إسلام ويب

سورة العصر منهج حياةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قال الشافعي: لو لم ينزل الله عز وجل على الناس إلا هذه السورة لكفتهم، فما هي هذه السورة؟

    إنها سورة (العصر) دستور حياة المسلمين، تعال معنا لنعيش في ظلالها لنستقي منها العبر والدروس والمعاني.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (والعصر)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    عنوان هذه المحاضرة: (سورة العصر منهج حياة).

    سورة العصر الموجزة القصيرة منهج حياة للمسلمين، سورة العصر قليلة الكلمات لكنها دستور حياة لمن أراد الله والدار الآخرة، سورة العصر وأمثالها تعلن التحدي على الكافر والملحد أن يأتي بمثل هذه السورة فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]. يا عرب! يا فصحاء! يا أدباء! يا نبلاء! يا خطباء! يا علماء! دونكم الكلام، عندكم الحروف، لديكم المادة، تعالوا بمثل هذه السورة إن كنتم صادقين، انظموا مثل هذا الكلام، اخطبوا بمثل هذه العبارات، هذا تحدىٍٍ من الله سافر للناس أجمعين، ولن يأتوا بمثله أبداً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لا يستطيعون أبداً أن يأتوا بمثل القرآن ولا أن ينسجوا على منوال القرآن، ولا أن يختاروا مثل عبارات القرآن.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    سورة العصر منهج حياة، قال الشافعي رحمه الله: لو لم ينزل الله عز وجل على الناس حجة إلا هذه السورة لكفتهم.

    وذكر بعض المفسرين كـابن أبي حاتم: أن الصحابة كانوا إذا التقوا قرأ بعضهم على بعض سورة العصر.

    لكن ما معناها؟ وما هي دروسها، وعبرها، ومقاصدها؟ هو الذي نريد أن نتحدث عنه بعون الله في هذه الجلسة.

    وَالْعَصْرِ [العصر:1] قسم من الله عز وجل، والواو: واو القسم، ولله أن يقسم بما شاء، وليس لنا أن نقسم إلا بالله، فأعظم عظيم هو الله، ومن أقسم بشيء فقد عظَّمه، وإذا أقسمنا بغير الله فقد عظمنا غير الله أعظم من الله.

    وأقسم الله بقسم كثير في القرآن: أقسم بالنجم وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2]. ويقول أهل العلم: إن الله يقسم بما يوافق المقسم عليه، فالنجم إذا هوى هو مثل القرآن إذا تنزل، وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2] وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس:1-3] وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]. كلها أقسام من الله بما شاء من خلقه.

    وهنا أقسم بالواو وفي سورة النحل: تَاللَّهِ [النحل:63] أقسم الله عز وجل بالتاء، ويقسم بالباء، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (لا ومقلب القلوب) ويقول: (والذي نفسي بيده) وهو الله عز وجل، ويقول: (وايم الله) وحرام أن يقسم أحد بغير الله، وقد أخطأ من أقسم بغيره سبحانه وتعالى.

    يقول عمر في الصحيح رضي الله عنه وأرضاه: (أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: لا وأبي -يقسم عمر بأبيه، وهو مع الصحابة- فقال عليه الصلاة والسلام -بياناً عاماً-: يا أيها الناس إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم). توحيدٌ في الكلام والعمل والفعل.

    قال عمر: [[فوالله ما أقسمت بأبي آثراً ولا ذاكراً]] انتهى الأمر، أمة تمتثل الأوامر.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (يا أيها الناس اجلسوا) فسمع ابن رواحة وهو خارج المسجد فجلس، جلس في الطريق لأنهم يتلقون هذا التعاليم من هذا الرجل العظيم الذي لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    وقد ضل من أقسم بغير الله، يقول أحدهم وهذه تغنى -للأسف- عند أهل المجون:

    قسماً بمبسمك البهي

    يقسم بمبسم محبوبه.

    ويقول المتنبي في قصيدة له همزيه:

    فومن أحب لأعصينك في الهوى     قسماً به وبحسنه وبهائه

    وهذه يضلل بها ويفجَّر ويرتكب إثماً عظيماً، وهذا منهجه، ولو أنه بقي على روعة القصيدة -لأنها من أحسن قصائده- لكان كفى، فيقول:

    القلب أعلم يا عذول بدائه     وأحق منك بجفنه وبمائه

    لا تعذل المشتاق في أشواقه     حتى يكون حشاك في أحشائه

    فومن أحب، قال أهل العلم: لا حببه الله إلى خلقه، وقد فعل، يقسم بمحبوبته وهذا خطأ.

    ومنهم من يقسم بحياته، وشرفه، ونجاحه، وأسرته، وكيانه وهذه كلها شرك في القسم، أما أدوات القسم فقد مرت معنا.

    ما هو العصر؟

    العصر قيل: هذا الوقت الذي صليناه، لأن وقت العصر شريف ووقته عظيم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من صلى البردين دخل الجنة). والبردان: صلاة الفجر وصلاة العصر؛ لأنها تقع في وقت برد، والحديث في البخاري.

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام في البخاري أيضاً أنه قال: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله). قيل: عمل النهار، وقيل: أعماله الصالحة، وفاتته أي: تركها عامداً متعمداً حتى خرج الوقت.

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر أنه قال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله). أي: كأنما فاته وخسر أهله وماله، واحترق أهله وماله.

    الرسول عليه الصلاة والسلام في الخندق، وهو يقاتل الأحزاب التي تجمعت عليه من الأحلاف الكفرية من اليهود والمشركين من قريش والمنافقين، كلهم تجمعوا عليه بالإجماع، قاتلهم ففاتته صلاة العصر ونسيها، فقال عمر بعد أن غربت الشمس: (يا رسول الله! والله ما صليت العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال عليه الصلاة والسلام: وأنا والله ما صليتها، شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وقيل العصر: الزمن.

    من الذي خلق الزمن؟ الله، وهو الذي خلق المكان وخلق الليل والنهار، يقول في أول سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]. بعد هذا كله الذين كفروا بربهم يعدلون، بعد الليل والنهار، وبعد الهواء والماء، وبعد السناء والضياء، وبعد الخلق والرزق، وبعد الإيجاد والإبداع، وبعد التصوير والتسوية، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وهذا هجوم أدبي في أول السورة، ويسمى اكتساح في أول الخطبة، ويسمى عند أهل الفكر الآن: نسف وإبادة.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] وقال هناك في الفرقان: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:61-62].

    العصر: الزمن، لماذا أقسم الله به؟ قالوا: لأنه غالي، ولا يعرف العمر أنه غالي إلا المؤمن، أما المعرض عن الله فالزمن رخيص عنده -وهذا هو من كيس شوقي -:

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثواني

    فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمر ثاني

    1.   

    معنى قوله تعالى: (إن الإنسان)

    والعصر: هو الزمن يقسم به سبحانه وتعالى، والمقسم عليه سوف يأتي.

    وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ [العصر:1-2] من هو الإنسان؟

    مسكين الإنسان، مطارد في القرآن، عليه عبارات وتعريفات في القرآن، وأهل العلم يقولون: إذا ذكر الإنسان مجرداً فالمقصود به الكافر، وقد يقصد به المؤمن مع الكافر.

    يقول سبحانه عن الإنسان، اسمع النداء للإنسان: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6]. يقول: مالك أيها الإنسان؟ مالك تُعرض عن الله؟ من الذي غرك بالله؟

    ويقول عنه هناك: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد:8-11].يقول: أما جعلنا لك عينين ولساناً وشفتين لتعبد الله فمالك؟

    ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]. يا أيها الإنسان! يا من حمل همومه وغمومه وأحزانه وأشجانه وليله ونهاره! إنك عامل لا محالة وسوف تلقى عملك عند الله.

    ويقول سبحانه: قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] أي: عذب وأبعد وطرد، مثل إذا قلت لرجل كفر معروفك، وجحد إحسانك: قتلت ما أكفرك، قتلت ما أجحدك، قتلت ما أنساك!

    قال: قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس:18-22].

    وقال سبحانه: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإنسان:1] الإنسان الآن يكفر بوجود الله، فيقول الله له: أما أتى عليك فترة ما كنت موجوداً، من الذي أوجدك؟ هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    وقال سبحانه عن الإنسان: إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً [المعارج:19] أي: في أصله إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:20-22].

    واسمع إلى أوصاف الإنسان فهو مجادل، جادل حتى في الله، وجادل حتى في الرسالة، وجادل حتى في القيامة وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54].

    وعند البخاري في الصحيح: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام قام في الليل). كان يصلي في الليل ما يقارب الست ساعات متواصلة، قرأ بالبقرة وبآل عمران والنساء بخشوع وخضوع وتدبر وترتيل ومناجاة؛ لأنه يحب كلام الحبيب ويتأثر به ويعيش معه؛ ولأن زاده القرآن، فلما انتهى عليه الصلاة والسلام من الصلاة ذهب إلى بيت علي وفاطمة، ذاك البيت الرائع الرائق المطهر الطاهر، فطرق عليهما الباب وقال: ( ألا تصليان، ثم ذهب وصلى عليه الصلاة والسلام ثم عاد فما سمع الباب يفتح وما سمع الوضوء، فعاد وطرق الباب فقال: ألا تصليان، فقام علي رضي الله عنه يزيل النوم عن عينيه ويقول: يا رسول الله! إن نفوسنا بيد الله إن شاء أمسكها وإن شاء أرسلها -أي: يلقي محاضرة على الرسول عليه الصلاة والسلام يخبره بهذا- فتبسم عليه الصلاة والسلام وضرب على فخذه وقال: وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]) حتى من قيام النوم الإنسان يتكلم ويحب الحوار والمناظرة رضي الله عن علي وأرضاه.

    وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28]. أضعف شيء الإنسان. يقول عمر بن أبي ربيعة:

    كتب القتل والقتال علينا     وعلى الغانيات جر الذيول

    وقال بشار:

    إن في بردي جسماً ناحلاً     لو توكأت عليه لانهدم

    سمع أحد الناس هذا البيت وأعجب به وقال: والله لأسافرن حتى أرى هذا الشاعر؛ لأنه بيت جميل، وهو دائماً يأتي بأبيات رائعة، وكان أعمى البصر وأظنه أعمى البصيرة، فيقول:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة     والأذن تعشق قبل العين أحيانا

    يا ليتني كنت تفاحاً مفلجةً     أو كنت من ثمر الريحان ريحانا

    فهو صاحب:

    إن في بردي جسماً ناحلاً

    يقول: أنا جسمي ضعيف، فسافر هذا الرجل ودخل على بشار بن برد بيته فوجد أنه كالثور، قال: أين البيت وأين أنت؟ قال: أما سمعت الله يقول: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:224-226].

    وقال سبحانه: خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37].

    فأعجل شيء الإنسان، يريد أن يستعجل كل شيء، حتى القضاء والقدر يستعجله الإنسان، يقول كفار مكة: يا محمد! عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، يقولون: أعطنا عذابنا، أنزل علينا حجارة من السماء، والله سبحانه وتعالى يقول: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج:1-3].

    هذا أحد الكفار يقول: اللهم إن كان محمداً صادقاً؛ فأنزل علينا حجارة من السماء، يعني: ترميهم وتسحقهم، قال سبحانه: (سأل سائل) وأدهمه لأنه خسيس وحقير كافر سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج:1-3] يقول: العذاب واقع لكن لماذا يستعجلون؟ يقول سبحانه وتعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [الحج:47] وقال سبحانه وتعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16]. أعطنا عذاباً الآن قبل يوم الحساب، فالإنسان خلق من عجل، وقالوا: لا حكمة لعجول.

    وقال سبحانه وتعالى عن الإنسان وتمرده وإنكاره وغروره: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [الإسراء:83] أعرض عن المنهج الرباني ونأى بجانبه.

    وقال سبحانه وتعالى عن ظلم الإنسان وجهله: وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال؛ فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً.

    ويقول الله عن الإنسان وعن إنكاره وجحوده: وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً [مريم:66-67] الآيات.

    1.   

    معنى قوله تعالى : (لفي خسر)

    قال سبحانه: إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2]. وهذه قاعدة مطلقة وعموم اختص الله منها بالاستثناء أهل الإيمان وأهل العمل الصالح، وكل من على الأرض ما لم يؤمنوا فقد شملتهم اللعنة، وكل من على الأرض إن لم يسلموا لله فقد عمهم الغضب، عينٌ بلا إيمان مقلةٌ عمياء، وقلب بلا إيمان كتلةٌ من لحم لعينة، وأذن بلا إيمان إشارة خاطئة.

    إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] الخسر الهلاك، يقول أبو الفتح البستي:

    زيادة المرء في دنياه خسران     وربحه غير محض الخير نقصان

    وكل وجدان قوم لا وجود له     فإنما هو في التحقيق خسران

    يا عامراً لخراب الدار مجتهداً     بالله هل لخراب الدار عمران

    وخراب الدار هو الكفر والإعراض عن منهج الله، وخراب القلوب هو الفسق والفجور، وخراب القلوب هو عدم إيمانها بالله تبارك وتعالى.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا)

    إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر:3]. ذكر الإيمان في القرآن بالفعل الماضي، وبالفعل المضارع، وبالصفة، وبالمدح وبالاشتقاق.

    قال سبحانه عن المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس:9] وقال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] هذه الحياة الطيبة لا يدركها إلا المؤمنون، والحياة الطيبة هي مقصودة عند الناس جميعاً المؤمن والكافر، ويسمونها السعادة، وألفوا فيها كتب، وحاولوا اكتشافها، وبحث عنها علماء الجيولوجيا في الأرض مع المادة فما اكتشفوها، وبحثوا عنها في الهواء والماء فما وجدت، وكتبوا وسألوا وقالوا: من يريد الحياة الطيبة؟ من اكتشف لنا حياةً سعيدة؟ وأتى رجل منهم فألف كتاباً ثم نحر نفسه، وكثيرٌ من أغنيائهم جمعوا المال ثم نحروا أنفسهم بالسكاكين قالوا: من يجد لنا السعادة؟ والله يتكلم عن السعادة في آية مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] وهذه لا تكون إلا من صيدلية محمد عليه الصلاة والسلام يصفها ويصرفها هو، وأما غيرها فلا يمكن أن يكون.

    كفرت بـلينين وأذناب نهجه     وآمنت بالرحمن والفوز مطلب

    أنا قصة من بدر أرسلها الهدى     محمد يرويها وجبريل يكتب

    هذا سند خرج من محمد عليه الصلاة والسلام.

    أنا قصة من بدر أرسلها الهدى     محمد يرويها وجبريل يكتب

    إذا ظمئ اللاهون للخمر والخنا     فزمزم للأخيار ورد ومشرب

    وإن سكروا للعود في ساعة الهوى     طربت لذكر الله فهو المحبب

    ومطلع هذه القصيدة:

    هجرت الهوى لم تسب قلبي زينب     وما هز أشجاني العزوف المطرب

    ولم أتخذ خدناً جهولاً سرى به     من الوهم ما يعمي القلوب ويقلب

    له لذة في كل لهو ومشرب     ولي في رحاب الله صحب ومركب

    وهذه شعار المؤمن أنه لا يجد السعادة إلا في ذكر الله واتباع رسول الله، ومنهجية محمد عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن بعض الناس شربوا ماءنا واستنشقوا هواءنا كفروا بالله، ما حملوا ختم محمد عليه الصلاة والسلام، وما عرفوا السعادة في طريقه، ولكنهم اتبعوا استالين ولينين ففضحهم الله على رءوس الأشهاد، أصبح جنود استالين ولينين أول من يكفر به، وأول من يلعنه على المنابر، وأول من يحارب شرعته، وأول من يمزق مذكراته، فاعتبروا يا أولي الألباب.

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     كان الخراب لها أعدى من الجرب

    رمى بك الله ركنيها فمزقها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96] كلمة: (وداً) ما يدركها إلا شعراء العرب، وكلمة (وداً) مختارة، ومستصفاة مثل إذا عصرت يقولون: رحيق المعصور، ولله المثل الأعلى، هذا الورد إذا عصر خرج منه مادة عصير المعصور الذي يستنشق منه الحب والميل والشغف ومنه الود، ولا يكون الود إلا للذين آمنوا.

    سبحان من اصطفى المؤمنين بالود! إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96] قيل في تفسيرها: وداً بين قلوب المؤمنين، فلا تجد المؤمن إلا محبوباً عند إخوانه، حتى يقول بعضهم: قد تجده مشوه الخلقة -إذا كان مستقيماً- لكنه محبوباً، وتجد الجميل الفاجر مبغوضاً في القلوب؛ لأن الحب موهبة يجعلها الله مع الماء البارد فيشربه الناس؛ حتى مع زمزم وأنت مع الإفطار تشرب حب الصالحين ولكن تشرب معهم بغض الكفار، كثير من الناس نحبهم؛ ما قدموا لنا نفعاً إنما نحبهم في الله، أي: استأسروا القلوب بحبهم؛ لأن الله جعل لهم وداً، والود منه، قال البخاري في كتاب: الأدب، باب: المقة من الله، أي: الحب منه سبحانه وتعالى.

    وإن تفق الأنام وأنت منهم     فإن المسك بعض دم الغزال

    يقول شاعر في سلطان يمدحه:

    أحبك لا تفسير عندي لصبوتي     أفسر ماذا والهوى لا يفسر

    يقول: أنا أحبك ما أدري لماذا؟ قلنا له: أنت تحب بشراً، وتحب فاجراً، وتحب ظالماً، أما نحن فنحب الله لأمور: منها: أنه ربانا بالنعم، ومنها: أنه أحاطنا، ومنها: أنه يستحق أن يحب، ومنها: أنه عرض حبه في كل الكائنات.

    يقول:

    أحبك لا تفسير عندي لصبوتي     أفسر ماذا والهوى لا يفسر

    تأخرت عن وعد الهوى يا حبيبنا     وما كنت عن وعد الهوى تتأخر

    ظمئنا وفكّرنا وشاقت دموعنا     وشاخت ليالينا وما كنت تحضر

    يقولون لـابن تيمية: هل الآيات مما يحب به إلى الله؟ أو سؤال نحو هذه العبارة كما في روضة المحبين.

    قال: نعم. ثم يذكرون عنه البيت المشهور أنه كان يبكي ويقول:

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خالياً

    وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] وفي السماء، وفي الأرض، وفي الماء حب الله عز وجل.

    سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96] والمعنى الثاني وكأنه الصحيح: يجعل بينهم وبينه وداً سبحانه وتعالى، وهذه والله الشرف العظيم، الناس الآن يتزلفون إلى البشر ليحبوهم، يخدم البشر ويقدم له حذاؤه ويقبل يديه حتى يكون من الخدم، وأنت يحبك الله عز وجل ويقول: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] يقول ابن القيم: ليس العجب من قوله: يحبونه، هذا مطلوب ولكن يحبهم عجيب! يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] وهذه وثيقة لا ينالها إلا أهل الإيمان.

    وقال سبحانه وتعالى في نداء التشريف ولا ينادي إلا أهل الشرق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [الأحزاب:70] وهذا نداء التشريف؛ يا رجل! تشرفه، يقول أحدهم يمدح:

    ................          في ندائي ناديت كل الرجال

    أنت رنحت بالعباءة عطفيه      ورصعت رأسه بعقال

    فهذا النداء للتشريف، ينادي به الله عباده.

    1.   

    معنى قوله تعالى : (وعملوا الصالحات)

    أما قوله سبحانه وتعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] فالصالحات عدد الأنفاس، وهي لا تقتصر على الذكر والجهاد وقراءة القرآن وفيها دروس:

    أولاً: أن الإيمان لا بد له من عمل بخلاف المرجئة الذين فصلوا العمل عن الإيمان، مؤمن ولكن لا تعمل، فيكون الفاجر والمؤمن سواء، الذي يصلي الفجر في جماعة مثل الذي ينام في فراشه حتى تطلع الشمس، الذي يقرأ القرآن مثل الذي يقرأ الهدف وآخر ساعة والمصور، والذي يسبح مثل الذي يقول: (قسماً بمبسمك البهي) و(وهل رأى الحب سكارى مثلنا) هذا على قاعدتهم، لأنهم يقولون: أصل الإيمان واحد، لا. الإيمان قول وعمل واعتقاد، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة فمن تأخر عنه فقد ابتدع وضل عن منهج الله المستقيم.

    وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] ما هي الصالحات؟

    تعريفها: ما صلح من الأقوال والأعمال والأحوال.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

    قال سبحانه: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] وعبارات القرآن صغيرة لكنها قواعد كلية، وتواصوا: أي: تناصحوا، وأهل السنة يتناصحون وأهل البدعة يتفاضحون.

    قال علي: [[المؤمنون نصحة والمنافقون غششة]].

    ولا يمكن أن يحيا المجتمع المسلم إلا بالنصيحة والتواصي، ولكن النصيحة لا بد فيها من الستر واللين والإخلاص، الإخلاص لوجه الله، وأن تستره عن عيون الناس، فلا تفضحه على رءوس الأشهاد، وأن تلين له في العبادة لتسبي قلبه، هذه آداب النصيحة.

    وأما الأمم الأخرى فلا يتواصون، تجد المنحرفين في الظاهر إخواناً ولكن في الباطن بعضهم يجرح بعض تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    أما المؤمنون فإنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، هذه رابطة المؤمنين أنهم يتناصحون، نعمل فيما اتفقنا عليه، ولينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه، لا يعذر بل ينصح ويوجه ويوصي، ولا نقر بدعة ولكننا ننصح إخواننا في أخطائهم وينصحوننا في أخطائنا حتى نكون مجتمعاً رائداً يحبه الله.

    الحق: ما هو الحق؟

    الحق هو الشيء البين الواضح، والله سمى نفسه الحق، فقال: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:25] الذي لا تلتبس في معرفته الأفهام، ولا تختلف في إدراكه الأذهان، ولا تتغير عن حبه إذا أحبته القلوب، ولا تلتبس عن السير إليه الأرواح، هذا هو الله الحق المبين.

    وسمى دينه حق: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات:23] أي: ما ذكره من أمر الآيات هو حق مثل كلامكم، وسمى القرآن حق فقال: أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ [فاطر:24] أي: بالقرآن لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ [الأنفال:8] والحق الذي يدعى إليه هو ما في الكتاب والسنة، فإن ما في سوى الكتاب والسنة إن كان يعارض القرآن فهو باطل وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] الحق هو ما في الكتاب والسنة، والحق سوف تكون له العاقبة وسوف تكون له الأصالة ولذلك انظر الآن إلى مستقبل الإسلام في الأرض، الإسلام يُسَير بنفسه اليوم، ليس وراءه إغراء ولا مال ولا مستشفيات ولا مدارس ولا خدمات، والنصرانية وراءها الملايين المملينة والآلاف المؤلفة، ووراءها الإغراءات وتخفق في الساحة، لأن الله هو الحق المبين، ولأن الأصالة للدين، وانظروا إلى الأخبار إلى الصحف اليومية وغيرها أخبار تركستان وأذربيجان وأزبيكان كلها تعلن أن الله هو الحق المبين فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    ستعلم في القيام إذا اجتمعنا     إلى الرحمن من فينا صدوقا

    وقال سبحانه: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] الحق لا بد له من صبر، الصلاة لا تقوم إلا بصبر وكذلك الحج والعمرة والصيام وقراءة القرآن (واعلم أن النصر مع الصبر), والصبر ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على المقدور.

    الصبر على الطاعة أن تؤديها كاملة محتسباً الأجر من الله.

    والصبر على المعصية أن تكف نفسك صابراً عنها خائفاً من عذاب الله.

    والصبر على المقدور أن تسلم وترضى وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]. وهذا شاعر يمدح رجل صابر، بالصبر والاحتمال فيقول:

    صابر الصبر فاستجار به الصبر     فقال الصبور للصبر صبرا

    يقول سبحانه وتعالى: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا [آل عمران:200] وعبارات القرآن منتقاة اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] فيقول هذا الشاعر للبطل أي: في المعركة صابر الأبطال؛ لأنه دائماً لا يفوز إلا الصابر، حتى في الدراسات والمعارك والحروب والقراءة والتحصيل والتجارة والعبادة لا يفوز إلا الصابر.

    كان عنترة جسمه متوسط مثل أجسام الناس لكنه يضرب رءوس الأبطال ودائماً يفوز، قال له أحد الأبطال: بما غلبت الناس؟ قال: ضع إصبعك في فمي، فوضعها، وأنا أضع إصبعي في فمك، وعض إصبعي وأعض إصبعك، فعض ذاك وعض هذا فصبر عنترة، وذاك ما صبر، حتى قال: آه، ثم رفع يده وقال: بهذا غلبت الناس.

    أقسمت أن أوردها حرة     وقاحة تحت غلامٍ وقاح

    بهمةٍ تخرج ماء الصفا     وعزمة ما شابها قول آح

    يعني: ما تعرف آه ولا آح، يقول هذا البطل في المعركة:

    صابر الصبر فاستجار به الصبر     فقال الصبور للصبر صبرا

    يقول: فلما فر الصبر؛ قال هذا الصبور للصبر: اصبر، يعني: ما انتهينا لماذا تفر، وهذا يمدح به الأبطال، حتى يقول أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي في المرثية الرائعة التي يقول فيها المعتصم لما سمعها: يا ليتني قتلت وقيلت فيَّ، يقول فيها:

    كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر     فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

    يقول عن البطل الشهيد رحمه الله:

    فأثبت في مستنقع الموت رجله     وقال لها من تحت أخمصك الحشر

    يقول: أنا لا أفر حتى لو تقوم القيامة والبركان من تحت أرجلهم، يقول:

    وما مات حتى مات مضرب سيفه     من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

    تردى ثياب الموت حمراً فما دجا     لها الليل إلا وهي من سندس خضر

    كما يفعل شباب لا إله إلا الله في أفغانستان، يوم لبسوا لا إله إلا الله فرت الدبابات من طريقهم وتفجرت، حفنة من تراب تفجر دبابة، وشيء من قنبلة صغيرة يفجر معسكر.

    تردى ثياب الموت حمراً فما دجا     لها الليل إلا وهي من سندس خضر

    وهذا استطراد لا بد منه لربط القرآن بالواقع.

    قال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] والله يقول: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] يا محمد الطريق طويل اصبر، الأعداء كثر، الجبهات مفتحة من كل جانب اصبر، العبادات كثيرة.. اصبر، المناهج الأرضية سوف تزاحمك بمناكبها.. اصبر، الاغتيالات والتدبير والدسائس والدنميت والألغام كثيرة.. اصبر.

    وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] الآن الذي يستمع القرآن يجد أن الجبهات فتحت عليه صلى الله عليه وسلم من كل جانب، اليهود في صراع معه، والنصارى في صراع، والملاحدة، وكل أمم الأرض، والمجوس، والمؤمنون يسألون، والمرأة تستفتي، وقيام الليل والعبادة والجهاد والدولة الإسلامية والإدراة والاقتصاد، فقال الله له: : وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] ويقول سبحانه وتعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43] ويقول سبحانه على لسان لقمان وهو يوصي ابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ تأتيه ضربات، يلكم مرة، ومرة يضرب، ومرة يصرع، ومرة يشلح، فهو دائماً مصاب، يقول:

    محسد الفضل مكذوب على أثري     إن العزيز عزيز أينما كانا

    والمؤمن هذه حالته دائماً يتعرض للشائعات المغرضة وللمضايقة قال الله: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17].

    1.   

    دروس من سور العصر

    سورة العصر فيها دروس:

    أولها: إعجاز القرآن

    وهذه المعجزة معنا إلى اليوم، هذه معجزة قال الله عز وجل عنها قبل خمسة عشر قرناً: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:34] وقال سبحانه وتعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13] وقال سبحانه وتعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] بمثله، أو بعشر، أو بسورة، فلم يأتوا، أولاً بدأ بالقرآن فليأتوا بمثله فما استطاعوا، ثم بعشر سور فما استطاعوا، قال: بسورة فما استطاعوا، والصحيح عند علماء البلاغة أن السورة أصغر سورة في القرآن وهي إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]. هذه ما أبلغها، يقول: تعالوا بمثلها، أو سورة العصر، ولكن وقف خطباء العرب وفصحاء قريش أفصح أمة ما استطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن أو سورة منه.

    حتى ذهب عتبة وقيل الوليد بن المغيرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كافر، والرسول عليه الصلاة والسلام عند المقام في الحرم يدعو إلى الله، ثم وصل الوليد فجلس عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إن تريد زوجة زوجناك أجمل فتاة في قريش، وإن تريد ملكاً ملكناك، وإن تريد مالاً أعطيناك، لكن اترك هذه الكلمة، اترك لا إله إلا الله. لأن لا إله إلا الله تقلب رءوسهم، يغمى عليهم من لا إله إلا الله، منهج حياة، أي: يغير كل شيء في الواقع.

    يقول عليه الصلاة والسلام: انتهيت يا أبا الوليد، انتهيت من عروضك ومحاضراتك وسفسطاطك وكذباتك، قال: انتهيت، قال: اسمع، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم تلا سورة فصلت والوليد يعرف القرآن، فلما بلغ قوله سبحانه وتعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13] قام يرتجف ووضع يده على فم الرسول عليه الصلاة والسلام قال: أسألك بالله والرحم! أسألك بالله والرحم، أسألك بالله والرحم، ثم قام وهو يرتعد، وذهب إلى قريش ووجهه قد تغير. لأن القرآن يأخذ بأقطار النفس، القرآن يدخل إلى القلب مباشرة.

    وذهب إلى قريش فقالوا: عدت بوجهٍ غير الذي ذهبت به، فأقسم وحلف بآلهتهم إنه لمغدق -أي: القرآن- وإن أعلاه لمورق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، ثم أقسم أنه سمع الشعر والكهانة والسحر فما سمع بمثل القرآن.

    يقول سبحانه وتعالى: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:5-6] وقالوا إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل:103]. انظر الرد، يقولون: الذي يعلم القرآن الذي يعلم الرسول عليه الصلاة والسلام هو خباب بن الأرت، خباب كان مولى أعجمي سبحان الله! كان يحد السيوف، وعنده كير يشتغل عليه، فيأتي صلى الله عليه وسلم إلى الضعفاء، يأتي إلى صاحب الكير -وواجبنا نذهب إلى الغسال والخباز والفران والفلاح والبقال ندعوهم- فجلس صلى الله عليه وسلم مع صاحب الكير يدعوه إلى لا إله إلا الله، قال كفار قريش: تدرون لماذا يذهب إلى خباب الصناع الحداد؟ قالوا: ما ندري! قالوا: يتعلم منه القرآن.؟

    انظر إلى رد القرآن، قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103] يقول: هذا أعجمي والقرآن عربي وهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقال سبحانه عن القرآن: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] وقال سبحانه وهو يتحدى به: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88].

    بعض الإعجازات في القرآن سمعتها مباشرة من بعض العلماء علماء الجيولوجيا مثل الشيخ زغلول النجار والشيخ الزنداني وأمثالهما، عبارات ما اكتشفت، وما عرفها الصحابة ولا القرون الأولى ولا اكتشفت إلا الآن، مثلاً: قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75] العرب لا تعرف مواقع النجوم، لكن اكتشف في هذا العلم الحاصل أن نجوماً من آلاف السنوات قد انسحقت من أماكنها واحترقت وما بقي إلا مواقعها، فالله لم يقسم بالنجم وإنما بمواقع النجوم، وأن هناك نجوماً قد انطلقت من آلاف السنوات، وما وصلت إلى الأرض الآن وسرعتها سرعة الضوء، ولكن لا زالت تواصل الرحلة ثم ترتطم بعد سنوات في الأرض، قال سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75].

    مسألة: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5] لو سألت السلف: ما معنى: اهتزت؟ قالوا: الله أعلم، أثبت العلم الآن أنه إذا وضع النبت والحبوب والبذر في الأرض لا يمكن أن تنبت الأرض حتى تحدث الأرض بإذن الله هزة، وتسجل بجهاز (ريختر) هزة يفقس لها الحب هذا وتنبت النبات، قال: اهتزت، وإذا لم تهتز ما تنبت.

    أول درس هو إعجاز في القرآن، وهذا من أراد أن يعيش معه، فليتحد به الناس عامة الخطباء والبلغاء والفصحاء والملاحدة والكتبة يتحداهم بالقرآن، لكن والله الإنسان يتعجب مالهم لا يؤمنون فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الانشقاق:20] لماذا لا يستمعون القرآن ثم يؤمنون؟

    الأمر الثاني: قضايا في سورة العصر

    منها: أن الناس جميعاً في خسر إلا من تأهل بمؤهلات أو تشرف بصفات، وهذه الصفات مذكورة:

    منها: أن العمل يدخل مع الإيمان ولا يخرج عنه، بل هو جزء لا يتجزأ منه وركن أساسي في الإيمان، ومنها: أن المؤمن يدخل الجنة برحمة الله وينزل الجنة في منازلها ودرجاتها بالعمل الصالح وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]. فنزلوا في درجاتها بالأعمال، وأما الدخول فبرحمة الله عز وجل.

    ومنها: أن الحق أحق أن يتبع وهو ما في الكتاب والسنة، وما سواه باطل.

    ومنها: أن على المسلم أن يتقيد بالدليل؛ لأن الحق دليل والدليل حق وهو البرهان الواضح.

    ومنها: أنك لن تنال من خير الدنيا ومن خير الآخرة إلا بالصبر وأن الصبر أمره عظيم وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].

    فالصبر مدرسة، ويتعلم الصبر لمناسبة رمضان فإن الصوم نصف الصبر وهذا شهر الصبر ومن صام فقد صبر، وقد تعلم الصبر وعرف كيف يصبر عن المعاصي، فيا من صبر على الجوع والظمأ! ويا من صبر على الطعام والشراب! ويا من صبر ساعات! اصبر سنوات معدودة عن المعاصي والمخالفات والفجور والانحراف، وسوف ترى أن الله عز وجل يثيبك على ما صبرت، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24] صحيح أن من الناس اليوم من لا يصوم، يأكل ويشرب الآن ويدخن ويلهو والكأس بيده، ولكن سوف يعلم غداً:

    ولو أنا إذا متنا تركنا     لكان الموت غاية كل حي

    ولكنا إذا متنا بعثنا     ويسأل ربنا عن كل شيء

    وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227] وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:42] ولمن المصير المحتوم، ولمن النهاية المجيدة من الرديئة.

    هذه محاضرة: سورة العصر منهج حياة، يحب أن تتدبر وأن ينظر فيها، وأن تتأمل كثيراً، وأن تقرأ في المجالس؛ علَّ الله أن يجعلها نوراً لنا مع القرآن وطريقاً لنا لطاعة الواحد الديان، ومنفذاً لنا إلى الجنان.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.