إسلام ويب

سري للغايةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الطعن والثلب في أعراض العلماء بغير حق شرعي يعتبر طعناً في السنة؛ لأنهم حملتها وروادها، وورثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك يجب الذب عن أعراضهم والدفاع عنهم. وبالمقابل يجب على العلماء أن يعرفوا أن الابتلاء سنة كونية لمن يحمل هذا الدين على عاتقه.

    وفي هذه المادة بيان لخطاب الشيخ: ابن باز بشأن العلماء والدعاة وما يجب علينا تجاههم.

    1.   

    خطاب ابن باز عن الدعاة والتعليق عليه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أيها الإخوة الكرام! عنوان هذا الدرس"سري للغاية" وسبب سرية هذا الدرس أنه ليس فيه سر، وكل أمره ظاهر، ولكن إذا أردت لأمرٍ أن ينتشر فحاول أن تكتمه، وإذا أردت لشيءٍ أن يعلن فحاول أن تخفيه، فإنهم قالوا: أحب شيءٍ إلى الإنسان ما منع.

    والنفوس والقلوب تتعلق بالممنوعات، وتحب المحجبات، ولذلك قال علي رضي الله عنه: [[لو منع الناس من فت البعر لفتوه]] وهم لم يفتوا البعر؛ لأنه ليس الإنسان ممنوعاً من فته؛ ولكن لو صدر له أمرٌ أو نهيٌ عن فته لقام وقال: في الأمر سر.

    والإعلاميون ورواد الصحافة يكتبون على الأخبار المثيرة لا تقرأ هذا الخبر، فتتشوق النفوس، وتتطلع العيون لقراءة هذا الخبر وتطمح لمعرفة المكنون، ولذلك كان الناس يتناقلون الشائعة؛ لأنها تحمل إثارةً وسراً، وروح كلامي في هذا الدرس أنه ليس بسر، ولكنه على كل حال سري للغاية.

    خطاب ابن باز العام

    أبدأ هذا الدرس بخطاب سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي وجهه أثابه الله ذاباً عن أعراض الدعاة، منافحاً عن العلماء، دامغاً به أهل الشبه والحداثة والعلمنة.

    يقول سماحته: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما بعث به الرسل جميعاً من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، وأمره بإقامة القسط، ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله، والتفرق والتشتت، والاعتداء على حقوق العباد.

    وقد شاع في هذا العصر أن كثيراً من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يقعون في أعراض كثيرٍ من إخوانهم الدعاة المشهورين، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين، يفعلون ذلك سراً في مجالسهم، وربما سجلوه في أشرطةٍ تنتشر على الناس، وقد يفعلونه علانيةً في محاضراتٍ عامةٍ في المساجد، وهذا المسلك مخالفٌ لما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من جهات عديدة منها:

    أولاً: أنه تعدٍ على حقوق الناس من المسلمين بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم، وتصحيح عقائدهم ومنهاجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة.

    ثانياً: أنه تفريقٌ لوحدة المسلمين، وتمزيقٌ لصفهم، وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال فيما بينهم، خاصةً وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة، المعروفين بمحاربة البدع والخرافات والوقوع في وجه الدعاة إليها، وكشف خططهم، وألاعيبهم، ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق أو من أهل البدع والضلال.

    ثالثاً: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين، من العلمانيين والمستغربين وغيرهم، من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة والكذب عليهم، والتحريض ضدهم، فيما كتبوه وسجلوه، وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم، من طلبة العلم والدعاة وغيرهم.

    رابعاً: أن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة، ونشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسبباً في كثرة الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر على مصراعيها لضعاف النفوس، الذين يدأبون على بث الشبه، وإثارة الفتن، ويحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.

    خامساً: أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها، وأغراهم بها، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12]

    والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل، وقد قال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك فيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً.

    سادساً: وما وجد من اجتهادٍ لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فإن صاحبه لا يؤاخذ به، ولا يثرب عليه إذا كان أهلاً للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك، كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن، حرصاً على الوصول إلى الحق من أقرب طريقٍ ودفعاً لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك ورأى أحدٌ أنه لا بد من بيان المخالفة، فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة، ودون تهجمٍ أو تجريحٍ أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرضٍ للأشخاص أو اتهامهم للنيات، أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في مثل هذه الأمور: ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟!

    فالذي أنصح فيه هؤلاء الإخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة ونالوا منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم، أو تلفظت به ألسنتهم مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب، وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال، والكلام عن فلانٍ وفلان، والبحث عما يعتبرونه أخطاءً للآخرين، وتصيدها وتكلف ذلك، كما أنصحهم أن يكفروا عما فعلوا بكتابة أو غيرها مما يبرءون به أنفسهم من مثل هذا الفعل، ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليهم من حولهم، وأن يقبلوا على الأعمال المثمرة التي تقرب إلى الله، وتكون نافعةً للعباد، وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير، أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} متفقٌ على صحته.

    ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمرٌ من كلام أهل العلم أو غيرهم أن يرجعوا فيه للعلماء المعتبرين، ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر، ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبه عملاً بقول الله عز وجل في سورة النساء: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:83]

    والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم، وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين وجميع دعاة الحق لكل ما يرضيه، وينفع عباده ويجمع كلمتهم على الهدى، ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

    عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    سبب خطاب ابن باز ورسالته للشيخ عائض

    أيها الإخوة الكرام: أما سبب خطاب الشيخ هذا فقد سبق من قبل فترة أن ذهبت أنا وبعض الدعاة من الإخوة الكرام إلى سماحته وشكونا إليه ما نلقى من ردودٍ، ومن اعتراضات لا صحة لها، ومن نقدٍ يوزع في الأشرطة، ويكتب في بعض الكتيبات التي تنشر؛ فأخبرنا سماحته أنه سوف يتبنى هذا الموقف وينقذ دعاة الإسلام بكتابه، وما كان سماحته إلا أن كتب لنا رسائل خاصة، وسوف أقرأ رسالتي التي وجهها سماحته ولولا رفع اللبس لما قرأتها، ولكن على العبد إذا تعرض إلى نقدٍ لا حقيقة له، له أن يدافع عن نفسه، وقد فعل ذلك الصالحون والأخيار من السلف ممن كان قبلنا رضوان الله عليهم.

    يقول سماحته: بسم الله الرحمن الرحيم

    من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم صاحب الفضيلة الشيخ عائض بن عبد الله القرني، وفقه الله لما يحبه ويرضاه، وزاده من العلم والإيمان آمين

    سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد:

    فنظراً لحاجة الناس اليوم إلى الوعظ والتذكير والإرشاد ولما لفضيلتكم من الجهود المشكورة في هذا المجال والقبول والتأثير -نسأل الله أن يثيبكم على ذلك- فإني أرجو من فضيلتكم مواصلة الجهود في ذلك، والصبر على دعوة الناس إلى الخير، وتذكيرهم لما خلقوا له، من توحيد الله وطاعته، وتشجيع إخوانكم من أهل العلم على ذلك، لما لا يخفى عن الجميع من فضل الدعوة إلى الله سبحانه، وشدة حاجة المسلمين وغيرهم إليها، وذلك عن طريق المحاضرات والدروس والإجابة عما يشكل عليهم، في أمور دينهم والتعاون على البر والتقوى، ونحن مستعدون للتعاون معكم بذلك، والتفاهم مع ولاة الأمر فيما قد يعرض لكم في هذا السبيل، فسيروا على بركة الله، وأبشروا بالأجر العظيم والذكر الجميل، وحسن العاقبة التي وعد الله بها المخلصين الصادقين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويجعلنا جميعاً من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة، وأن يوفق حكومتنا وعلى رأسها خادم الحرمين وجميع المسئولين لكل ما فيه رضاه وصلاح أمر عباده إنه جوادٌ كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

    عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    رقم هذا الخطاب (1142) تاريخه (10/9/1411هـ).

    1.   

    واجب المسلم تجاه الدعاة والعلماء

    ونظراً لما لخطاب سماحة الشيخ العام الذي وجهه للأمة بخصوص الدفاع عن العلماء والدعاة فإني أريد أن أبين قضايا تهم المسلم:

    أولاً: واجب المسلم نحو الدعاة الذب عن أعراضهم، وحماية دعوتهم، وعدم ترك السفهاء من المنافقين والمرتدين، ومن في قلبه مرض أن يلغ في أعراضهم الطاهرة؛ بل على المسلم أن يدفع عنهم؛ لأن الله عز وجل ذكر أنه يدافع عن الذين آمنوا، وطلب عليه الصلاة والسلام من المؤمن أن يذب عن عرض أخيه المؤمن، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، ولا يسلمه، بحسب المسلم من الإثم أن يحقر أخاه المسلم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه مسلم.

    الثاني: ذكر محاسن الدعاة، وهم القوم الذين لا يشقى في جليسهم، وهم حملة هذا العلم الشريف الذي بعث به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم نجومٌ يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وظلمات الشهوات، كما يهتدى بالنجوم في السماء، قال الأول:

    هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا     أجابوا وإن أعطوا أطالوا أطابوا وأسدلوا

    ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم     وإن حاولوا في النازلات وأجملوا

    فعلى المسلم أن يحتسب الأجر من الله عز وجل، فيذكر ما للعلماء والدعاة من مآثر، فإنهم يحفظون الشريعة، ويفتون الأمة، ويبينون ما أحل الله، وما حرم الله، ويأمرون بالتوحيد، وينهون عن الشرك، وينقذون الأمة، ويدلونهم على الجنة، ويبينون لهم أسباب السعادة، ويحذرونهم من أسباب الشقاء، وهم أبوابٌ على الجنة، وهم بإذن الله صمام الأمان لهذه الأمة الخالدة الموقرة.

    الثالث: ومن رأى على الدعاة ملاحظةً أو رأى نقصاً فعليه أن ينصحهم، أو يكتب لهم كتاباً، ولا يحل له أن يقع في أعراضهم؛ لأنه وقوعٌ في شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام وابتهالٌ بالكتاب والسنة، ومعنى ذلك ألا تثق الأمة بعد ذلك بدعاتها وعلمائها، وأهل الرأي فيها، وحملة الكتاب والسنة.

    الرابع: أن يعذر هؤلاء الدعاة والعلماء في المسائل الاجتهادية، التي اختلف فيها الأئمة من قبلهم، وهي من فروع الشريعة، ولهم أعذارٌ كما بين ذلك شيخ الإسلام في كتابه " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " فليس لأحدٍ من الناس أن يعنفهم، أو أن يثرب عليهم، أو أن يغضب عليهم إذا خالفوا في مسألة اجتهادية، بعد أن يجتهد الواحد منهم، وأن يكون أهلاً للاجتهاد، فإن الأمر فيه سعة في مسائل الاجتهاد التي هي من الفروع لا من الأصول.

    الخامس: عدم مناصرة العلمانيين، والحداثيين، وأهل البدع، وأهل الشهوات، ومرضى القلوب على الدعاة، فإن معنى ذلك خيانةٌ لله تعالى عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فإن من يقف في صف الكافر أو صف المبتدع، أو صف المغرض فإنه يحارب الله عز وجل، ومن يحارب الله يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

    السادس: ومن الواجب على الأمة الدعاء للدعاة والعلماء بظهر الغيب، وفي أدبار الصلوات، وفي ساعات السحر، أن الله ينصر بهم دينه، وأن يعلي بهم كلمته، وأن يوفقهم بالقيام بنشر الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها، ليستمر هذا الدين، ولتقوم قائمته، وليرفرف علم التوحيد في أرض الله عز وجل، فإن الله عز وجل ذكر أن الأرض أرضه، وأنه سبحانه يرث الأرض ومن عليها، وقال بعض أهل التفسير في قوله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41] قالوا في قوله سبحانه وتعالى: (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) بموت العلماء.

    وقد بين صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، ولكنه ينتزعه أو يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.

    وليعلم العبد أن عليه أن يكون من أنصار الله عز وجل، فإنه ليس في الدنيا إلا حزبان، حزب الله عز وجل وحزب رسوله صلى الله عليه وسلم، والحزب الآخر حزب الشيطان، حزب الله هم المفلحون الصادقون الناصحون، وحزب الشهوات والشيطان هم الذين يحاربون الحزب الأول، ففريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.

    1.   

    وضوح الدين والدعوة

    ومن الأسرار في هذا الدرس وكله علن وليس فيه سر، أنه ليس عندنا مناجاة ولا مسارة في ديننا، بل ديننا واضح، ومبادئنا ظاهرة، وليس عندنا شيءٌ نتكتم عليه، أو سرٌ نخفيه، بل إننا نعلن هذه المعلومات دائماً على المنابر وفي النوادي والمحاضرات والدروس والمحافل.

    وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم فاعلم أنهم على دسيسة. فإذا رأيت الأمر يسر ويستوشى بين الناس ولا يعلن فاعلم أن فيه نظراً، وأن فيه بلاء، وأن فيه عيباً، فليعلم الناس أن ما عندنا شيءٌ نخفيه؛ لأن مبادئنا هي لا إله إلا لله محمدٌ رسول الله، والصلاة والزكاة والصيام والحج والأخلاق الفاضلة، والنهي عن الرذائل، وغير ذلك مما يقرب العبد من الله ويباعده من الشيطان والنار.

    ثم ليعلم الناس أن الدعوة علانية والله عز وجل قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكتم أحياناً حفاظاً على أصحابه، ولكن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت معلنة، وكان يحدث بها الناس، وكان يقولها على المنبر عليه الصلاة والسلام، وما كتم شيئاً مما أرسله الله به بل قال له ربه سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] وقد قالت عائشة رضي الله عنها: [[من قال إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد كتم شيئاً مما بعثه الله به فقد أعظم الفرية على الله]] أو كما قالت رضي الله عنها، رواه مسلم

    1.   

    أسرار سرية للغاية

    وهنا أسرارٌ سرية للغاية:

    ضرورة دعوة الناس إلى التوحيد

    السر الأول المعلن: التوحيد، فيجب على كل داعية أن يكون أول كلامه إذا دعا الناس موشحاً بالتوحيد، وأكبر قضاياه توحيد العباد لخالقهم، وهي الدعوة التي بعث الله تعالى بها رسله عليهم الصلاة والسلام، وأنزل كتبه، وخلق من أجلها النار والجنة، ونصب الميزان.

    وافترض الله سبحانه وتعالى على عباده هذا الفرض اللازم الذي دمرت الدنيا من أجله خمس مرات، وفي الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام. قال لـمعاذ: {أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال له: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقهم عليه ألا يعذبهم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالتوحيد دائماً وأبداً هو محور كلام الداعية، وعليه لب كلامه، فعلى دعاة الإسلام أن ينشروه، وأن يوضحوه، وأن يخطبوا به، وأن يجددوا الأساليب فيه، وأن يذهبوا به في البوادي والضواحي والقرى والمدن، وأن تكتب فيه الكتيبات، وأن يجدد فيه الأساليب بكل لسان من منظومٍ، ومنثورٍ، ومن داعية، وواعظٍ، ومفكرٍ، حتى يكون الناس على بصيرة، وهو الأصل المعتمد الذي إذا فسد فسدت كل الأعمال بعده: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66].

    الابتلاء قائم في حق الرسل والعلماء

    والسر الثاني: لا يرسل الله نبياً ولا رسولاً إلا بعد أن يبتليه بالمصائب والمحن، حتى يرفع درجته، ويروضه على الصبر والاستعداد لتحمل الرسالة، يبتلي الله رسله وأنبياءه عليهم الصلاة والسلام إلى درجة أن يعلم الواحد منهم أن لا إله إلا الله، ويتيقن الواحد منهم أن لا نافع إلا الله، ولا ضار إلى الله، ولا خالق إلى الله، ولا رزاق إلا الله، فيعيشها الواحد منهم عقيدة، ويعيشها الواحد منهم إيماناً، ويعيشها الواحد منهم مبدأً، ويعيشها الواحد منهم في لحمه ودمه، حتى يقولها ويعمل بها، ويمتثل بها، ولذلك لما أرسل الله رسوله عليه الصلاة والسلام قال له: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

    ومعنى ذلك: أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق، ولا يرزق، ولا يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى، ولا يرضى الله عن أعدائه؛ لأنهم اتخذوا من دونه آلهة فقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3]

    والقضية الكبرى قضية الإيمان أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولا يجيب المضطر إلا هو، وهذه هي المسألة التي كسرت ظهر الشيوعية، وأخذت الإلحاد في العالم؛ لأن ساعة الاضطرار أعظم دليلٍ على الوحدانية، فلذلك قال سبحانه وتعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]

    والمعنى يسأل الناس: من هو الذي يجيب المضطر وهو المكروب الذي بلغ من الحاجة مبلغاً عظيماً، فلا يجيبه إلا الله سبحانه وتعالى، ويكشف السوء، فهو وحده سبحانه وتعالى، وبين عليه الصلاة والسلام وهو يتحدث لـابن عباس رضي الله عنهما عن العقيدة والتوحيد فقال: {واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف}.

    فعلى المسلم أن يوحد الله عز وجل، وأن يعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا هو، وأن يردد دائماً: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4] وفي الآية سر وهو الصمد سبحانه وتعالى الذي تصمد له الكائنات وترجوه، وتلهج بذكره، وتطلب حاجتها منه سبحانه وتعالى، حتى قال أحدهم:

    يا رب حمداً ليس غيرك يحمدُ     يا من له كل الخلائق تصمدُ

    أبواب كل ملوك الأرض قد أوصدت     ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ

    الصالحون بنور وجهك آمنوا     عافوا بحبك نومهم فتهجدوا

    فهذه قضية كبرى أن يعلم العبد أنه إذا أراد أن يتأهل للدعوة فيصبر على الفتن، وعلى المحن، وليعلم أنه رفع لدرجاته، وأن الله يريد به الخير، حتى يمضي على الأرض وما عليه ذرة من الخطايا، والله يصطفي من عباده من يشاء، فيبتليهم بأنواع الخوف، والمحن، والفتن، والزلازل، حتى يعلموا أن لا إله إلا الله، فيلهجوا إليه، ويطلبوه ويسألونه، وتتقطع حبالهم من غيره، فلا يمدون حبلهم إلا معه، ولا يسألون إلا هو، ولا يخافون إلا منه، ولذلك حذر سبحانه وتعالى من غيره وقال: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175] وقال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

    كل الفلاح في طاعة الله

    السر الثالث: أنه لا صلاح للإنسان إلا في طاعة الله عز وجل، فإن كل خيرٍ من عنده سبحانه وتعالى، ولا يصرف السوء إلا هو، ولا يعطي ولا يفتح إلا المعلم سبحانه وتعالى المعطي الفتاح العليم الوهاب: {فخزائنه ملأى سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه سبحانه وتعالى} وفي الحديث القدسي العظيم الذي قاله رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، ورواه مسلم عن أبي ذر أنه قال صلى الله عليه وسلم: {قال الله سبحانه وتعالى: يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.

    يا عبادي: كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.

    يا عبادي: كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.

    يا عبادي: كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم.

    يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.

    يا عبادي: إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم.

    يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.

    يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد ما زاد ذلك من ملكي شيئاً.

    يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.

    يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه}.

    فعلى العبد أن يجتهد فيما يحب الله عز وجل ويرضى، وأن يتقرب إليه بالمحامد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عنه عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: {وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به...... إلخ}.

    حاجة العبد للأمر والنهي

    السر الرابع: أنه لا بد للعبد من أمرٍ ونهي، وهذه من كلمات شيخ الإسلام رحمه الله في المجلد الأول في الألوهية وفي غيرها من كتبه، وقالها غيره من العلماء، والظاهر أنه لا بد له من آمرٍ يأمره، وناهٍ ينهاه، وهو الشارع الحكيم، فإن العبد لا يستطيع أن يعيش هملاً، لا يوجهه موجه، ولا بد له من شريعة، والشريعة هي ما بعث الله به رسله عليهم الصلاة والسلام، خاصةً النبي محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه بعثه بما يصلح العباد، وبعثه بما يحذر العباد من المفاسد، وما يجنبهم الشرور.

    وقال بعضهم: لا بد للعبد أن يأمر وأن ينهى، فيأمر بما أمر الله به ورسوله عليه الصلاة والسلام، وينهى عما نهى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يكون آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، فكما قال عليه الصلاة والسلام: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} رواه مسلم.

    الدعاة أبعد الناس عن التكفير

    السر الخامس: أن الدعاة إلى الله عز وجل لا يكفرون أحداً من المسلمين من أهل القبلة إلا بمكفر من المكفرات التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، فهم أبعد الناس عن التكفير، يصونون ألسنتهم، ويخافون الله سبحانه وتعالى؛ لأنه من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فهم يحذرون كل الحذر، والذين يسرعون في التكفير هم أهل البدع، وقد لامهم أهل العلم على ذلك؛ لأنهم لا يخافون الله؛ ولأن ضوابطهم متهتكة في مسألة التكفير، وليس عندهم بصيرة، وما عندهم دلالةٌ من الفقه في الدين.

    وإنما وقع الخوارج في مسألة التكفير لأنهم أخذوا ببعض الكتاب، وأكثروا في العبادة على حساب الفقه في النصوص، فجهلوا الفقه في الدين فوقعوا فيما وقعوا فيه، ولذلك لم تنفعهم عباداتهم، ولا قراءتهم، ولا صلاتهم، ولا صيامهم، حتى قال المعصوم عليه الصلاة والسلام: {تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية}.

    وعند ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما: [[فقيهٌ واحد أشد على الشيطان من ألف عابد]] لأن الفقيه يعرف أسرار الشرع، ويقف عند النصوص، ويفقه الأدلة.

    الدعاة أزهد الناس في الدنيا

    السادس من الأسرار: ليس للدعاة مطامع دنيوية، فمطمعهم الأعظم أن يصلحوا الناس، وأن يهدوهم، وأن يعودوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يتوجهوا إلى الوجهة الصحيحة تحت مظلة أهل السنة والجماعة، فمن زعم أن الدعاة في غالبهم يريدون الدنيا، من قصورها وفللها، ومناصبها، ووظائفها، ورواتبها، فقد أعظم الفرية على الله، وقد اتهمهم بما هم منه براء، فإن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم أزهد الناس.

    كفاك عن كل قصر شاهق عمدٍ     بيتٌ من الطين أو كهفٌ من العلمِ

    تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً     نصب الخيام التي من أروع الخيمِ

    إذا ملوك الورى صفوا موائدهم     على شهي من الأفلاس والأدم

    صففت مائدةً للروح مطعمها     عذبٌ من الوحي أم نورٌ من الكلمِ

    ويروى عنه عليه الصلاة والسلام عند ابن ماجة وغيره: {ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس} وعند البخاري من حديث ابن عمر: {كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: {مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلها كرجلٍ قال في ظل شجرة ثم قام وتركها} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    فهم يتعلمون هذا من الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ويعلمون أن ما أعد الله لهم من الرضوان والخير والنعيم المقيم خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو سُلِّم إليهم ذهب الدنيا، وفضة الدنيا، لما رضوا به عوضاً عما عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة، فليعلم العبد هذا وليتيقن. وقد يأتي منهم نادر ولكن النادر لا حكم له، ولا يعمم عليهم، ولا يُتخذ ذريعة للنيل منهم.

    العلماء هم قادة الأمة وروادها

    السابع: أن الدعاة والعلماء أحق بالكلام من غيرهم، فهم أحق أن يتكلموا، وأحق أن يستمع الناس لهم، وأحق أن يصدروا في المجالس، وأن يكرموا، وأن يطلب منهم الرأي والفتوى، وأن يُعتبروا هم أهل الرأي وهم المنوط بهم إفتاء الأمة، ودلالة الأمة؛ لأن الله رزقهم من البصيرة ما لم يرزق غيرهم، ويقول سبحانه وتعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] وأهل الذكر هم أهل العلم، فالرد إليهم واجب.

    فالواجب إتاحة المجال لهم؛ ليسمع الناس صوتهم، وليعلموا حقيقة ما يحملون، وليتفقه الناس عليهم، وليكون الناس على بينة مما يلقي هؤلاء أو مما يقول هؤلاء الفضلاء النبلاء الشرفاء.

    ضرورة التزام الدعاة كظم الغيظ والصبر

    الثامن من الأسرار: وهذا سرٌ للدعاة أقوله بيني وبينهم ولعله لا يدري به إلا من يسمعه من الناس، أقول: أن عليهم أن يتحملوا، وأن يكظموا الغيظ، وأن يصفحوا: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22] وقد قال سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ومنها: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] فليتحملوا في سبيل إرساء دعوتهم، وتعليم الناس، وأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتوضيح كل ما يشكل على الأمة، وليعلموا أن ما أصابهم ففي سجل الحسنات، وفي محفل الدرجات وتكفير من السيئات.

    وعند الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم} وليجعل الدعاة قدوتهم معلم الخير عليه الصلاة والسلام؛ ليكونوا على بصيرة، وليكونوا إن شاء الله ممن ينصرهم الله في الدنيا والآخرة، ثم ليبشر الدعاة بالأجر الجزيل من الله تبارك وتعالى، فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم} وليبشروا بالثناء الجميل من الناس، فإنه لا يطلب لذاته، لكن إذا حصل فهو من المبشرات، وعاجل بشرى المؤمن، وإبراهيم عليه السلام يقول لربه تبارك وتعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء:84] قال أهل العلم: الثناء الحسن، وقال الناظم:

    وإنما المرء لسانٌ بعده     فكن لساناً حسناً لمن وعى

    أو قال:

    وإنما المرء حديثٌ بعده     فكن حديثاً حسناً لمن وعى

    1.   

    قصيدة بعنوان : الوحي مدرستي الكبرى

    فعسى الله أن يرزقنا الثناء الجميل، والأجر العظيم، نحن ودعاة الإسلام والصالحين من عباده.

    وهناك كثير من القصائد في هذا الباب أحببت أن أذكر قصيدة نظمتها منذ أيام بعنوان "الوحي مدرستي الكبرى" فيها بعض المعاني، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون في ميزان الحسنات، وأن تكون ذباً عن أعراض الصالحين قلت فيها:

    أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن      أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

    بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا     بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

    وفي ربا مكة تاريخ ملحمةٍ     على ثراها بنينا العالم الفاني

    دفنت في طيبة الروحِ ووا ولهي     في روضة المصطفى عمري ورضواني

    النيل مائي ومن عمان تذكرتي     وفي الجزائر آمالي وتطوان

    دمي تصبب في كابول منسكباً     ودمعتي سفحت في سفح لبنان

    فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ     عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

    والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا      ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني

    وثيقتي كتبت باللوح وانهمرت     آياتها فاسألوا يا قوم قرآني

    جبريل يغدو على قومي بأجنحةٍ     من دوحة الطهر في نجواه عرفانِ

    بدر أنا وسيوف الله راعفة      كم حطمت من عنيدٍ ماردٍ جاني

    كتبت تاريخ أيامي مرتبـةٍ     في القادسية لا تاريخ شروان

    وما استعرت تعاليماً ملفقةً     من صرح واشنطن أو رأس شيطانِ

    وما سجدت لغير الله في دعةٍ     وما دعوت مع معبودنا ثاني

    وما مددت يدي إلا لخالقها     وما نصبت لغير الحق ميزانِ

    فقبلتي الكعبة الغراء تعشقها     روحي وأنوارها في عمق أجفاني

    وليس لي مطلبٌ غير الذي سجدت     لوجهه كائنات الإنس والجان

    لا أجمع المال مالي كل أمنيةٍ     طموحةٍ تصطلي بركان وجداني

    وكل قدم جبانٍ لا يصاحبني     على الشجاعة هذا الدين رباني

    ليت المنايا تناديني لأخبرها     أن المنايا أنا لا لونها القاني

    ليرم بي كل هولٍ في مخالبه     ما ضرني وعيون الله ترعاني

    ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً     أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني

    مريضُ جسمٍ صحيح الروح في خلدي     حبٌ لأحمد من نجواه عرفاني

    بلال صوتي هتافٌ كله حسنٌ     أذانه في المعالي رجع آذاني

    وعزم عمار في دنيا فتوته     أسقي     شبابي به من نهره الداني

    عصا الكليم بكفي كي أهش بها     على تلاميذ فرعونٍ وهامانِ

    ونار نمرود أطفيها بغاديةٍ     من الخليل فلا النيران تصلاني

    في حزن يوسف تاريخي وملحمتي      من صنع خالد لا من صنع ريجان

    داود ينسج درعي والوغى حممٌ     لا يخلع الدرع إلا كف أكفاني

    دعني ألقن قوماً ما لهم هممٌ     إلا على العزف من دانٍ ومن دان

    قومٌ مخازنهم نهبٌ ومطعمهم     سلب وموكبهم من صف فئرانِ

    هم في الرؤى نقطة سوداء إن لمعوا     يا للرجال وهذا العالم الثاني

    يا جيل يا كل شهمٍ يا أخا ثقةٍ     يا بن العقيدة من سعد وسلمان

    يا طارقاً يا صلاح الدين يا ابن جلا      يا عين جالوت يا يرموك فرقانِ

    يا بائع الأنفس الشماء في شهبٍ     من الرماح على دنيا سجستان

    يا من بنوا المجد من أغلى جماجمهم      في شقحب النصر أو في أرض أفغانِ

    يا من سقوا دوحة الإسلام من دمهم     من كل أروع يوم الروع ظمآن

    يا صوت عكرمة المبحوح يقطعه     قصف العوالي من سمرٍ ومرانِ

    هيا إلى الله بيحوا كل فانيةٍ     فصوت رضوان ناداكم وناداني

    أيها الإخوة الكرام: في هذه الليلة أفشي لكم سراً وهو طلبٌ ينفعكم عند الله سبحانه وتعالى، وهو أمرٌ عظيم، وأجره جزيل، إنه بناء المساجد، فإن الله سبحانه وتعالى تكفل لمن بنى مسجداً وبيتاً له في الدنيا؛ أن يبني له بيتاً في الجنة ولو كمفحص قطاة، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18] إن الذي يعمر المساجد إنما يعمرها حباً فيما عند الله عز وجل، إن كل مصلٍ يصلي في هذا المسجد، لك بمثل صلاته أجرٌ ومثوبة عند الواحد الأحد.

    إنها البيوت التي يجب علينا أن نعتني بها: في توسيعها، وبنائها، وخدمتها، أكثر مما نعتني ببيوتنا، ليس للمنافقين أن يعمروا المساجد، وليس للمشركين، ولا من في قلبه مرض قال تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة:17] ولكن: إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18] فندعوكم أيها الأخيار من أهل التجارة وممن أعطاهم الله المال ليبتليهم سبحانه وتعالى به، وليعلم أيشكرونه، أم يكفرونه، وليعلم سبحانه وتعالى أينفقونه في أبواب الخير والبر، أم يجعلونه في المعاصي والانحراف والصد عن منهج الله.

    يقول سبحانه وتعالى عن أعدائه: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] فمعاذ الله -يا تجار المسلمين! ويا أثرياء المسلمين! ويا أغنياء المسلمين!- أن تجعلوا الأموال حرباً على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين، أو ولوغاً في الشهوات، أو سقوطاً في المعاصي، بل هنا منفذٌ كبير، وبابٌ يدخلكم الجنة، وقائدكم في هذا رسول الهدى عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فإن عثمان رضي الله عنه وأرضاه دخل الجنة بالمال، وكذلك ابن عوف.

    قام صلى الله عليه وسلم يطلب الصدقة والنفقة على جيش المسلمين المتوجه إلى تبوك، فقام عثمان فهيأ الجيش بآلاف الدنانير، ودفع الجمال والخيول فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارضَ عن عثمان فإني عنه راضٍ) وكان المسلمون يقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.

    فيا أيها الإخوة: من كان له استطاعة، ولو بالريال أو بالعشرة أو بالمئة، أو بما كثر أو قل، أو يعرف غنياً أو تاجراً، فليساهم في دعوته في بناء المساجد.

    وأمامي قائمة من المساجد التي تحتاج إلى بناء وأصحابها الآن يدعون، وهم يتحرون من يمدهم بعونٍ ويوسع لهم مسجدهم ويبنيه بناءً طيباً؛ ليهتفوا إلى الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهذا الباني، وأن يرحمه، وأن يجزل مثوبته.

    وهناك من الوثائق والصكوك ما يثبت ذلك، فعسى الله أن يكمل السعي، وأن ينفعنا بهذه الأموال التي إذا وجهت توجيهاً صحيحاً نفع الله بها أمته، ونفع بها عباده، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وفي الأخير: أخبركم بسرٍ عسى أن يكون معلناً وهي رسالة من تهامة، رسالة من أرضٍ فقيرة، وأرضٍ مجدبة، وأرضٍ بها قحط، أرض تريد مد يد العون من الصدقة من العلم النافع، أرضٌ تنادي التجار والعلماء، تنادي طلبة العلم، تنادي الدعاة.

    فيا أيها الناس: نسأل الله سبحانه وتعال أن يجعلكم من المستجيبين له ولرسوله، وأن تلبوا هذا الداعي، وأن تذهبوا بأنفسكم وبسياراتكم إلى هذه البوادي والقرى والجبال والضواحي تنشرون بها العلم النافع بواسطة الشريط، والكلمة النافعة، والخطبة والموعظة، وتبينوا للناس أمور دينهم، وتحملوا معكم الأرزاق، وتحملوا معكم ما ينفع هؤلاء من الملابس والأغذية والأكسية، كما أني أدعوا أهل رءوس الأموال والأغنياء والأتقياء أن يبذلوا الصدقات هناك، فإن الأقربين أولى بالمعروف، وهم أحوج ممن هو أبعد منهم، فعسى الله سبحانه وتعالى أن ينفع بالجهود، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يصلح الراعي والرعية، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يجعلنا من أنصار دينه، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، كما أشكر الذين بذلوا من علمهم ومن جهدهم ومن وقتهم فهذا الذي يبقى لهم:

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه     لا يذهب العرف بين الله والناس

    أسأله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، والعون والثبات على الحق حتى نلقاه، وصلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.