إسلام ويب

الشباب طموح ومعاناةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الدرس بقصيدة ترحيبية للشيخ: سلمان العودة، رحب فيها بالشيخ عائض القرني ثم بدأ الشيخ عائض محاضرته بمقدمة شعرية، ذكر بعدها عناصر المحاضرة، ثم بدأ في تفصيل المحاضرة فتكلم حول الشباب والفطرة، ثم بين أن المعاناة في حياة الجيل سبيل وسنة، وتكلم بعد ذلك عن صور المعاناة عند الشباب لمصادرة الحريات وتحجيم دور الشباب في الحياة، وعن حيرة الشباب أمام الركام الهائل من الغثاء العقدي، معرجاً بعد ذلك إلى ذكر بعض صور الطموحات عند الشباب المسلم.

    ثم ختم المحاضرة بذكر بعض الاقتراحات العاجلة، وقام بعد ذلك الشيخ سلمان العودة بالتعليق على المحاضرة بكلام قيم نفيس وختم كلامه بالدعاء.

    1.   

    ترحيب بفضيلة الشيخ عائض القرني

    الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها نعمة, والحمد لله عند كل نعمة، والحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه, كما يحب ربنا ويرضاه, والصلاة والسلام على نبينا محمد أفضل نبي وأشرفه وأزكاه.

    ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية من عند الله مباركة طيبة.

    أيها الإخوة الأحباب! باسمكم جميعا نحيي شيخنا وضيفنا وحبيبنا، أبا عبد الله الشيخ: عائض بن عبد الله القرني من كل قلب يمتلئ بالحب، وكل عينين تشعان بالصدق, وكل لسان ينطق بالحق, نقول: أهلاً بـأبي عبد الله ترحب به عرانين نجد وبطاحها، وجبال عسير وقممها, أهلاً بـأبي عبد الله من كل الشباب الذي امتلأت قلوبهم حبّاً لك, كما امتلأ قلبك نصحاً لهم وحباً.

    يا أبا عبد الله! تحييك نجد والقصيم كلها, من كل الشباب الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً, تحييك نجد كلما هبت صباها, وفاح شذاها, وتقلب صباحها ومساها, أهلا بك يا أبا عبد الله كلما نبست شفة أو رفت عين أو خفق قلب بحب.

    يا أبا عبد الله إن جميع الشباب الذين يغص بهم هذا المجمع المبارك, جاءت لتعلن بلسان حالها ومقالها أنها جموع محمد صلى الله عليه وسلم, وأنهم أهل الحق الذي تصدع أنت بكلمته, وأنهم أتباع محمد الذي تشدو أنت بدعوته, وأن الطريق والصراط المستقيم قد اتسع لشباب علت هممهم، وسمت اهتماماتهم, وأصبح الذي يستهويهم صوت الكلمة الصادقة, والدعوة الناصحة, والرأي السديد.

    أيها الإخوة! أدعكم مع سبح شعري، معانيه في قلوبكم جميعاً, ولكن الذي رسم كلماته هو شيخنا الشيخ سلمان بن فهد العودة, رسم هذه الكلمات معبراً عما في قلوبنا كلنا من حب, وشرفني يوم أن أمرني بإلقائها:

    احملوني إلى الحبيب وروحوا      واطرحوني ببابه واستريحوا

    أنا من هيح الغرام شجاه      وبراه الهيام والتبريح

    يا أبا عبد الله كم من محب      ناله من هواك ضر جريح

    فسلام عليك من حيث تغدو      وسلام عليك حيث تروح

    وسلام عليك في كل صمت      وسلام عليك حين تبوح

    وسلام أنى حللت يوافيك     كما الظل في مداه الفسيح

    ذلك الحزن في الوجوه بكاء      من مآسٍ تغدو بنا وتروح

    فـفلسطين طعنة وأنين      وقتيل ونازف وجريح

    وقلوب قد أنهكتها الرزايا      فعليها من الرزايا موح

    وبلاد الأفغان أنّات حزن      وثكالى على ثكالى تنوح

    ويهز الدنيا نداء صريخ     تحت أقدام قاتليه طريح

    وعلى كل بقعة ذكر اسم     الله فيها مصائبٌ وقروح

    يا أبا عبد الله ما حشر     الأشباح إلا روح أبي سبوح

    هزه الشوق للمجالس نشوى     بعبير من الجنان يفوح

    وبلحن من الكلام ندي     فيه سر من السماء وروح

    فلأنت الشباب يهتز عطراً     ومعاناته وأنت الطموح

    رافضاً زخرف الحياة جمالاً     باهتاً لم ينده التسبيح

    أما الآن فأدعو أسماعكم لتتعطر بهتافات أبي عبد الله وكلماته، فليتفضل مشكورا مأجوراً.

    1.   

    قصيدة شعرية للشيخ عائض القرني

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم صلّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي, وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي, صاحب الغرة التحجيل, المؤيد بجبريل, المعلم الجليل، المذكور في التوراة والإنجيل, صلى الله عليه وسلم كلما تضوع مسك وفاح, وكلما ترنم حمام وصاح, وكلما شدا بلبل وناح.

    هذي جراحي وهذا كله وصبي     وهذه دمعتي سالت على تعبِ

    يكفيك يا قلب أنا في القصيم غدت     قلوبنا تنسج الأفراح في طربِ

    يا ماسح الدمع عن عيني ذكرتكم     والهم ينتابني والهول يعصف بي

    فيا فمي اليوم قبل كل ناصية      شماء واقصد بها الرحمن واحتسب

    بريدة الحق ما زالت محجبة      وصانها الله من باغ ومغتصبِ

    أمطر عنيزة دمع الحب يحمله      روادها من صميم السادة العرب

    في الرس ترسو المعالي وهي راسخة      وفي البكيرية الغراء كل أبي

    يا بن البدائع أبدع ما أردت على      نهج الرسول ونهج الثلة النجب

    يا مذنب الأوفياء الله يحفظكم      من زاركم مذنباً في دينه يتب

    هل أخبروك عن الخبرى وما فعلت      أجيالها حاملو الأقلام والقضب

    قصدي عيون الجوى يا عين فاغتنمي      يا صاحب العين لا تأس على الحجب

    شمس الشماسية البيضاء معتقة      بالبر والخير لم تكسف ولم تغب

    أرض الأشاوس ما دانت لمضطهد      جوراً وما صافحت كفاً لمنتهب

    ولا استناخت لجبار على رغم      لو كان من يزن نسلاً ومن كرب

    أنوف أبطالها مرفوعة أبداً     إذا أنوف خصوم الحق في الترب

    صلى على أرضها روح الفدى وسقى     ترابها معصرات المزن في السحب

    وذاد عنها دعاة الخير ما برحت      ترمي الشياطين عنها الدهر بالشهب

    أيها الناس! إن الذي يأتي ليحدثكم كالذي يروض الأسود, أو كالذي يسحب الحبل على شفرات السيوف.

    أيها الإخوة! يوم أن أتيت إليكم قال لي قلبي: إنك تأتي قوماً أهل كتاب وسنة, فليكن أول ما تخبرهم عنه أنك تحبهم في الله, فأشهد الله في هذه الليلة, وأشهد ملائكته وأشهد حملة العرش, وأشهد المسلمين, أني أحبكم في الله, ولسان الحال يقول: وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف:88].

    كان لي نية قبل فترة أن أتشرف بزيارة هذا المعلم, وهذا المكان، لأشارككم فرصة عودة دروس الشيخ الفاضل العالم المسدد سلمان بن فهد العودة , ونعيش هذه الأمنية الغالية، ولكني جئت الليلة معتذراً وشاكراً ومعانقاً ومسلّماً.

    1.   

    موجز المحاضرة

    عنوان المحاضرة "الشباب معاناة وطموح" ولها عناصر:

    الشباب والفطرة، المعاناة في حياة الجيل سبيل وسنة، معاناة الخيرين أبد الدهر، رسولنا صلى الله عليه وسلم بين حرب الإيذاء والإغراء, من صور المعاناة عند الشباب، مصادرات الحريات في حياة الجيل, وفصله عن ماضيه المجيد, تحجيم دوره في الحياة ومكانته في التأثير، حيرته أمام ركام هائل من الغثاء الفكري والعقدي والسلوكي، إدانته باتباع السنة واتهامه باعتناق الملة، قلة المربين والعلماء الربانيين.

    أما من صور الطموحات فتطلعه أن يكون العالم الرباني، الذي يعيد للعلم مكانته, سعيه إلى أن يكون المجاهد الذي ينصر الله به دينه، حرصه على إعادة الأمة إلى صدارتها وإمامتها, هدايته الناس إلى الله تبارك وتعالى, تطهيره الأرض من الدخيل الكافر, وإعادة الكمال الإنساني إلى أمة الخلافة.

    تلكم عناصرها، وفي الحقيقة إنني كتبت المحاضرة لجلالة الموقف, وكنت أرتجل في غالب الأوقات، لكن لما علمت أني سوف أفد إلى مدينة العلم والدعوة، والقضاة والمشيخة, آثرت أن أكتب

    كالبحر يمطره السحاب وما له     فضل عليه لأنه من مائه

    شباب محمد صلى الله عليه وسلم أخاطبهم هذه الليلة, شباب المساجد، شباب القداسة, شباب المبادئ، شباب التوحيد.

    1.   

    الشباب والفطرة

    قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] على ماذا فطر هذا الإنسان؟ على لا إله إلا الله محمد رسول الله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] فنطقوا، قال الرازي والغزالي: شهادة حال, وقال الجمهور: شهادة مقال.

    ولد المولود وفي قلبه مكتوب لا إله إلا الله، وفي دمه تجري لا إله إلا الله، وفي عروقه تسبح لا إله إلا الله.

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: لكل مسلم ميلادان اثنان:

    الميلاد الأول: يوم ولدته أمه.

    والميلاد الثاني: يوم اهتدى وتاب.

    ومن يولد الميلاد الثاني فلن ينفعه الميلاد الأول، لأن الميلاد الأول من جنس ميلاد الحيوانات والعجماوات والبهائم والطيور والزواحف, وقال كذلك شيخ الإسلام في مختصر الفتاوى: ولكل مسلم أبوان؛ الأب الأول أبوه الجثماني والأب الثاني محمد صلى الله عليه وسلم فهو أبوه الروحاني، قال وفي قراءة أُبي: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) فالرسول صلى الله عليه وسلم أبٌ للشبيبة المهتدية السالكة إلى الله.

    وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) سقط رأسه على التوحيد, وانبعث على التوحيد, ولكن التربية والغزو الفكري والأيادي العميلة, ومرتزقة الفكر أرادوا أن يلحد أو ينحرف أو يفسق في دين الله, وجزاء الذين يغيرون فطرة الله أن يغير الله أفئدتهم وأبصارهم، ولذلك قال سبحانه وتعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] قالوا: (أول مرة): يوم الميلاد, وقيل: يوم الدعوة, وهذه الآية تتحقق في أسمى كمالها في انهيار الشيوعية اليوم، فهي تنسحق ويخرج العراة الجائعون من بيوتهم، يدوسون بجزماتهم صور لينين واستالين.

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     كان الخراب لها أعدى من الجرب

    رمى بك الله جنبيها فحطمها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    لقد قلب الله فطرهم, ولقد قلب الله أنظمتهم, ولقد دس الله أنوفهم في الوحل, فرئيس يأتي ليسحب صورة رئيس ويلعنها ويدوسها, كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38].

    ولكني لا أفيض، وقد أردت أن أفيض, ولكني سوف أترك هذه الإفاضة لفضيلة الشيخ عبد الوهاب بن ناصر الطريري غداً مع محاضرة (موسكو تحطم أصنامها).

    (وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان) (وأن يبيع حاضر لباد) وأن تلقى السلع قبل أن يهبط بها إلى الأسواق, فأعط القوس باريها، والكلمة خطيبها، منتظراً منه بحثاً في هذه الجزئية، التي نعيشها بدمائنا وقلوبنا.

    1.   

    المعاناة في حياة الجيل سبيلٌ وسنة

    والمعاناة في حياة الجيل سبيل وسنة, والله خلق الإنسان في كبد, إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [الانسان:2] قالوا: بالدعوة, وقيل: بالتكليف, بل هو مبتلى حتى في طعامه وشرابه, والفاسق مبتلى في معصيته, وشارب الخمر مبتلى بكأسه, وضارب العود مبتلى بعوده, والفنان مبتلى بفنه, والزنديق مبتلى بزندقته, والمؤمن مبتلى برسالته ومبادئه التي يحملها للناس, لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] فهو في مشقة وفي ورطة, لا يخرجه من هذه الورطة إلا فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50] ولا يكون المخرج إلا محمداً عليه الصلاة والسلام، لأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور, ولأنه ربان سفينة النجاة، من ركب فيها نجا, ومن تخلف عنها هلك.

    يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] فهو عامل، الغني كادح, ومدير القرار كادح, ومنتج الجرم كادح, ومقترف الفاحشة كادح, ومرسل الكلمة البناءة كادح, ولكنه يعود إلى الله, وكما قال البوشنجي وهو يتكلم عن الدنيا، وهو أحد العلماء المحدثين:

    أتينا كارهين لها ولما     عشقناها خرجنا كارهينا

    وما بالعيش سلوتنا ولكن      مرار العيش فرقة من لقينا

    يقول: أتينا نكره الدنيا غاضبين على الدنيا, لا نريد الدنيا، فلما تعلقنا بها أتانا الموت تعلقنا بالدنيا, كما قال الأول:

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

    وهذه هي المعاناة الكبرى, وهي العامة لكل البشر لمؤمنهم ولكافرهم، ولمهتديهم وضالهم.

    1.   

    معاناة الخيرين

    أما معاناة الخيرين فهي معاناة خاصة, وهو أمر ومثوبة, وهو تكليف وواجب, ولقد عانى في الطريق كل صالح وكل خير, طريق شاق ومتعب, وطريق مضن، بل العجيب أن رواد الحق ودعاة الباطل في طريقهم إلى مبادئهم يضحون, هذا يضحي وذاك يضحي، سجن ابن تيمية وسجن لينين , كل من أجل مبدئه، وقتل أبو جهل وقتل حمزة، كل من أجل مبدئه, وجلد أحمد وجلد كارل ماركس في بلجيكا, كل من أجل مبدئه: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227] طريق ناح فيه نوح، وذبح فيه الذبيح, واغتيل زكريا, وضرج عمر بدمه في المحراب, وذبح عثمان , وفصل رأس علي , وجلدت ظهور الأئمة ولكن:

    جزى الله الطريق إليك خيراً     وإنا قد تعبنا في الطريق

    فكم بتنا على الأجهاد يوماً     نراعي النجم من أجل الصديق

    إنها طريق شاقة، ولكنها أجر ومثوبة, نوح يصارع الطوفان, وإبراهيم -عليه السلام- يحارب بالنار, وموسى يفتن فتونا, ورسولنا صلى الله عليه وسلم يتلقى الكربات.

    1.   

    بين حرب الإغراء والإيذاء

    رسولنا صلى الله عليه وسلم بين حرب الإغراء والإيذاء، وهما حربان يتعرض لها الداعية دائماً, فأيهما غلبته سقط وهزم وسحق، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم نجح نجاحاً باهراً، وانتصر انتصاراً مبيناً في كلا الحربين.

    اسمع إلى حرب الإغراء، وأول ما يمارس الطغاة والظلمة حرب الإغراء, إنهم يقدمون الدينار، ويقدمون الجائزة والسيارة الفخمة, إنهم يشترون الضمائر ليبتاعوا بها المبادئ, تعرض صلى الله عليه وسلم لهذا، وأول ما تعرض له الفتاة الجميلة, تعرض على محمد صلى الله عليه وسلم يقول له الوليد: إن كنت تريد زوجة زوجناك أجمل فتاة في مكة , وكانت الزوجة الجميلة طموحاً وهدفاً للعرب في الجاهلية, ولذلك يقول قائلهم عن الفتاة:

    أخبروها إذا أتيتم حماها     أنني ذبت في الغرام فداها

    ويقول جميل:

    يقولون جاهد يا جميل بغزوة      وأي جهاد غيرهن أريد

    ومجنون ليلى وهو يدعو الله عند مقام إبراهيم, ينسى دعواته ويلتفت إلى تلك الفتاة الجميلة التي سلبت عقله:

    أتوب إليك يا رحمن مما     جنت نفسي فقد كثرت ذنوب

    وأما عن هوى ليلى وتركي     زيارتها فإني لا أتوب

    هذه عروبة أبي جهل وأبي لهب المنفصلة عن لا إله إلا الله، محمد رسول الله, لكن ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: لا، فطموحاته أعظم.

    عرض عليه الملك، ليتولى ملكاً على العرب العرباء, وليقود الجزيرة العربية, ولكن الملك مجرداً من الدين أمنية البسطاء, ومبلغ علم الوضعاء, ولذلك جعلته العروبة قبل الإسلام من أقصى أمانيها؛ يقول امرؤ القيس:

    بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه      وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

    فقلت له لا تبك عينك إنما      نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

    إما ملك أو موت.

    وقال -المهلوس الآخر- المتنبي:

    ولا تحسبن المجد زقاً وقينةً     فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

    وتضريب أعناق الملوك وأن ترى     لك الهبوات السود والعسكر المجر

    وتركك في الدنيا دويا كأنما     تداول سمع المرء أنمله العشر

    هذه هي أمانيهم, وهذه طموحاتهم.

    وعرضت عليه الدنيا صلى الله عليه وسلم، فقال له الوليد: وإن كنت تريد مالاً جمعنا لك مالاً لتكون أغنى أهل مكة , ولكن ماذا فعل صلى الله عليه وسلم؟ قال فيما يروى عنه: (والذي نفسي بيده لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركنه أو أهلك دونه).

    لله در مبادئك وطموحاتك وهمتك وعزيمتك!

    البدر والشمس في كفيك لو نزلت      ما أطفأت فيك ضوء النور والنار

    أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة      يذوب في ساحها مليون جبار

    في كفه شعلة تهدي وفي دمه     عقيدة تتحدى كل جبار

    يا فاضح الظلم فارت هاهنا وهنا     فضائح أين منها زندك الواري

    ومحمد صلى الله عليه وسلم ينتصر، فلما انتصر على الإغراء, تعرضوا له بالإيذاء، وهي المدرسة الأخرى وهو الأسلوب الآخر, السب والشتم: "ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكاذب" يصلي عند المقام صلى الله عليه وسلم، فيضعون السلى على رأسه، فيقوم يحتحت السلى ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

    يذهب إلى الطائف جائعاً ظامئاً متعباً ساهراً, فيرد من الطائف بالتكذيب، ويرمى بالحجارة فتسيل أقدامه, ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) يتعرض للإيذاء في عرضه، في عائشة الطاهرة, فيصبر ويتحمل, تباع أملاكه في مكة , تصادر كرامته, يؤذى ويشهر به في القبائل, ولسان حاله ومقاله: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

    يأتيه ملك الجبال فيقول: ائذن لي أن أطبق على أهل مكة الأخشبين, فيقول: (لا. إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً).

    وبالفعل أخرج الله من صلب أبي جهل عكرمة , ومن صلب الوليد خالداً , فنشروا الدين في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.

    ويتعرض صلى الله عليه وسلم لمحاولة الاغتيال, ولكن يتصل بالله، ويعتز به ويستنصر به، فينصره الله نصراً مؤكداً؛ يرتجف في الغار, حوله خمسون شاباً تقطر دماؤهم حقداً وموتاً, يرتعد ويرتجف أبو بكر ويخاف, ويقول: يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا, فيتبسم صلى الله عليه وسلم, من الذي يتبسم في وهج العاصفة؟! هو وحده صلى الله عليه وسلم.

    وقفت وما في الموت شك لواقف     كأنك في جفن الردى وهو نائم

    تمر بك الأبطال كلمى هزيمة     ووجهك وضاح وثغرك باسم

    قال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا) وانتصر وحقق أعظم الطموحات التي ما حققها مصلح في تاريخ مسيرة الإنسان وعبر القرون والأديان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    1.   

    من صور المعاناة عند الشباب

    الاستهزاء والسخرية

    تمر المعاناة بهذا الجيل الذي يريد أن يرث رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبلغها للناس، فإذا هو الجيل الذي يمر به الاستهزاء والسخرية في أول درس له، ومدرسة الاستهزاء والسخرية قديمة تعرض لها صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يذهب بهم إلى تبوك, ليرفع لا إله إلا الله، وليطرد الغازي عن شمال الجزيرة, ومعه في الجيش مستهزئون منافقون, قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن أفئدة عند اللقاء, ومن هو الجبان؟! ومن الذي يتخلف عن الصف؟ أمحمد صلى الله عليه وسلم جبان؟! أمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يخوض المعارك بنفسه, والذي يضرب الكتائب بسيفه, والذي يقول علي وهو من أشجع الناس: {كنا إذا اشتد الهول، واحمرت الحدق، وحمي الوطيس, اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم, فيكون أقربنا إلى القوم}؟!

    أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة      أدبت في هول الردى أبطالها

    وإذا وعدت وفيت فيما قلته     لا من يكذب فعلها أقوالها

    هذا محمد صلى الله عليه وسلم يستدعيهم في الصباح ليحاكم هؤلاء، أعداء الرسالة والصحوة والمنهج, ما لكم؟ فيقولون: نخوض ونلعب في أعراض الصالحين, فقال الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] وهذه المدرسة تجرب حظها اليوم في مسيرة الصحوة, فتستهزئ باللحية والثوب القصير والسواك واتباع الرسالة وصلاة الجماعة والأذان والقرآن.

    أحدهم يذكر في جريدة الحياة عن شباب الصحوة أنهم يعتقدون أن من قرأ آية الكرسي على الطائرة (f15) سقطت, وهذا لا يقوله أحد, والكرامات نقرها, لكن حنانيك!! أبشباب الصحوة تستهزئ؟! أبالشباب الذين لو ذهبت أنت إلى بورتلاند تتزلج على الثلج, ذهبوا إلى أفغانستان يتزلجون تحت الدبابات؟! أبشباب الصحوة تستهزئ، الذين إذا ذهبت إلى الخمارات ذهبوا إلى المساجد لإقامة الصلوات؟! أبشباب الصحوة الذين إذا تلوت أنت المجلة الخليعة تتملاها, تلوا هم كتاب الله وقرءوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    وإذا تكون ملمة أدعى لها      وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:13] إذا قيل التزموا كما التزم الشباب الخيرون, قالوا: كيف نلتزم كما التزم المتطرفون الأصوليون الفضوليون, قال سبحانه وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:13-14] أما في مجالس أهل العلم والفضل فيتظاهرون بالدين ورعاية الملة وحماية الشريعة, وأما في مجالسهم فيهدمون الإسلام بالمعاول: , اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:15-16] وهي مدرسة: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين:29-30] وهي مدرسة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31].

    ويراني كالشجى في حلقه     عسراً منزعه ما ينتزع

    فاجراً يخطر ما لم يرني     فإذا أسمعته صوتي انقمع

    قد كفاني الله ما في نفسه      وإذا يكفك شيئاً لم يضع

    غاظه أني حنيف مسلم      وهو في اللذات واللهو تبع

    أتريدون سقوطي بعدما     لمع الشيب برأسي وسطع

    لكن لمع نور محمد عليه الصلاة والسلام, وسطع ضياؤه في قلوب الموحدين, وليسوا بضارين كيداً والله معنا يوم نعتمد عليه.

    مصادرة الحريات

    من صور المعاناة مصادرة حرية الجيل وفصله عن ماضيه المجيد, فصوت الداعية مبحوح, ورأي الرشيد مذبوح, ومتمزق الفكر يغدو ويروح.

    من صور المصادرة: أن يتهم الناصح في نيته, ويشكك في مقاصد أهل الخير وأهل الفضل, وإلا فمبدأ المؤمن النصح, لا يريد الغش لله ولا لرسوله ولا للمؤمنين.

    أتى أبو سفيان إلى علي في الليل يطرق عليه بابه, قال: يا علي أتريد الخلافة من أبي بكر؟ لأملأن عليك المدينة فتيانا مرداً وخيلاً جرداً لتأخذ الخلافة من بنى تيم إليك, وهذا منطق الجاهلية؛ قال علي: [[يا أبا سفيان إن المؤمنين نصحة, وإن المنافقين غششة]] فالناصحون لا يتهمون، وإنما يريدون أن يحفظ الله بتضحيتهم البلاد والعباد, وأن يحجب غير الملتزم والمستقيم عن ميادين الإبداع, وأن يؤمم عليه مجال التأثير, وأن يعد طارئاً على المألوف, وارداً على السائد المتعارف عليه، حادثاً بأفكاره، وأن يترك الميدان لغيره والكلمة لسواه.

    إذا عيَّر الطائي بالبخل مادرٌ      وعير قساً بالفهاهة باقل

    وقال الدجى للشمس أنت كسيفة     وقال السهى للبدر وجهك حائل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمة     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    يريدون المشاركة لهؤلاء الأخيار، فيجدونها في أضيق نطاق، بينما يجد أهل الهوايات الأبواب المفتوحة، والصدور المشروحة, وأهل الهوايات أصبحوا نجوماً، وباعة المبادئ أعلاماً، وأشباه السائمة رموزاً, فشياطين الإنس يجولون في صدور أولئك, ويحولون بين الشباب هؤلاء وبين ما يريدون من الخير, ويدغدغون الغرائز، أما هؤلاء الثلة الممتازة التي تريد رفع لا إله إلا الله محمد رسول الله, فيسخرون بدينهم وبنبيهم, ويتلاعبون بمصادر عزتهم, فأصواتهم ومجلاتهم وإشاراتهم ولافتاتهم وأغانيهم وكتبهم وجرائدهم وأشرطتهم في كل بيت, وفي المعمل والعيادة والدكان والجامعة والسوق, ثم يقال للداعية: احذر أن تسيء الأدب, أو تجرح المشاعر, أو تغضب الآخرين, أو تنكر عليهم.

    تحجيم دور الشباب في الحياة ومكانه في التأثير

    وأما تحجيم دوره في الحياة, ومكانه في التأثير, فهو ينظر إلى إسلامه وهو يزوى ويركن عن الحياة, هذا الدين الذي أنزله الله عز وجل منقذاً للبشرية ورحمة للكون, وينظر الشاب إلى قرآنه وهو معزول عن حياة الناس, في جماعة تحفيظ القرآن, في القراءة على الموتى، في رؤية المشروع, في افتتاح الندوات فحسب, لكن أن يصدر القرآن ويورد هذه الأمة وأن يقودها إلى معالم الخير, وأن يرشدها في الحياة فلا, القرآن الذي أنزله الله وقال فيه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ [إبراهيم:1] إليك يا محمد, إليك يا حامل المبادئ, إليك يا منقذ الإنسان بإذن الله, إليك يا صاحب النور, لماذا؟ لتقرأه في المسجد, لترقى به الصرعى فحسب, لتتفتح به الندوات أم لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1] ويقول الله في كتابه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:44].

    قال مجاهد: شرف لك ولقومك.

    إي والله إنه الشرف العظيم, أين دستوري ودستورك قبل الرسالة؟ أين تاريخي وتاريخك؟ أين شريعتي وشريعتك؟ إنه القرآن والسنة.

    هذا الشاب يمتعض ويغضب، ويثور ويفور دمه, يوم يرى هذا القرآن يُنَحَّى عن حياة الناس, والله عز وجل يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] هذا الشاب في نظرهم لا يصلح أن يكون من أساطين الأدب لأنه ملتحٍ, ولا من رواد الفكر لأنه قصير الثوب, ولا من أهل القرار لأنه يحافظ على صلاة الجماعة.

    حيرة الشباب أمام الركام الهائل من الغثاء العقدي

    ثم يحتار هذا الشاب أمام الركام الهائل من الغثاء العقدي والفكري والسلوكي.

    والأصل في توجه المسلم تجريد المنهج الرباني من الدخن، وتصفيته من الشوائب, ذهب عمر إلى مدراس لليهود، فوجد صحيفة هناك من التوارة ملقاة فاستبشر بها, وظن أنه سوف يضيف لثقافة الرسول صلى الله عليه وسلم ثقافة جديدة, ولشريعته منهجاً آخر, وأتى بالصحيفة يحملها ويبشر بها رسولنا عليه الصلاة والسلام, فَتَمَعَّر وجهه صلى الله عليه وسلم، وغضب, وقال فيما رواه النسائي بسند صحيح: {أمتهوكون فيها يـابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد أتيت بها بيضاء، والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي} أي لو كان موسى صاحب تلك الرسالة وصاحب تلك التوارة حياً, لكان تلميذاً من تلاميذي، وطالباً من طلابي؛ ومع ذلك تذهب لتأتينا بثقافة جديدة؟!

    شعوبك في شرق البلاد وغربها      كأصحاب كهف في عميق سبات

    بأيمانهم نوران ذكر وسنة     فما بالهم في حالك الظلمات

    وينزل الصحابة ويرون شجرة ذات أنواط, تشبه شجرة المشركين ذات أنواط, يعلقون عليها الأسلحة, بل يطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم شجرة ذات أنواط, تشابه تلك, فقال صلى الله عليه وسلم: {الله أكبر! إنها السنن، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} فأنكر عليهم صلى الله عليه وسلم حتى المشابهة في هذا الشكل الخارجي, لما يؤدي إليه من المشابهة في المضامين والمقاصد, فالمسلم يتميز حتى في ثيابه, وفي لباسه, وفي منهجه, وفي فكره, وفي أدبه.

    ذكر ابن إسحاق في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل عثمان يصالح المشركين يوم الحديبية، فلما رأى المشركون عثمان قصير الثياب إلى منتصف الساق، علمه شيخه وأستاذه أن السنة تقصير الثوب, والمشركون يجرون الإزار ويسحبون الثياب, يقول النابغة يمدحهم:

    رقاق النعال طيب حجزاتهم      يحيون بالريحان يوم السباسب

    فقال المشركون: قد صبأ عثمان, قد صبأ عثمان, لأنهم رأوا ثيابه قصيرة، لأن شيخه أتى بثياب قصيرة, فقلده واتبعه، واستن بسنته رضي الله عنه وأرضاه, وصلى الله على المعلم وسلم.

    يدخل عمر المسجد وهذا في التاريخ أيضاً, فيجد قاصاً يقص على الناس, لكن أمن القرآن؟ لا. أمن السنة؟ لا. وعندنا القصص وعندنا الأدب, وعندنا الإبداع, وعندنا الروعة, وعندنا المنهج المتكامل, قال عمر: من هذا؟ قالوا: قاص, قال: يقص ماذا؟ قالوا: يقص علينا من كتاب " دانيال؛ وعمر عنده عصا نسيها في البيت, فعاد فأخذها وأتى إلى الرجل فشق الصفوف إليه وضربه على رأسه, وقال: [[يا عدو الله يقول الله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3] وتقص علينا من كتاب دانيال]], مثل من يذهب الآن ويترك صحيح البخاري ومسلم ليخبرنا عن قصة بائعة الخبز, ووردة المفترية, وخلف الكواليس، ومحمود عنقاوي.

    إدانة الشباب باتباع السنة واتهامه باعتناق الملة

    هل سمعتم عن أحدٍ يخجل أن يحمل ملة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته؟ لقد أحوج المنافقون شباب الإلتزام إلى أن يخجل بعضهم من اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم, حتى يقول الأول:

    إذا محاسني اللاتي أدل بها     كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر

    إذا كان اتباعنا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم, وسجودنا لله عز وجل, وانتهاجنا نهجه إدانة واتهاماً، فكيف نعتذر للناس؟ ولذلك يقول منطق الجاهلية: لو كان خيراً ما سبقونا إليه، أبناء الفقراء يسبقوننا إلى المساجد والهداية وإلى الالتزام والسنة, عرفنا الإسلام قبلهم, ونحن أهل الإسلام الأصيل, ولكن هو منطق واحد, كما قال تعالى مخبراً عنهم: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء:111] أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا [الأنعام:53] لماذا اصطفاهم الله؟

    لقد أُحْرِج صراحة كثير من الشباب بسبب اتباعهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ووجدوا من التعليقات المريرة المرة ما لم يجده العصاة, وهاهم العصاة يتبجحون ويسرحون ويمرحون, لا يعلق على الحالق بحلق لحيته, ولا على المسبل بإسبال ثوبه ولا على شارب الخمر بشرب خمره, ولا على حامل العود بضرب عوده, ولا على هاوي المجلة الخليعة بمجلته, وإنما يعلق على أولياء الله، لأنهم اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إنها معاناة جعلت ضعيفي الإيمان من شباب الصحوة يتنازلون عن الكثير من السنن, بل ويجد أحدهم الحرج في أن يحمل السنة، وربك يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] كيف يجدون طعم الإيمان وهم يخجلون من اتباعك؟! وقد صرح بعضهم في تصريحات رسمية أنه لولا أسرته لربى لحيته, ولولا أن أباه يضغط عليه لترك الغناء, ولولا أن أمه تحاربه لحضر دروس العلم والمحاضرات, فسبحان الذي يغير ولا يتغير ويبدل ولا يتبدل!

    قلة المربين والربانيين

    ومما يعاني منه الشباب قلة المربين والعلماء الربانيين، فقد أصبحوا أندر من الذهب, وأعز من الكبريت الأحمر.

    وقد كانوا إذا عدوا قليلاً      فقد صاروا أقل من القليل

    وأصبح الآن يذكر في المدن عالمٌ واحد, ممن يحمل الشريعة، ويؤتمن على الميثاق، وعلى الكلمة الحقة, وأصبح كما قال بعض الفضلاء: لو جمعنا الدعاة في البلاد في منطقة واحدة أو في مدينة, ما غطوا حاجتها, وأصبحت بعض المدن لا تقام فيها المحاضرة في السنة إلا مرة أو مرتين, وأصبح هناك فقر مدقع في الدروس العلمية, بينما تمطر الأمة بوابل من الغثاء صباح مساء, فالصحف والمجلات والوسائل كلها ترغي وتزبد بما لا ينفع.

    ولكن مع قلة المربين والدعاة فإننا نرى جهد أعداء الله كما قال الله؛ والله يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] ولو أنه تصرف الأموال, وتهيأ الوسائل, وتدرس البرامج, ولكن لا يهمك أمرهم فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] ويبقى الحق منتصراً مع قلة وسائله وقلة ما يلمع أو يزخرف أو يوجه.

    أصبح كثير من العلماء يشتغل بالنفع اللازم من نوافل المستحبات والزهد والورع, لكنه عند ابن تيمية وأحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام ورع بارد؛ ورع والأمة تغرف؟! ورع والأمة تصادر كرامتها وحريتها؟! ورع والأمة تفصل من لا إله إلا الله؟! ورع والأمة تحول عن القبلة؟! ورع والأمة توصل بحبال إلى الغازي المستعمر؟! أي ورع هذا؟! وصنف آخر يتشاغل بفضول العلم، وتوليد المسائل، وتفريع الفرعيات على حساب الأولويات والمهمات, فلا ينزل للجيل ولا يقود المسيرة, ولا يوجه الطاقات, ولا يعظ, ولا يأمر, ولا ينهى, فأي علم هذا وأي فائدة؟!

    المكتبات تغرق بوابل من التأليفات في الجزئيات حتى أُلِّفَ في مسألة المسبحة ما يقارب خمسة كتب مجلدات.

    ولكن من يسبح بهذه الأمة إلى شاطئ الأمان؟ إنهم رواد محمد صلى الله عليه وسلم الذين يعلمون الناس, كما قال تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] قيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره, وقيل: هو الذي يكون إماما في الخير ويعلم ويربي بفعله.

    وقوله: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً [السجدة:24] هل قال: في بيوتهم أو زوايا مساجدهم؟ لا بل قال: يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] يقول عليه الصلاة والسلام {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    إن القلة القليلة التي تتبوأ مكان الصدارة تحتاج إلى من يرفدها ويعينها من القاعدين الآخرين، الذين رضوا بالجلوس في بيوتهم، وأفتاهم الشيطان ببعض الفتاوى التي لا تصلح في هذا الزمن, بل هو زمن الصراع العالمي والجهاد وأن تبدو ببضاعتك، وأن تنشر بزك, وأن تكون مرفوع الرأس.

    1.   

    صورٌ من الطموح

    طموح إلى الربانية

    ويتطلع كل واحد من الشباب -وهذا طموح- إلى أن يكون هو العالم الرباني، وسوف يحصل ذلك متى كان هناك استعداد وتوفيق ونية لتعلم العلم الشرعي، ورغبة في التحصيل, وصبر على صعوبة الطريق, وفراغ القلب والوقت من الشواغل, مع ذكاء وفطنة.

    إن الإسلام يعترف بالعلماء ليصدر الناس عن رأيهم، لكن ذلك حين يكون العالم وارثاً لمحمد صلى الله عليه وسلم, حين يقول كلمة الحق ولا يكتم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    إن الذي يشتري بدعوته منصباً, أو سيارة فخمة, أو فيلا بديعة, أو وظيفة مغرية, ثم يترك هذا المبدأ ولا يبينه للناس, لهو الخاسر في آخر الطريق, وهو المنكوب صراحة, وهو المفلس.

    طموحٌ إلى الجهاد

    ويتطلع الشباب إلى أن يكون الواحد منهم مجاهداً في سبيل الله, وليس الجهاد فحسب في أفغانستان , بل في كل مكان, جهاد الكلمة والموعظة والخطبة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, وتربية البيت, والتحصيل العلمي, وتربية النفس على طاعة الله عز وجل, وكلٌ منا في قلبه أفغانستان , وكل في قريته أو مدينته أفغانستان , وهى من الجهاد أيضاً، ولكن نعطيها حجمها من الاهتمام, لئلا نترك الثغرات الأخرى، التى فتحت علينا وتولى أصحابها, وكانوا على المسلحة بالسيوف في الأنقاب, يطردون كل مسيح دجال يريد أن يدخل هذا النقب.

    سقطت راية الجهاد -كما قالوا- بعد صلاح الدين وتخلفت الأمة الإسلامية لتعيش في آخر الركب, وصارت تستورد ولا تصدِّر، وتوجَّه ولا توجِّه، وتُقَاد ولا تقُود.

    طموحٌ إلى قيادة البشرية

    والشاب الآن يطمح لأمته التي يقرأ عنها في التاريخ أن تقود البشرية، أصبحت حجتنا الآن أن نغسل العار عن وجوهنا, وأن نقدم للشباب كل جمعة عمر بن الخطاب:

    لو أسمعوا عمر الفاروق نسبتهم      وأخبروه الرزايا أنكر النسبا

    أبواب أجدادنا منحوتة ذهباً      وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا

    من زمزم قد سقينا الناس قاطبة      وجيلنا اليوم من أعدائنا شرباً

    إذا أردنا أن نعتذر قلنا: منا صلاح الدين , وعمر بن عبد العزيز.

    إذا فخرت بآباء لهم شرف      نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا

    فلماذا لم يجعل كل منا نفسه عمر بن الخطاب ولو مصغراً, وصلاح الدين ولو نبذة منه, أو نسخة مكررة؟ وما ذلك على الله بعزيز.

    وينتظر الشاب إلى أن يكون الداعية إلى منهج الله عز وجل ضد دعاة الباطل, وحملة الرذيلة، والمطالبة منا أن نراغمهم في الميدان، ونلاحقهم في كل معترك.

    فالداعية الشاب الملتزم يجرع أعداء الله غصصاً لا تنتهى، وخطيب الدعاة ضد خطيب أولئك, وصحفينا ضد صحفيهم, وأديبنا ضد أديبهم, وكاتبنا ضد كاتبهم, ومفكرنا ضد مفكرهم.

    فإذا حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] وعندنا ولله الحمد في شباب الصحوة من التخصصات والمواهب والاستعدادات ما يغطي كل جانب, ولكنها ما استثيرت وما وجهت وما وضعت في أماكنها, عندنا مئات الشعراء والحمد لله -إن بني عمك فيهم رماح- وعندنا ومئات الخطباء, ومئات الدعاة, ومئات الوعاظ, ومئات الشعراء:

    أتركـبون فإن الركب شيمتنا      أو تنزلون فإنا معشــرٌ نُزُلُ

    إن شئتم فلنا في الهند ضاحكة     أو شئتم الطعن فالأرماح ترتجل

    ويريد الشاب من طموحاته أن يكون الآمر الناهي, الذي يتمعر وجهه كل يوم مرات عديدة, إذا رأى الإسلام يُمَرَّغ في التراب, ويمرغ على الأرصفة, ويمرغ في الحوانيت, ويمرغ في الجامعات, ويمرغ في المنتديات, ويمرغ في النوادي, فيلتهب هذا الشاب، ويفور دمه، لأن دينه ومبدأه يمرغ في التراب, ويُزْبِد ويُرْعِد إذا رأى المنكر أمامه يهدد منهج الله ويضايق أولياءه.

    إن هذا الجيل إن شاء الله لا يريد أن يكرر مأساة بنى إسرائيل الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فقال الله عنهم: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    يقول الحبيب لحبيبه: قل الحق ولو كان مراً؛ يقول صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر: {قل الحق ولو كان مراً} رواه ابن حبان، والحق مر يذهب بالرءوس, والحق مر يأخذ النفوس, والحق مر يسيل الدماء, لكن قل الحق ولو كان مراً, ما هي ميزتنا أمام الأمم؟ أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونؤمن بالله, فإن تخلينا عن هذه الميزة سقطنا من عين الله ثم من عيون الأمم.

    والشعوب الإسلامية الآن ترك أكثر أبنائها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفعل الاستعمار, بل أصبح الأمر والنهي دخيلاً على الأمة، وأصبح مستغرباً, وأُذِيْبَ وأُنْهِيَ حتى أصبح الآن متلاشياً قليلاً ضعيفاً.

    طموح إلى دخول الجنة

    أيها الإخوة الفضلاء! ومن طموحات هؤلاء الشباب دخول الجنة، نسأل الله لنا ولكم الجنة، وهى أعظم ما بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، خلافاً لـأهل التصوف الكاذبين, الذين يرون أن هناك مطلباً أعلى من دخول الجنة, ويرون أنهم لا يعملون للجنة, وأن العامل لا ينبغي أن يعمل من أجل الجنة, يقولون: أجير السوء إذا أعطاه سيده أجرة عمل, وإلا لم يعمل، ويقول أحدهم: والله ما عبدت الله طمعاً في جنته، ولا خوفاً من ناره, ولكن ليرضى عني, وقال أحدهم: وهو يقرأ قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] والله يخاطب أهل أحد, من يريد الدنيا هم أهل الغنائم, ومن يريد الآخرة هم الشهداء الذين تركوا الغنائم, فصفق بيديه هذا الصوفي وقال: الله أكبر! فأين الذين يريدون الله؟! يعني ما من الصحابة أحد يريدون الله، وهو فقط في صومعته وفي جهله وفي تخلفه يريد الله.

    الرسول صلى الله عليه وسلم صراحة مني الصحابة بالجنة, قال له الأنصار: يا رسول الله على ماذا تبايعنا؟ قال: على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم, وأطفالكم, وأموالكم, قال ابن رواحة: يا رسول الله؛ فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: لكم الجنة, فقام من مجلسه وقال: ربح البيع والله لا نقيل ولا نستقيل.

    قال ابن القيم معلقاً: والبيعان بالخيار إن لم يفترقا، فإذا تفرقا وجب البيع.

    طولب ابن رواحة بالبينة: ما هي بينتك؟ وأنت قد خرجت من مجلس العقد, وقد سمعت من رب العالمين: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه [التوبة:111] فطولب بالبينة فتقدم في غزوة مؤتة, وأخذ الصحابة يقولون: رويدك يـابن رواحة! فيقول:

    أقسمت يا نفس لتنزلنه

    لتنزلن أو لتكرهنه

    إن أقبل الناس وشدوا الرنة

    مالي أراك تكرهين الجنة

    هل أنت إلا نطفة في شنة

    ثم باعها من الله, والله اشترى، وذهبت روحه إلى الحي القيوم: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:26-29].

    وقال ابن هشام في السيرة، وابن كثير وغيرهما: وقف النبي صلى الله عليه وسلم يعلن الحرب يوم الجمعة على أبي سفيان لأنه هدد أمن المدينة , واجتاح أطرافها، وأراد دخولها قبل المعركة بيوم أو يومين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: ماذا ترون أين نقاتلهم؟ قال كبار الصحابة: في المدينة، يقول اللواء الركن/ محمود شيت خطاب: وهو الرأي السديد؛ فإن حرب المدن دائماً في صالح المدافع على المهاجم؛ وأقر صلى الله عليه وسلم ذلك، وخرج ثلة من أصحابه من الشباب من آخر المسجد يكبرون وينشدون:

    نحن الذين بايعوا محمدا      على الجهاد ما بقينا أبدا

    ويقول عمرو بن سالم: {يا رسول الله اخرج بنا إلى أحد , لا تمنعني دخول الجنة, والله لأدخلن الجنة, فيقول صلى الله عليه وسلم: بم تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله, ولا أفر يوم الزحف, قال: {إن تصدق الله يصدقك}.

    وخرج بهم صلى الله عليه وسلم، فقدموا التضحيات الهائلة، التي لم يروها تاريخ، ولم تحفظ في كتاب, إلا في كتاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تروَ في قصة، ولم يسمع بها دهر, إنها والله تضحيات تقيم شعر الرأس، وتجعل الدم مواراً في الجسم, تضحيات لا تنسى أبداً.

    يمد سيفه صلى الله عليه وسلم قبل المعركة فيقول: {من يأخذ هذا السيف؟ فرفعوا أياديهم قال: بحقه فنزلت الأيادي إلا يد أبي دجانة، قال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني} اسمع الشرط.

    عهد أبي حفص الذي تبقى       إن علـى أهل اللـواء حقاً

    أن تخضب الصعدة أو تندقا

    قال: أنا آخذه يا رسول الله, فأخذه وأخرج عصابة الموت الحمراء, وهي تترجم (خطر ممنوع الاقتراب) وقال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت, فحان الموت, وأخذ أبو دجانة يقول:

    أنا الذي عاهدني خليلي      ونحن بالسفح لدى النخيل

    ألا أقوم الدهر في الكيول      أضرب بسيف الله والرسول

    ففلق به هام المشركين, وتقدم قتادة بن النعمان ليعلن من نفسه الصدق مع الله عز وجل, فضربت عينه ونزلت حتى تعلقت بعرق في خده -كما قال ابن القيم في زاد المعاد، وغيره من أهل العلم- وأتى بعينه يعرضها على الرسول صلى الله عليه وسلم, بالله هل بعد هذه التضحية تضحيات؟ فيردها صلى الله عليه وسلم إلى مكانها، فتكون أجمل من الأولى, ويفتخر ابنه ويقول عند عمر بن عبد العزيز:

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه      فردت بكف المصطفى أحسن الرد

    فصارت على خـير لأول حـالها      فيا حسنما كف ويا حسنما خد

    ويتقدم حنظلة، ويقتل وهو جنب، ويغسل بين السماء والأرض في صحاف الذهب بماء المزن.

    أملاك ربى بماء المزن قد غسلوا     جثمان حنظلة والروح تختطف

    وكلم الله من أوس شهيدهم      من غير ترجمة زيحت له السجف

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا      إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    طموح إلى رضا الله

    ومن طموحات هذا الجيل أن يرضى ربه عنه, ورضا الله غاية الغايات, وأهم المقاصد، وهى ما يطمح إليه العبد المؤمن في الحياة, فنسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرضى عنا وعنكم، والمسلم دائماً في كل صباح يقول: "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً " صلى الله عليه وسلم, ولابد أن يحقق هذا في عمله وعبادته وسلوكه وأخلاقه, ولابد أن يجعل هذا الميثاق نصب عينيه، في كل دقيقة ولحظة من لحظات اليوم, ولا يقدم على رضا الله رضا أحد من البشر مهما كان, ولا يقدم على الخوف من غضب الله غضب أحد من البشر مهما كان أبداً؛ فإنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس} فالواجب على المسلم وعلى هذا الجيل أن يحرص على رضا الله عز وجل, وأن يردد دائماً بقوله وبعمله:

    فليتك تحلـو والحياة مـريرة      وليتك ترضى والأنـام غضاب

    وليت الذى بينى وبينك عامر      وبيني وبين العـالمين خـراب

    إذا صح منك الود فالكل هين      وكل الذى فوق التراب تراب

    1.   

    اقتراحات عاجلة

    وهذه غاية الغايات كما قلت، وقبل أن أختتم كلامي هذه اقتراحات عاجلة, من أخ إلى إخوانه، ومن زميل إلى زملائه، ومن صديق إلى أصدقائه, منها:

    أن يصنف الفضلاء حسب مواهبهم واستعداداتهم للذود عن الملة, وحراسة حياض الشريعة, وحماية دار الإسلام, ما بين عالم وداعية وواعظ وآمر وكاتب وأديب وصحفي, ثم يقف كل منا على ثغرة فلا يغادرها حتى يقضى نحبه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].

    الثاني: أن ينتقل كل منا من مرحلة تواكل المسئولية، والتبرؤ من التبعات, إلى التأثير والمشاركة, وإلى ميادين العطاء, وإلى نشر ميثاق محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتي الداعية من قوة.

    الثالث: أن يهيأ في كل حي درس في الشريعة لأحد المؤهلين، يجيد مخاطبة العامة وتربية الناس, وهذا يقترحه صاحب إحياء علوم الدين , وهو من أحسن ما يكون.

    الرابع: أن ننطلق جميعا مُشَرِّقين ومُغَرِّبين, نرفع الجهل عن الناس، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر, فندخل البوادي والقرى والأرياف, داعين إلى منهج الله.

    وقال غيري من الفضلاء: يعلم الله أنه يوجد من أهل المبادئ الضالة والأنظمة الظالمة من يضحي لمبدئه أعظم مما يضحي الموحد لتوحيده, والمسلم لإسلامه.

    الخامس: أن نتخلى عن عقدة الخوف, أتدرون ما هي عقدة الخوف؟ إنها العقدة التى تصل إلى حد أن يخرج الإنسان من الملة وهو لا يشعر, وقد جعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض لا إله إلا الله شرك الخوف, ونعرف أنه ليس في الحضور ولا في غيرهم من شباب الصحوة وأهل الإسلام من يعبد نجماً أو شجراً أو حجراً, ولكن منهم من يشرك شرك الخوف حتى يخرج من الملة, يخاف من البشر أكثر من خوفه من رب البشر, ويخاف من الناس أكثر من خوفه من رب الناس, والله يقول: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175] ويقول: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40].

    قرأت لأحد شعراء النبط ومعذرة في هذا, ولكني عجبت من قوته وجلده, وهو يعلن مبدأه في بيتين من الشعر وهو يخاطب بها بعض الظلمة, يقول:

    أنا يا ترى مثلك يا ظالم، لا تظن الأرض وهي معك

    وقوة الأرض أنها معك سوف تغلبنى، فأنا حملت مبادئى ومعـي الله:

    أنا يا ترى مثلك يحب العلا شجعان      يراهم بروحه مـا يخاف الشمالية

    أنا بعت روحي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النية

    وما دام وصلنا إلى النبط، فمعذرة! فأنا سوف أختم كلامي ببعض الأبيات من الشعر النبطي بلهجة أهل الجنوب.

    يا جميل الوصـف بالله ما زرت القصيم      ديرة فيها البطولات رمز أبطالها

    العقـيدة والمـروات والـدين العظـيم      زلزلت منها ديـار الوفى زلزالها

    من جنوب المملكة جيت والمنصىكريم      عند ما تحيا الجزيرة بذا نبلى لها

    وأكرر شكري لكم ودعائي, وأسأل الله أن يحشرنا وإياكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر, وأن يجمعنا بالصالحين من عباده.

    وأشكر أهل الفضل الذين شرفونى بالحضور، وتواضعوا للسماع مني، كالشيخ رئيس المحاكم عبد الرحمن العجلان، والمشايخ عموماً كالشيخ/ حمود العقلا , وغيره من الدعاة والخطباء وأهل الفضل, فشكر الله لهم ذلك، وما بقي من وقت فأتركه لفضيلة الداعية المسدد سلمان بن فهد العودة ومع الشيخ يقدمه لكم ثم يدلف إليكم.

    كلمة المقدم:

    إنا والله يا أبا عبد الله أعجز أن نكافيك أو نجازيك، يوم أسعدت بمقدمك, وآنست بطلعتك, وبعثت في القلوب بكلمتك من المعاني العظيمة ما أنعشها وأحياها وزكاها, فقد لامست بحديثك عن المعاناة جروحاً والله في القلوب راعفة, وحركت بحديثك عن الطموح همماً إلى المعالي سامية, لا نملك أن نكافيك ولا أن نجازيك، ولكننا ندعو لك ونسأل الله أن يجيب, نسأل الله أن يكتب لك ما احتسبت, نسأل الله جل جلاله أن يبارك في عمرك وينسأ في أجلك, ويجزيك عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خير ما جزى داعياً عن دعوته, نسأل الله جل جلاله أن يسعد قلبك, ويقر عينك بعز الإسلام وظهور المسلمين.

    أما الآن فمع كلمة شيخنا، الموعودين نحن بها، فليتفضل شيخنا أبو معاذ ليعقب بما تيسر والله يحفظه ويرعاه.

    1.   

    استهداف شباب هذه الأمة

    كلمة الشيخ سلمان العودة:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وآله وأصحابه أجمعين.

    أحبتي الكرام! كم هو محرج لي أن أجلس في هذا المجلس بين يدي مشايخي، كالشيخ عبد الرحمن والشيخ حمود والشيخ محمد بن صالح المنصور , وبقية المشايخ الذين حضروا إلى هذا المجلس المبارك، وهم كانوا أحق بهذا المجلس مني وأولى بالحديث مني.

    أيها الأحبة الكرام: ليس لي حديث بعد هذا الكلام الطيب العذب, الذي تفضل به لنا الشيخ عائض بن عبد الله القرني، جزاه الله تعالى عنا خيراً, وبارك الله تعالى في أوقاته وفي جهوده.

    أحبتي الكرام: شباب هذه الأمة اليوم كما هو ظاهر مستهدفون بحملة شرسة، تعمل على مسخ اهتماماتهم, وتوجيه تطلعاتهم إلى قضايا ثانوية, وإلى قضايا دونية, أصبح طموح الشاب وأصبحت البطولات التي تتراقص في ذهنه, وأصبحت المثل التي ينمناها ويتطلع إليها, ليست هي البطولات التي تحفظ لهذه الأمة تاريخها, وترفع هذه الأمة إلى مكانتها، وإنما تعلقت قلوب كثير من الشباب باهتمامات دنيوية, وطموحات عادية؛ بل أصبحت تطلعات كثير منهم لا أقول دنيوية وعادية فحسب، بل ربما ضد ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين.

    أي فائدة تجنيها هذه الأمة المنكوبة المكلومة من سفور المرأة وتبرجها وتعريها؟!

    وأي مصلحة تجتنيها وتكسبها من انشغالها بإعداد عجول آدمية لا يملكون إلا القوة في أيديهم وسواعدهم وأقدامهم فحسب, ولكن لا يملكون قلوباً قوية, ولا يملكون نفوساً أبية؟!

    وأي فائدة تكسبها الأمة من الأصوات الصداحة التى لا تتغنى بالقرآن, وإنما تتغنى بحب فلانة وفلان؟!

    إن الأمة اليوم ليس ما ينقصها هو المغني أو اللاعب, وإنما ينقصها الشاب الذى يحمل قلباً يتنزى من جراح المسلمين في كل مكان, والشاب الذى روحه تتطلع إلى نصرة الإسلام على يديه, والشاب الذي يملك نفساً تحترق لهموم المسلمين, والفتاة التي يهمها أن تكون قعيدة بيتها لتربي لنا أبطالاً، ليعيدوا لنا أمجاد السابقين.

    كما تحدث فضيلة الشيخ عائض , أصبحنا اليوم نتكئ على تاريخنا كثيراً، فخطيبنا ومتحدثنا ومحاضرنا وفي مجالسنا لا يملك إلا أن يعدد مآثر سابقينا, فيقول: فلان فعل وفلان فعل. وقد قيل:

    كن ابن من شئت واكتسب أدباًً      يغنيك محمـوده عن النسب

    إن الفتى من يقـول هأنذا     ليس الفتى من يقول كان أبى

    هذه الأمة أصبحت تجتر تاريخها, لأنها عقمت في حاضرها, فلم تجد من البطولات، ولم تجد من ألوان العظمة, ولم تجد من الجد والاجتهاد, ما تتحدث به في واقعها, ولهذا انكفأت على تاريخها تقلب صفحاته, كما ينكفئ التاجر إذا أفلس على أوراقه القديمة السابقة، لعله يجد ديوناً هنا أو ديونا هناك.

    أصبحنا نتحدث عن ماضينا، ولا نتحدث عن حاضرنا, لا أقول: نتحدث عن ماضينا أكثر مما نتحدث حاضرنا, بل نتحدث عن ماضينا ولا نتحدث عن حاضرنا.

    وأفلح عدونا فعلاً في إغراقنا بألوان من الهموم والمشاغل، من خلال غزو مُرَكَّز قامت به أجهزة الزور العالمية التي دخلت كل بيت وكل عقل وكل قلب وكل روح, فغيرت من نفسية الإنسان المسلم.

    أصبح المسلم يعاني مسخاً منذ أن يستيقظ إلى أن ينام, ومنذ أن يولد ويكتب في دفتر التابعية إلى أن يدفن ويكتب في دفتر الوفيات.

    يعاني مسخاً وتشويهاً وتغييراً لعقليته ولروحه ولإيمانه، لا يكاد يصمد له إلا الأقلون.

    ولعلنا نعرف كم يصدر يومياً من المجلات والجرائد، ومن الكتب ومن الدواوين، ومن القصائد ومن القصص ومن المسلسلات..!! وكم يوجه إلى عقل الشاب المسلم اليوم من ألوان التسلط التي تمسخ عقله وتغير فكره.

    وكم تواجه الفتاة وهي في عقر دارها, حتى وهي في مدرستها, حتى وهي معزولة عن عالم الرجال, كم تواجه من ألوان التغيير والتضليل، التي جعلت كثيراً من الناس -كما تحدث الشيخ عائض حفظه الله- تنقطع صلتهم بماضيهم, وتنبتر صلتهم بتاريخهم, وتقل رابطتهم بإيمانهم, حتى أنك لا تجد منهم من يهتم بهذه الأمة, ولا من يعيش مشاعرها، وربما أصبح كثير منهم يعرفون من تاريخ أبطال الغرب وفنانيه ومخترعيه وصُنَّاعه ما لا يعرفون عن أبطالهم ولا عن تاريخهم، وربما استطاع كثير من هؤلاء -وقد رأيت هذا بعيني- أن يقرأ أغنية من أولها إلى آخرها, لكن ربما لو طلبت منه أن يقرأ سورة من كتاب الله عز وجل لعجز، ولو قرأ منها آيات لقرأها مكسرة مهشمة، يخطئ فيها في السطر الواحد مرات, أي مسخ أكثر من هذا؟!

    والواقع أيها الأحبة أن الكثير لا يدركون ذلك, لماذا لا ندركه؟ لأن الكثيرين منا بحمد الله يعيشون في أجواء طيبة، وبين أوساط قوم صالحين, هذا يحفظ القرآن, وهذا يتلو كتاب الله, وهذا يتعلم السنة, وهذا يحضر مجالس الذكر, لكنْ هناك قسم آخر كبير جداً من المجتمع، لا علاقة لنا به, ولا ندرى ماذا يدور فيه, ولا عم يتحدثون, ولا ما هى اهتماماتهم وطموحاتهم, ولا ما هي معاناتهم, وكثير من هؤلاء قد مسخت عقولهم, وغيرت أفئدتهم, حتى أصبحت صلتهم بدينهم وواقعهم أبعد ما تكون, وأصبحت قلوبهم مع عدوهم وإن كانت أثوابهم أثوابنا, ولغتهم لغتنا, وربما كانت أسماؤهم اسماءنا, وهم من عوائلنا وأسرنا، لكن كثيرون منهم قد ذهب بهم الغرب كل مذهب, وغير عقولهم وأفئدتهم, وقلبهم فيما يحب ويشتهي, حتى إن الواحد منهم لا يحس بأدنى حسرة على هذا الواقع المرير الذى تعيشه أمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, وهو يرى أمم الغرب والشرق تبلغ قمة المجد في دنياها، في تقدمها، وفي صناعتها، وفي علومها التى كان يجب أن تكون في أيدي المسلمين, فلا يعنيهم من أمر ذلك شيء.

    بل إن الغرب نفسه أصبح يصدر إلينا التعاسة والفساد، والتوافه من الأمور، ويحتفظ لنفسه وأبنائه ولفتياته بالتقدم والعلم, ففي الوقت الذي يشغل الغرب فيه شبابه ذكوراً وإناثاً بالأمور النافعة, ويشغلهم بالأمور المفيدة على الأقل في دنياهم، أصبح الغرب يصدر إلينا من توافه البضائع، من المجلة الهابطة, ومن الأغنية المنحطة, ومن الأفلام الفاسدة, ومن البرامج الرديئة, أشياء وأشياء, وإن كان من أولادهم من ينشغل بها إلا أن منهم أيضاً من ينشغل بجلائل الأمور ومعاليها.

    ونحن نعلم أنه حتى في مجال المرأة أصبحت جيوش كثير من أمم الكفر تجند النساء, لماذا تجند النساء؟ لخدمة عقائدهم ومبادئهم, نحن نربأ بأزواجنا وأخواتنا وبناتنا وأمهاتنا وقريباتنا عن ذلك؛ لأننا نعتبرهن درراً مصونة، تحفظ في بيوتها، ويقول الله تعالى لهن: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب:33] نحن نربأ ببناتنا ونسائنا وبأخواتنا المؤمنات عن مثل هذه المواقع.

    لكننا نقول: إنها لعبة واضحة ومكشوفة, إن الغرب في الوقت الذي يجند حتى صاحبات السواعد الرخوة للدفاع عن مصالحه في أنحاء العالم, فإنه يصدر إلى شبابنا -وليس إلى فتياتنا فقط- ألوان الفساد والتعاسة, وألوان الانحراف والانحطاط, وها هو البث المباشر أصبحوا يهددوننا به صباح مساء, حتى يخترقوا بيوتنا وأخلاقنا وعقولنا وقلوبنا وأرواحنا, ويجعلوا شبابنا يعيشون في حالة لا يعلمها إلا الله.

    1.   

    الأمة الإسلامية بحاجة إلى صحوة

    أيها الأحبة: الأمة الإسلامية بحاجة إلى صحوة, وينبغي أن ندرك أنه إذا اجتمع في مسجد مثل هذا الجمع الطيب بالألوف, فإنه يوجد أعداد كبيرة من الشباب هم بأمس الحاجة إلى اليد الحانية، التي تأخذ بأيديهم إلى المسجد, وتربطهم بالله عز وجل, وتدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وتتطلف معهم حتى تسوقهم سوقاً رفيقاً غير عنيف إلى مجالات الخير, ومجالات البر ومجالات الإحسان.

    وإننا نعتبر أن مثل هذه المجالس -كما نعتبر مجالس العلم التي يحييها علماؤنا في كل مكان, ودروس تحفيظ القرآن, والدور الذي تقوم به المجالات الخيرية- نعتبر أنها نوع من المقاومة والكفاح، لا يقل عن ذلك الذي يحمل سيفه ويواجه العدو في ميدان المعركة, بل نحن نواجه عدواً أشرس وأعظم، لأن الذي يواجه العدو في ميدان المعركة قد حدد عدوه، وعرفه على وجه التحديد, وعرف جهته, وقد وجد في الواقع ما يثير حماسه ويلهبه, حتى أن كثيراً ممن يكون فيهم خوف وجبن إذا ذهبوا إلى ميادين القتال، وسمعوا أزيز الطائرات، وسمعوا طلقات المدافع، زال عنهم الخوف, وأصبحوا شجعاناً ينطلق الواحد منهم لا يلوي على شيء، وهو يتمنى أن يموت في سبيل الله, وهذا أمر مشاهد مجرب, الداعية يواجه عدواً مستتراً عدواً منافقاً عدواً يتظاهر بالود, يتظاهر بالخير, يتظاهر بمحبة الطيبين والخيرين، وأنه يريد الخير لهؤلاء الناس, ثم يدس السم الناقع، وإن من أصعب الأمور مواجهة أمثال هؤلاء، لأن الكثيرين تفتر حماستهم وتقل اندفاعاتهم نحو هذه المجاهدة, التي هي من أوجب المجاهدات في هذا الوقت, وما هذه الكلمات النيرات التي تقدم بها أخي الشيخ عائض حفظه الله وسدده ووفقه وجزاه عنا خيراً, إلا نبراس لهذا الطريق، فنحن أصبحنا اليوم أيها الإخوة مطالبين -حتى من كان منا عنده معصية، أو عنده بعض التقصير- مطالبين بأن ننقذ أنفسنا وننقذ بيوتنا.

    من هو الذي يرضى أن يكون بيته مقتحما؟! من هو الذي يرضى أن يكون عدوه في قعر بيته يصل إلى أخته وإلى أخيه وإلى قرينته بل إلى زوجته في بعض الأحيان؟! والله إننا نعرف من أوضاع البيوت ومن أوضاع الشباب ومن أوضاع الفتيات ما يندى له الجبين, وندرك أن الشاعر كان على حق حين صاح منذ سنوات طوال وهو يقول:

    مؤامرة تدور على الشباب      ليعرض عن معانقة الحراب

    مؤامرة تدور بكـل بيت      لتجعله ركـاماً مـن تراب

    هذا الشاب الذى تلتهب القوة الجسمانية في بدنه, ثم يرى على مرأى منه ومسمع صور الرذيلة، التي تصدر لنا من الشرق والغرب, وصور المرأة الجميلة، والأغنية الهابطة, ما هو الذي يعصمه من كل هذا؟! صحيح أن الإيمان يعظ قدراً من الناس، لكن كثيرين تضعف قوتهم, ويتأخرون ويستجيبون لمثل هذه النوازع الشهوانية, ويظل الشيطان يجرهم جراً من منحدر إلى منحدر, ومن درج إلى درج, حتى لا يصحو الواحد منهم إلا وهو في الحضيض، وقد أصبح مدمناً للمشاهدة, مدمناً للسماع, مدمناً للمخدرات, مدمناً لأي لون من ألوان الفساد, ويصعب عليه أن يتخلص من ذلك إلا بجهد جهيد.

    فيا أيها الإخوة! ينبغى أن يعلن كل فرد منا -إن صح التعبير- حالة الطوارئ على نفسه وفي بيته, ويكون يقظاً مدركاً للمسئولية التى ألقيت على عاتقه، وأن يؤدي دوره في منزله, وفي زملائه، وفي حيه، وفي كل مجال يكون فيه على أحسن ما يكون أداء الدور.

    وإذا لم تنفع اليوم -أيها الأخ- دينك وأمتك، فمتى يكون ذلك؟!

    نحن على ثقة وعلى يقين من وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن هذا الدين منصور, والله الذي لا إله إلا غيره -وأقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً- إن هذا الدين منصور ولكن بسواعدنا؛ فإن الله كما يقول عن نفسه: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:173] فنصر هذا الدين إنما يكون بسواعد المؤمنين, وبجهادهم وبصبرهم وببلائهم وبدعوتهم إلى الله تعالى, لو شاء الله تعالى لأنزل ملائكة في الأرض يخلفون، وعن دين الله تعالى يذبون ويكافحون، ولكنه أراد أن يبلو بعضنا ببعض، ويختبر بعضنا ببعض, فلنكن من المجاهدين في سبيل الله, ولو بالكلمة الطيبة, ولو بالنصيحة الهادئة, ولو ببذل جهد بسيط في هذا السبيل.

    فنحن نحتاج منك إلى أقل القليل من الجهد، وأقل القليل إذا أضيف إلى غيره؛ فإن الله تعالى يبارك فيه, خاصة إذا توافرت مع ذلك النية الصادقة, والخلق الحسن، والبسمة تكسو وجهك, وحب الخير للناس, لا تريد علواً في الأرض ولا فساداً, ولا تريد أن تمارس على الناس هيمنة أو تسلطاً أو أمراً أو نهياً, وإنما قصدك أن يهتدي الناس إلى دين الله وإن لم تعرف وإن لم تذكر، وإن لم يستجب لك الناس في شخصك, لكن يهمك أن يستجيبوا لدينك ولدعوتك حتى ولو كنت تحت أطباق الثرى.

    1.   

    خاتمــة

    وأختم هذه الجلسة المباركة بالدعاء، أن يوفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه, ويجعلنا جميعاً هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين, وأن ينفع بنا دينه وينصر كلمته، ويعلي بنا سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا, إنه على كل شيء قدير، وأدعو الله للشيخ عائض القرني أن يوفقه الله لما يحبه ويرضاه, وأن يملأ الله قلبه إيماناً وسعادة, إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    حكم قول: (سقط من عين الله)

    سؤال: هذا يسأل قد سمعتك تكرر لفظة (سقط من عين الله) فهل هذه العبارة تليق بالله جل وعلا أم لا؟ وهل فيها تشبيه أم تمثيل أم لا؟ هذا للتنبيه، وأَعْلَمُ أنك قلتها بدون قصد.

    الجواب: في الحقيقة لا أدري من المقصود، أنا أم الشيخ عائض، ولكن سأجيبك بعد أن أستسمح الشيخ في ذلك.

    أنا أعتقد أن العبارة هذه ليس فيها شيء, وقد وردت في بعض الآثار على كل حال, والمقصود بها أن الإنسان إذا فعل معصية أو قصر في واجب, فكما ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يعرض عنه, وما أشبه ذلك ولا يكون له عند الله المنزلة, ولا شك أن منزلة العبد عند ربه تكون بقدر إخلاصه وعمله وتقواه, فهذا هو المقصود, وهو مقصود صحيح، واللفظ ليس فيه شيء في حدود علمي, وإن كان فيه شيء، فحبذا أن ينبهنا مشايخنا إلى ذلك.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    سبحانك وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    والحمد لله رب العالمين.