النهار، فكان أثبت الناس قلباً، وكان كالطود لا يتزعزع ولا يتذبذب، لا يخاف التهديد والوعيد، ولا ترهبه المواقف والأزمات، ولا تهزه الحوادث والملمات، فوض أمره لربه، وتوكل على مولاه، وأناب إلى خالقه، ورضي بحكمه، واكتفى بنصره، ووثق بوعده، فكان عليه الصلاة والسلام يخوض المعارك بنفسه، ويباشر القتال بشخصه الكريم، يعرض روحه للمنايا، ويقدم نفسه للموت غير هائبٍ ولا خائف، ولم يفر من معركة قط، وما تراجع خطوةً واحدة ساعة يحمى الوطيس، وتقوم الحرب على ساق، وتصرع السيوف، وتنتشق الرماح، وتهوي الرءوس، وتدور كأس المنايا على النفوس، فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من الخطر، يحتمون به أحياناً وهو صامدٌ مجاهد، لا يكترث بالعدو ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، بل كان يعدل الصفوف، ويشجع المقاتلين، ويتقدم الكتائب.

    وقد فر الناس يوم حنين وما ثبت إلا هو وستة من أصحابه، ونزل عليه قوله تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:84] وكان صدره بارزاً للسيوف والرماح، يُصرع الأبطال بين يديه، ويذبح الكماة أمام ناظريه، وهو باسم المحيا، طلق الوجه، ساكن النفس.

    صلِّ يا ذا العلا لربك وانحر     كل ضدٍ وشانيء لك أبتر

    أنت أعلى من أن تكون أضاحيك      قروناً من الجمال تغتر

    بل قروناً من الملوك ذوي السؤدد     تيجانهم أمامك تنثر

    كلما خر ساجدٌ لك منهم     قال سيفك عندها الله أكبر

    وقد شج عليه الصلاة والسلام في وجهه، وكسرت رباعيته، وقتل سبعون من أصحابه، فما وهن، ولا ضعف، ولا خار، ولا انهزم، بل كان أمضى من السيف.

    وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه، وخاض غمار الموت بروحه الشريفة، وكان أول من يهب عند سماع المنادي، بل هو الذي سَنَّ الجهاد وحث عليه وأمر به، وتكالبت عليه الأحزاب يوم الخندق من كل مكان، وضاق الأمر، وحل الكرب، وبلغت القلوب الحناجر، وظُنَّ بالله الظنونا، وزلزل المؤمنون، فقام صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو ويستغيث مولاه، حتى نصره ربه، ورد كيد عدوه، وأخزى خصمه، وأرسل عليهم ريحاً وجنوداً وباءوا بالخسران والهوان، ونام الناس ليلة بدر وما نام هو صلى الله عليه وسلم، بل قام يصلي ويدعو ويتضرع ويتوسل إلى ربه ويسأله نصره وتأييده، فيا له من إمام ما أشجعه! لا يقوم لغضبه أحد، ولا يبلغ مبلغه في ثبات الجأش وقوة القلب مخلوق، فهو الشجاع الفريد، والصنديد الوحيد، الذي كملت فيه صفات الشجاعة، وتمت فيه سجايا الإقدام وقوة البأس، وهو القائل: (والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل).

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم زاهداً

    كان زهده صلى الله عليه وسلم زهد من علم فناء الدنيا، وسرعة زوالها، وقلة زادها، وقصر عمرها، وبقاء الآخرة، وما أعد الله لأوليائه فيها من نعيم مقيم، وأجرٍ عظيم، وخلودٍ دائم، فرفض صلى الله عليه وسلم الأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يسد الرمق، ويقيم العوز، مع العلم أن الدنيا عرضت عليه، وتزينت له، وأقبلت إليه، ولو أراد جبال الدنيا أن تكون ذهباً وفضة لكانت، بل آثر الزهد والكفاف، فربما بات جائعاً، ويمر الشهر لا توقد في بيته نار، ويستمر الأيام طاوياً لا يجد رديء التمر يسد به جوعه، وما شبع من خبز الشعير ثلاث ليالٍ متواليات، وكان ينام على الحصير حتى أثَّر في جنبه، وربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان ربما عرف أصحابه أثر الجوع في وجهه عليه الصلاة والسلام.

    وكان بيته من طين، متقارب الأطراف، داني السقف، وقد رهن درعه في ثلاثين صاعاً من شعير عند يهودي، وربما لبس إزاراً ورداءً فحسب، وما أكل على خوان قط، وربما أرسل له أصحابه الطعام لما يعلمون من حاجته إليه، كل ذلك إكراماً لنفسه عن أدران الدنيا، وتهذيباً لروحه وحفظاً لدينه، ليبقى أجره كاملاً عند الله ربه، وليتحقق له وعد مولاه وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] فكان يقسم الأموال على الناس ثم لا يحوز منها درهماً ولا ديناراً، ويوزع الإبل والبقر والغنم على أصحابه وأتباعه والمؤلفة قلوبهم ثم لا يذهب بناقةٍ ولا بقرةٍ ولا شاة، بل يقول عليه الصلاة والسلام: (لو كان لي كشجر تهامة مالاً لقسمته، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً)

    وراودته الجبال الشم من ذهبٍ     عن نفسه فأراها أيما شمم

    بل كان عليه الصلاة والسلام الأسوة العظمى في الإقبال على الآخرة، وترك الدنيا وعدم الالتفات إليها أو الفرح بها أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها، فلم يَبن قصراً، ولم يدخر مالاً، ولم يكن له كنزٌ ولا جنةٌ يأكل منها، ولم يخلف بستاناً ولا مزرعة، وهو القائل: (لا نورث، ما تركناه صدقة).

    وكان يدعو بقوله وفعله وحاله إلى الزهد في الدنيا، والاستعداد للآخرة بالعمل، ومن زهده في الدنيا سخاؤه وجوده -كما تقدم- فكان لا يرد سائلاً، ولا يحجب طالباً، ولا يخيب قاصداً، وأخبر أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وقال: (ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل قائل في ظل شجرة ثم قام وتركها) وقال: (الدنيا ملعونةٌ وملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً) وقال: (ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت).

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم متواضعاً

    كان صلى الله عليه وسلم عجيباً في ذلك، فتواضعه تواضع من عرف ربه؛ فهابه، واستحيا منه، وعظمه، وقدره حق قدره، واطمأن له، وعرف حقارة الجاه والمال والمنصب، فسافرت روحه إلى الله، وهاجرت نفسه إلى الدار الآخرة، فما عاد يعجبه شيءٌ مما يعجب أهل الدنيا، فصار عبداً لربه بحق، يتواضع للمؤمنين، يقف مع العجوز، يزور المريض، يعطف على المسكين، يصل البائس، يواسي المستضعفين، يداعب الأطفال، يمازح الأهل، يكلم الأمة، يواكل الجميع، يجلس على التراب، ينام على الثرى، يفترش الرمل، يتوسد الحصير، قد رضي عن ربه فما طمع في شهرةٍ، أو منزلةٍ، أو مطلبٍ أرضي، أو مكسبٍ دنيوي.

    يخاطب الغريب بود، يتألف الناس، يبتسم في وجوه أصحابه، يقول: (إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) ولما رآه رجلٌ ارتجف من هيبته فقال: (هون عليك، فأنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد بـمكة).

    وكان يكره المدح وينهى عن إطرائه ويقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وكان ينهى أن يُقام له، وأن يوقف على رأسه، وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، وكان يختلط بالناس كأنه أحدهم، ويجيب الدعوة ويقول: (لو دعيت إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي كراعُ لقبلت) وكان يحب المساكين، ويروى عنه: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) وكان يحرم الكبر، ويبغض أهله، ويقول: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يغشاهم الذل من كل مكان) ويروي عن ربه أنه قال: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذبته).

    فكان صلى الله عليه وسلم محبباً إلى القلوب، تأخذه الجارية بيده فيذهب معها، يزور أم أيمن وهي مولاة، ولما مدحه وفد عامر بن صعصعة وقالوا: أنت خيرنا وأفضلنا، وسيدنا، وابن سيدنا، قال لهم: (يا أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) وغضب لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال: ويحك أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده) وكان يحمل حاجة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويكنس بيته، ويحلب شاته، ويقطع اللحم مع أهله، ويقرب الطعام لضيفه، ويباسط زواره، ويسأل عن أخبارهم، ويتناوب ركوب الراحلة مع رفيقه، ويلبس الصوف، ويأكل الشعير، وربما مشى حافياً، وينام في المسجد، ويركب الحمار، ويردف على الدابة، ويعاون الضعيف، ويتفقد السرية، ويكون في آخرهم، فيساعد من احتاج، ويرافق الوحيد منهم، فصلى الله عليه وسلم ما تحرك بذكره اللسان، وسارت بأخباره الركبان، وردد حديثه الإنس والجان.

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم حليماً

    ما دام أنه رسول الله فلا بد أن يكون أحلم الناس، وأوسعهم صدراً، وألينهم عريكة، وأدمثهم خلقاً، وألطفهم عشرة، فقد كان يكظم غيظه، ويعفو ويصفح، ويغفر لمن زل، ويتنازل لحقوقه الخاصة، ما لم تكن حقوقاً لله، وقد عفا عمن ظلمه وطرده من وطنه وآذاه وسبه وشتمه وحاربه فقال لهم يوم الفتح، اذهبوا فأنتم الطلقاء، وعفا عن أبي سفيان بن الحارث يوم الفتح، لما وقف أمامه وقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).

    وقد واجهه الأعراب بالجفاء وسوء الأدب، فحلم وصفح، وقد امتثل أمر ربه في قوله: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85] فكان لا يكافئ على السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، وكان لا ينفذ غضباً إذا كان لنفسه، ولا ينتقم لشخصه، بل إذا أُغضب ازداد حلما، وربما تبسم في وجه من أغضبه، ونصح أحد أصحابه فقال: (لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب) وكان يبلغه الكلام السيء صلى الله عليه وسلم فلا يبحث عمن قاله، ولا يعاتبه، ولا يعاقبه، وورد عنه أنه قال: (لا يبلغني أحدٌ منكم ما قيل في، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) وبلّغه ابن مسعود كلاماً قيل فيه؛ فتغير وجهه وقال: (رحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر) وقد أوذي من خصومه في رسالته، وعرضه، وسمعته، وأهله، فلما قدر عليهم عفا عنهم، وحلم عليهم، وقال: (من كفَّ غضبه؛ كفَّ الله عنه عذابه) وقال له رجلٌ: (اعدل، فقال: خبت وخسرت إن لم أعدل) ولم يعاقبه بل صفح عنه.

    وواجهه بعض اليهود بما يكره فعفا وصفح، وقد وسع بخلقه وتسامحه الناس، وأطفأ بحلمه نار العداوات، ممتثلاً قول ربه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96].

    وكان مع أهله أحلم الناس، يمازحهم، ويلاطفهم، ويعفو عنهم فيما يصدر عنهم، ويدخل عليهم بساماً ضحاكا، يملأ قلوبهم وبيوتهم أنساً وسعادة، يقول خادمه أنس بن مالك: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ما قال في شيء فعلته: لم فعلت هذا؟ ولا لشيء لم أفعله لِمَ لم تفعل هذا؟) وهذا غاية الحلم، ونهاية حسن الخلق، وقمة جميل السجايا ولطيف العشرة، بل كان كل من رافقه أو صاحبه أو بايعه يجد من لطفه ووده وحلمه ما يفوق الوصف، حتى تمكن حبه من القلوب، فتعلقت به الأرواح، ومالت له النفوس:

    وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ     هذان في الدنيا هما الرحماءُ

    وإذا صحبت رأى الوفاء مجسماً     في بردك الأصحاب والخلطاءُ

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم رحيماً

    وصفه ربه بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فهو رحمةٌ للبشرية، وورد عنه أنه قال: (إنما أنا رحمةٌ مهداة) ورأى ولد إحدى بناته تفيض روحه فبكى، فلما سئل عن ذلك قال: (هذه رحمةٌ يضعها الله في قلب من يشاء من عباده).

    وكان رحمة على القريب والبعيد، عزيزٌ عليه أن يدخل على الناس مشقة، فكان يخفف بالناس مراعاةً لأحوالهم، وربما أراد أن يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف؛ لئلا يشق على أمه، ولما بكت أمامة بنت زينب بنت ابنته حملها وهو يصلي بالناس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها، وسجد مرةً فصعد الحسن على ظهره، فأطال السجود فلما سلم اعتذر للناس وقال: (إن ابني هذا ارتحلني؛ فكرهت أن أرفع رأسي حتى ينزل) وقال: (من أمَّ منكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة) وقال لـمعاذ لما طول بالناس: (أفتان أنت يا معاذ؟) وقال: (لولا أن أشق على الناس لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).

    وربما ترك العمل خشية أن يُفرض على الناس، وكان يتخول أصحابه بالموعظة، وكل ذلك رحمةً عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: (القصد القصد تبلغوا) ويقول: (بعثت بالحنيفية السمحة) ويقول: (خير دينكم أيسره) ويقول: (عليكم هدياً قاصداً) ويقول: (عليكم من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا) (وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) وأنكر على الثلاثة الذين شددوا على أنفسهم في العبادة، وقال: (والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني) وأفطر في سفرٍ في رمضان، وقصر الرباعية، وجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، ونادى مؤذنه في المطر أن صلوا في رحالكم، وقال: (هلك المتنطعون) وقال: (ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نزع الرفق من شيءٍ إلا شانه) وأنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص إرهاق نفسه بالعبادة، وقال: (إياكم والغلو) ويروى عنه قوله: (أمتي أمةٌ مرحومة) وقال: (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم).

    وهذا اليسر في حياته عليه الصلاة والسلام يوافق يسر الملة، وسهولة الشريعة، وهو امتثالٌ منه صلى الله عليه وسلم لقول ربه: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] وقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] وقوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    فهو صلى الله عليه وسلم سهل ميسر، رحيمٌ في رسالته، ودعوته، وعبادته، وصلاته، وصومه، وطعامه، وشرابه، ولباسه، وحله، وترحاله، وأخلاقه، فالحياة مبنية على اليسر؛ لأنه جاء لوضع الآصار والأغلال عن الأمة، فليس اليسر أصلاً إلا معه، فهو اليسر كله، وهو الرحمة والرفق بنفسه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم ذاكراً

    كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس ذكراً لربه، حياته كلها ذكرٌ لمولاه، فدعوته وخطبه ومواعظه وعبادته وجهاده وفتاويه ذكر، وليله ونهاره، وسفره وإقامته، وأنفاسه كلها ذكرٌ لمولاه عز وجل، فقلبه معلقٌ بربه، تنام عيناه ولا ينام قلبه، بل النظر إليه يذكر الناس بربهم، وكل مراسيم حياته ومناسباته ذكرٌ لخالقه جلَّ في علاه.

    وكان صلى الله عليه وسلم يحث الناس على ذكر ربهم، فيقول: (سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) ويقول: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت) ويقول: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) وأخبر أن أفضل الناس أكثرهم ذكراً لربه، وروى عن ربه عز وجل قوله: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) ويقول: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).

    وله عليه الصلاة والسلام عشرات الأحاديث الصحيحة التي تحث على الذكر وترغب فيه؛ في التهليل، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والحوقلة، والاستغفار، والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وكان يُذكر الناس بأجر الذكر، وما يترتب على ذلك من ثواب، وذكر الأعداد في ذلك مع ذكر المناسبات، وعمل اليوم والليلة، فهو صلى الله عليه وسلم الذاكر الشاكر الصابر، وهو الذي ذكر الأمة بربها، وعلمها تعظيمه وتسبيحه، وبين لها فوائد الذكر ومنافعه، فهو أسعد الناس بذكر ربه، وأهناهم عيشاً بهذه النعمة، وأصلحهم حالاً بهذا الفضل، فكان له أوراد من الأذكار، مع حضور قلبٍ، وخشوعٍ، وهلوعٍ، وهيبةٍ، وخوفٍ، ومحبةٍ، ورجاءٍ وطمعٍ في فضل ربه.

    1.   

    محمد صلى الله عليه وسلم داعية

    يقول تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ويقول صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) ويقول: (من لم يسأل الله يغضب عليه) وكان عليه الصلاة والسلام يلهج بدعاء ربه في كل حالاته، قد فوض أمره لمولاه، وأكثر الإلحاح على خالقه، يناشده رحمته وعفوه، ويطلب بره وكرمه، وكان يختار جوامع الدعاء الكامل الشامل، كقوله: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وقوله: (اللهم إني أسألك العفو والعافية).

    وكان يكرر الدعاء ثلاثاً، ويبدأ بالثناء على ربه، وكان يستقبل القبلة عند دعائه، وربما توضأ قبل الدعاء، وكان يعلم الأمة أدب الدعاء، كالبداية بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله، ودعاء الله بأسمائه الحسنى، والإلحاح في الدعاء، وتوخي أوقات الإجابة كأدبار الصلوات، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعةٍ من يوم الجمعة، ويوم عرفة، وفي حالات السجود والصوم والسفر، ودعوة الوالد لولده.

    وكان عليه الصلاة والسلام وقت الأزمات يلح على ربه ويناشده ويكرر السؤال مع تمام الذل والخوف والحب وحسن الظن، وتمام الرجاء، كما فعل يوم بدر ويوم الخندق ويوم عرفة، وكان الله يجيب دعوته ويلبي طلبه، كما حصل له على المنبر يوم استسقى فنزل الغيث مباشرة، ويوم شق له القمر، وبارك له في الطعام والمال، ونصره في حروبه، ورفع دينه، وأيد حزبه، وخذل أعداءه، وكبت خصومه، حتى حقق الله له مقاصده، وأكرم مثواه، وجعل العاقبة له صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    محمدٌ صلى الله عليه وسلم طموحاً

    ولدت همته عليه الصلاة والسلام معه يوم ولد، فمنذ طفولته ونفسه مهاجرة إلى معالي الأمور، ومكارم الخلق، لا يرضى بالدون، ولا يهوى السفاسف، بل هو الطموح والسباق والمقدام المتفرد، والمبرز المحظوظ، ولقد ذكر أهل السير أنه عليه الصلاة والسلام وهو طفلٌ كان لجده عبد المطلب فراشٌ في ظل الكعبة لا يجلس عليه إلا هو لمنزلته، فجاء محمدٌ صلى الله عليه وسلم فنازع الخدم حتى جلس عليه، وأبى أن يجلس دونه.

    وكان فيه قبل النبوة من سمات الريادة والزعامة والقيادة ما جعل قريشاً يسمونه الصادق الأمين، ويرضونه حكماً، ويعودون إليه في أمورهم، فلما منَّ الله عليه بالبعثة، تاقت نفسه إلى الفردوس وهي أعلى درجة في الجنة، فسأل الله إياها، وعلمنا أن نسألها، وبلغ سدرة المنتهى، وحاز الكمال البشري المطلق، والفضيلة الإنسانية، ومن علو همته رفضه للدنيا، وعدم الوقوف مع مناصبها الزهيدة، بولاياتها، وقصورها ودورها.

    1.   

    الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن

    (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ)

    حسبك الله: يكفيك من كل ما همك، يحفظك في الأزمات، يرعاك في الملمات، يحميك في المدلهمات، فلا تخش ولا تخف ولا تحزن ولا تقلق.

    حسبك الله: فهو ناصرك على كل عدو، ومظهرك على كل خصم، ومؤيدك في كل أمر، يعطيك إذا سألت، يغفر لك إذا استغفرت، يزيدك إذا شكرت، يذكرك إذا ذكرت، ينصرك إذا حاربت، يوفقك إذا حكمت.

    حسبك الله: فيمنحك العز بلا عشيرة، والغنى بلا مال، والحفظ بلا حرس، فأنت المظفر؛ لأن الله حسبك، وأنت المنصور؛ لأن الله حسبك، وأنت الموفق؛ لأن الله حسبك، فلا تخف من عين حاسد، ولا من كيد كائد، ولا من مكر ماكر، ولا من خبث كافر، ولا من حيلة فاجر؛ لأن الله حسبك.

    إذا سمعت صولة الباطل، ودعاية الشرك، وجلبة الخصوم، ووعيد اليهود، وتربص المنافقين، وشماتة الحاسدين فاثبت؛ لأن حسبك الله.

    إذا ولى الزمان، وجفا الإخوان، وأعرض القريب، وشمت العدو، وضعفت النفس، وأبطأ الفرج فاثبت؛ لأن حسبك الله.

    إذا داهمتك المصائب، ونازلتك الخطوب، وحفت بك النكبات، وأحاطت بك الكوارث فاثبت؛ لأن حسبك الله.

    لا تلتفت إلى أحدٍ من الناس، لا تدعُ أحداً من البشر، لا تتجه لكائنٍ من كان غير الله؛ لأن حسبك الله.

    إذا ألم بك مرض، وأرهقك دين، وحل بك فقر، أو عرضت لك حاجة، فلا تحزن؛ لأن حسبك الله.

    إذا أبطأ النصر، وتأخر الفتح، واشتد الكرب، وثقل الحمل، وادلهم الخطب، فلا تحزن؛ لأن حسبك الله.

    أنت محفوظ؛ لأنك بأعيننا، وأنت في رعايتنا؛ لأنك رسولنا، وأنت في حمايتنا لأنك عبدنا المجتبى ونبينا المصطفى.

    لا تحزن إن الله معنا

    هذه الكلمة الجميلة الشجاعة قالها صلى الله عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق، وقد أحاط بهم الكفار، فقالها قوية في حزم، صادقة في عزم، صارمة في جزم {لا تحزن إن الله معنا}

    فما دام أن الله معنا فلم الحزن؟ ولم القلق؟ ولم الخوف؟

    اسكن، اثبت، اهدأ، اطمئن؛ لأن الله معنا، لا نغلب، لا نهزم، لا نضل، لا نضيع، لا نيأس، لا نقنط؛ لأن الله معنا.

    النصر حليفنا، الفرج رفيقنا، الفتح صاحبنا، الفوز غايتنا، الفلاح نهايتنا؛ لأن الله معنا.

    من أقوى منا قلباً؟ من أهدى منا نهجاً؟ من أجل منا مبدأ؟ من أحسن منا سيرة؟ من أرفع منا قدراً؟ لأن الله معنا.

    ما أضعف عدونا، ما أذل خصمنا، ما أحقر من حاربنا، ما أجبن من قاتلنا؛ لأن الله معنا.

    لن نقصد بشراً، لن نلتجئ إلى عبد، لن ندعو إنساناً، لن نخاف مخلوقاً؛ لأن الله معنا.

    نحن أقوى عدة، وأمضى سلاحاً، وأثبت جناناً، وأقوم نهجاً؛ لأن الله معنا.

    نحن الأكثرون، الأكرمون، الأعلون، الأعزون، المنصورون؛ لأن الله معنا.

    يا أبا بكر! اهجر همك، وأزح غمك، واطرد حزنك، وأزل يأسك؛ لأن الله معنا.

    يا أبا بكر! ارفع رأسك، وهدئ من روعك، وأرح قلبك؛ لأن الله معنا.

    يا أبا بكر! أبشر بالفوز، وانتظر النصر، وترقب الفتح؛ لأن الله معنا.

    غداً سوف تعلو رسالتنا، وتظهر دعوتنا، وتسمعُ كلمتنا؛ لأن الله معنا.

    غداً سوف نُسمع أهل الأرض روعة الأذان، وكلام الرحمن، ونغمة القرآن؛ لأن الله معنا.

    غداً سوف نخرج الإنسانية، ونحرر البشرية، من عبودية الوثنية؛ لأن الله معنا.

    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

    والله إنك لعظيم الأخلاق، كريم السجايا، مهذب الطباع، نقي الفطرة، والله إنك جم الحياء، حي العاطفة، جميل السيرة، طاهر السريرة.

    والله إنك قمة الفضائل، ومنبع الجود، ومطلع الخير، وغاية الإحسان.

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] يظلمونك فتصبر، يؤذونك فتغفر، يشتمونك فتحلم، يسبونك فتعفو، يجفونك فتصفح.

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] يحبك الملك والمملوك، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والغني والفقير، والقريب والبعيد؛ لأنك ملكت القلوب بعطفك، وأسرت الأرواح بفضلك، وطوقت الأعناق بكرمك.

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] هذبك الوحي، وعلمك جبريل، وهداك ربك، وصاحبتك العناية، ورافقتك الرعاية، وحالفك التوفيق.

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] البسمة على محياك، البشر على طلعتك، النور على جبينك، الحب في قلبك، الجود في يدك، البركة فيك، الفوز معك:

    من زار بابك لم تبرح جوارحه     تروي أحاديث ما أوليت من مننِ

    فالعين عن قرةٍ والكف عن صلةٍ     والقلب عن جابرٍ والسمع عن حسنِ

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] لا تكذب ولو كان السيف على رأسك، لا تخون ولو حزت الدنيا، لا تغدر ولو أعطيت الملك؛ لأنك نبيٌ معصوم، وإمامٌ قدوة، وأسوةٌ حسنة.

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] صادقٌ ولو قابلتك المنايا، شجاعٌ ولو قاتلتك الأسود، ولو سلبت كل ما تملك، فأنت المثال الراقي، والرمز السامي.

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] سبقت العلم ديانةً وأمانةًً وصيانةً ورزانةً، تفوقت على الكل علماً وحلماً وكرماً ونبلاً وشجاعةً وتضحية.ً

    (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)

    لست مجنوناً كما قال أعداؤك؛ لكن عندك دواء المجانين، فالمجنون الطائش، والسفيه التافه من خالفك وعصاك وحاربك وجفاك.

    مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2] وكيف يكون ذلك وأنت أكملهم عقلا، وأتمهم رشداً، وأحسنهم رأياً، وأعظمهم حكمة، وأجلهم بصيرة؟!

    كيف تكون مجنوناً وأنت أتيت بوحي يكشف الزيغ، ويزيل الضلال، وينسف الباطل، ويمحو الجهل، ويهدي العقل، وينير الطريق؟!

    لست مجنوناً؛ لأنك على هدىً من الله، وعلى نورٍ من ربك، وعلى ثقة من منهجك، وعلى بينة من دينك، وعلى رشدٍ من دعوتك، صانك الله من الجنون، بل عندك كل العقل، وأكمل الرشد، وأتم الرأي، وأحسن البصيرة، فأنت الذي يهتدي بك العقلاء، ويستضيء بحكمتك الحكماء، ويقتدي بك الراشدون المهديون.

    كذب وافترى من اتهمك بالجنون، وقد ملأت الأرض حكمةً، والدنيا رشداً، والعالم عدلا، فأين يوجد الرشد إلا عندك، وأين تكون الحكمة إلا لديك، وأين تحل البركة إلا معك.

    أنت أعقل العقلاء، وأفضل النبلاء، وأجل الحكماء.

    كيف يكون محمد مجنوناً وقد قدم للبشرية أحسن تراثٍ على وجه الأرض، وأهدى للعالم أجل تركةٍ عرفها الناس، وأعطى الكون أبرك رسالة عرفها العقلاء؟

    هذا هو محمدٌ عليه الصلاة والسلام، بل هذه بعض سيرته العطرة، بل شيءٌ من أخلاقه المجيدة، فصلى الله وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون، وغفل عنه الغافلون، وجمعنا به في جناتٍ ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

    والحمد لله رب العالمين.