إسلام ويب

في وداع الألبانيللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن علماء الأمة هم قادتها وروادها وحراسها، وفقد عالم منهم ثلمة في الإسلام ونخر في عظم الأمة، ولقد فجع المسلمون في كل بقاع العالم بوفاة الشيخ المحدث: محمد ناصر الدين الألباني.

    1.   

    كلمة في رثاء الشيخ الألباني

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

    كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر     فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ

    توفيت الآمــال بعد محمــدٍ وأصبح في شغلٍ عن السفرِ السفر

    هذا العام -في الحقيقة- عام الحزن، فقد رزئت فيه الأمة الإسلامية بفقد قمم شماء، وجبال راسيات.

    قبل أيام حملنا على أكتافنا جنازة إمام أهل السنة والجماعة الشيخ عبد العزيز بن باز، وقبل أيام ودعنا محدث العصر، ومجدد علم الحديث، الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني.

    وقد قلنا في حينها عن الشيخ ابن باز بعض ما يستحق، أما الألباني فنحن نشهد الله على محبته، ونحن تلاميذ على كتبه، وكيف ننسى الألباني وكتبه معنا تسامرنا، وتحدثنا، وتزين مكتباتنا وبيوتنا، وتشرح صدورنا، وتبهج قلوبنا.

    كيف ننسى الألباني وهو مجددٌ في هذا الفن، أنفق عمره، وأعطى لياليه وشبابه وقوته لميراث محمدٍ عليه الصلاة والسلام، حارب البدع، ودعا إلى منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة، وصحح الحديث، ونفى عنه الكذب والوضع، واشتغل برجال السند، وحقق تحقيقاً باهراً.

    كيف ننسى الألباني وكلما دخلنا مكتبةً وجدنا صحيح الجامع، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، وإرواء الغليل، وذلك الميراث المبارك، فلا نملك إلا أن نقول:

    جزى الله الألباني خير ما جزى عالماً مجدداً إماماً عن أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

    إن محبة الألباني دليلٌ على الاعتصام بالسنة عند هذا الجيل، وهو -في حد علمي- أول من رد الناس إلى الدليل في هذا العصر مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.

    إن ابن باز والألباني كالشمس والقمر في علم الحديث والأثر والسنة، وإنني أسأل الله أن يرحم الألباني وابن باز، وأن يجمعنا بهم في دار الكرامة.

    1.   

    واجبنا نحو العلماء

    والواجب على أهل العلم، وأهل الصحافة والأقلام، والأدباء والشعراء، أن يتحدثوا عن مآثر هؤلاء العلماء الذين هم نجوم الأمة وكواكبها، وحياتها ونورها، فإن الله استشهد على ألوهيته العظمى بالعلماء مع الملائكة، فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

    مات في اليوم الذي مات فيه الألباني أحد الشعراء؛ فمجدته الصحف والمجلات، والأدباء والكتاب، ومات الألباني فما انتضى وما كتب وما تكلم إلا القليل، وبين الألباني وهذا الشاعر بعد الثرى عن الثريا، فالثريا هو الألباني سطوعاً ودعوةً وعلماً وسنةً وتجديداً وصحة منهج، وذاك الشاعر فيه انحراف في المنهج، وغواية، وصدود عن منهج الله، وتهتكٌ وإعراض.

    فيا أمة الإسلام! يا جيل محمد صلى الله عليه وسلم! يا طلبة العلم! عودوا إلى ميراث الألباني وميراث ابن باز، ومحمد بن عبد الوهاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، اقرءوه، وافهموه، وتدبروه.

    أيها الإخوة: ترحموا على الألباني كلما قرأتم حرفاً من كتبه، فإن هذا جزاء المعروف، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، فنشكر ربنا سبحانه وتعالى أن هيأ مثل الألباني لنصرة دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والذود عن السنة المطهرة، وأشهد الله على محبة الألباني، فهو معي ليلاً ونهاراً في ميراثه وكتبه، وعطائه المبارك الذي يوصله -بإذن الله- إلى جناتٍ ونهر: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55]

    علوٌ في الحياة وفي المماتِ     لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ

    ونقول للألباني وابن باز:

    إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي      مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

    آخيتمونا على حب الإله وما     كان الحطام شريكاً في تآخيــنا

    اللهم صلِّ وسلم على المعلم الذي أخرج لنا هذه النماذج الخالدة، والقدوات الرائدة، والعلماء البررة، وعلى أصحابه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وتقبلوا تحيات أخيكم عائض القرني من الرياض.